الجمعة، 20 مارس 2020

لزهرَة رَبٌ يَحمِيها..

لزهرَة رَبٌ يَحمِيها..

عائشَة السّيفي

https://ayshaalsaifi.blogspot.com/2020/03/blog-post.html?m=1

زَهرَة، أمٌ مطلقَة لثلاثة أطفَال.. تعمَلُ منذ السادسَة صبَاحاً في حضانَة صغيرَة للأطفال للآبَاء متوسطي ومحدودي الدخل، بسبب انخفاض الرسوم الشهريّة تقبض زهرَة وزميلاتها راتباً أقل من الراتب الأدنى من بابِ المسؤولية الاجتماعيّة لكي لا يتضرر الأهَالي برفعِ الرسومِ الشهرية عليهم لتغطيَة تكاليفها، وفي الإجازة الصيفيَة حينَ ينقطع الأطفال عن الحضَانة تضطر وزميلاتها للتناوب في الخرُوج في إجازة بدون رَاتب.. في المسَاء ترَى زهرَة بسيَارتها في الشَارع وهي توصل بعض الأطفال كسائقَة  بأجرَة شهريّة لأنشطَة ريَاضيَة مختلفة. زهرَة وأخريَات، يقمنَ حَالهنّ وحَال عوائلهن يوماً بيوم.. زهرَة وآلاف آخَرونَ هم الحلقَة الأضعف والطرَف الأكثر تضرراً في هذهِ الجائحة التيْ لم يشهَد العَالم أجمع مثلهَا. يا ترَى ما الذيْ فعلهُ المجتمع من أجلهم؟

ولأننا في عُمان لم نستوعِب بعدُ مفهُوم التَكامل الوطني في أزمَاتٍ كهذهِ بين الحكُومة وأطيَاف الشَعب، نفتقرُ حتَى الآن والأسوَأ يزدادُ سوءاً يوماً بعد يوم إلى حرَاك وطني رصِين لتمويل فئات المجتمَع المتضررة من قرارات الحَجر وإيقاف المدارس.

ففي الوقتِ الذيْ يتسَابقُ فيه رجَال الأعمَال في الدولِ المجاورة للإعلان عن تبرع تلو الآخر لمسَاندَة حكُوماتهم-الأكثر يُسراً معيشياً من عُمان- ، فذاكَ يتبرع بخمسين سيَارة إسعاف، وآخر بمركز أبحاث للفيروسَات، وآخر يتكفّل بكفَالة 1000 دينَار لكل أسرَة متضررة من قراراتِ الحَجز، وتقَام صنَاديق الدَعم في دُول العَالم لضمان الحَد الأدنى الشهرِي لفئات المجتمع المتضررةِ، يبدُو من غير المفهومِ تنَحي الشَارع العُماني وأثريائه تحديداً عن تولي عجلَة القيادَة لمبَادرَات حقيقيّة فاعلَة لمسَاندَة الحكُومة في أزمَة سقوط أسعَار النفط التي توشِك أن تصلَ لقيمَة الكلفَة في إنتاج البرميل ما يعني تكبُد الخسَارة عوض الربح. ولكنّ العقلية هنا واحدَة: للبلادِ ربٌ يحمِيها.. وهي حتماً ليسَت مسؤوليتي ولكنها مسؤوليَة الحكُومة..

يدعَم هذا الموقفَ، الرسائل التي يتداولها الشارع عن بعضِ الرؤساء التنفيذيين العمانيين ممهدِين لأزمَة تسريح لموظفيهم، والتي لا تنم إلا عن رسَالة واحدَة: يوم تسلَم ناقتي، ما علي من رفَاقتي.. أو مواصلة الشركَات الحكُوميّة منح العلاوات السنويّة لموظفيها متجاهلةً آثَار أسوأ أزمَة اقتصاديّة واجتماعيّة وصحيّة تشهدُها السلطنة منذ تأسيس الدولَة الحَديثة.

يا أهلَ عُمان.. ما الذي يجعل المسؤول الحكُومي في عُمان وهوَ يبعث برسَالة تمهيديّة لتسريح موظفيِه، مختلفاً عن المسؤول الإيرلندي الذي يبعث لموظفيه مطمئناً: لن يسرّح أحدٌ منكم ، أنا وكلّ طاقم الإدارَة التنفيذية سنعملُ ب50% من رواتبنا التي ستذهب لإعاشتكم حتى تنتهي الأزمَة. سنعبُر معاً هذهِ العاصفَة!
ما الذي كانَ سيحدثُ لوِ اقتطعَ موظفو الشركَات الحكُوميَة -والكثير منهم من ذوِي الروَاتب الخيَاليّة- 20% من رواتبهم خاصةً تلك التي تتخطى 3000 ريال لصندُوق إغاثَة الأسر المتضررة والتي لا تشمَل فقط العُمانيين ولكن اخوَاننا الوافدين من عمال المطاعم والمحلات والباعة المتجولين ممن لا يجدُون إلا رمقَ يومهم؟

أينَ هوَ دَورُ بنُوك السلطنة الخَاصة بأربَاحها الضوئيّة لتأخير سداد القرُوض لأصحَاب الدول المحدود أو تسطِيح الفوائد ل1% حتى انتهَاء الأزمَة؟ أينَ هيَ المؤسسات الكُبرى في عُمان من استلام زمَام القيَادة للتكاتف في أزمَةِ تكسيرِ عظامٍ للفئات المستضعفة؟

سيأتي القائل: لماذا أتبرع براتبي والوزير والمستشار والوكيل يستلم بحبُوحَة راتبه.. إنها مشكلَة الحكُومة فليتولاهَا أربابها! وهذَا لا يخلُو من صوَاب

حسناً ما الذي كان سيحدثُ لو اقتصَتِ الحكُومة 40% من راتب الصف الأوّل من الوزرَاء والسفرَاء وجيُوش المستشارين الحكُوميين والمسؤولينَ الذينَ تعجُ بهِم الحكُومة؟ متى نشهَدُ لأوّل مرةٍ في عُمان، حراكاً يتصدّى لتحمّل تبعَاتهِ المسؤولُ أولاً قبلَ أيّ شخصٍ آخر؟

وإذا لم تكُن هناكَ مبَادرَات حقيقيّة ، ما الذي كانَ سيحدثُ لو نزَلت الحكُومة قليلاً عن بُرجها العَاجي وحثّتْ رجَال الأعمال ومؤسسات القطاع الخاص مثلَ قطاع الاتصالات، والبنُوك، والتموين السِلعي وأطيَاف الشعب إلى المساهمَة في صندُوق الدعم المجتمعيّ لأزمَة كُورونا، أسوَةً بما فعلتهُ دولٌ مجَاورَة؟
أينَ نحنُ بعتَاد المتعلمين منّا وحملَة الشَهادات من حرَاك وطني رصين لإدارَة الموَارد في ظلّ الأزمَة؟ ما الخَير في كل هذا الاستثمَار التعليمي لأبناء البلد الذينَ يقفون جميعاً في موقف المتفرج أمَام سفينةٍ تغرق؟
نحنُ نقفُ اليَوم حيَال تابُو مجتمعي كبير سببهُ غيَاب العَدالة الاجتماعيّة – كما يعزُوه المستشرق الياباني نوبوكي ناتوهارا- في المجتمعات العربيَة والتي تؤدي إلى شعًور المجتمع بعدم حاجتهِ للمساهمَة مع الحكُومة في الأزمات لأنّ هنالك فئة معينَة تستحوذ على خيَرَاتها في أوقات النِعم، وعندما تعصفُ الأزمَات الاقتصاديّة تأخذ مؤسسات القطاع الخاصّ والمدني دورَ المتفرج ملقينَ المسؤولية على الحكومَة باعتبَارها المعيلَ الوحيد للمجتمع في أزماتٍ كهذه. ويقَارنُ ذلكَ بينَ ثقافَة اليابان وثقافَة مصر حيثُ يشعرُ الياباني بالتزَامه التام بنظافة المرافق العامَة تماماً كمرافقِ بيتهِ الخاصَة، بينما يلمحُ ناتوهارا أنّ الشَوارع ومداخل البنايات المشتركَة متسخَة للغايَة في القَاهرة ولكنّ البيوت تبدُو نظيفَة منذ دخُول الزائر عتبَة البيت الخاصِ للمواطن..
 غيَاب المسؤوليَة المجتمعية والحس المشترَك بين الدولَة والفرد هو سبب ذلك
ويضَاف لذلك طغيَان الوطنيّة "الشّعاراتيّة" التيْ تجعلُ رئيس الشركَة الحكُوميّة أو المسؤول الحكوميّ يلبس الوشَاح المزين بأعلام السلطنة في العيد الوطني لأنهُ وطنيّ ويحبُ عُمان، ولكنّهُ يأخذ دورَ الراكب عندمَا تعصفُ الأزمَة بأمثال زهرَة ِ وأبناء وطنهِ الآخرين وتغيبُ المبَادرَة الحقيقيّة عن المسَاهمة الماليّة الفرديّة لإنقاذ القَارب: قاربُ الحكُومة والشّعب.
هكذا تضيع البوصلَة وتتنافر بين أقطَاب الحرَاك الوطني ويضيع معها وطن نعرفه في الأغَاني والأوشَحة والأهازيج ونُضيعهُ عندما تقبلُ العاصفَةُ وتحمِلُ زهرَة ومن معهَا في قاربِ المعَاناة.

هامِش لا أتمنّى أن يصدُق:
'ولو نَارٌ نفَختَ بهَا أضَاءتْ ، ولكنْ أنتَ تنفخُ في الرمَادِ'

*سَاهم حوَار أعضاء البرنَامج الوطني لتطويرِ القيَادات التنفيذيّة في القطاعِين الحكومي والخاصِ معاً على إثراء المقَال بالأفكار والرؤى.

الاثنين، 13 يناير 2020

مَاتَ السَلطان، ولكنّ عُمانَهُ لا تمُوت




(نحنُ لا نقبلُ إلا أن نعيشَ أحراراً ، ورؤوسنا مرفوعةٌ في هذا البلد. لقد حاربنا الغزاة والمستعمرين على مر السنين. سلُوا التاريخ والجبَال والبحار تقول لكم: أن في كل زاوية من أرضنا تاريخاً حافلاً بالأمجاد والبطولات ونحن اليوم حماة هذا التاريخ وهذا التراث) قابوس بن سعيد
.

نعَم مَاتَ السُلطان، ومؤسس دولَة عُمان الحَديثة وهوَ في رحيلهِ اليوم وقد بكاهُ الشعبُ قلباً قلباً لمْ يَخضْ رحلتهُ يسيرة بلْ عاشَ خمسَ عقودٍ في موَاجهة ريَاح تلو أخرَى، تجَاوزناها معهُ جميعاً.
لقدِ استَلم ابنُ الثلاثينَ عاماً، بلاداً مطُحونَةً تاريخياً بحرُوبها الداخليّة -أكثَر من الخارجيّة- بلاداً منقسمةً مذهبياً وطَائفياً وقَبَلياً.. ولعلّ السّلام والتسَامح، والتعايش القبَلي والمذهبيّ والطائفيّ وغيرهَا من علامَات الاستقرَار التي حسبنَاها نحنُ الجيل الذي لم يعَاصر عهداً إلا عهدَ السُلطانِ أشياءَ مضمونَة هيَ ليستْ أموراً مضمونة عبرَ تاريخ عُمان وجلُوسنا معَ أبٍ أو جدٍ يُعلمنا جيداً ما شهدُوه قبلَ السلطان. ولمْ يكُنْ من السّهل إرساءُ الثوابتِ التي نشهدُها اليَوم ولمْ تكُنْ رحلةً سلسَةً كما نرَاها فلقد شَابتها مؤامرَات وانقلابَات خطيرَة رغم توحّد الغالبيَة على السلطَان حاكماً لكنّها لم تكُنْ رحلةً خاليةً من العقباتِ، فمن حَربِ ظُفار إلى محاولاتِ انقلابٍ متواليَة ليسَ آخرها ما سمعنَا عنها -ومَا خفي كانَ أعظم- في عام 1994 وعَام 2005 وآخرُها خليّة التجسس عام 2011 التي تورّط فيها قادةً عسكريُونَ منّا ومن نسيجِ الشعب وتلكَ التيْ لم يُفصَحْ عنهَا مطلَع 2019.
ورغمَ كلِ تلكَ المحَاولات، لمْ يَحد قابُوس عن نهجهِ: كانَ عفواً رحيماً، لمْ يسفِكْ دماً ولمْ يُزهقْ روحَاً.. ولقدِ امتُحنَ كما لمْ يُمتَحنْ غيرهُ في شَعبهِ ولنْ يتوقفَ ذلكَ بعد رَحيله بلْ ستظلُ قوَى الخَارج تحَاولُ اختبَار هذا الشعبِ وقيَادَتهِ ودسّ الفِتنِ وشرَاءِ الوَلاءات ومحَاولةِ تحييد عُمان عن نهجِها ومحَاربتها على مواقفها بعدَمِ اتخَاذِ صفٍ معَ طرفٍ ضدّ آخر.
ولسَوفَ يُمتحنُ العُمانيُون في المرحلةِ هذهِ كما لمْ يُمتحنُوا من قبل. سنُمتَحنُ في صَبرِنا، وصَلابَتنا، وتوحّدنا
وسنمتحنُ في وَلاءاتنَا. وعلينا اليَوم أن ندركَ حساسيَّة الظرفِ التاريخيِ هذا من عُمرِ عُمان وعُمق هذهِ اللحظةِ المهمّة التي توجّبُ علينَا إدرَاكَ القَادم منَ المرحلةِ الانتقاليّة التيْ مفتَاحُ السرّ فيها هيَ لحمَتنا الداخليّة.
نعَمْ ، مَاتَ السّلطان مقدماً حتّى في رحِيلهِ درسَاً لنا في سَلاسَة انتقَالِ السلطة، سَاعات من وفَاته، يُعلن الخَبرُ، يُفتح المظرُوف، تجتَمع العَائلة، ينصّب الحَاكم، يشيّع الجُثمان، ثمّ يُوارى الثَرى في ظرفِ سَاعات.
ذَاهباً إلى جوَارِ الرّحمن وعرشِهِ الأزليّ بعدَ أن بلّغ الرسَالة، تاركاً خلفَهُ شعباً ليُكمِلَ عنهُ الأمَانةَ التي ارتضَاها متكئاً على مَا أرسَاه من القيمِ الانسَانيّة الكُبرى.
ولمْ يكُنْ قَابوس منحَازاً، لا طائفياً ولا إقصائياً ولا قبلياً حتمَاً حتّى تجَاهَ عائلتهِ الحَاكمة التي كانَ نهجهُ واضحاً، أن يضمنَ لها مستوَى من الكَرامَة دونَ أن يُسلّطها على أحَد. وخِلافَ دولٍ مجَاورَة ممنْ تسلّطت أسرها الحاكمة على مفَاصل الدولَة ودَاست على كرَامةِ الشعبِ وعُمومه وتقلّدت زمام المؤسسات السياديّة دونَ وجه حقٍ أو كفاءة، فإن ذلكَ لمْ يَكنْ حالنا في عُمان، إذْ حفظَ السلطان للأسرَة الحَاكمة تواضعها ولمْ يسلّطها على الشعبِ وضمنَ خليطاً متنوعاً من القيَادة الأولَى للحكومَة من شتى المذَاهب والقبائل والطوائف دونَ أن يسلّط قبيلةً على أخرى وتلكَ نعمَة عظيمَة لم ندركهَا كشعب ولكنْ يُدركها أولئك الذينَ فقدوها أو تسلّطت أسرُهم الحاكمة على التجَارة والصنَاعة ومفاصل الدولَة الحيويّة.
والآنَ ، ونحنُ نعبُر طوفَان الحُزنِ على رحيلِ القائدِ المؤسس لعُمان الحديثَة علينَا أن نحتكِم لصوتِ العقلِ الذيْ يتجَاوزُ اختلافاتنا ومشَاربنا وانتمَاءتنا. ولذَا فعلينَا بالصِدق الذيْ تحتمهُ هذهِ المرحلَة أن نُدركَ أننا سوَاءٌ على سفينَة واحِدَة، سننجُو جميعاً بنجَاتها وأننا في هذا الامتحَانِ علينا أن نتيقظَ جيداً لكلّ صوتٍ دخيلٍ يستهدفُ لحمتنا..
إننا مستهدفُون وسُنستهدفُ في هذا النسِيج المتمَاسكِ الذي نحنُ عليهِ، في وطننا الذيْ يمتدُ شمالاً من دبَا ومدحَاء إلى المزيُونة. وسيحدثُ ذلكَ ليسَ الآنَ ولا غداً وإنمَا في تلكَ المرحلَة التيْ تزُول فيها غمَامة الحُزن ويأتي وقتُ التغيير والتحوَلات القادمَة التي يفرضهَا الظرفُ الداخليّ والخَارجيّ وفي ذلكَ فإنّ أتونَ الفتنَة ومحاولاتِ التفرقَة التي حدثت في عهدِ السلطان لن تتوقف. ولكنّ علينا أن نستعدَ لها من الداخلِ أولاً. من بيُوتنا ومجالسنا، ومدَارسنا وثقَافتنا وصَالوناتنا ومن هَاشتَاقتنا، وحسَاباتنا الالكترونيَة، ومنصَاتنا الافتراضيّة والقضَايا "الترند" ومن القضَايا الداخليَة التي نحسبُ أننا نناقشها داخلياً بينما تُدسُ الحسَابات المزيفة والدخيلة لإدارتها وزرعِ الفتنةِ فيها. فمهمَا علتْ أتونُ الفتنَة فالبلد بخيرٍ ما دُمنا صفاً واحداً. وفي ذلكَ أنّ علينا أيضاً أن نرفضَ مساومَات البعضِ على وضعِ خيَارٍ واحدٍ أمام الانسان العُمانيّ: التبرير لتباطؤنا الاقتصادي أوالسكوت عن الفساد بتبرير وجود الأمن والأمان في البلد وكأنهما أمرَان لا يتحققان معاً. وهنا علينَا أن ندركَ أنّه لا فائدة من أمنٍ إذا أذلَ المواطن في اقتصادهِ واتكأ على اقتصاد الغير.

***

(أيها المواطنون الأعزاء، في السنوات الماضية تزايدت حالة عدم الاستقرار العالمي، وعدم استقرار هذه المنطقة الى درجة خطيرة.لقد نوهت عمان مرات عديدة الى هذه الأخطار، ولكنها لم تلق آذانا صاغية، لقد دعونا أشقاءنا الى الانضمام معنا، ومساعدتنا في الحفاظ على آمن واستقرار هذه المنطقة، التي ليست حيوية بالنسبة لنا فحسب، بل بالنسبة للعالم ككل، لكن دون جدوى. لذلك وبما أننا مهددون - ونحن ما زالت لدينا ذكريات حية ومريرة عن حقيقة وشكل ذلك التهديد - لا نملك خيارا سوى طلب المساعدة من أولئك الذين سيمدوننا وبالوسائل التي تمكننا من الدفاع عن أنفسنا. وهنا لا بد من أن نؤكد للجميع أن رغبتنا في السلام لا تنبثق من شعور بالضعف، نحن اذا تعرضنا الى أي عدوان فإننا سندافع عن بلدنا بكل قوانا)*

ليسَت التركَةُ التيْ يرثُها سلطاننا الجَديد بالهيّنة. فهوَ يرثُ بلداً يتصدّر عالياً مؤشر التنميَة البشريّة في العَالم إلا أنهُ يقفُ في امتحانٍ حقيقيٍ في تنميتهِ الاقتصاديّة أمام تفاقُم ديُونهِ وتدهُور تصنيفهِ الائتمانيّ وارتفاع مستوَى البَطالة فيهِ وواقعٍ إقليمياً في منطقةٍ مشتعلةٍ بالصرَاعاتِ يبدُو المحَايِدُ فيهَا كالقَابضِ على الجَمر.
إنهُ يرثُ دولةً في منطقَةٍ مُستَعِرَةٍ شهِدنا فيهَا تآمرَ الدولةِ الأختِ على أختها. منطقةً ينطبقُ عليها ما قالهُ الراحلُ درويش: أنا وابنُ عمي على أخي ، وأنا وأخي على ابنِ عمي، وأنا والغريبُ على ابنِ عَمي.
ولا يبدُو أنّ ذلكَ سيخفتُ في قَادمِ الأيّام والدرسُ المهمُ الذيْ نحسَبُ أن السُلطان الجَديد سيعيهِ أنّهُ لن يتأتى لعُمان أن تجدَ لها قدماً في مصَاف الدولِ المتقدمة ما لمْ تُعوّل على إكمَالِ بنَاء دولَة ذاتَ شفافيَة عَاليَة، دولَة تزهِرُ فيها العقول فهيَ لا تكتفيْ بإرسال أبناءها للدرَاسة في جَامعات العَالم بل تسخرُ السبلَ لهم في النمُو علمياً وبحثياً ووظيفياً والشرَاكةِ معهم في بنَاء نظَام الدولة القائم على تشجِيع الابتكَار والإبداع وذلكَ لا يتأتى إلا بقيَادة ذكيَة تدركُ أنّ الأمَان الحقيقيّ وتوحِيد الجبهَة الداخليّة يبدأ بإدرَاك المواطِن العُمانيّ بأنّ مستقبلَ ابنهِ الوظيفيّ والاقتصاديّ آمن، وأنّ الدولة ماضيَة في الاستثمار في العقُول التيْ تظلُ دائماً هيَ الصَمامَ الحقيقيّ لأمانِ الدول مهمَا كبرُتْ ترسَانتها العسكريّة.
وأنّ سلطاناً جديداً يعني بطبيعَة الحَالِ قيَادةً جديدَة ، تتنَاسبَ معَ رؤيَةِ التغيير التيْ يرَاها للبلد ويحتَاجها الشباب.. والتيْ تبني لما قدمهُ الأب المؤسس وبالتالي فالأمرُ الثابتُ واليقينيّ هوَ أنّ التغيير والاجتهاد هوَ جزءٌ لا يتجزأ من المرحَلة القادمة وعلينا أن نثقَ بهِ، طَالما استفدنا وتعلّمنا من أخطَائهِ وعثرَاتهِ ودرُوسه.
والدرسُ المهمُ أنّ وجُودنا في منطقةٍ غير مستقرة ليسَ عذراً لنا للتوقف فالتعلمُ من أعدائنا قبلَ أصدقائنا يُخبرنا أنّ دولةً دخيلةً كاسرائيل لمْ يوقفها موقعها في منطقةٍ مشتعلةٍ من اجتذاب كبريَات شركَات التكنولوجيا في العَالم لتفتح مقارها البحثية والاستثماريَة في تلِ أبيب.
وأمامَنا اليَوم كشَعبٍ درسُ تَاريخيٌ هوَ أننا لنْ نمضِي قدماً لتكونَ عُمان بخير كمَا أرَاد السلطان في حيَاتهِ ومماتهِ ، مَا لم نُرَاهن على وعيِنا. وأن نترفَع عنْ لغَةِ "أنتَ أو أنَا"، وعن ثقَافة امتلاك الحَقيقة المطلقَة وتهمِيش غيرها، وعن إقصَاء بعضنا والمزَايدة على وطنيّة الآخر المختلف وأن ننصرِفَ إلى "نحن" فلربُما في نقَاشاتنا العَابرة واختلافاتنا الطبيعيّة تقفُ عينٌ بالمرصَاد لتنخَر في هذا الوعي وتؤجج الانقسَام. وعلينَا أن نُدرك أن الاختلافَ هوَطَابعُ أيّ مرحلَة تشهدُ التغيير، أن نختلفَ أنا وأنتَ باحترَام، وقد نقسُو ونحنُ نختلفُ ولكن نتحِد على احترَام اختلافنا ومحبّتهِ وعلى عُمان: عُمان أولاً وآخراً.
*** 

(إنني أتطلعُ لجيلٍ يتحلى بالوعي والمسؤولية ويتمتع بالخبرة والمهارة ويتطلع إلى مستوى معرفي أرقى، دوركم الآن أيها الشباب، هو إعداد أنفسكم تعليمياً وتثقيفياً وسلوكاً واسترشاداً لتحمل مسؤوليات المستقبل)

إننا في هذهِ المرحلَة مقبلُونَ على عقدٍ تتأججُ فيهِ الصِرَاعاتُ الإقليميّة، وهيَ كمَا يصفهَا مستشرفُو المستقبل ستكُونُ مرحلَة التحَالفات بينَ المنظومات العَالميّة الكُبرى وليسَت مجرّد تنافس بين دُولةٍ وأخرى بل منظومَات إقليميّة وذلكَ يحتّم تغليبَ مصلحَة الوَطن وإدرَاكَ من هُم حلفَاؤنا الذينَ ليسُوا بالضرورَة أولئك المجاورينَ لنا جغرافياً.
عبرَ التاريخ، استندَ العُمانيون في تحالفَاتهم على قوى بعيدة جغرافياً طالما كانَ في ذلك خدمةً لتجَارتهم ووطنهم ولولا ذلكَ ما رأينا الأساطيل العُمانيّة في تبادلها التجاري تتحالفُ مع إفريقيا، الهِند وجنوب شرق آسيَا أكثر من تحَالفها مع الجوَار في الخَليج. واليَوم أكثر من أيّ وقتٍ مضَى علينا أن ننقلَ الدبلومَاسيّة العمانية التي شهدَ العالم لها بالكفاءَة سياسياً أن ننقلها إلى المستوى الآخر من الانتفَاع الاقتصادي الذي لم نستغلهُ بما يكفي في العقود الماضية. دبلوماسيتنا التي لم تخدمنا في تعزيز التبادل التجاري والاقتصادي مع دول آسيَا وافريقيا وآنَ لنا في هذا العقد الجَديد أن نسخرها في خدمَة أمنِ وطننا.
إنّهُ يُرادُ لهذهِ البَلد أن تنكَسر، ويُريد البعض أن يرَى من العُمانِي ضعيفاً مهزوزاً. لكنّ قابُوس الذي بنَى عُمان لم يبنها لتزدهِر في عهدهِ بل أسسها ليضعَ حجراً ويكمِلَ المسيرَة من بعدَهُ. وهوَ اليَوم في قبرهِ بقدرِ ما يحتَاجُ دعاءنا وصَلاتنا فمحبّتنا لهُ هيَ بالعَمل، العَمل الصَالح الذي لا ينقطِعُ برحيلهِ كرَمز للوطن بل بالإخلاصِ لهُ والعَمل على ما أرسَاه.
نحنُ مقبلون كشعبٍ يقفُ في مركبٍ واحدٍ على زمنِ التحَالفات الاقتصاديّة وعلينا كشعب أن نستعد للدخول في مرحلَة بناءٍ جديدة نكمِلُ بها الإرث الذي تركهُ الأبُ المؤسس.
إنّ العُماني الذي رَاهن عليهِ قابُوس وهوَ ابنُ الثلاثين عَاماً هوَ ذاتُ العُمانيّ اليَوم. لكنّ الفارق اليَوم أنّ السلطان هيثَم يرثُ جيلاً متعلماً عليهِ أن يحسنَ استغلالهُ ويطلقُ قدرَاتِهِ "الشَرسة" في البحث عن مكامنِ القوّة وسطَ هذهِ الصرَاعات الشرسَة العَالميّة التي لا تدخرُ للضعيفِ ولا متوسّط الأداءَ مكاناً لها. إنَها تحَالفات متكئة على المصلحَة المشتركة وعلينَا اليَوم أن نقبلَ بعقلٍ وقلبٍ مفتوح لنعرفَ من هم الشركَاء الحقيقيون في العَالم الذينَ علينا الاستفادة من تطوّرهم وقدرَاتهم والتعلم من دروسهم ونتسَاءل في الوقتِ نفسهِ: ما الذي يجعلُ منا حلفَاءَ يستنفعُ منهُم الشرَكاء ويرونَ فينا فائدةً مرجوةً لهم. إنّ اكتشاف مكامِن القوّة في هذا الشّعبِ هوَ ما علَى السلطان القَادم أنْ يُقبلَ عليهِ بحاشيَة من العُقول العُمانيّة المخلصة للبلد لا لمصَالحها الشخصيّة. نحنُ منكَ ولكَ أيّها السلطان الجَديد، فلتكُنْ جدَاراً لنا نكُنْ لنَا جدَاراً وأرضاً وسمَاءً.
اخوتي العُمانيون، إنّ أمامنا خيَارانِ اليوم، أن نتوقّف عندَ موتِ السلطان أو نوَاصل بصلابَة الانسَان العُماني الذي حملَ البلاد من أتون الفقر والفرقَة والجهل عام 1970 إلى عُمان الحَديثة اليَوم. الانسَان العُماني الذي لا يُنكسر، الذي يُقاتل بشرَاسة من أجلِ صعُودِ بلادهِ وتقدمها ورفعَتها. وعلينَا اليَوم أن ندركَ أننا لها وأنّ الرحلَة الشاقة في بنَاء الوَطن لا تكفِيها الهَرولة وإنّما الطيرَان، فالزَمن يَجري والشعُوب تتقدّم بسرعَة ضوئية كلٌ يقولُ اللهمّ نفسي نفسي، وعلينَا، علينا أن ندرِك أننا مؤهلين لذلك بتجاوزنا الأزمَة معاً وبتحويل هذه الغُمّة السَوداء إلى إنجازٍ يُشهَدُ له.
لدينَا الكثير مما سنخبر أبناءَنا عن قابُوس الذيْ لم يعرفُوه. عن قابُوس الذيْ لم يشهدُوه حياً لكنّنا حينَ نكمِل المنجز الاقتصادي سنخبرُهم أن رجلاً اسمهُ قابُوس أسسَ لهُ وآمنَ بآبائهم وهمْ نطفٌ في الأرحام.
رحمَكَ اللهُ حياً يا سلطاننا ورحمكَ ميتاً. لا اعترَاض على حُكمِ الله ولا على قضَائهِ. أدَيتَ الأمانة وإنّا على عهدِكَ ماضُون والحمدلله من قبلُ ومن بَعد.

* بتصرّف

عائشة السيفي



الأحد، 28 أكتوبر 2018

‎"تقهوَى يا نذر عيني" .. قرَاءة سَريعة حولَ قولبة المرأة في سيَاق الحَالة الخليجيّة..



‎على الطَريقَة الكوميديّة ، تجتمِعُ "الحَالتان" حليمَة بولند وفوزية الدريع على السنَاب الشَات للترويج لبرنامج جديد لتثقيفنَا عن طريقة التعامل مع الرّجل على اعتبَار أنّ "كل علوم الرجال عندهن".. الحَالتان تسعيَان إلى تعليم المتابعات القواعد الأساسيّة لفنّ التعامل مع الرّجل.. العقدة الكُبرى التي تغذَى بها المرأة العربيّة منذ نعومَة أظافرها.. أن تخرجُ إلى العَالم بمهمّة وجوديّة واحدة: كيفَ تكسَب قلب الرّجل..
‎وبالنظَر إلى أنّ 70% من مستخدمِي سناب شات على الأقلّ في السعوديّة من النسَاء وممن تقلّ أعمارهنّ عن 34 سنَة فنحنُ أمام كارثَة حقيقيّة لإخرَاج جيل من الزوجَات والنسَاء الخليجيّات ممن على طرَاز: "تقهوى يا نذر إيني ولك ربٍ يفرجها". وأن يصبِح التصنّع والتغنّج والشكليّة هوَ الحل لكسبِ قلب الرّجل
‎وعلى اعتبَار أنه ينقصنَا جرعَات تسطيح في عُمان نأتي بهذهِ النماذج ونكرّمها مواصلين الإساءة والتسلّق على كتفِ مناسبَة "يوم المرأة العُمانيّة" الذي لو نطقَ لبرأ إلى الله منْ ثلثي ما يُنسب إليهِ من بهرجَة وتفاهة.
‎آلاف المواد التعليميَّة عربياً تحشَى في عقليّة المرأة الجمعيّة حول تجمّل المرأة وتزيّنها وأسرار العلاقة الزوجيّة ، وحيَل الفوز بقلب الرجل وتكتيكات عدم زواجهِ بأخرى إلا أنّ الواقع يقول عكس ذلك .. فنسب الطلاق لم تقلّ ، وهشاشَة العلاقات الزوجيّة تتعمق، والخيَانات تنتشر.. .
‎هذا يذكّرني بلقاءٍ شاهدتهُ مؤخراً حولَ أزمَة خاشقجي ذكر فيهِ الصحفيّ توماس فريدمان أنّ مؤشر التنميَة البشريّ في الوطَن العربيّ يُشير إلى عجز عربيّ تامّ في جوَانب ثلاث: المَعرفة، حريّة التعبير عن الرأي، وتمكِين المرأة.. عندمَا نتحدّث عن تمكين المرأة فنحنُ لا نتحدّث بالضرُورة عن أنّ نساءنَا ضحَايا للعُنف أو القهر.. لكنّ تغييب المرأة يحدث عندما تقولَب في شكلِ صورَة المرأة الجَميلة، الشيك، الدلُوعة التي تدُور حيَاتها حول فلك الرّجل وتبدُو مهمّتها الأسمَى هيَ التّجمل له وإرضاؤُه.. ويبدُو أنّ هذا هو النموذج الرائج خليجياً.. عندمَا تحيّد المرأة عن مسَاهمتها في مجالات الحيَاة المختلفة وهي بالمناسبَة قادرَة كلّ القدرة على الإسهَام في كلّ جوانب التنمية دونَ أن يخلّ ذلك بمقدرتها الفطريّة على الأمومَة فنحنُ أمام مشكلَة حقيقيّة تتعلق بتمكين المرأة..
‎‫هنالكَ من يريدنَا أن نكونَ وجوهاً جَميلة فقط علَى طريقة كُوني جميلة واصمُتي.. أن يكون تركيزنا على صنَاعة التجميل وَ"الترفيه" .. هنالك من لا يريد للمرأة ومن جنسِ المرأةِ نفسهَا أن تكونَ عنصراً فاعلاً في السيَاسة والاقتصَاد والهندسَة والتخطِيط والتَعليم والمَوارد البشريّة.. هنالك من يريد قولبتنا بشكل مستنسخ عبر قوَاعد ممجوجة وفاترة وحصر ذكاءنا الفطريّ في اللهاث خلفَ ما يُريدُه الرجل..‬
‎‫ونلمحُ فعلاً أنّ نسَاءً يمتلكنَ ذكاءً ورسَالة سرعَان ما يتحوّلن بعدَ أمد إلى نسخٍ من الفاشنستَات فتتحوّل الطيّارة والطبيبة والأخصائيّة الأسريّة إلى نسخ متشابهة من مروّجات "شِيك" للإعلانات والماركَات وعَلامات التجميل والموضة.. وتختفِي تلك الرسالة التي كنّا نرجُو لهذهِ المرأة أن تخرجَ بها من حالة القطيعيّة والتناسخ في مواقع التواصُل الاجتماعيّ لأنّ المحيط كلّه يدفعها دفعاً إلى التخلي عن تفكِيرها الحرّ والمستقل والانسيَاق ورَاء ما يطلبهُ "السوق" ..
‎‫لا أعتقدُ أنّ الرجل نفسه يوافق بالضرورَة على هذه القولبة..‬
‎‫الرّجل يريد امرأة يذهب معها إلى أبعَد من الجسَد والجمَال الخارجيّ.. يريدُ امرأةً "تشيله" و"يشيلها".. فكرياً واجتمَاعياً ونفسياً..‬
‎‫امرأة لا يشعُر بالزهدِ عنها عندمَا تشيخ، تزداد وزناً وتترهّل.. لأنّ الجسَد يذهب والدلع والتفاهة تذبل وتبقَى الروح والمعرفَة الانسانيّة..‬

‎‫تصِلني على الخاصّ رسَائل حولَ القضَايا التي أبدي فيهَا رأيي مثل: اتركِي السيَاسة للرجال، روحي مسكِي المخمّة والمطبخ أبرَك لك.. وهناكَ من يقولُ لي: صوركِ قبيحَة لماذا تنشرِينها؟ وكأنّ علينا أن نكونَ جمِيلات ليكُون لنا مكان في منصّات التواصل.. يا تُرى هل تصلُ هذهِ الرسائل لأصحَاب الحسَابات من الذكور؟ وهل يتعرّضون للتنمر نفسهِ كمَا تتعرضُ لهُ النسَاء اللواتي يدرنَ حسَاباتٍ تسيرُ وفقَ خطٍ مستقلّ عن السائدِ عربياً؟
‎‫نحنُ أكثر من وجوه جَميلة ومن يبحَث عنها فلهُ آلاف الحسَابات التي لا يتعدّى دور صَاحبَة الحسَاب فيها: المتعَة البصريّة..‬

‎‫وهكذَا فإنّ موجَة التسطيح مستمرّة.. نأتي بالمترديّة والنطيحَة وما أكل السّبع وبـالثنَائيّات التافهة ممن لا رسَالة ولا هدَف واضح لهم في الحيَاة سوَى أنّ لديهم حسَابات بأرقام متابعَة مليونيّة يجنُون من ورَائها الكَسب الرّخيص.. نأتي بهِم إلى عُمان مزفوفين كمَا يزفّ الملوك في قَاعات الفنادق والأفراح ونصدّر لاستقبَالهم الفرق الموسيقيّة والمشائخ وأصحاب الألقَاب لنوَاصل ارتكَاب جريمَة تكريس حالَة التسطيح والتفاهة العامّة بينَ جيلٍ يتخبّط بين فقدَان هويّته وبين إغراق الماديّة في حيَاته وغيَاب الانتاجيّة..‬

‎يا تُرى ‫إلَى أيّ قعرٍ يُرَاد لنَا الذهابُ إليه؟‬

الأحد، 21 أكتوبر 2018

عنِ التّعليم ، وَحريَّة التعبير والشرَاكَة المجتمعيَّة ..


قرَاءَة في مقتَل صَحَفي.. ضمنَ السيَاقاتِ الأوسَع: المسوّغات والنتائج

قبلَ يَوم، حَضَرتُ ورشَة عمَلٍ حولَ (التعليم، التنميَة والسيَاسات) في لندَن. أثِيرَتْ عدّة أسئلةٍ في الورشَة يتعلّق أغلبهَا بأهداف التنميَة المستدامة للأمم المتحدَة.. لكنّ سؤالاً طرحَ في الورشَةِ أثَار انتباهي هوَ كيفَ بالإمكان بنَاء أنظمَة تحترِم الحريَّات وعلى رأسها حريّة التعبير، وتقدّر الشرَاكة المجتمعيّة في وضعِ سياسَات الدولة ، والمساءَلة الشعبيّة لأدَاء الحكومة.. الإجَابَة كانتْ كلّها وَاحِدَة: التّعليم.. وبينمَا قالَ البعض أنّه يبدأ من العائلة إلا أنّ الحضُور اتفقَ أنّ التعليم يتفوَّق حتّى على العَائلة ..
عقبتُ وقتَها على حدِيثهم بأنّ ذلك يبدَأ من الحضَانة حتّى قبلَ دخُولِ المدرسَة.. أتذكّرُ أنني عندمَا كنتُ أطَّلعُ على ملاحظَات حضانَة ابنتِي في هُولندا كانَ من ضمنهَا تعليم الأطفال الوُضوح في إبدَاء مشاعِرهم، والجرأة في إبدَاء آرائِهم أمام وَالديهم.. كانتِ المربيّة تعلّم طفلتي: عندما تكُونين سعيدَة أظهِري مشاعِركِ أمام والديكِ، عندمَا تحبطين لا تخبئي مشاعِرك، كوني واضحَة في آرائك ومواقِفكِ ولا تشعِري بالخوف..

إنّهم يعلّمون الأطفال منذ سنّ الحضَانة الشجَاعة في إبدَاء مشاعِرهم وآرائهم أمام السلطَة الأبويَّة.. وعلَى السلطَة الأبويّة أن تحترمَ ذلك وتناقش الطفل بالمنطِق لا بالكبت والترهِيب..

قبلَ أيَّام أخبرني زميلُ عملٍ سابقٍ قادم من دولَة تقمَع الحريَّات ولكنّ حُسنَ ظنهِ قادهُ للزواج والاستقرار في المملكة المتحدة وهكذَا فقد اختبَر الرجل فارقَ التفكير بينَ البيئة التي نشأ فيهَا والبيئة التي ينشأ فيهَا اليومَ ابنهُ ابنُ العاشرَة..
يقولُ لي إنّهم يعلّمونهم حقُوقهم منذ الصفّ الأوّل..

- من حقِّكَ على الحكومَة أن تنعَم بهوَاء نظيفٍ.. إن لم تفعلْ ذلكَ فعليكَ مساءَلتها
- من حقّك أن تكونَ لديكَ حديقَة في حيِّك ومساحَة خضرَاء تلعبُ فيهَا مع أقرانِك.. إذا لم تتوفّر فعليكَ مساءلَة عمدَة المدينة
- من حقِّكَ مسَاءلة الدولَة في سيَاساتها وقوَانينها لأنّها وضعتْ لتنظّم حيَاتك فإذا ضرَّت حيَاتك فمنْ حقِّك مساءلَتها في أيّ قانون يلحقُ بمصلحَتك الضرر..
- ليسَ من حقِّ أيّ أحدٍ مساءلتكَ في معتقدِكَ.. إنّ أيّ معتقدٍ لا يضرّ بالمصلحَةِ العامّة هوَ شأنٌ شخصيّ
- إذا تعرَّضتَ للضرب والأذَى فإنّ على الدولَةِ حمَايتك حتّى من عائلتكَ نفسهَا
- إنّ مصلحَة الدولة هيَ مصلحتكَ طالمَا قدّمت لكَ الأمن والعدَالة ومتطلبَات العيش الكَريمة وعندمَا تنتفي هذهِ الأساسيَّات فمنْ حقّك محَاسبَة الدّولة

 عندمَا تُغرَسُ مثل هذهِ المبادئ وتلقّن تلقيناً في وعيِ جيلٍ طوَال 12 عَاماً فلا يُمكنُ للأسرَة ولا أيّ مؤثر آخر أن يمنعَ الموَاطن من حريَّة التعبيرِ عن الرأي، ومساءلَة حكومَته عندمَا تخطئ..

هنَا تكمُنُ المشكِلة: لقدْ تمّ تلقين الشعُوب العربيَّة التابعَة للأنظمَة عامّة وللأنظمَة المتوارثَة على وجهٍ خاصّ .. أنّها فوقَ المحَاسبة وأنّ الوطَن يختصَر في شخصِ الحَاكم وأنّ الحَاكم يملكُ الوطَن.. وأسوَأ من كلّ ذلك فقد تمّ زرع منطِق الحُكم الأبويّ في عقليّتها الجمعيَّة.. بمعنَى أنّ طَاعة وليّ الأمر واجبَة ومسَاءلته ممنوعة تماماً كما يتعففُ الابنُ عنْ مسَاءلَة وَالده في تسييرهِ لشؤُون المنزل وإدارتهِ الماليّة وإلا كَانَ عاقاً..

كيفَ إذنْ يجرُؤُ صحفيٌ علَى مسَاءَلةِ الحَاكم؟ إنّهُ ببسَاطَة يسَائلُ السلطَة الأبويَّة في "إدَارتها لشيءٍ من أشيَائها" فالوَطنُ كلُّهُ لها.. والخَير الذي يتمتّعُ بهِ الموَاطِنُ هوَ من النّعم التي يبسِطها الحَاكم على شعبهِ..

في هذَا السيَاق أتذكّرُ مجدداً النموذج الهُولندي. عندمَا كنتُ مرةُ مع مجموعةٍ من الأصدقاء الهولنديين الذينَ تتراوحُ أعمارهم بينَ العشرين والثلاثين: ما الذي يعنيهِ المَلِكُ لكم؟ هل تحبونهُ؟ هل أنتُم مرتبطين عاطفياً به؟ وما الذي تعنيهِ لكم الأسرَة الحَاكمة؟
وقد أجمَعُوا أنهُم لا يشعرُون بأي عاطفَة تجَاه الملك.. وأنّه بالنسبَة لهم يمثّل رمز الملكيَّة الهولنديَّة ويرَعى مصَالح الشعب.. قالَ لي أحدهم وهوَ يرفعُ كتفيه: إنّه بالنسبَةِ لي ملك وفقَط.. إنهُ لا يعنيني طالمَا كانتْ حقوقي واضحَة على هذهِ الأرضِ وواجبَاتي كذلك..

عندمَا تتخلَّص الشعُوب من الحوَاجز العاطفيَّة التي تحجُب عنها رصَانة النقدِ السّليم والمنطقي لحكُوماتها ، فإنّها ستستطيعُ وقتَها بنَاء منظُومة تسَائل الدّولة ، وتدَافعُ عن حقوقِها وتعبرُ عن رأيِها.. والأهمّ من كلّ ذلك فإن الحكُومات ستتعلَّمُ احترَام ذكَاء شعُوبها وعدَم استغفَالهم وعدَم التَعامل معهُم "كشيءٍ مضمُون".. أمّا عندمَا تصبِحُ مساءَلة الشعب للدولَة خروجاً على طَاعَةِ وليِّ الأمر ، فلا نستغربُ حينهَا أن ينتَهي أمرُ أيّ صحفيٍ يسائلُ الحَاكم في "شيءٍ" من أشيائهِ (شيءٌ اسمهُ الوَطن بالمنَاسبة) ويقومَ العالمُ على عقبيهِ إلا أبنَاء بلدهِ ..

نسيتُ أن أقولَ لكُم.. أنّ الورشَة بدَأت باعتلاءِ أحدهم المنبر وقرَاءة أبيات للشَاعرِ الهنديّ طاغور يختصرُ فيهَا منطِق التعليم متمثلاً في المعرفَة ومؤسساً للحريّة.. يقولُ فيها:

"عندمَا لا تختلطُ المعرفَة بالخوف، تُرفَعُ الرُؤوس للأعلى. هنالكَ حيثُ المعرفةُ حرةٌ.. حيثُ لا يجزأ العَالَم إلى قطَعٍ صغيرة منفصِلَة، حيثُ لا يطمَسُ العقلُ في الصحرَاءِ المجدبَة ، وإنما يتحررُ من الجَهلِ، وتخرجُ الكلماتُ منْ عمقِ الحقيقَة إنهُ حينهَا ينعمُ بالحريَّة.. يا أبتِ دَعْ وطَني يستَيقظ"..

تصبِحين على خيرٍ أيتهَا المَعرفة.. تصبِحينَ على خيرٍ أيتهَا الحُريَّة

عنِ الهندسَة ، والسيَاسة .. كيف تتفقان؟



انقسمنَا في هذا الأسبُوع بمادّة تطبيقات الهندسة العالمية إلى مجمُوعتين للمناظرَة حول موضوع من هُم أكثَر "قوّة وتأثيراً" على المجتمَعات: المهندسُون أم السياسيُون؟

في خضمّ الحديث حضرَت القصّة المشهورة حول كيفَ تمّ إنشاء النظام الحديث لشبكة الصرف الصحيّ في بريطانيا وتحديداً لندن.

حتى منتصفِ القرن الثامن عشر حاولَ المهندسون في غيرِ مرّة تمرير مشروع لإنشاء شبكة مواسير حديثة وآمنة في لندن وكان المقترح يواجه بالرفضِ في كلّ مرة من قبل أعضاء البرلمان بسبب ارتفاعِ التكلفة. كانَ البرلمان متقبلاً لفكرة أن تنتهي مياه المجاري إلى نهر التايمز رغمَ أنّ هذا الأمر كانَ سبباً لانتشار داء الكوليرا على اعتبارِ أنّ النهر كان مصدراً للشرب ومكباً للمخلفاتِ البشريّة.. كلّ ذلك لم يحرّك البرلمان للتصويتِ من أجلِ المشروع.

لم يتّخذ قرار إنشاء شبكة صرف كما هيَ اليوم في لندن إلا عندما علت الرائحة الكريهة في مجلس البرلمان البريطانيّ وعندمَا لم تعد الرّائحةُ محتملةً وافقوا على تمرير مشروع شبكة الصرف الذي قدّمه المهندسون المدنيون قبلَ ذلك. النتيجة أنهُ مهمَا حاولَ المهندسُون إيجَاد حلول مستدامة فإنّها تظلّ قاصرة إذا لم تدعمها سياسيَات واضحة وميزانيّات معتمدة هيَ في نهايَة المطاف قرارٌ يعُود للسياسيين.

في المُجتمعات ذات النضجِ الديمقراطيّ يبدُو للمجتمع وزنٌ كبير لأنّ السياسيين المنتخبين هُم من يقررون هذهِ السيَاسات وأحزابهم هي من تقومُ إذا فازت بتعيين الوزراء وصنّاع القرار ولذلك فإنّ للمجتمع وزناً كبيراً في تمرير هذه القوانين لأنّ السياسيين يعرفونَ أنهم ما لم يعملُوا على خدمة احتياجات المجتمعات والمقاطعات التي انتخبتهم فهم يخاطرون بفقدان شعبيتهم وعدم ترشيحهم.

تذكَّرتُ بهذَا الشأنِ الشّعار الذيْ رفَعَهُ مرشّح الرئاسة الكولومبيّ السابق أنطونوس ماكُوس (لا ديمقرَاطيّة بدون ماء) في الوقتِ الذي كانت فيهِ قرى ومدن كولومبيَا تُعاني من غيابِ شبكة توصيل ميَاه الشّرب ومفادهُ أنهُ لا مغزَى لانتخَاب مرشّح سياسيّ يعدهم بالديمقراطيّة ويعجَز عن تمرير مشروع لتوفير مياه الشربِ النظيفةِ للناس.

الأمرُ ذاتهُ ينطوي على الحلول الهندسيّة التي تقدّمها المؤسساتُ العالميّة غير الربحيّة في العَالم.. الهندُ مثالاً.

واحدَة من أبرز المشكلات التي تواجهُ المناطق الريفيّة والعشوائيّات في الهند (ونحنُ نتحدّث عما يزيدُ عن 200 مليُون شخص) هوَ غيَاب المراحيض وأنظمة الصرف الصحيّ وغياب مياه الشرب النظيفة. الأمر الذي يجعل ما يقاربُ من 50% من سكان الهند للجوء للأحراش، للاختباء خلفَ السيارات ، ومجاري المياه أو في الهواء الطلق من أجلِ قضاء حاجاتهم.

النتيجة هيَ انتشار الأمراض المعدية، ارتفاع الوفيات بين الأطفال بسبب غياب أساسيات النظافة.

حاولت منظمات مثل منظمَات بيل جيتس تقديم حلول هندسية ذكية لكنها تظل دائماً قاصرة مثلاً توفير مراحيض متنقلة ذات مخازن خلفية يتم تفريغها بشكل يدويّ. لكنّها حلول ذات نطاق ضيق فمهما وزّعتَ من مراحيض فالسؤال هوَ أين سيتم رمي المخلفات البشريّة بعدَ تفريغ المراحيض؟ إذا لم تكن هنالك شبكة صرف تمولها الحكومة فلا يمكن للمهندس أن يقدم حلول فرديّة لكلّ بيت standalone solutions

وينطبقٌ الأمرُ كذلك على مياه الشرب. إذا قام المهندسون باستخدام مواد من الطبيعة تعمل على تنقية المياه مثل نبتة المورينجا أو الكاكتوس التي تعمل كمخثّرات طبيعيّة للأوساخ في المياه والرمل الذي ينقي الشوائب في مياه الشرب لكنها تظل حلولاً كافية لخدمة شريحة سكانية صغيرة لا تجمّع سكاني مليونيّ .. تجمعات كهذه تحتاج لتقنيات صناعيّة بكلفة عالية لا يمكن إلا لصناعِ القرار في الحكومة اعتمادها..

هنالك مثلث للتنمية ذو محاور أساسيّة ثلاثة: صناع القرار والمشرعين في الحكومة ، أصحاب الصناعات والخدمات (القطاع الخاص والمهندسين) والثالث هو المجتمع .. إذا لم تنسجم هذه المحاور الثلاث فلا يمكننا تحقيق تنميَة قائمة على حلول هندسية ذات أثر فاعل على مستوى الكلفة والمنفعة ومؤديَة للغرض الذي قدمت له.

خُلاصَة القول أنّ الهندسة تظل ذات أثر قاصر فهي قد تساهمَ في تقديم حلولٍ مؤقتة وذات نطاق محدود وبإمكانها أن تحل مشكلة آنية مؤديةً في كثير من الأحيان إلى مشاكل أكبر على المستوى البعيد (مثلاً تصميم نظام لجمع النفايات لا إدارتها) إذا لم تدعمها السياسة والسياسيُون. المهندسُون لا يحلُون المشاكل، إنهم يحولونها إلى شكلٍ آخر -كما يقولُ سكوت آدامز- إذا لم يدعمهم السياسيّون..

نحنُ لا يقيّضُ لنا في عُمان أن نختَار وزراءنا. لكن لنحرُص على الأقل على اختيَار العقول الجديرة بتمثيلنا في مجلس الشورى. الانتخَابات قادمة فأحسِنُوا أيّها الشباب من يمثلُ مجتمعاتكم خيرَ تمثيل.

الأحد، 3 يونيو 2018

مَاذا لو كَانت كَارولينَا عُمانيّة؟

أسئِلَة إشكاليّة التسَامح بينَ القرنقشُوه والزوَاج بالعرجَاء
 
.
عائشَة السّيفي
 

قبلَ أشهَرٍ التقيتُ بكارولينا ، في اجتمَاعٍ بمقرّ عملي. كانت كارُولينا مبعوثة وزارة الخارجيَة بدولة أوروبيّة معرُوفة. لدَى كارُولينا إعاقة جسمانيّة. ومعَ ذلك فقد بَدت متألقة وواثقة من نفسِها وأدَارت الاجتماع بكفاءَةٍ عالية. بعدَ الاجتماعِ أضافتني كارولينا على أحدِ مواقع التواصلِ الاجتماعيّ لأكتَشفَ أنّها لا تتخطى الأربعَة والعشرين عاماً من عُمرها وهَا هي تمثّل بلادها في المحافلِ الدوليّة بكامِل الثقَة.
تذكّرتُ كارولينَا بعدَ انتشارِ مقطَع "عجَب حد يتزوّج عرجا؟" لداعيةٍ عُمانيّ شهير يَحظى بتقديرٍ عالٍ بينَ الجُمهُور.
يا تُرى ماذا لو كَانت كارولينَا عمانيّة هل كانت ستمتلك تلك الثقة العاليَة بالنّفس وهيَ تشاهِد برنامجَاً تلفزيونياً يضحكُ فيه المضيفُ قائلاً: عجب حد يتزوّج عرجاء؟ ستفكّر كارولينَا أنّها مشرُوع "عَانس" وبعدَ سنوَاتٍ طويلة فسيتكرّم رجلٌ متزوّج ويتزوجها كزوجَة ثانيَة "شفقةً بها" بناءً على نصيحَة رجل دين في التلفزيون.
هل نَحنُ متسامِحون؟
فكّرتُ بهذا السؤال وأنا أشَاهدُ الدّاعيَة المشهُور على مواقعِ التواصل الاجتماعيّ يديرُ حواراً تلفزيونياً وفي الحوَار يظهرُ أحد ضيوفهِ من "شيوخِ الدّين" وهوَ يحضّ الرجلَ المعدد على أن يستهدفَ حينَ يقرر الزواجَ بأخرى فئاتٍ كالمرأة التي أصابهَا المرض، العميَاء أو العرجَاء فيدخلُ مضيفهُ في نوبَة ضحك متواصل متسائلاً عجب من بيتزوج العرجَاء! .. ثمّ يبادر بسؤال ضيفهِ الآخر انت بتتزوج عرجاء؟ فيرد عليه: أنا لا لكن فيه حَالات زوَاج.
ورغمَ أنّ الداعيَة اعتذرَ عن تصرّفه كما قيل -ولستُ هنا في معرِضِ سَحلهِ- إلا أنّني بقيتُ لأيّام أستحضرُ هذا المقطع.. هل يَرى مُجتمعُنا فعلاً أنّ المرأة التي بهَا إعاقَة جسديَّة هيَ امرأة ناقصَة لا تصلحُ إلا كزوجَة ثانيَة؟ هلِ المرأة بكلّ مكوّناتها العاطفيّة والعقليّة والانسانيَّة هيَ مشروع "جسَد"؟!
"قد" أفهَم نفور الرّجل من الزواج بامرأة مشوّهة الوجه، مقطوعة الأعضاء مثلاً.. لكنْ ألا تكُون المرأة العرجَاء كافيَة للارتباط! ما بها المرأة العرجاء وما الذي يمنعها من أن تكون امرأة كاملة وجميلة وربّة بيت وأمّ؟
ألهَذا الحد نُعلي الجَسد وتنتصرُ المعايير الجسديَّة على كلّ المقوّمات الأخرى في الارتبَاط بالمرأة؟
إذا كَانت المرأة العرجَاء غير كافيَة لتملأ عينَ الرجل فما نقولُ عن المرأة العميَاء؟ أو المقعدَة؟ أو مشوّهة الوجه؟ ثمّ ما هذا التركيز العجيب على "المَعايير الجسديّة" في الزَواج بالمرأة!
سمعتُ من قبلُ دعاةً يروّجون للتعدد لاستهداف فئات كالمرأة المطلقة والأرملة التي لها أطفال أو الرجل الذي ابتليت زوجتهُ بمرضٍ يمنعها عنه. لكنْ أن نروّج للتعدد بتسوِيق النسَاء ذوَات الإعاقة "الجسديّة" على أنّهن فئات ناقصَة فهذَا أمرٌ جديد عليّ. لمَاذا هذا الربط بين التعدد و"نقص المرأة الجسديّ" الذي يخلصُ إلى الشفقةِ عليها و"تخليصهَا من واقعها" بإنزالهَا كزوجة ثانية؟
هل أنتَ متسامحٌ فعلاً أيّها المجتمع؟ وما هوَ مفهوم التسَامح الذيْ نروّج له في كلّ محفل؟
وهل ما قالهُ هذا الشيخ هوَ حديث المجالس الذي قد لا يقولهُ الناسُ أمام التلفزيون ولكنّهم يتداولونهُ بينهم.
"هيَ بنت زينة، بس فيها حوَل" .. سمِعتُ من قبلُ هذه العبارة. وسمعتُ من قبلُ من "البنت إصبَعها مقطُوعة"
نحنُ نحتكر التسَامح في عُمان على التعايشِ المذهبي والقبول الدينيّ ولكن يَا جمَاعة التسامح مفهُوم واسعٌ جداً. ماذا عن تعايشنَا مع الفئات الأخرى في المجتمع من ذوي الاحتياجاتِ الخاصّة؟ إلى أي مدى تبدو هذه الفئات مندمجة مع المجتمع وهل يتجاوز المجتمع العلل الجسديّة في التمازج الاجتماعيّ معها؟ هل يبذلُ مجتمعنا كلّ جهدهِ ويسخّر طاقاتهِ للحرص على خلقِ حالة تعايش تامّة مع فئة المعاقين؟ قفُوا أمام مرآة ضمائركم واسألوا أنفسكم إن كنّا نفعلُ ذلك! هل تحرُص الدولة على تمكينِ والدّفع بذوي الاحتيَاجات الخاصّة إلى منَاصب قياديّة لتمثيلهم مجتمعياً كما ينبغي كمَا حدَث لكارولينَا الأوروبيّة؟
هل نَحنُ متسَامِحُون؟
فكّرتُ في هذا السُؤال مجدداً ونحنُ نعيشُ نفسَ الجَدل الذي يثارُ كلّ عامٍ حول "القرنقشوه" .. هذه المرّة كانَ هنالك تطوّر جديدُ.. وهوَ انتشَار فيديو "وعظي" لبعضِ الأطفال وهوَ يصدحُون بنشيدِ القرنقشوه فيقاطعهم طفلٌ آخر "مرتدياً عمّةً بيضَاء" ويبدأ في وعظهم على أنّ القرنقشوه ليسَ من عَادات "المؤمنين" وبهَا ألفاظ لا تليقُ برمضان وموعظَة يطُول ذكرهَا..
إذنْ فقدِ انتقلتِ هذه الجدليَّة السنويّة هذهِ المرّة إلى استخدَام الأطفال وإسقَاط قناعات "الكبَار والبالغين" وحَشر الدين كأداةٍ في فرضِ آرائهم ..
أغلبُ الهجُومِ يأتي من متدينين قادِمين من ولايَات لا يشيعُ فيها القرنقشوه. ومعَ انتشَار القرنقشوه في العَاصمَة وزحفهَا إلى ولايَاتِ الداخل بحكم تنقلِ عائلاتِ الداخلِ إلى العاصمة.
السؤالُ هنَا – وأنا القادمَة من ولايَة لم تكُن هذهِ العادَة بها حتّى عامين مضَى- هوَ لماذا لا نحترِم فكرَة أنّ هذهِ عادَة اجتماعيّة من صميم عاداتِ وتقاليد ولايَات أخرى في السلطنة؟
لماذا نهَاجم ونقلل ونسخّر كلّ الأدوَات الدينيّة لدحضِ عادَات وتقاليد أبناءِ بلدنا القادمين من ولايَات أخرى فقط لأنّها لا تروق لنا أو تتنافَى مع عادَات الولايَة التي أتينا منها؟ لماذا لا نتقبّل هذَا الاختلاف حتّى وإن لم نتفقُ معه بالضرورة؟ ولماذا النيل منها وحشر شيُوخ الدين والفَتاوى في الشّاردَة والواردَة لتجييش الرأي العامِ ضدّ عادَة متجذرَة في طُفولة آلافِ العُمانيين؟
هذا يُثيرُ مرةً أخرى مفهُوم التسَامح الذي نحرصُ في كلّ المحافلِ على الترويج لهُ كسمَة عُمانيّة.
هل نَحنُ فعلاً متسامِحُون أمْ أنّ حالة الانحدار العامّة في أخلاقِ دولٍ مجاورَة جعلَتنا "نبدُو" أفضَل الموجود. وهل سَاهمَت قبضَة الحكومَة وصرامتها في إسكَات التعصّب والعنصريّة "العلنيّة"؟
أليسَ التسامُح هوَ الحَالة الطبيعيّة للشعوبِ؟ لماذَا يسوّق التسامح اليَوم على أنّه صفَة حصريَّة يُحتفَى بها؟
لقد سافرتُ في السنوَات الأخيرة كثيراً ووقفتُ على ثقافاتٍ في غايَة التعايش وعلى درجَة عاليَة من التقبل للآخر.
عِشتُ في هُولندا وشاهدتُ مهرجَانات وعادات تخصّ محافظاتٍ معيّنة فيها تتيح لها الدولة إجازة رسميّة للمدارس والمؤسسات دُوناً عن محافظاتٍ أخرى فقط احتراماً لخصوصيّة تلك المحافظات وحفاظاً على إرثِها.
زرتُ الهِند فرأيتُ موطنَ قدمٍ لكلّ عقيدَة. وزرتُ أذربيجان مؤخراً ووجدتُ حالة تعايش مذهبي عاليَة، أخت محجبَة تمشي بجوار شقيقتها غير المحجبَة واحترام كبير للآخر القادم من الخَارج، ذهبتُ للمغرب غيرَ مرّة ووجدتُ شعباً محبّاً للآخر متعايشاً في تنوعهِ العرقيّ واللغوي الهائل بل إنّ لغاتِ الأقليّة أصبحت تدرّس في المدارس في رسَالة مفادها أنّ كلّ لغة هي لغَة ثمينَة تُقدَّرُ وتحترم، في الوقتِ الذي تناضل لغَاتٌ في عُمان للبقاءِ بين متحدثيها الأصليين ناهيكَ عن فكرَة أنّ تدريسها في المدارس هوَ أمرٌ أبعدُ من الخيال.
يُحيلنا كلّ ذلك إلى إدراكِ الحاجَة إلى تحليلٍ عميقٍ ومحَايد لفَهم المجتمع للتّسامحِ بمنظُورهِ الشُموليّ ولعلّ هذا يبدأ بطرحِ هذا السؤالِ أولاً.. هل حقاً نحنُ متسامِحُون؟ هل نحنُ متسامِحُون بمَا يكفي؟

الأربعاء، 14 فبراير 2018

أزمَة القَلم والمبرَاة


أزمَة القَلم والمبرَاة
http://ayshaalsaifi.blogspot.com/2018/02/blog-post_14.html
 



عائشَة السيفيّ
 

ألقيتُ نظرَةً على الفيسبُوك صبيحَة اليَوم ووجدتُ أحدهُم قد وضعَ صورَة كاريكاتير نشرَ اليوم في صحيفَة عُمانيّة.. نظرتُ إلى الكاريكَاتير وتمتمتُ في نفسي: من الغريب أن تنشرَ هذهِ الصحيفَة كاريكاتيراً بهذا العُمقِ .. عندَ هذا الحدّ انتهَى الأمر.

بعدهَا بسَاعات وجدتُ الكاريكاتير وقدِ انتشرَ انتشار النارِ في الهَشيم بينَ لاعنٍ وهامزٍ ولامِز. دُهشتُ من الأمر وأنا أفكّر في وجهِ الإساءَة التي يحتمِلُ الكاريكاتير على إثرَها سيلَ الشتَائم هذهِ وقد صُعقتُ للتفسيرات "الجنسيّة" التيْ حُمِّلَ بهَا الكاريكاتير.

أعرفُ أنني أدخلُ "عشَ الدبابير" وأنا أتناول هذا الجَانب لأنني أقفُ في وجهِ "تفكير" غالبيّة الجماهير التي رأت في الكاريكَاتير خدشاً صريحاً لحيائها وتجاوزاً لأدبيّات النشر.

دعُوني أعرضُ لكم ما تبادر إلى ذهني وأنا أنظرُ إلى الكاريكاتير صبيحَة اليَوم .رأيتُ قلماً أمامهُ خياران: الخيَار الأوّل هو المبرَاة ممثلةً في سلطة الرقَابة الخانقَة التي تزدادُ حدّتها يوماً بعد يوم على أصحَاب الأقلام .. أو خيَار أن يغرقَ في حالِ اختَار ألا يستجيبَ لأهواءِ الرقَابة.

المغرّدونَ والصحفيُون والكتّاب الذينَ ذاقوا الأمرّين من ملاحقَة القضاءَ والأجهزَة الأمنيّة وذاقُوا الحَبس والحرمَان والتهديد يعرفُون تماماً ما عناهُ هذا الكاريكاتير في توقيتٍ كتوقيت ما يسمّى ب"عيدِ الحبّ".

يعرفُونَ أيضاً أنّ المبراة ستحاولُ دائماً تدجِين الأقلام المشبوهَة لمصالحها وأهوائها وأنّ من يقاوِم يدفعُ الثّمن. وهذا واقعٌ عالميّ وشهدنَا عليهِ محلياً وعربياً في الآونَة الأخيرة التي سقطتْ فيها أقلام في وجهِ التحزّبات التي تقودهَا الحكومات وفرضِ أهوائها السياسيّة على أصحابِ القلم.

هكذَا فهمتُ المقال وهكذا فهمهُ آخرون ولستُ هنَا في معرَض استعرَاض العضلات أو التفذلك. كانَ مدهشاً لي ولبعضِ من ناقشتُهم في الأمر أنْ تتحوّل هذهِ الرسالة التي فهمنَا بهَا الكاريكاتير إلى مفهُوم جنسيّ كما رآهُ كثيرون.

تُحيلني هذهِ الهجمَة المجتمعيّة الحادّة إلى سياقَات أخرى كنتُ شخصياً أحدَ ضحاياها. عندمَا يكتبُ كاتبٌ مقطعاُ ما أو يُجيب إجابَة ما ضمن حوَار طويل ويستقطع أحدهُم مقطعاً منهُ خارجَ السيَاق ويتداوَل بينَ النّاس على اعتبارهِ "ذا مغزَى جنسيّ" وعلى الكَاتب حينهَا أو الرسّام أن يتحمّل موجَة السّحل الجماعيّة التي تصيبهُ. الجنس الذي لا يزَال تابُوهاً مجتمعياً "على الورق فقط" رغم ما نراهُ في الواقع من كلّ المحرّضات الجنسيّة والعَوالم الخفيّة التي تحدثُ في الظلام.

ولأنّ المجتمعَ ببساطَة يُريدُ أن يسمَع (ما يُريدُ هوَ أن يسمعهُ) ولا مكَان بينهُ لأصحَاب النيّات الطيبة والتفسيراتِ العاديّة.

تُحيلني هذهِ الأزمَة أيضاً إلى كتَاب خوَارق اللاشعُور للدكتُور علي الوردي وحديثهِ عمّا يسمّى بـ"الإطارِ الفكريّ" الذي ينطلقُ كلّ واحدٍ منهُ في نظرتهِ وفهمهِ للأمور. الإطَار الفكريّ لا شعُوريّ وهوَ نتاجُ علاقَة الانسَان بمحيطهِ وأفكارِ بيئتهِ وما يغذّيه إيّاه"عقلهُ اللاواعي" الذي يحددُ لهُ طريقَة فهمهِ للأمور.

بمعنَى أننا جميعاً قد نرَى مثلاً "مبراة" ولكنّ كلّ واحد منّا للوهلةِ الأولى دونَ أن يستمع لما يقولهُ الآخر سيفسّر المبراة على طريقتهِ.

على قنَاة "أخضر" في اليُوتيوب ، عرضَ مقطع فيديو كرتونيّ لكتاب خوَارق اللاشعُور مثالاً هوَ ماذا لو أحضرنَا فيلاً في غرفة مظلمَة وأحضرنَا أربع نسَاء وطلبنَا من كلّ واحدَة أن تضعَ يدها على الفيل.

الإجَابَة كانت كالتّالي: التي ستضعُ يدهَا على ذيلهِ ستعتقدُ أنّه حبل، أخرَى ستعتقدُ أنّه جدار لأنها وضعت يدَها على جانبِ بطنهِ وأخرى ستعتقدُ أنّه جذع شجرَة لأنها أمسكت رجله. في حقيقةِ الأمر لا يمكنُ لأيٍ منّا أن يقولّ أنّ أياً منهنّ كانت على صوَاب أو على خطأ لأنّ كلّ واحدَةٍ فسّرت الفيل وفقَ منظورها هي.

ما يريدُ أن يوصلهُ الدكتور علي الورديّ في كتابهِ أننا ننطلقُ جميعاً من قاعدَة مختلفة في تفكيرنا وهي قاعدَة لا شعوريّة وللمجتمع والبيئة التي تحيطُ بنا أثرٌ أساسيّ في تحديد تفسيرنا وفهمنَا للأمور.

ولأننا مجتمَع يعاني فصاماً حقيقياً بين لغَة الصحَافة "المثاليّة" ولغَة الشّارع "غير المثاليّ" ومحكُومون بثقافَة العيب وعدَم مناقشَة المواضيع الحساسَة والخاصّة علنياً فإنّ النتيجَة غضبٌ شعبيٌ على كاريكاتير يفسّرهُ المجتمع بالطريقَة التي يُريدُ هوَ أن يفسّرها.

المجتمَع الذي يعتقدُ أن (عيد الحبّ) كما يسمّى هوَ "حالَة جنسيّة" وفي حقيقَة الأمر فإنّ مفهُوم هذا اليَوم وفقَ الأعراف الأجنبيّة احتكرَ في مفهُومٍ جنسيّ ضيّق ولكنّ ما لا يعرفهُ كثيرون أنّه فرصة لإظهار المحبّة للأشخاص المميزين في حياتهم.

رأيتُ مثلاً قبل قليل صُورة لصديقَة من المغربِ العربيّ تعملُ معلّمة في مدرسَة وقد وضعَت صورةً لطلابها الذين أحضرُوا لها كعكة مليئة بالقلوب واحتفلُوا معها بهذَا اليَوم. وبعثت صديقتي الهنديّة باقَة وردٍ إلى صديقتها الأخرى لتهنئها بهذا اليوم ووضعتْ صديقَتي البلجيكيّة على حسابهَا صُورَة لأمّها معلّقة: لم أجد في عيدِ الحبّ صدَاقة ً غامرةً بالمحبّة كما وجدتُها مع أمّي.
لا أريدُ في هذا المقَال أن أبررَ هذا اليَوم وما يحدثُ فيهِ فإنّ الخلقَ لخالقهم ولكنّ التفسيرات المدهشَة التي سمعتُها اليَوم أثارتْ في داخلي تساؤُلاتٍ عن أزمَة حقيقيّة في إسقاط مفاهِيمنا المنطلقَة من إطار واحدٍ وثقافة "الرأي الواحد" على مَا نرَاهُ.

صفّوا النيّة يا جمَاعة. واتركُوا القلم والمبرَاة وصاحبَ الكاريكاتير الذي نحمدُ الله أنّه لم يكن فتاةً في حَالهم. رزقنَا الله وإيّاكم الحبّ وسعَة القلُوب وتقبّل الاختلاف.