التخطي إلى المحتوى الرئيسي

عن كُورونا، وفقر اللقاح، والشّعب العُمانيّ القنوع: أسئلة غير قنُوعة إطلاقاً


 

تحذير: إن كنت لا تحب لغة الأرقام فلا تقرأ هذا المقال

 


في نُوفمبر 2020، سألتُ مارجي فان جوخ، رئيسَة وحدة المواصلات واللوجيستيات في المنتدى الاقتصادي في دافوس عن استقرائها لشكلِ السباق العَالمي نحوَ اللقاح فأجابتني بأنّ حربَ اللقاحات قد بدأتْ بالفعل وأنّ كل دولة ستكونُ معنية بشعبها فحسب، وأنّ ثلاث عوَامل ستحددُ أسبقية الدول في الحصول على اللقاح، أولاً: ذكاء السياسيين في كلّ دولة وحنكتهم الدبلوماسية ستوضع تحتَ الامتحان الحقيقي لاختبار مِرَاسهم في التفاوض على أكبر عدد من الجرعات مستغلةً علاقاتها الدولية وشبكة معارفها للحصول على أكبر كمية بأسرع وقت ممكن، ثانياً: قدرة فرقهِم الاستراتيجيّة على استقراء مستقبل إنتاج اللقاح وأيٍ من شركات إنتاج اللقاح ستنتجُ أولاً وبفعالية تحصين أكبر وثالثاً: قدرتها المالية التي ستحدد مقدرتها على المخاطرة بشراء لقاحات لم تعتمد بعد بناءً على استقرائها للمستقبل، (إنّها مقامرَة عليهم اتخاذها وإلا فالنتائج وخيمة).

معربةً عن قلقها من أنّ المرحلة القادمة ستفتقد المساواة في توزيع اللقاح. (عائشة، إنهم يجوبون العالم -بينمَا نتحدّثُ- بملايين من الكاش لحجز اللقاحات وتأمينها لشعوبهم. ستكُون حرباً شرسَة وعلى الحكومات أن تشمّر عن أكمامها لضمان حصتها فالسّاعة تدقّ).

في نفسِ الفترة حضرتُ ندوةً عالمية استضيف فيها ممثلون من اليونسيف، وكوفاكس (الاتحاد العالمي لتوزيع اللقاحات) ودار النقاش حول مفهوم فقر اللقاح، ليختلف الحضور على معاييره بينَ من يقول أنّ الدولة التي ستخرج من الربع الأول من 2021 ولم تحصّن 5% من سكانها هي دولة تعاني فقرَ لقاحٍ مدقع وبينَ من يقولُ أنّ الدولة التي لم تستطعْ أن تلقّح 3% من سكانها بحلول يونيو 2021 هي دولة فقيرة جداً على مستوى اللقاح. وبينَ حديث مارجي وما دارَ في تلكَ الندوة، تذكرتُ بغصة لم أدركها وقتئذ أنّ بلادي بينَ المعيارين ستعاني من فقرِ اللقاحِ.

شعرتُ بتلكَ الغصة وأنا أشاهد مهرجان الشكر الذي انشغل به اخوتي العمانيُون بمجرد أن بدأنا نلمح بوادر تدفق بضعة مئات من الآلاف من الجرعات هنا وهناك بعد شهورٍ من الانقطاع والصمت الحكوميّ الطويل، وشح اللقاح وهاشتاجات الشعب المتتالية التي تطالب باللقاح في ظلّ حظرٍ دامَ ما يزيدُ عن الشهرين، وجنازاتٍ نودّع فيها شباباً فيّ زهرة عُمرهم، وأزمة اقتصاديّة مخيفة لو كانَ لهَا صوتٌ لشلَّت آذاننا من شدّة الوجع. شعرتُ بحالةٍ من التشوش وأنا أقرأ مهرجان الشكر وتساءلتُ هل يقرأ هؤلاء أين تقبعُ عُمان في سلّم التحصين؟

آخرُ احصائيةٍ في النصف الثاني من مايُو تشيرُ إلى أنّ 2.6% من سكان السلطنة تلقوا جرعة، و1.5% من مجموع السكان تلقوا جرعتين. نحنُ نقف في قائمة نتذيّل فيها دولاً أقل منا في نصيب دخل الفرد، مثل تشيلي (التي تأتي بعدنا بأربع مراكز في دخل الفرد) بينما حصّنت 44% من سكانها (وليس بجرعات تتكولة وإنّما بفايزر وأكسفورد)، ورومانيا التي حصنت 20% من سكانها التي يقل نصيب دخل الفرد فيها عن عُمان بكثير.

وفي 1 يُونيو حيثُ شيعت السلطنة 11 جنازة من الموتى الذين قضَوا بكورونا، كانتِ المملكة المتحدة تحتفل بصفر إصابات بعدَ استراتيجية التحصين الشرسة التي وصلت لنصف مليون جرعة تحصين في اليوم،  والقائمة على تحصين أكبر قدر ممكن من الشعب بجرعة واحدة على الأقل لتقليل الوفيات كما فعلتِ السعوديّة، أمرٌ أثبتَ نجاحه الذي كان حصاده سريعاً، ففي الوقتِ الذي سجلت بريطانيا 1800وفاة كأعلى عدد من الوفيات في 21 يناير 2021، انخفض ذلك إلى 57حالة وفاة في 18 إبريل لتتساوى بذلك  بتعدادها الذي يتجاوز 67 مليون نسمة مع أعداد الوفيات في السلطنة ذات الأربعة ملايين نسمة.

تنتابني غصّة وأنا أرى صديقتي البريطانية التي أخذت جرعتها من اللقاح وهي لمّا تتمّ الثلاثين، بعد أن استوفت شريحتها العمرية أحقيتها في اللقاح أي بعد استحقاق 38مليون بريطاني ممن تزيد أعمارهم عن 30عاماً، بينما في عُمان، لا تزال الشريحة الثلاثينية في مجتمع شاب جداً مثلنا في عُمان لا يتجاوز تعدادهُ 3 ملايين لم تستوف شروط استحقاق اللقاح العامة بعد. 3 ملايين كانَت هي المعدل اليوميّ لتوزيع اللقاح في الولايات المتحدة التي كانت ستلقح كل سكان السلطنة في ظرفِ يومين لو تحرّكنا بنفس سرعتهم.

أتذكّر مقطع الفيديو المؤلم لحسين الزيدي الذي خطفَ كوفيد حيَاتَهُ تاركاً زوجتَهُ المقعدة وأطفاله وأفكّر كم حياةً كنّا سنحمي، لو حمَتْ ظهُورَنا حكومَة امتلكت تلك الحنكة للتفاوض وتأمين أكبر عدد من اللقاحات لشعبها بأسرع وقت ممكن. أتذكّر بحرقة العائلة التي ودّعتْ الأب ثمّ بعدها بأيّام لحقَ به إلى القبر ابنهُ الشاب مصاباً بكوفيد. أتذكّر وداد التي التقطت كورونا وهي تحمل أمّها للمراجعة في المستشفى لتموتَ بعدها بأيّام. لم يعُد الأمر يتعلّق بكبار السنّ فنحنُ نشيّع موتانا الشبَاب ونودّع خيرَة ثرواتنا البشريّة. نحنُ لا نقف أمام وضع كارثيّ في خسارة الأرواح ولكن خسائر اقتصاديّة جسيمة عندما يرحل شباب عُمانيون كحسين ود.عبدالمنعم الخروصي، وغيرهم من طاقات عُمان التي استثمرت البلاد فيهم مئات الآلاف ليعمّروا البلاد ولكنهم عوض ذلك خسروا معركة حياتهم مخلفين وراءهم أراملَ ويتامَى.

لا أفهم مهرجان الشكرِ هذا وأتساءلُ إن كان بينَ هؤلاء الذينَ يغدقون المديح من خسرَ في الشهر الماضي، عزيزاً أو صديقاً، وأتساءل إن  كانَ بينهم، أحدُ المسرحينَ الـ700 الذينَ اضطر مركزُ العيسري لتسريحهم بسبب الأزمة لعدم مقدرتهِ على دفع الأجور وعجز الحكومة عن إعانتهِ، أو كانَ بينهم محمّد صاحب محلّ الورد الصغير الذي خسرَ عندما أعلن الإغلاق في ظرفِ يومين، طلبية ورد قيمتها 2000ريال، (من يعوّضني عما دفعتهُ من طلبية الوردِ هذه حين يقررون الحظرَ المفاجئ للأعراس) يقولُ محمّد. أمْ يا تُرى هل كانَ أحدهم صاحب المقهى في أحد المولات الذي بسبب الإغلاق في رمضان انخفض دخل مقهاه إلى 50 ريال في الأسبوع وهو لديه إيجار وعمالة يدفع لها. أو صاحب المطعم الذيْ اضطر لإغلاق مطعمه رغم مديونيتهِ بعد شهرين من الحظر لأنهُ فقد 80% من دخله بسبب الإغلاق في الساعة الثامنة ثمّ تقديمهُ للسادسة مساءً لأنّ 80% من الطلبات تكونُ مسائية. أو صاحب الصالة الرياضية الذي لم يدفع لمدربيه منذ شهور طويلة بسبب إغلاق صالته. أو صاحبَة الصالون التي تعيلُ 7 عوائل وتحظر الحكومة عليها ممارسَة معظم خدمات الصالون التي تدرّ عليها 70% من دخلها.

هل يا تُرى كانَ أحدُ اللاهجين بعبارات الامتنانِ، صاحب شركة الصيانة الذي قالَ أنّ الحجر المفروض على القادمين كلّفه خسائر تفوق أكثر من 300ألف دولار شهرياً لاضطرارهِ لحجر المهندسين الذين تتجاوز يوميتهم عن 3آلاف دولار، مقارنةً بدولة الجوار التي تعفيهم من الحجر؟، (أعمالنا تنهار ونحنُ نفقد منافسة دول الجوار ولا أحد من المسؤولين ينصتُ لصرخاتنا!)

تذكّرتُ رجلَ الأعمال العُماني الذي يملكُ قاعة ألعاب في إحدى المولات والذي يشتكي أنهُ في الوقت الذي يخسرُ عشرات الآلاف من الريالات في عُمان بسبب حظر ألعاب الأطفال، تدفعُ الحكومة البريطانية لموظفيه 80% من رواتبهم. أعمالي لا تُعاني في بريطانيا مثلَ عُمان. الحكُومة تغلق كل شيء وتتركنا في وجه رياح الوباء نقاسي وحدَنا. (في بريطانيا تعينني الحكومة أما هنا فالقطاع الخاصّ يحتضر وروّاد الأعمَال لا بوَاكي لهم!).

في بريطانيا، بلغت نسبة الدين العام للحكومة لدعم القطاع الخاصّ وإنعاش الشركات الخاصّة ما يزيدُ عن 300مليار جنيه وهي أعلى نسبة اقتراض منذ 30 عاماً حيثُ تقدم الحكومة إعانات تتجاوزُ 5مليار جنيه في دفع المعاشات للشركات المتضررة بسبب الإغلاق، وفي حينِ وعدت الحكومة بإيقاف دفع رواتب العاملين في القطاع الخاصّ بحلول يونيو، أعلنت غرفة التجارة البريطانيّة أنّ على الحكومة دفع الإعانات حتّى نهاية الصيف لحماية القطاع الخاصّ من الانهيار، وهوَ أمرٌ فعلَتهُ كنَدا وألمانيا التي فعّلت حزمة الإنعاش الاقتصادي للشركات المتضررة التي خسرت 60% من دخلها بسبب الجائحة. وأمّا في عُمان فإنّ أمثال محمّد ممن تضررت أعمالهم بشدة بسبب الجائحة من صالاتٍ رياضيّة طالها الغلق وصالات أفراح، ومقاهٍ في المولات أفلست، كانت تصَارع في البقاء وحدها، في ظلّ حكومة تدفع صاحب العَمل البسيط ليدفع فاتورَة عجز النظام الصحّي عن استيعاب الأزمة وعجز المسؤول عن التخطيط الأمثل لمواجهة سيناريوهات الأزمة الأسوأ بعد مرور أكثر من عامٍ كانَ على القيادات الطبيّة في البلد أن تتوقعها.

ففي الوقتِ الذي زادت ألمانيا استيعابية نظامها الصحيّ لأكثر 30ألف سرير خلال شهر واحد، كانَ علينا خوض شهرين من الإغلاق وحظر التجوال ثمناً لفاتورة عجز النظام الصحيّ عن رفع كفاءة العناية المركزة عن 300سرير للسلطنة بأجمعها بعد مرور عامٍ من الوباء.

نحنُ نقفُ أمام ثغرَة كبيرة إداريّة في الجائحة تستلزمُ قيَادة إداريّة خاصّة ليستْ بخلفيّة طبيّة ولكن بخلفيّة إدارية واستراتيجيّة محنّكة لإدارة أزمة اقتصاديّة واجتماعيّة تقف على حدٍ سواءٍ مع كونها أزمة صحيّة.

عندمَا كانت مارجي تحدّثني عن استعداد الدول لحرب اللقاح، كانت بريطانيا تعلِنُ تعيين ناظم زهاوي، في نوفمبر 2020 وزيراً للقاح ومهمته الأساسيّة التفاوض على توفير أكبر قدر من اللقاح للبريطانيين وإدارة استراتيجيّة التحصين الوطنيّ. ناظم لم يكن بخلفيّة طبية إطلاقاً ولكنهُ كان إدارياً محنّكاً وهوَ الأمرُ الذي فعَلتهُ السعودية التي حشَدت من قطاعات مختلفة كالنفط، والموانئ والجيش، أفضَل كفاءاتها لإدارة أزمة الجائحة وتطوير أفضل الأنظمة الالكترونيّة لإدارة التحصين وتتبع الحالات. الأزمة ليست طبية ولا ينبغي أن تناط في هذهِ المرحلة لإدارة طبيّة بل الأزمة أوسع من ذلكَ بكثير وعمليّة التفاوض على اللقاح لم يكن لتوضع بينَ أيدي الأطباء بل يُحشد لها أفضل المفاوضين المحنّكين في السلطنة وتُقاد على أعلى مستوى تمثيل سياسيّ في البلد. وذلكَ يفسّر لماذا استطاعت اسرائيل أن تكونَ أعلى دولة وأسرعها عالمياً في توزيع اللقاح فقد قاد نتنياهو بنفسهِ عمليّة التفاوض مع فايزر لتأمين اللقاح لمواطنيه للحدّ الذي بلغ بالرئيس التنفيذي لفايزر،وصفهُ بالمهووس بعد تجاوز اتصالات نتنياهو به لأكثر من 30 اتصالا و الذي لم يؤمن لاسرائيل أكبر قدر عالمي من جرعات فايزر بحلول يناير 2021 فحسب بل إنّ وفرة اللقاحات عندهم جعلتهم يعرضون اللقاحات في المقاهي والمطاعم ويحصنون الأطفال بحلول مارس 2021. وهوَ ذات الأمر الذي فعلَته قطر التي تقُوم اليوم بعمل (ديلفري) لقاح فلا داعي للفرد أن يذهب لمركز اللقاح وإنما يأتيهِ فريق التلقيح حتى منزله.

نحنُ لا نقفُ أمام خذلانٍ حكُوميّ لتأمين اللقاح ولكننا نقفُ أمام مسؤولٍ لا يتوقفُ عن لومِ المواطن في انتشار الفيروس وإصاباته. ففي الوقتِ الذي خرجَ فيه بوريس جونسون أمام الشّعب رغم اعتراف المجتمع الدوليّ بنجاح حكومته في إدارة الأزمة وتوزيع اللقاح ليقولَ لشعبهِ: أنا آسف وأتحمّل مسؤولية ما حدث، كنّا نقفُ أمام المسؤول العُمانيّ الذي لا يزالُ حتى أمد قصير يلقي باللوم على المواطن دونَ أن يعترف للحظة بأقلّ قدر من المسؤولية عن شحّ اللقاح وتحمّل فشل تأمين الجرعات. بل وملاحقته قضائياً للمغردين المنتقدين لإدارتهِ للأزمة وطريقة قيادته، وفي الوقت الذي كان الشعب يرفع الهاشتاق وراء الآخر طالباً اللقاح كانَ المؤتمر الصحفيّ متوقفاً والصّمتُ الحكوميّ مطبقاً أمرٌ لم يكن مستغرباً على الإدارة الإعلاميّة للجائحة التي افتقرت طوال فترة الجائحة إلى لغة البيانات بينَ عرض أعمار وفيّات الجائحة، وتتبع حالات الانتشار، وفاتورة الإغلاق التجاري، والشركات التي أفلست، ورواد الأعمال المتضررين، والعمّال المحتاجين للإنعاش الاقتصادي إلى آخرهِ من البيانات التي تعزز صورَتها كحكومة تقيمُ قراراتها على بيانات رصينة وتوضيحَات قائمة على أدلّة علميّة تفسّر قرار اللجنة حول منطقيّة حظر الأنشطة في الساعة الثامنة، وإيقاف طلبيّات التوصيل ثمّ فتحها لاحقاً، أوْ السماح بفتح الأكل داخل المطاعم بينما تغلق الصالات الرياضيّة الأمر الذي دفعَ أحدهم ليقول: يفتحون المطاعم للأكل ويغلقون الصالات الرياضيّة، كورونا معضّل! أسئلة كثيرة وقرارات تفتقر للغة الأرقام التي تعَامل الشعب بوعيٍ وتحترم ذكاءّه وفهمه.

والآنَ وقدْ لاحتْ البشائر بعدَ أن حجزتِ الدول الغنيّة جرعاتها وأعلنتْ دولُ كالولايات المتّحدة منذ شهرين أحقيّة كلّ فرد أمريكي للحصول على اللقاح، بدأنا نحنُ نأخذ دورنا في طابُور اللقاح بوعدِ أن ينتهي الصيفُ -إن أوفت الشركات بالتزامها- وثلثُ السكان قد أخذُوا اللقاح مانحينَ الأولويّة للأطقم التدريسية والجيش والشرطة وللشركات الخاصّة التي دعتها الحكومة لتدفع نفقات لقاح موظفيها لهم -أمرٌ لم تفعلهُ أي دولةٍ خليجيّة- رغم أنّ أزمة اللقاح كما يدّعي المسؤول ليسَ سببها مالياً، وأما المواطن العاديّ فعليهِ أن ينتظر إن لم تكن وراءهُ شركة تدفعُ له.

إنني أتأمّل بتشوشٍ كبيرٍ لماذا يشكرُ الشعبُ مسؤولاً يقبضُ راتباً على خدمته، وأتساءل إنْ كانَ ثمّة شعبٌ قنوع مثلنا يمتلك سقفَ توقعاتٍ منخفضاً تجاهَ أداء مسؤوليه وإن كانَ سيصدق توقعُ أحدهم بأنّهُ لا غرو رغم تعثّرنا في إدارة الأزمة أن نرى المسؤول يُكرَّمُ بالأوسمة، في بلدٍ يغمضُ عينيهِ عن الأداء المدهش لنظرائه المسؤولين في الدول المجاورة ناهيكَ عن دولٍ كبريطانيا وتشيلي وغيرها، وإنْ كانَ هنالكَ شعبٌ غيرنا، يقدّس مسؤوليه رغم ضعف أدائهم كما نفعلُ نحن. أتساءلُ وأنا أعرفُ أنني أدخلُ عشّ الدبابير بهذا السؤال وأعرف أنّ هناك من سيتهمني بالجحود وقلّة الشكر لكنني أفطن أنّ هنالك شريحةً كبيرةً من العُمانيين الذينَ يملكون ذلك الوعيَ الجَارح ممن يشاطرونني القلق على مستقبل بلاديْ ونحنُ نبصرُ العَالم يتحرّك في السّباق بسرعة جنونيّة ونرَى بلادنا بينَ أيدي مسؤولين عاجزين عن قراءة المستقبل واستشرافهِ بعينِ العارف، فكيفَ نتوقعُ ممن أساء التقدير -وإن باجتهادٍ- أن يكونَ جزءاً من الحلّ وهل نتوقع من اليدِ التي هدمَتْ -وإن بنيّة حسنةٍ- أن تُعمِر؟

إننا هنا لا نزايدُ على وطنيَة أحد بل ندركُ أنّ المسؤول بذلَ -وفق ذكائه وتقديرهِ- أقصى ما يستطيع بما قيّض له من معرفة لكن ما يقلقنا حقاً أن نكمل بنفس القيادات الطبيّة الحاليّة مشوار التعافي من أزمةٍ خانقةٍ هي الأسوأ في تاريخ السلطنة المُعاصر حيثُ لا استراتيجيّة تعافٍ واضحة وإنقاذ اقتصاديّ حقيقيّ من الأزمة التي ستستمرُ حتى مطلع العام القادم.. وإن كانَ الجميع بما فيهم المسؤولون يهتفونَ أن يونيو سيقلبُ الموازين وسيكونُ شهرَ التغيير، فإنني أدعو الله أن يكون يونيو شهرَ تغيير القيادات الطبيّة  للأزمة على المستوى الأوّل والثاني فقد أدّوا مهمتهم وشكرَ الله سعيهم فالبلادُ تستحقُ سقفَ رضا أعلى وتوقعات أكبر وآن للدماء الجديدة أن تأخذ مجراها وترفعَ ذلك السقف. دماء ليست من خلفيّة طبيّة فحسب وإنما بكفاءات ممكَّنَة من كافّة القطاعات التجاريّة والإداريّة والعسكريّة لا تديرُ الأزمة باعتبارها أزمة صحيّة وإنّما أزمةً تمسّ حياة كلّ فردٍ عُمانيّ ودخلَ كلّ تاجرٍ ومواطنٍ قد يدفعُ حيَاته ثمناً باهظاً بسبب القيادةِ الحكوميّة المتعثرة في إدارة الأزمة.



* تنوّه الكاتبة إلى لبسٍ ورد في المقال حول وفاة الدكتور علي المغيري بكورونا وقد تم تعديل المقال وحذف المقطع المذكور.




تعليقات

  1. لله ًدُرِك قد أتيتي بتفصيل ما في عقولنا وصدورنا من غصه،، ولكنني اصبحت متفائل بشي من النور البسيط بأن هناك كُتّاب سردوا حقيقة توقعات شباب عمان عن ذالك الغث في مواقع التواصل مؤخرا ،، تحيه صادقه

    ردحذف
  2. لأسف مسئولينا نصبوا أنفسهم اوصياء على الشعب وبأنهم افقه مننا ، هذه النظرة الدونية منهم كانت و لازالت ، حتى أنهم لا يستفيدون من تجارب الآخرين ويستمرون بأخطائهم ويكررونها حتى يثبتوا صحة توجهم على حساب الشعب
    انا الله يا عائشة

    ردحذف
  3. Nicely written Aisha. Thank you

    ردحذف
  4. أصبتي كبد الحقيقة..

    ردحذف
  5. ما ذكرتيه للأسف واقع وصحيح..
    وللأسف أغلبنا مطبلون وناقصنا كاسر ورحماني ولن ينتهي التطبيل لانه يدار من أجهزة توجه الشعب إلى بحر التطبيل لنبقى ننعق بالتطبيل وسنبقى على هذا الحال مابقي لنا من حياة لأنه لا يظهر في الأفق الا مزيد من بوادر التطبيل والتهلليل والتكبير وهذا ما عشناه ونعيشه ونستشعره في قادم الأيام والسنين..
    ليس تشائم ولكن هذا الواقع للأسف.

    ردحذف
  6. لله درك اشهد الله أن كلمة الشكر قليله في حقك قدمتي حبر قلمك بماء من ذهب ثبتي لكل عماني ان عمان بها قلم قادر ان يكتب وعقلا يمد القلم بدمه قبل فكره اتفق معك وازيد على ماقلتي بسؤوال واحد للخارجيه العمانيه وأصحاب السعادة السفراء ماذا قدمتوا في هذه الازمه وماذا قدمتوا خلال خمسين عاما على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والصحيه والعلمي والمهني والتجاري والبحث العلمي نسأل الله السلامه

    ردحذف
  7. الله يرحمك ويغفر لك يا أخوي حسين فقدناك

    ردحذف
  8. بارك الله فيك .. اتمنى يصل صوتك ورأيك ويتم تطبيقه

    ردحذف
  9. مقال في الصميم.. جزاك الله خير 👌

    ردحذف
  10. مقال ممتاز يلامس ما يعانيه السعب العماني لله درك بنت عمان والله يكثر من امثالكم

    ردحذف
  11. أتمنى تعميم هذا المقال على كل فرد في السلطنة

    ردحذف
  12. ممكن مصادر المعلومات الوادرة في المقال حتى نتأكد من صحتها؟

    ردحذف
  13. كلام سليم وواقعي، بارك الله فيك 🌹

    ردحذف
  14. أحسنتي الطرح عائشة شرحتي ما يدور في أعماقنا.. نعم والله انا وكثير غيري نشاطرك القلق على مستقبل بلادنا اللتي ما برئت من عبث القيادات قديمها وحديثها تتغير الاسماء ولكن نفس الافكار والاهداف وغياب التخطيط والرغبة في الاصلاح الحقيقي.. وما يزيد عجبي رضا المواطن عن المسؤلين رغم علمه بأنه واقعيا خارج خططهم اصلا!

    ردحذف
  15. أنيس اللواتي7 يونيو 2021 في 6:28 م

    من أصدق وأجرأ ما قرأته عيناي .

    ردحذف
  16. سلمت يمينك والعدو ما يهينك٠
    طرح موفق وراي صائب فكنت دائما اتسائل لماذا لا يتحمل مسؤولية توفير اللقاح اداري من احد الشركات متخصص في عقود الشراء والتوريدات الكبرى.

    ردحذف
  17. سالفة إنه نتنياهو إجتمع ٣٠ إجتماع مع مسؤولي شركة فايزر شريش....إسرائيل دفعت ثمن الجرعه ٢٤ دولار أعلى من الإتحاد الأوروبي الذي دفع لكل جرعه ١٢ دولار فقط
    إسرائيل وافقت على مشاركة جميع البيانات مع الشركة المصنعه للقاح
    الشركة المصنعه قالت أن أولوية اللقاح لإسرائيل
    ويلزم الاتفاق إسرائيل بإخطار فايزر أسبوعيا بمسار الجائحة، ونقل البيانات بشأن صحة الذين تلقوا التطعيم.

    وتشمل تلك البيانات أرقام تلقى العلاج بالمستشفى، والمرضى الذين تم التحقق منهم، والحالات الحرجة، ومن منهم يحتاج لأجهزة تنفس، والوفيات والحالات التي ظهرت عليها أعراض، وعدد التطعيمات وفقا للسن والعوامل الديموغرافية.
    وكشفت وزارة الصحة الإسرائيلية عن معظم اتفاق التعاون، الذي يقع في 20 صفحة والذي وقعته مع فايزر، وجاء فيه أن الهدف هو “تحديد ما إذا كانت تحققت مناعة القطيع بعد الوصول إلى نسبة معينة من التطعيم في إسرائيل”.

    ولم يتم الكشف عن تفاصيل من بينها الثمن وكمية جرعات اللقاح المقدمة لإسرائيل، لكن جاء في الاتفاق أن إسرائيل تعتمد على فايزر في تقديم ما يكفي من الجرعات بمعدل سريع كاف للسماح لها بأن تحقق “مناعة القطيع” وهو ما يعني أن تكون لدى نسبة كافية من السكان مناعة ضد الفيروس.

    وقالت شركة بيونتيك الألمانية، التي تشارك فايزرفي تصنيع اللقاح، في بيان، الإثنين، “في حين أن هذا المشروع جار تنفيذه في إسرائيل فإن النتائج التي سيخلص إليها ستكون قابلة للتطبيق حول العالم. ونتوقع أن يُسمح للحكومات بتعظيم أثر حملات التطعيم بها على الصحة العامة”.

    ردحذف
    الردود
    1. أحسنت بارك الله فيك على التوضيح

      حذف
  18. أسأل الله أن ينور بصيرتك بأضراره التى لا يعلمها إلا قلة قليلة من الناس .. والحمدلله على نعمة الحكومة التى لم تفرضه علينا وإنما إختياري لمن يرغب .. الحمدلله على نعمة حرية الاختيار

    ردحذف
    الردود
    1. آمين يارب العالمين.. بارك الله فيك

      حذف
  19. المقال رائع والعتب في محلة ولكن للاسف لم يوفق الكاتب في إلقاء اللوم على وزير الصحة. بل اللوم بالاحرى يكون على رئيس اللجنة العليا المكلفة بمتابعة تداعيات جائحة كرونا. وزير الصحة هو فقط عضو فيها

    ردحذف
  20. يعني وزير الصحة ماقدم شي للبلد أبدا... وماله بصمة في إدارة الأزمة ولذلك مايستحق الشكر!
    تتعجب من بعض المقالات خاصة لما تخط بأقلام الفئة المثقفة فالمجتمع...

    المفترض بدل التركيز على نسبة التأخير في أخذ اللقاحات التركيز على عدم تجاوب فئة كبيرة من المجتمع على أخذ اللقاح....

    خاصة فالفترة الأولى من التطعيم باللقاح السابق...
    وحتى هذا التأخير ظهر فيه خيره لنا..
    وأن اللقاح فايزر هو الآمن حاليا.

    ردحذف
  21. لما نجي نحط المقارنة مع الدول اللي تهافتت بأخذ اللقاح نكتشف أنها لازالت متأخرة بسبب الفشل الذريع ف اللقاح السابق... ومعاليه واضح في كلامه من البدايه ما راح اخاطر بحياة المواطن.
    اعتقد لم توفق في مقالها.

    ردحذف
  22. اشاطرك الرأي في أن الحكومه كان من المفترض أن تتحمل تبعات القرارات التي تصدرها وخاصة في ما يتعلق بالجانب الاقتصادي ولو بنسب مرضيه لجميع الأطراف إن لم يكن 100٪..وأيضا في ما يتعلق بإدارة الازمه كان من المفترض على اللجنة المختصة تقبل النقد البناء والاستشارات الذكيه المجديه من جميع أطياف المجتمع في كيفية التعامل مع هذا الأمر(أمرهم شورى بينهم) ... لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل ثبتت فاعلية هذا اللقاح بنسب مقنعه.. هل جميع أطياف المجتمع لديها الوعي التام بضرورة أخذه.. في السنوات السابقه التي اجتاح العالم مرض الانفلونزا المعروف بـ H1N1.. تسابقت العديد من الدول إلى اقتناء اللقاح المضاد لهذا الفايروس ومن بينها السلطنه بكميات معقوله ولكن الملاحظ ان أعداد من تلقوا جرعات اللقاح بسيطه.. وكما يقال الأمور عدت بفضل الله.....فلا تستطيعي إجبار الكل على تلقي اللقاح وأنت في ذات الوقت غير متيقنه منه .. لذلك أنا مع التأني وأخذ الأمور بحكمه ورويه وعدم الدخول في هذا الصراع بجنون.. لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا..
    ولكن في تصوري أن الشعب بات واعيا حول اخذ التدابير الاحترازيه ضد هذا المرض وهذا الأمر أدعى للارتياح قليلا الا فئة قليلة ولكل قاعدة شذوذ وهذا أمر طبيعي .. بارك الله فيك

    ردحذف


  23. الناقمين على اوطانهم
    مذمومين مكروهين من المجتمع

    لا يغرك من صفق لك هنا

    مشكلة مدعين الثقافة كانوا في سبات من سنه ونص
    واليوم اصابتهم مصيبة لما بلادهم تحاول النهوض بقوة

    اللهم احفظ عمان وسلطانها

    شكرا عمان شكرا لكل الفرق الطبية واللجنة العليا سنه ونص وانتوا تحاربون وحدكم

    ردحذف
  24. حددت السبب و لكن تهت في المقارنات

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سأصيرُ "بانيَان"

  عائشَة السّيفي   (إنّهم لنْ يسمَحُوا لنا بالدخُول لسوقِهم فالسُوق لشركَاتهم المحليّة والوطنيّة) ، هكذا قَالَ لي التاجر العُماني من أصول بانيَانيّة وهو يوصّف لي السُوق الخليجيّ. (كلّ ما يقال عن وحدَة الخَليج هو تسويق إعلامي لا أكثَر لكنْ في "البزنس" كلهم يدعمون شركاتهم وقطاعهم المحليّ. إنني أفضلُ العَمل في أمريكا وأوروبا على الخليج. لقد صَرفنا أربعين ألف ريال على إعداد مناقصة في الدَولة "ق".. إنهم يقولون أنتم العمانيون رَائعون.. نحبكم كثيراً، لكنهم لن يمنحُوننا مناقصَة بريال واحد. المناقصة ستذهب إلى شركاتهم المحليّة أو إلى شركَة عَالميّة وكيلُها من مواطنيهم. القائمون على مشاريع الدَولة (ك) طلبُوا مني لأتناقص اعتمَاد مواد مصَنعي من مختبر محليّ والمختبرات المحليّة لا تملكها إلا الشركَات المحليّة المنافِسة لموَادي، طبعاً لن أفعلها.. إنها طريقة غير مباشرة لأمسكَ الباب واطلع! الدَولة (س) هي الأخرى سوقها كبير وقد حاولنا مراراً الدخول فيها ولكن كلّ شيء يذهب لتجارهم المحليين. "ولكنْ كيف يفضلون الشركات المحليّة عبر بنود المناقصة؟" سألتهُ، (لا يحت

مَاتَ السَلطان، ولكنّ عُمانَهُ لا تمُوت

(نحنُ لا نقبلُ إلا أن نعيشَ أحراراً ، ورؤوسنا مرفوعةٌ في هذا البلد. لقد حاربنا الغزاة والمستعمرين على مر السنين. سلُوا التاريخ والجبَال والبحار تقول لكم: أن في كل زاوية من أرضنا تاريخاً حافلاً بالأمجاد والبطولات ونحن اليوم حماة هذا التاريخ وهذا التراث) قابوس بن سعيد . نعَم مَاتَ السُلطان، ومؤسس دولَة عُمان الحَديثة وهوَ في رحيلهِ اليوم وقد بكاهُ الشعبُ قلباً قلباً لمْ يَخضْ رحلتهُ يسيرة بلْ عاشَ خمسَ عقودٍ في موَاجهة ريَاح تلو أخرَى، تجَاوزناها معهُ جميعاً. لقدِ استَلم ابنُ الثلاثينَ عاماً، بلاداً مطُحونَةً تاريخياً بحرُوبها الداخليّة -أكثَر من الخارجيّة- بلاداً منقسمةً مذهبياً وطَائفياً وقَبَلياً.. ولعلّ السّلام والتسَامح، والتعايش القبَلي والمذهبيّ والطائفيّ وغيرهَا من علامَات الاستقرَار التي حسبنَاها نحنُ الجيل الذي لم يعَاصر عهداً إلا عهدَ السُلطانِ أشياءَ مضمونَة هيَ ليستْ أموراً مضمونة عبرَ تاريخ عُمان وجلُوسنا معَ أبٍ أو جدٍ يُعلمنا جيداً ما شهدُوه قبلَ السلطان. ولمْ يكُنْ من السّهل إرساءُ الثوابتِ التي نشهدُها اليَوم ولمْ تكُنْ رحلةً سلسَةً كما نرَاها فلقد شَاب