16 ديسمبر, 2009

الشوفينيّة التيْ لا نعرفُ ! / رُدُهـَات

الشوفينيّة التيْ لا نعرفُ !

http://www.alwatan.com/dailyhtml/culture.html

عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com


وفقاً للموسوعة الحرّة ويكيبيديَا فإنّ الشوفينيّة تعنيْ فكرَةً متطرِفَة وغَير مَعقُولَة يتم بموجبِها التعصّب لمَجمُوعَة ينتمِي إليهَا الفَردُ، وخَاصّة عندمَا تتضمّنُ المجمُوعَة حقدَاً وكرَاهِيةً تجَاهَ أيّ فريقٍ منافِسٍ. حينَ خرجتِ الشوفينيّة كمصطلحٍ لم تكن تحملُ فرقاً كبيراً بينها وبينَ نظَام التعصّب العرقيّ الذي وضعَ أسسهُ علمياً عالمُ الاجتماعِ الأميركيّ وليَام سمنَر الذي عرّف التعصّب العرقيّ على أنّه النظرُ إلَى جمَاعَةٍ مَا علَى أنّها مرْكزُ كلِّ شيْءٍ، وَجميعُ الآخرِين يُوزنُون وَيرتّبُون بعدَهُم. غيرَ أنّ الشوفينيّة خرجتْ في القرنِ الأخير من كونهَا مصطلحاً إلى كونهَا أساس مركّب تتفرّع عنهُ مصطلحَات أخرى فالشوفينيّة لم تعد –كما خرَجتْ في بداياتِها- قائمَة على التعصّب لعرقٍ أو وطنٍ وإنّما حملتْ فكرَة التعصّب لأيّ مذهَب ، فكرَة ، حزبٍ سياسيّ ، ثقافيّ أو اجتماعيّ .. التعصّب لفكرَة خارجَة من أيّ تجمّع يهمّش أي تجمّع آخر غيرهُ ..

خرجتْ كلمَة الشوفينيّة إلى النّور –كما تشيرُ الكاتبَة لمى العثمان فيْ إحدَى مقالاتهَا- كاشتقاقٍ من حكَايَة أرّختها كتبُ التاريخ الفرنسيّة عن جنديّ فرنسيّ يدعَى ( نيكُولا شيفان ) وهوَ جنديٌ مشهُور خاضَ حروباً كثيرةً في جيش نابليُون وكانَ يتعصّب لسيَادة الامبراطوريّة الفرنسيّة على بقيّة الأعراق والدوَل .. وظلّ رغمَ إثخانهِ بالجراح في الحرُوب التي خاضها نابليُون متعصباً لفكرَة أنّ فرنسَا هيَ الأعلى ولا شيءَ آخر غيرها ..

تعصّب شيفان جعلهُ أساسَ اشتقَاق كلمَة الشوفينيّة التيْ تطوّرتْ لاحقاً إلى ما هيَ عليهِ الآن ..

الشوفينيّة ليستْ غريبة ً على الإطلاق عن التاريخ الانسانيّ القدِيم الممتدّ لآلافِ السنين منذُ عهدِ الرُوم والفرس اللذينَ كانَ ينادي كلّ شعبٍ منهمَا بسيَادتهِ على بقيّة الشعُوب الأخرى وبأحقيّته في أن يملكَ سلطَة الفوقيّة التيْ تخوّلهُ التعاملَ بازدرَاء واحتقَار لأيّ جنسٍ بشريٍ آخرٍ .. وعلى هذا الأسَاس امتدتْ هذهِ الفكرَة سوَاءً عبرَ قبائل العربِ القديمَة التيْ لا أبرز منهَا حرب البسُوس التيْ دفعتْ أجيالها حتّى بعد قرنٍ من الزّمان للتعصّب والحميَة للقبيلَة بصرفِ النظرِ عنْ كونهَا محقّة أو مخطئة ..واعتبَار أيّ مسّ بأي رمزٍ ينتميْ بشكلٍ أو بآخر لقبيلَة الفرد هوَ مسّ شخصيٌ وإهَانة لهُ ..

ولمْ يدفعْ ضريبَة الشوفينيّة كما دفعهَا الملوّنُون وخاصّة ً الزنوج الذينَ زجّ بهِم في هذهِ الدوّامَة التاريخيّة المتكرّرة .. أبرزهَا نظام الفصل العنصريّ الذي مارسهُ البيض باعتبَارهم الجنس السّائد وما سوَاه يندرجُ كتابع .. وبلغتْ مغالاةُ الشوفينيّة لديهم بتقسيم حكُوميّ رسميّ لمجتمع جنُوب أفريقيَا إلى تجمّعات يتم تقسيمهَا بناءٍ على تصنيفات كَـ أسود ، هنديّ وغيرهِ .. إلى حين فوز التجمّع الوطنيّ بقيادَة مانديلا ..

وإنِ اختفتْ مظَاهرُ الإفصاح عن سيَادة العرق إلا أنّها ظلت بارزَة حتّى في مجتمعاتنا العربيّة والخليجيّة تحديداً ، فهناكَ النظام القبليّ الذي يرَى باعتبَار أفرادهِ مميّزين عن بقيّة أفراد التجمعاتِ القبليّة الأخرى ولماذا نذهبُ بعيداً .. ففيما نتخطّى العقد الأول من الألفيَة الجديدَة لا تزال بعضُ القبائل ترفضَ زوَاج أفرادها من خارجها أو بناء علاقات اجتماعيّة مع التجمعَات الأخرَى بدُون أيّ فرضيّة علميّة منطقيّة .. ليسَ هذا فحسب بلْ إنّ هواتفنا لا تخلُو من النوَادر والنكَات التي تستهدفُ نطاقاً معيناً من الخلفيَات العرقيّة العمانيّة بحجّة الضّحك والفكاهَة رغم أنّها تكون مؤذيَة وجارحَة ..

الشوفينيّة هذهِ تدفع بالمقابل هذهِ الخلفيات العرقيّة إلى التعصّب لبعضهَا البعض .. ففيْ الشركات والمؤسساتِ تجدُ العمانيّ القادم من أصولٍ ما يتعصّب للقادمين من نفسِ أصولهِ الأصليّة .. وتجدُ مع مرُور الوقت تجمّعات قائمَة على العرق الأصليّ الذي قدمَ منهُ ذلكَ العمانيّ ..

لقد شهدتُ ذلك بنفسيْ في شركةٍ عملتُ بها في الصّيف في الصحرَاء .. فكنتُ ألمح هذا التعصّب في الوجبَات حيثُ يتجمّعُ كلّ فردٍ مع العرق الأصليّ الذي ينتمي إليهِ .. وكانَ في الوحدَة السكنيّة التي نقيم بهَا مطعمٌ لا يذهبُ إليهِ سوَى مجمُوعة معيّنة تجمعهَا وحدَة العرق الأصليّ واللغَة التي يتحدّث بها أفرادها ولا أحدَ آخر من خارجِ تجمّعهم يأتي معهُم ..

الشوفينيّة كتعصّبٍ ليسَت قائمةً على فكرَة السيَادة العرقيّة فحسب .. وإنّما المذهبيّة الدينيّة أيضاً .. فنحنُ مثلاً لا نقبل بأيّ شكلٍ من الأشكال انتقاد المذهب الدينيّ الذي ننتمي إليهِ ونتعصّب لأفرادهِ ولشيوخهِ ونثُور لتوجيهِ أيّ نقدٍ بحقّه .. بل إنّ مبلغ الشوفينيّة أن يرفضَ أفرَادُ مذهبٍ صلاةَ أفرادِ مذهبٍ آخر معهُ وخروج فتاوَى من رجالات مذاهبهِم بعدم جواز صلاةٍ يؤمهّا رجلٌ من مذهبٍ دينيّ آخر ..

وَليسَ ببعيدٍ عن عُمان فحينَ خرجَ كتابٌ لمؤلّفٍ عُمانيّ يفنّد وينتقد بشكلٍ موضوعيّ فكرة ً معيّنة ينادي بها رمزٌ من رموز الدينِ لدينا ثارتِ الدنيا ولم تقعد .. بلْ إنني أذكرُ أنّ صديقة ً لي كانت توزّع كتاباً كتبهُ ذلك الرمز الدينيّ للردّ على الكتابِ الأوّل مجاناً وحينَ سألتُها: هل قرأتِ الكتاب؟ قالت: لا ، لكنّ والدي قرأه وأعطانيْ هذهِ النسخ لأوزّعها مجاناً للطالبات معي..

الثقَافَة ليستْ بمعزلٍ عن هكذا تعصّب وتطرّف ليسَ أبرز منهُ ما تمارسهُ القنوَات الفضائيّة من تسييسٍ لقيم الشعب والقبيلَة بشكلٍ جاهليّ عبر برامجها الشعريّة التي تفتحُ أبواقها لشعرَاء يمتدحُ كلٌ منهُم قبيلتهُ ودولتهُ وعرقهُ .. ويصَابُ المتابعُ بالغثيانِ وهوَ يتابعُ تعليقات المشاهدينَ أسفل الشاشة التي تمثّل انحداراً لقيم الموضوعيّة وتكريساً لتعصّب التصويت ليسَ للنصّ الجميل والفكر المثقّف وإنما لفكرِ ابن القبيلة الذي يصوّتُ لشاعرِ القبيلَة ..

ومنْ ثمّ امتدت شوفينيّة الثقافَة لتضربَ صناعَة النشر لدينَا فالشّاعر الفلانيّ الكبير لا ينشرُ في دار النشر الفلانيّة لأنّ صاحبها وهوَ مثقفٌ آخر يتصادمُ فكرياً مع الشاعر ذاك .. وبناءً عليهِ يتحوّل ممجدُو وتابعُو ذلك الشاعر أيضاً لنفس توجّهاتهِ دونَ أساسٍ منطقيّ ..

شوفينيّة كهذهِ أصبحتْ مقزّزة ونحنُ نرَى الشعب والصحَافة والإعلام يكرّس لها بعد مباراة عابرَة مع دولَة شقيقَة تفوزُ فيها دولَة على الأخرى وتبدأ بقليلٍ من المناوشات وتنتهيْ بإحراق أعلام كلّ دولة في الدولة التيْ تنافسهَا ومنْ ثمّ تمتد لتحصدَ وفيّاتٍ وقتلَى من الطرفين وجيلاً بعد جيلٍ تكرّس تلك الفكرة وتترسّخ دونَ أن تكونَ قائمَة على أساسٍ غيرَ ترسّبات قديمَة صنَعتها لعبَة الكرَة والريَاضة .. ولسنَا في عُمان ببعيدينَ عن هكذا أجوَاء كانتْ حاضرَة جداً فيْ آخر خليجيّ كرويّ قبلَ عام ..

قبلَ أيّام وفيما كنّا في البحرين لنشاركَ في مهرجَان الشّعراء الشبابِ العرب كانَ بعضُ الشعراء القادمين من دولَة عربيّة اشتدتْ وطأة الخلاف بينها ودولَة أخرى إثر مباراة ممهّدة للتأهل لمونديال العالم .. كان شعرَاء إحدى الدولتينِ يحضرُون الأمسياتِ الشعريّة وقدْ حزمُوا رؤوسهم بأعلامِ بلادهم وكأنُهم داخلُون في معركَة قتاليّة وليسَ في تجمّع شعريّ يترفّع عن هكذا تفاهات .. ليسَ هذا فحسب بلْ إنّ أحد شعرَاءِ الدولتينِ أحرجَ المجتمعين وهوَ يمرّ بكاميرتهِ الفيديُو ليسألَ الشّعراء.. ما الذي تريدُون قولهُ للشعبِ الـ......؟ كلمَة توجّهونها لشعبِ ..... المجيد؟

بهذَا الشكلِ نتعصّب لمفاهيمنا دونَ أساسٍ واضح .. لا نقتنعُ بأيّ فكرَة سوَى أفكارنا ولو ناقشنَا لقرنٍ كاملٍ من الزّمان في صحّتها أو خطئها الطرفُ الآخر .. لا نقبلُ بالمسّ بأفكارنا ونعدّها مقدساتنا التيْ لا تطالها يدٌ ولا ينقِصُ منها الخطأ .. في حواراتنا شوفينيّون .. وفي منتدياتنا الانترنتيّة شوفينيّون .. وحتّى في نكاتنا التيْ نتبادلها ..

ليسَ صحيحاً أن الشوفينيّة انتهتْ بعد سقُوط هتلر الذي يمجّد لعرقهِ وأبناء شعبهِ أو بعدَ انتهاءِ فاشيّة موسوليني .. بل إنّ الشوفينيّة أصبحت فضفاضة ً أكبر واتّسع جناحاها لتشملَ تفاصيل حياة الانسانِ المعاصر الذي يجهلُ أن كثيراً من المفاهيم التيْ يعيشها في حياتهِ قائمَة على تعصّبه لفكرتهِ / مذهبهِ / عرقهِ / توجّهه السياسيّ أو مكانَة قبيلتهِ الاجتماعيّة .. ثمّة أزمَة شوفينيّة لمْ تستطع ثورَة التكنُولوجيا والعصريّة إخفَاء بقعهَا بالماكيَاج !

25 نوفمبر, 2009

بينَ ازدواجيّة التديّن واللاتديّن..

http://www.alwatan.com/dailyhtml/culture.html#5

عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com

باستطاعتيْ أنْ أسمّيهِ "مقَالَ العام" بالنسبَة لما نشرتهُ هذا العام منْ موادّ ردهاتيّة .. مقاليَ الأخير الذيْ نشرتهُ قبلَ أسبوعينِ بعنوانِ "أن أكونَ متديّنة وصُورتيْ على الفيس بُوك" .. وأصدقكمُ القولَ أنّي كنتُ قد جهزتُ حينها مادّة أخرى كاستكمَالٍ للمادَةِ الأولى لتخمينيْ أنّ المقالَ سيثيرُ من الهجُوم الكثير لكنني صدمتُ فعلاً لردودِ الفعل الإيجابيّة التي أبدَاها القرّاء المجهولونَ خاصّة .. في بريديْ وفي حسابيْ على الفيس بُوك وفي مدوّنتي أسعدتني الردُود كثيراً وشعرتُ أنّ هنالك العشرَات ممن يفكّرون بنفسِ الطريقَة لكنّهم غير قادرين على تلخيصِ أفكَارهم وتقدِيمها علانيَة ..

قبلَ أيّام .. استضَافت جماعَة الخليلِ للأدبِ مجمُوعة من الكتّاب السرديينَ كان منهُم عبدالله حبيب وقد لفتتنيْ جملَة مؤثّرة قالها هي أنّ مجتمعنَا لا زالَ جديداً على النقد .. والنقد الصحيّ خاصّة .. النقد الموضوعيّ الذي لا يجرّح فيْ شخصِ كاتبِ النصّ وإنّما "يهزّق النصّ" نفسهُ ..

قال عبدالله حبيب: "نحنُ نخرجُ إلى الحيَاة وثقافَة النقد غائبَة عنّا .. لا نستطيعُ نقد المجتمعِ ، ولا السُلطة ، ولا الثقافَة .. لا نستطيعُ انتقَادَ أبوينَا ولا زملائنا ولا معلّمينا.. ولذا فإننا نخرجُ متشربينَ فكرَة رفض النقد حتّى وإنْ كانَ علمياً وغير عاطفيّ .."

لأجلِ ذلكَ كانَ من الطبيعيّ جداً أنْ يثيرَ ما ذكرتُ ردودَ فعلٍ معارضَة جداً .. معَ أنّ كثيراً من الكتّاب العرب كتبُوا عنِ "ازدواجيّة التدين" خاصّة ً في الوطن العربيّ لدينا ، رغمَ عدمِ انتشَار كتاباتٍ كهذهِ فيْ عُمان .. ونحنُ حينَ نمسّ هذهِ الخطُوط نقابلُ في الجهَة الأخرَى بردود أفعالٍ غريبَة بعيدَة عن الوسطيّة ..

لعلّها كانت قليلَة .. لكنّها فعلاً تستحقُ تسليطَ الضّوء .. بعضهُم بعثَ يقولُ ليْ أنتِ العضوُ فلان وفلان اللذينِ يدافعانِ عن أفكارك في مقالكِ المنقولِ بمنتدَى الانترنت الفلانيّ والحقيقَة لم أستغرِب أن أتّهم بالتخفّي تحت اسم مستعارٍ رغم أنّي لم أفعلها في حياتي كلّها سوَى بمعرّف واحد أتسوّق بهِ في إحدى منتدياتِ الانترنت ولا أحبّ أن ينتهكَ أحدٌ خصوصيّتي

الإشكاليّة الحقيقيّة أن ظنّ الكثيرين في أنّ الكاتبِ يدافعُ عن نفسهِ باسم مستعَار لأنهم غير قادرينَ على التفكيرِ أنّ هنالكَ آخرين ممن يفكّرون بنفسِ تفكيرهِ .. أنا لا أعرف على الإطلاقِ أيّ كاتبٍ منتدياتيّ باسمٍ مستعار .. لكنّ ما أدهشنيْ هوَ غيَاب الوسطيّة في التعاطيْ مع أيّ فكرَة حوَار .. وتحسّس كل أحدٍ البطحَة على رأسهِ خاصّة في المنتديات وكأنني من أقصدهُ شخصياً في قاليْ فهذا يقولُ هي كتبتْ بناءً على نقدي السّابق لها.. وأنا يا جماعَة لم أكتبْ لا عن مداخلَة فلان الانترنتيّ ولا عن علان..

أكثر ما أدهشنيْ يا أصدقاء هو تلقيَّ رسائل منْ مجهولينَ يشكروننيْ على المقالِ وخاتمينَ رسائلهم بِ "تيّار اللادينيين العمانيين" ، وكأننيْ كرّستُ لمفاهيمِ إبعادِ الدينِ عن تصرفَاتنا في الحياة .. وهوَ ما لم أعنهِ على الإطلاق.. ثمّة تطرّف في التعاطي وفهم أفكَار المقالاتِ الناقدَة لتصرفاتٍ تربطُ بالدين وقد لا تمثلهُ بشكلٍ من الأشكالِ..

مقاليْ الطويل جداً لخّصهُ أحدُ القرّاء المثقفين في مداخلةٍ صغيرَة للغايَة أجدنيْ لا أستطيعُ تفويتها أمامكُم وهيَ لمثقّف انترنتيّ اسمهُ ناصر العميريّ قالَ في تعليقهِ:

(الفهم الخاطئ للدين والانتقائية (Selectivity) في تطبيق الممارسات الدينية... كل هذا يقود إلى الأفكار المريضة وازدواجية المعايير(Double Standards)... الانتقائية مثل حمل الفتاة للعطر حرام وعيب... أما سرقة واجب زميل فشئ عادي...
ازدواجية المعايير مثل: شيء طبيعي أن تكون صوري في الفيس بوك لأنني رجل بينما يعتبر عيبا و عارا أن تضع عائشة السيفي صورتها المحتشمة في مدونتها...
أيضا هناك مسافة هائلة بين ما نؤمن به وبين ما نطبقه في حياتنا اليومية... هذا يؤدي إلى التعارض، مثل الغيبة والنميمة حرام... لكن شاعرنا-في المقال- لا يتورع عن اغتياب زميلته وتلويث سمعتها... وأراهن لو سألناه لقال أنه لن يغتاب أحدا أبدا...لأنّ الغيبة حرام)

أوْ ظنّ بعضهم أنّي أرمي باللمزِ إلى الملتحينَ في المجتمعِ وكأننيْ أحتكرُ ازدواجيّة استخدام الدين عليهم فقط وهوَ ليسَ صحيحاً على الإطلاق

بلْ أغلب الفئات التيْ ذكرتها في موضوعيْ من الرجالِ خاصّة هم أشخاصٌ غير ملتحين يحضرُون الدين فقط حينَ "يدقّ" في مزاجهم .. ويقصُونه وقتما شعرُوا أنه يتنافى مع ما يودّون فعلهُ ..

يظنّ كثيرُونَ أنّ الازدواجيّة مرتبطَة فقط في استخدامِ الدين لكنّ هذا ليسَ صحيحاً على الإطلاق .. فالآخرينَ الذينَ يعارضُون استخدامَ الدين كطريقَة حياة نادراً ما نجدُ منهُم المعتدل .. وهوَ ما ألمحهُ في كتاباتِ كثيرٍ من المدوّنين ..

مؤخراً سادتْ موضَة الانتقاص من الدين بين المدوّنين الخليجيين .. وقد كنتُ أقرأ في كثيرٍ من الأحيان مواضيعَ متطرّفة للغايَة لا مبرّر لأصحابها سوَى رغبتهم في الانتقاصِ من فكرَة الدّين .. ومن يطبّقه ..

وأصبحتْ على الجانبِ الآخر تدارُ "قهاوي" المقالات والحكَايات عن فئات "المطاوعَة" المتعارفُ على تسميتهم بهذا الاسم في مجتمعاتنا رغمَ تحفظيْ على ذلك ..

ومنْ ثمّ شهدَ العامانِ الأخيرَان نشر عددٍ من الرواياتِ الخليجيّة تتركّز حولَ نفسِ النقطة ..

سأقولُ لكم أنيْ أستغربُ من مدوّنين ينادُون بقيم الحريّة والانفتاح على الآخر ويهاجمُون فئات كهذهِ من المتدينين بصيغَة الجمعيّة وهوَ أبعد ما يكُون عن مهنيّة الطرح ..

أذكرُ مرة ً على الفيس بوك كانَ هنالك شاعر خليجيّ علاقتيْ جيّدة معه لكننيْ كنتُ في كلّ مرة أراهُ يلطّش في الكلام.. وآخر ما وصلنيْ منهُ على صفحَة الفيس بُوك كانَ في عيد الفطر وقد علّق قائلاً : (كيف حال إلهِ الذبح والدم لديكم .. هل شبع من ذبائحكم؟) أوْ قبلها وهوَ يسخر من اختلاف أوّل أيام العيد من دولَة لأخرى حسب رؤيَة القمر .. وهوَ يقول ( هل أذن ربّ القمر في عاصمَة الدولة فلانيّة بالعيد ورفض ربّ القمر فيْ الدولة الأخرى ببدءِ عيدِ عبادهِ؟) وكانتْ كلّ ردودهِ على هذا المنوَال ..

فرددتُ عليهِ قائلة ً : (أيها الأخ الكريم .. تنادي باحترامِ آرائك وحريّة مبادئك وتدّعي الليبراليّة وأنت غيرُ قادرٍ على تطبيقِ أبسطِ معتقدَات ما تنادي بهِ وهوَ احترام مقدّسات الناس وأنتَ تلطّش عليها برماحكَ يميناً وشمالاً .. أهذا ما علّمتكَ إيّاهُ حياةُ الحريّة التيْ تعلكُ بها طوالَ الوقتِ؟)

نفسُ الفكرَةِ كرّرها رجلٌ آخر يدعيْ ما يدعيهِ سابقهُ .. وكنّا في جلسَة على هامشِ مهرجَان الشارقة قبلَ عامين .. كنّا نتحدّثُ عنْ ازدواجيّة تطبيقِ المفاهِيم لدَى كثيرٍ من المتزوّجين .. فالزوجُ يحلّ لهُ أن يفعلَ كذا وكذا بينما لا يحلّ للزوجَةِ ذلك رغمَ عدم رفض الدينِ لفعلها ..

فعلّق أحد الحاضرين بطريقَة ملفتَة جداً قائلاً أنهُ يؤمنُ بالمسَاواةِ ولذلكَ فإنّه حلفَ على زوجتهِ في أوّل يومِ زواج وهما في الطريق للمطار قائلاً : (والله ما تطلعين للمطار إلا وانتِ خالعَة زي ما أنا خالع ) .. ألقاها وكأنهُ يلقي نكتَة ظريفَة ثمّ أكمل: ومن يومهَا تعوّدت زوجتي على الخروجِ دونَ حجاب..

كنتُ أديرهَا في رأسيْ وأقولُ لعلّ تفكيريْ قاصرٌ في فهمِ ما قالهُ وفيْ فهمِ نكتتهِ التيْ أضحكَتِ الجميع ..لكنْ بأيّ منطقٍ يعتبرُ أنّ إجبار الزوجِ امرأتهُ على تطبيقِ مفاهيم لا يمارسهَا باسمِ الدّين هوَ ازدواجيّة لكنهُ لا يعتقدُ أنّ إجبارهُ امرأتهُ على خلعِ حجابهَا هوَ أيضاً انتهاك لمفاهيم حريّة الفكر والمعتقد التيْ ينادي بها !

حياتنَا مليئة بهكذَا مفاهيم .. الفصل بينَ ما نؤمنُ بهِ وما نمارسهُ .. تقولُ الأمّ لطفلها لا تكذب بطّيح النار.. لكنّه في جلسَة واحدَة برفقتهَا وهي مع جاراتهَا يكتشفُ أنّ أمّه "بطّيح النار كثيراً" ..

ويسمعُ معلّم التربيَة الاسلاميّة وهوَ يقدّم درساً في الأمانَة وإخلاص العَمل ومراقبةِ اللهِ لنا في كلّ ما نفعل .. لكنّ الطالب يلمحُ المعلّم وهو يتغاضَى عن طلابهِ وهم يغشُون في الامتحان ..

نماذجُ كهذهِ صادفتُها ولابدّ أن كثيراً منكُم صادفهَا .. كلّ هذا يميّع مفهُوم حضُور الدين لدينا ونبدأ شيئاً فشيئاً بالإيمان أننا نحنُ السلطة المخوّلة ونحنُ المرجعيّة العليا في انتقاء الدين واختيَار وقتِ إسقاطهِ على تصرفاتنا ووقتِ إقصائهِ ، وحتّى حينَ ندعيْ الحريّة والليبراليّة وننادي باللاتدين فإننا بطريقَة وبأخرى ننافي أبسط قيم ما بنينا عليهِ ادعاءاتنا وهوَ الموضوعيّة في رفضِ ما لا نؤمن بهِ دون الانتقاص أو التجريح غير الموضوعيْ ودونَ أن نكونَ متطرفين في آرائنا .. لأنهُ صحيحٌ جداً أن الحريّة كذلك قد تكونُ متطرّفة ومزدوجَة حين ننادي بها ولا نستطيعُ جعلها وسيلَة لاحترام شعائر وإيمانيات الآخرين .. المتدينين تحديداً ..

نعم لدينا ازدواجيّة في التدين ، شئنا أم أبينا وأراهن أن أحداً منكُم صادفها ولو مرّة في حياتهِ .. ازدواجيّة كهذهِ كانتْ سبباً في تنفير الكثيرين من حضُور الدين في حياتهِم ..

ازدواجيّة كهذهِ .. تنبّأ بها القرآنُ قبلَ 15 قرناً حينَ تنزّل عزّ وجلّ قولهُ .. ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾

21 نوفمبر, 2009




وَ .. لعلّيْ !


حينَ تكتظّ مسَاءاتيْ أصلّيْ ..


لحبيبٍ وقعهُ فيْ القلبِ .. من وقعِ التجـلّيْ !
.
.
عائشَة

20 نوفمبر, 2009

كفَى مَوتيْ بأنّ دميْ حزين ٌ
وكيفَ يموتُ منْ دَمـُهُ حزينُ ؟!
.
.

عائشَة

18 نوفمبر, 2009

عن ندوَة المرأة.. وهذيانات "حريميّة" جداً !

لم تتم إجازَة المقال للنشربالجريدَة
.
.
عائشَة السيفيّ
أراجعُ مع رئيسيْ في العملِ بعضَ الحساباتِ فيدخلُ مهندسٌ من دائرَة أخرى ليقدّم ورقَة لرئيسي قائلاً : خذ ، هذا قرار جديد صادر مطلوب توقيعك .. أطالعُ القرار بفضول فيقدّمه ُ رئيسي في العملِ لي فأقرأ في القرار ..أقر أنا الزوج( ..... ) بعدم ممانعتي لخروجِ زوجتي ( ....)من البيت في الساعة (..) وذلك يوم ( ..) متوجهة ً إلى (.... ) مع عودتها في الساعة (.... ) فيما انفجرَ المهندس ضاحكاً بالقول : هذا القرار من إفرازات ندوة المرأة !يغادر المهندس فيدخل آخر ويقرأ القرار "المفتعَل" ضاحكاً ويقول : هذا بو تستاهلنه ، الدخول والخروج من البيت بتصرِيح .. عب نحن الرجال من يسوي لنا مؤتمرات؟ حينَ عدتُ إلى طاولتيْ سألني زميلي في المكتب المجاور: عائشَة ، يعني بشو طلعتن من هالمؤتمر؟ ، ظللتُ طويلاً أفكر ثمّ أجبت : يا ود الحلال لا تستعجل ، القادمُ أجمل !
(***)
بعد انقضَاءِ الندوَةِ بأيام اتصل بي زميلٌ صحفي ليسألني ما رأيي في ندوة المرأة وهل أدّت دورها المعوّل عليه؟ فأقولُ لهُ : والله ما المسؤولُ بأعلم من السائل ! بعدَ مقالي الذي كتبتُ فيه عن صديقاتي المجهُولات بعث لي أحدُ الكتّاب العمانيين قائلاً : ( مقالك جميل يا عائشة لكن قولك في المقالِ أنّ الندوة تعقدُ على جانبٍ عال من المستوَى والحرفيّة .. هذا عليهِ كلام! ) .. قلت له : (لماذا؟ هل تريدني أن أشتم بها وهي بعدُ لم تبدأ؟ ) فردّ قائلاً : ( لم يطلب منكِ أحدٌ أن تشتميها لكن أحداً أيضاً لم يطلب منكِ أن تتملقيها ! ) ..
(***)
مضَى أسبوع وأسبوعان وآخران غيره بعدَ الندوَة .. وأنا أفكّر .. ما الذي قدمتهُ لي الندوَة كفتاة عمانيّة؟ ما الذي استفدتُ أنا منهُ كمواطنة عمانيّة بعيداً عن كل المسميَات الثقافية التي قد تحضر معي.. ما الذي من الممكنِ أن تغيرهُ هذه الندوة في حياتيْ أنا كفتاة عمانيّة تعيش على هذه الأرض كأيّ امرأة أخرى هي إيمان أو فاطمة أو علياء !وما الذيْ خرجتْ منهُ نساؤنا المدعوّات للندوة .. بملابسهن المكويّة النظيفة وعباءاتهنّ المزركشة .. وحقائبهن غالية الثمن .. وبأناقتهنّ التي تشدُ المشاهد وهوَ يطالعهنّ في شاشة التلفزيون التي تنقلُ تفاصيل الندوة أولاً بأول.. من حضر من النساءِ العمانياتِ للندوةِ! ومن غاب أو غُيِّبَ عنها؟

حسناً .. ظالمٌ جداً القول أن الندوة لم تخرج بتوصيات جيّدة جدا..ومن الظلمِ بمكان أن نحكم بفشل الندوة من نجاحها .. لأن نجاحها يقاسُ على المدى البعيد .. وأي نعَم ، الحَاجة موجودَة لهكذا ندوات .. وهي كأوّل ندوة تعدّ بداية موفّقة لاستصدار قوانين وحقوق جديدة تخصّ المرأة ودورها في المجتمعِ سياسياً واقتصاديا إلخ..

لا أودّ أن أكون متطرفَة في آرائي .. مستعجلَة في أحكاميْ .. وهجوميّة .. لكننيْ حزينَة .. حزينَة لأنّ ليس باستطاعتي أن أقدّم لنسائنا العمانيّات المهمشات أكثر من كلمة في جريدَة أو مدونة .. وحزينة أكثر لأن المرأة نسيَتِ المرأة.. ولأن الندوة أقيمت بنسائها المدعوّات "بالبطاقات" فقط !
حزينَة .. لأنّ "وطني حزينٌ أكثر مما يجب" .. ونساؤهُ كذلك ..
ثمة كلام ينبغي أن يقال.. لعلهُ هذيان .. لعلهُ أدخنة مجنونَة صعدت في الهواءِ واختفت.. هنا هذيانُ امرأةٍ عن ندوَة المرأة ..

(***)
يحدثنيْ أخي القاطن في إحدى بيوت الخوض المستأجرة التي يقصدها طلابُ الجامعة عن المرأة القاطنة جوارهُم .. التي كثيراً ما يسمعُ صراخها وزوجها ينهالُ بالضرب عليها .. ترى هل عرفتْ تلك المرأة بأنّ ثمة ندوة في الجوار تقام لتكريس حقوق المرأةِ العمانيّة؟ ترى لو عرفت هل كانتْ وقفت وسألت: أيها المجتمعون؟ أينَ حقوقي أنا؟
ليت الندوَة خرجتْ ولو استناداً على أرشيف قضايا العنف في المحاكم بقراراتٍ تخدم المرأة العمانيّة المعنفة.. مثلاً خط ٌ للتبليغ عن حالاتِ العنفِ والاعتداء الجسدي والجنسي .. خطٌ ساخنٌ يستطيعُ من خلاله أي فردٍ أن يؤدي دورهُ في حمايةِ امرأة مستضعفة يعتدي عليها زوجها أو أخوها أو أيّ شخصٍ آخر ..سألتُ قبل أن أكتبَ هذا المقال الكثيرين إن كانَ ثمة وجود لمثل هذا الخط فنفى الاغلبية..
فإن كان هذا الخط موجوداً .. ألا يستحق أن يروّج له في الشوارع والمحلات والواجهات التجاريّة؟إن كانت هؤلاء النساء المُعتدى على حقوقهنّ مجبرات على السكوت أو عاجزاتٍ عن كسر خوفهنّ فلماذا لا نترك للآخرين المجهولين فرصَة التبليغ عن حالاتهنّ الانسانيّة دونَ أن يعرفَ أحدٌ بهويّة المبلّغ؟
ولماذا لم تكلّف أي من نساء المجتمع البارزات نفسها بتكوين جمعيّة حقوقيّة للدفاعِ عنهنّ مجاناً؟ مجموعة محاميّات أو قانونيّات مثلاً ! أو تشكيل لجان توعيَة للنسَاء اللاتي يجهلنَ حقوقهنّ في ضمان معاملة كريمَة لهنّ..
(***)
قبلَ عامٍ من الآن.. لم يكنْ حديث النساء الشاغل في مدينتنا سوى عن المرأة العجوز التيْ استنكرتها جاراتها صباحاً وحين ذهبن إلى بيتها وجدن العجوزَ غارقة في دمائها بسبب اقتحام أحدهم لمنزلها واغتصابهَا .. العجوز العمياء تعدّت التسعين من العمر.. حملتها جاراتها بجسدها المليء بآثار العنف والكدمات التي أحدثها ذلك الحيوان البشري وغطينَ آثار الدماء وحملنها للمستشفى ليخبرنَ الأطباء أنها سقطت ودونَ أن يكلفَ الأطباء نفسهم بتفحصِ صدق تلك النساء من كذبهنّ منحوها سقايَة وانتهَى الأمر ..
أذهب مع أمي لزيارة إحدى قريباتنا فأسمع امرأة تقول لأخرى: سمعتِ ما حدث للعجوزِ فلانة؟ فتجيبُ الأخرى: نعم سمعت بس تراها ما أول مرة تصير لها!امرأة في التسعين من العمر .. لا ابن لها ولا ولد.. سوى أخٍ كان يسمحُ لها بالنوم ليلا في بيتهِ إلا أن تبوّلها اللا إراديّ جعلهُ يرفض استقبالها حتى لترفِ قضاء الليل في حمايةِ بيتهِ ..من يحميْ هذه المرأة؟ ومن يؤمن لها حياة كريمة في مشيبها؟
لماذا لا تؤجد ملاجئ لمثل هذهِ النساء الوحيدات.. كنتُ سألتُ قبل ذلكَ إن كانَ ثمة وجود لها فسمعتُ أن ثمّة ملجأ لكبار السنّ لكنهُ غير معلن حتى لا يشجّع الأبناء على عقوق آبائهم وأن استقبال نزلائه يتم بقرار وزاريّ شخصي ..والسؤال.. هل سيفكّر ابنٌ على وضعِ أبيه في ملجأ إن لم يكن عاقاً بالفعل؟ ، فلماذا لا نضمنُ لهم على الأقل أدنى مستويات العيش الكريم في آخر سنين عمرهم؟
لماذا ننكل بهم تحت رحمة ابنٍ عاق!وهذهِ المرأة المقطوعة من لها؟ ومن يتكلّم باسمها؟ هل ترى فكّرت أي من النساءِ الجميلات المتأنقاتِ وهن يحضرنَ تلك الندوة ويناقشنَ وضع المرأة اجتماعياً أن حالاتٍ كثيرة كهذه المرأة موجودة في مجتمعنا تحتاجُ أصواتهنّ ومساعدتهنّ؟
(***)
بعد الندوةِ بأيّام اتصلتْ بي معلمَة وهي تكادُ تبكي محتجة على قرارٍ وزاري صادر بإلغاء إجازة مرافق مريض وبدلا منها تحديد 5 أيام كإجازة طارئة كحدٍ أقصى..المعلمَة التي يعاني اثنان من أطفالها من فقر الدم الحادّ ودعتني بسؤالٍ متعبٍ جدا وهي تقول: "أولادنا يا عائشة شو نسوي بهم؟ كيف تطالبني وزارة التربية والتعليم أن أخلص في عملي وأذهب للمدرسة وأدرّس طالباتي حصّة ولا أروع .. ولدي طفل صغير يرقدُ في المستشفى يتلوّى ألماً؟"
كنتُ أفكرُ أن القرار لم يخرج إلا لأن كثيرين أساؤوا استخدامَ إجازة مرافق مريض ، لكن يا جماعة.. امرأة عاملة لديها ثلاث أو 4 أطفال.. ألا تعتقدونَ أن 5 أيام إجازة طارئة هو قرارٌ مجحف لكل أمٍ لا يمرُ العام دونَ أن يمرض أطفالها مرتين أو ثلاث في السنة ..
أليسَ هذا محاربَة لأمومَة المرأة العاملة؟ ترى ما الذي استفادت منهُ عشرات الأمهات المعلمات من ندوة المرأة التيْ خرجَ القرار بعد انتهائِها بأيام؟ما الذي قدمتهُ ندوة المرأة للأم العمانية العاملَة التي لا تملكُ ساعَة رضاعة يوميّة كالتي تملكها نظيراتها الخليجيّات وأقربها البحرينيّة مثلاً؟
(***)
قطعَ علي كتابة هذا المقال اتصالٌ من صحفيّ .. سألني هل أنتِ مشغولة؟ قلتُ له أكتب ردهات عن ندوَة المرأة! فقالَ لي: لديك تحفّظات؟ .. قلت له نعم.. فقال لي: يا ستي لا تكتبي .. أنت أكبر مستفيدَة.. كل 17 أكتوبر من كلّ عام سيقيمون أمسية شعريّة وسيدعونك لإحيائها وستربحينَ من خلفها نقوداً ! ما الذي تريدينهُ أكثر من ذلك؟
(***)
جميلةٌ تلك الندوة .. ظهرتْ فيها نساؤنا العمانيّات مبتهجات.. سعيدات بالنقاشات فيها.. ظهرت الطاولاتُ أنيقة ومهندمَة والأضواء هادئة والديكور جميلٌ للغاية.. كانَ كل شيءٍ جميلاً جداً ومشجعاً على التقاط الصور ونقلها في التلفزيُون .. لكنّ فاطمَة التي تحمل بطاقة شخصيّة غير مختلفة عن المدعوّات وتحمل جواز سفر عمانيّ ككل المشاركاتِ في الندوة ..
كانت لا تزالُ تتعرضُ للضرب من زوجهَا.. والعجوز التيْ اغتُصِبت .. عادت إلى بيتها الطينيّ بينما مغتصبها يسيرُ ربما أمام البيت يومياً دون أن يعرف أحدٌ أنه من اعتدى عليها.. والمعلمَة تلك واصلت طريقها إلى مدرستها وطفلها الصغير راقدٌ في المستشفى .. والندوَة انتهتْ وعادت المدعوّات كلٌ إلى حياتها.. حضرَ كلّ شيءٍ في تلك الندوة.. وغابتِ المرأة العمانيّة التي لا يعرفها أحد .. تلك المخفية في حواري القرى .. وأزقّة المدن.. تلك التي لا تملكُ عباءة مكويّة لتظهر بها أمام عدساتِ الكاميرَا !

لأنـّهُ وطنٌ ..






وها أنَا طفلة ٌ في البحرِ سابحة ٌ
يقبّل الموجُ أضلاعيْ ويحتضنُ

أقولُ للبحرِ سلّمْ ليْ على وطنٍ
خبّئتهُ فيْ فمٍ قيثَارهُ الشجنُ

أغمضتُ عينيَ حتّى ملّ من وسنيْ
ظلّيْ وأشغلنيْ عنْ فقدِهِ الوسنُ

وفي فميْ الزمنُ المطعُونُ يصلبنيْ
وقدْ يموتُ على فرطِ الأسَى الزّمنُ

ها الرّيح ، هالليلُ .. ها صوتيْ يعمّدنيْ
سجّادة ً فيْ ثراها نائم ٌ وطنُ .

.مضيتُ دونَ دميْ .. أشكُو إليهِ دميْ
كالرّوحِ إنْ خَانها في حزنهَا البدَنُ

وها أنَا الرّيحُ تذرونيْ وتجمعنيْ
وليسِ ليْ من نجاةِ الرّيحِ مؤتمَنُ

يا صاحبَ السّجنِ نزّهنيْ .. أنا لغة ٌ
عذرَاءُ يعبُدنيْ .. شِعريْ ويفتتنُ

واكتُب على الرّمل .. لا يفنَى المكان بها
ولا تشيخُ وإنْ شاختْ بها المدنُ

ولا تموتُ وإنْ يعرَى الرّجالُ بها
ولا تضيقُ ولو فيْ جوفِها دفنُوا

وسوفَ تحيَا حيَاة َ الصّمتِ يمنحهُ
الغيابُ قبلتهُ الكبرَى ويحتضنُ

نذرتنيْ أنْ أكونَ البحرَ فيْ جسدٍ
لا تمتطيْ قِفرَهُ الأفلاكُ والسّفنُ

وها أنا فيْ دميْ أغرقتنيْ جسداً
كقاربٍ ملّ منْ أسفارهُ الوَهَنُ

لكنّهُ لنْ يوَارَى لوْ بهِ غرقَ الموتَى
ونامتْ على أجداثهِ المحنُ

لأنّهُ وطنٌ مستوطنٌ وطنا ً
وكيفَ فيْ البحرِ يلقَى حتفَهُ الوطنُ؟

.
.
عائشَة السيفيّ

10 نوفمبر, 2009

أنْ أكونَ متديّنة وصورتيْ على الفيس بُوك !

عائشَة السيفيّ
ufuq4ever@yahoo.com



أتلقَى عادة ً بين الحين والآخر تعقيباً على مقالاتي رسائلَ غاضبَة من أشخاص مجهولين يتهمونني تارةً بالعلمانيّة وتارةً بالليبراليّة وتارةً بأنني متحرّرة وقد يأتي أحدهُم للقولِ أنّ أفكاري تشكلُ خطراً على "فِكر المرأة العُمانيّة المحافظَة" إلى آخرهِ من رسائل قد يتعرّض إليها أيّّ كاتبِ صحيفَة فما بالكُم بكاتبة قادمَة من بيئَة محافظَة جداً كبيئتي؟
ويهاجمنيْ آخرون لوضعِي صورتي في مدوّنتي وأنّ ذلكَ يخالف الدين رغم أني أضع صورتي بحجابي الكامل دونَ أن أخرج عن الذوق العام في الحشمَة كأيّ صورة أخرى منشورة في الصحفِ أو كصورة أيّ فتاة محجّبة تمشي في الشارع !
وتصبّ أغلبُ هذهِ الرسائل على دعوتيْ إلى "التديّن" أو كمَا قال أحدهم (العودَة الحقيقيّة للدين) وإعادة النظر في منهج الكتابَة التي أنهجُها من بَاب قولهِم أنّ الدين يكرّس ارتبَاط مفهومين همَا المرأة والستر .. والكتابَة تتنافى معَ هكذا مبادئ ..
خلاصَة القول أنّ أغلبَ هؤلاء يُقدّمون في رسائلهم بطريقَة أو بأخرى مفاهيمهم الخاصّة في فهم التديّن كأسلُوب حيَاة وكفكر .. وهوَ ما يدفعني للتساؤل: ما هي فكرتنَا عن التدين؟

مؤخراً نشرت قناةُ البي بي سي درَاسة نقلتهَا عن معهدٍ ألمانيّ أقام دراستهُ عن التدين على شريحَة واسعة من الألمان ومن المعروف أنّ ألمانيا من أكثر الدول التي تشهدُ التنوع الدينيّ وحريّة ممارسة العبادة كما أنّها تفتح المجال واسعاً للملحدين والطوائف الأخرى بإعلان أفكارها ومعايشتها جنباً مع جنبٍ مع بقيّة الأديان .. الدراسة شملت كافّة الأديان .. المسلمين اليهود والمسيحيين بطوائفهم المختلفَة وخلصت الدرَاسة إلى أنّ جميع الشرائح تشتركُ في مفهُوم واحد .. أنّ أغلب المتدينينَ يحتكرُون التدين في فكرَة ممارسَة الشعائر الدينيّة أكثر من مسألة عكسها بشكل واقعيّ على حياتهم الحقيقيّة وأنّهم بطريقة أو بأخرى في أسلوب حياتهم يخالفُون ما تنصّ عليه شعائرهم الدينيّة وأنهم إن طبقُوا تعاليم تلك الشعائر الدينيّة فإنهم يخالفونهَا في ممارسَات أخرى إن تعارضتْ مع غاياتهِم..

بالمعنَى البسيط أنّ أغلب من شملتهم الدرَاسة يأخذُون من أديانهم ما يروقهم ولا يطبقُون جزءاً منها في جوانبَ أخرى سواءً بعمدٍ أو دون عمد ..

ذكرتنيْ الدراسة بمقال جميلٍ جداً للروائيّ علاء الأسواني يتحدث فيه عن دراسَة مماثلة صنّفت بلدهُ "مصر" كأكثر البلدان تديّنا في العالم .. وتساءل علاء الأسوانيّ أنه بالرغم أنّ مصر تسجل نسب عاليَة من التحرش الجنسي مثلاً وتنشط فيها السوق السوداء أكثر من دول مجاورة وترتفع بها نسبة الجريمة فإنّ هذا لا يتنافى مع حقيقَة أنّ شعبه هوَ أكثر الشعوب تديناً؟

لتفهموني أكثَر سأحكي لكم قصّة حدثت لي مع إحدى زميلاتي التي تربطنيْ بها علاقَة سطحيّة والتيْ يحلُو لها كثيراً تبرير تصرفاتها باسمِ الدين .. حيثُ كنا سوياً في استراحة الطالبات بالكليّة وبتلقائية شديدة سألتها إن كان لديها عطر لأني نسيتُ عطري ولم أضعهُ بالحقيبة ..

فردّت علي بصورة عنيفة ومتجهّمة قائلةً : عفوا نحن ما نتعامل مع هالأشياء ولا الدين يرضاها ..
طبعاً أنا لم أكن أتوقع ردة فعلها تلكَ وتناسيتهَا مع الزمن.. لكنني عدتُ وتذكرتها في إحدى الأيام ونحن متعسرُون في حلّ مسألة بإحدى الواجبات الدراسية بمقررٍ ندرسه سوياً .. وحينها مرّ أمامنا طالب من زملائنا ووضعَ واجبه في صندوق البريد الخاصّ بدكتور المادة وهذا الصندوق يكون مفتوحاً عادةً لأي أحد .. وحين غادرَ قالت لي الفتاة : (ما رأيك أن نذهبَ ونأخذ واجب الطالب من صندوق بريد الدكتور وننقله ثمّ نعيده وكأنّ شيئا لم يحدث؟)
الحقيقة أنني أمضيتُ لحظات أحدّق إليها ثم ضحكتُ كثيرا وأنا أقولُ لها ( لا يا ابنتيْ ، "عفوا نحن ما نتعامل مع هالأشياء ولا الدين يرضاها" !

رغم أنّ موضوع العطر لو قسناه من مبدأ الحريات فهوَ حريّة شخصيّة بينما سرقة واجب دراسي ومجهود طالب آخر هو تعدٍ صريح على حريته فأيّهما أكثر ارتباطا بالدين؟

مثلُ هذه المواقف كثيرَة .. فنحنُ نأخذ من الدين ما يحلُو لنا ونتركهُ بمنطقِ الغايَة تبرّر الوسيلة .. وشخصياً تعرضت لها وزميلاتي بشكلٍ كبير .. ومن أمثلتها صديقتي غير المحجّبة التي كانَ ثمة طالب يبعث لزميلتها رسائل يدعوها لنصحها بارتداء الحجاب والاحتشام وترك السفُور .. فما كانَ من هذا الطالب سوَى أن يقوم بسرقة بريدها الالكترونيّ الذي استحوذ عليه إلى يومكُم هذا .. هذا الطالب نفسهُ أصبح يلاحقني في ردودهِ مؤخراً بمدوّنتي ناعتاً إيّاي بالمتحرّرة ومدعيَة الحريّة ومهدداً بسرقة بريدي الالكترونيّ ..

الطالب هذا تذكّر الدينَ حينَ رغب في دعوة الفتاة إلى ترك السفُور لكنهُ نسي الدينَ حينَ قام بسرقة خصوصيتها وسرقة أكثر ممتلكاتها سريّة من مبدأ أنّ الدينَ يبرر له ما فعلَ !

في الساحةِ الثقافيّة كذلك يتم إساءَة استخدام الدين أيضاً ولعلّ أبرز ما يحضرني حول ذلكَ هوَ أنّ شاعراً عمانياً عرف أخ شاعرَة عمانيّة وحين علم أنها شقيقتهُ بدأ في الحديث عنها بشكلٍ سيء قائلاً لأخيها: "ليش مفلتين أختكم بهالطريقة؟ ، وليش مخلينها ما شي شاعر إلا وتعرفه؟ ، يا أخي أين الدين؟ أين الغيرَة؟" رغم أنّ تلك الشاعرة منعزلَة جداً ونادرَة التواصل مع الوسط الثقافيّ .. لكنّ أفكاره المريضة دفعتهُ لاختلاق كلّ ذلك ما أدى لمنع أخِ تلك الفتاة منْ مشاركتها في أيّ فعاليات ثقافيّة بعد تلك المحادثة رغم توسطيْ بشكل شخصي لمشاركتها ورفض عائلتها..


الشاعر نفسهُ أعلاهُ .. كانَ يؤمّ في كثير من الملتقيات الثقافيّة المصلّين ويفعل ذلك أيضا في المسجد المجاورِ لسكنهِ .. لكنّ هذا الشاعر نفسهُ أوقع بإحدى الفتيات اللاتي أعرفهنّ بل وظلّ يهددها بالرسائل إن لم تستجِب لطلباتهِ ووصلَ الحدّ إلى تدخّل عائلتها في الموضوع بعدَ أن تجاوزَ هوسُهُ الحدّ المسموح .. نفس هذا الشاعر سمعتهُ بعد إحدى الأمسيات الشعريّة التي جمعتنا يشتمُ في شاعرٍ عمانيّ كبير بطريقَة سيئة للغاية فسألتهُ : هل سبقَ والتقيتَ به؟ فقال لي: لا .. قلتُ له: طيب لماذا تشتمهُ؟ فأجاب: لأنهُ مترفّّع ولا يخالط بقيّة الشعراء!
وبهذهِ الطريقة ظلّ هذا الشاعر يستخدم الدين ليبرّر ما يفعلهُ وينبذهُ حينَ يشعرُ بتعارضِ الدين في ذلكَ الموقف ..


الأصنافُ التي ذكرتها أعلاهُ تظنّ في قرارَة نفسها أنها متديّنة .. تمارس الشعائر الدينيّة على أكملِ وجهٍ وتزيدُ عليها .. بالإمكانِ أن يكونوا مصلّين قوامين ، صائمين لكنهُم في نقطةٍ ما ، يحضرونَ الدين وقتما يشاؤون ويغيّبونه وقتما أرادُوا ..
ولعلّ أبرز ذلك هو الفيلم المصريّ الذي طرحَ قبل عامٍ تقريباً "كباريه" ويسلّط الضوء على صاحب الكباريه ذي اللحية الطويلة التي لا تفارق المسبحَة يدهُ وَالذي يضع مكتبهُ في أعلى الكباريه ويعزل جدران مكتبهِ عن الصوت حتى لا تصلَ إليهِ أغاني الكباريه ولكنهُ يدير الكباريه ويردّ نقوده ويتصدّق بها وقبل تفجير الكباريه بيوم واحد كانَ قد حجز للذهابِ للعمرة..

كاتبُ سيناريُو الفيلم قدّم بعبقريّة مدهشَة نمط صاحبُ الكباريه هذا .. الذي هوَ نسخَة مكررة من ملايين حولنَا .. يعتبرونَ أنهُم "متدينين" بطريقتهم الخاصّة في فهم الدين والتديّن .. تماماً كتلك الراقصَة التي تعمل في الكباريه من أجلِ أن تؤمّن النقود لوالدتها لتذهبَ للحجّ !

ثمّة حديث شريف يحضرنيْ ولا أتذكر تفاصيلهُ لكننيْ أذكر فيهُ أنّ صحابيا مرّ على النبي صلى الله عليه وسلّم فقالَ النبي لأصحابه أنّ هذا من أهل الجنّة! فعجب الصحابة عن السبب وأرادَ أحدهم أن يعرف ما هوَ المميز في هذا الصحابيّ ليكون من أهل الجنّة لذا ذهب للمبيت في بيتهِ يوماً كضيف .. ليرى ما المميز في هذا الصحابي .. ومرت الليلة والصحابي الأوّل لم يلمح أيّ شيء مختلف في شعائر عبادَة المبشّر بالجنة .. وحين جاءَ النهار ذهب الصحابي للمبشر بالجنّة وأخبرهُ عن سبب مبيته وقالَ له والله ما رأيتكَ أكثر صلاةً مني ولا أكثر قياماً مني .. فما الذي حمل الرسولَ على أن يبشّرك بالجنة؟ فقال له المبشّر بالجنة : أنه لا يصوم ولا يصلي ولا يقوم الليل أكثر من بقيّة الناس ولكنّه لا يحمل نية سيئة تجاهَ أحد ولا يحمل غلاً وكرهاً تجاه أيٍ من الناس .. هذا الحديث يحاول أن يصحّح للناس فكرَة أنهُ لا يشترط لتكونَ صالحا أن تكونَ من العابدين القائمين الصائمين .. وإنما التزامك بالشعائر الدينيّة وتطبيقها بشكل عملي في حياتك هوَ السرّ في صلاح الدينِ والدنيا ..

وهوَ ما يقوله النبيّ في حديثه (ربّ صائمٍ ليسَ له من صيامهِ إلا الجوع وربّ قائم ليسَ له من قيامهِ إلا السّهر) فممارستنا للدين لا تعني بالضرورة أننا حينها أصبحنا متدينين !

وهوَ ليسَ في بلداننا العربيّة فقط ففي كتابٍ قرأتهُ ، ذكرَ مؤلّفهُ أنّّ دراسة ً شملت تجّار المخدّرات المسجونين في ولاية شيكاغُو أبرزت أنّ هؤلاء التجار ورجالات المافيَا يذهبُون بشكل دوريّ للكنيسة وللاعتراف ولقدّاس الأحد رغمَ أنّهم قد يقتلونَ في نفس اليوم أحدَ العملاء أو رجال عصابات أخرى ويوزعُون المخدرات لكنهُم في حياتهم كأيّ متدين يمارسُون الشعائر الدينيّة ولا يتخلفون عنَ جلسات الوعظ والإرشاد التي تقيمها الكنيسَة ..

خلاصَة القولِ أنّ أكثرنا يجهلُ ما معنى كلمَة التدين؟ رغم أنّنا نتكئ على الدين في تبرير أغلبِ تصرفاتنا .. وأغلبُنا انتقائيّ في ممارسَة الدين .. نحضرهُ وقتما نريد ونبعدهُ وقتما نشعرُ أنّه يتعارض مع ما نريدُ فعلهُ .. قد نصلّي ونصوم ونقرأ القرآن .. ولكننا نغشّ في عملنا .. ونرتشيْ في تمرير معاملاتنا إلخ ..

يا أصدقائي الذينَ يدعوننيْ للتديّن .. قد أكونُ "متحرّرة" وقد أضع صورتي في مدوّنتي وأنشر وأشارك في الأمسيات وقد ترفضُون أنتم ذلك لكن ليسَ بالضرورة أن تكونُوا أكثر تديّناً مني .. أو من الآخرين الذين يفعلُون ما أفعل .. نعم ، ما التعارضُ في أنْ أضعُ صورتيْ على الفيس بوك وأصلي وأصوم وأقرأ القرآن وأكتبَ عنكم وعن العمل الخيريّ والحياة الجميلَة والثقافة والفنون والشّعر والمرأة وميشيل فوكُو ومحمود دروِيش والآخرين؟ وربّما أكونُ حينهَا أكثر تديّناً منكُم ! من يدريْ؟

04 نوفمبر, 2009

لأنهُ لا مكَان للعملِ الخيريّ بيننا (2)

عائشَة السيفِيّ

ufuq4ever@yahoo.com

بعثَ لي بعضهُم يخبرنيْ أنهُ لا ينبغيْ المقارنَة بين العمل الخيري في عُمان ودول كالمملكة المتحدَة واسبانيَا وَالولايات المتّحدة لأن التعداد السكاني في تلكَ الدول يتخطّى بكثير تعدادنَا السكانيّ بعمان .. فهل هذا سببٌ فعلاً لعدمِ ظهور العمل الخيريّ الشعبي لدينا في عُمان على السّطح؟ ربّما !

رغمَ أني ركزت في مقاليَ السابق على النسبَة المئوية التي لا علاقة لها بالتعدَاد السكانيّ بل بنسبَة الكلّ من الجزء ..

لقد آلمنيْ فعلاً أنه بعد كتابَة مقالي الأخير ، لم أجد من يتفاعلُ "بشكل عملي" مع قضيَة المرأة التي ذكرتُها سوَى قارئ مثقّف اعتاد الردّ بريدياً على مقالاتي .. وهوَ كأيّ موظف في الحكُومة لديهِ التزاماتهِ الماليّة لكنه بعث مشكوراً ليقولَ لي أنه يمرّ بأزمَة وضغط ماليّ وأن أقصى ما يمكن أن يقدّمه لهذه المرأة 500ريَال وإلا لقدّم أكثر ..

آخر بعثَ لي يقولُ لي –استجابةً لحديثي بأنّ كلاً منها لا يشترط أن ينشط في العمل الخيريّ بالنقود إنما باختصَاص عملهِ- لذا أبدَى استعدادهُ على أنْ يقدّم بورشتهِ تلك أيّ مساعدة لمحتَاج ..

ثالثُ أبدى استعدادهُ لجمعِ تبرعاتٍ للمرأة لكنّه عاد في اليوم التالي يخبرني بخيبَة أمله في رفض جميع من أبلغهم بالتبرّع ولو بريَال واحد ثمّ عقب أنّ أحد مَنْ طلبَ منهُم ردّ قائلاً : ( كيف نتبرع ونحن ما محصلين ناكل تمرة ببيتنا) بينمَا يملكُ قائلُ العبارة السابقَة سيّارة بورش تتخطى قيمتها الثلاثينَ ألفاً !

أحزنني كثيراً ردود بعض من قرَؤوا المقال وهم يقولُون أنّ الشحاتة انتقلت لكتّاب المقالات وحقيقة ً شعرتُ بالإشفاق الشديد على أننا غير قادرين على فهم أنّ الكتَابة أيضاً قد تكونُ جزءاً من العمل الخيريّ ، وأنّ الكتابَة لا خيرَ فيها إن لم تكن وسيلَة للأخذ بهمُوم المجتمع ..

نحنُ نكتبُ أيها الأصدقاء لا لتستقبل حساباتنا البنكيَة تبرعات أحد ، ولا لأن يخرج ريال من جيبكُم ليدخلَ في جيبنا ، نحنُ نكتب عن فقرَاء يعيشون بعيداً عن بيوتكم الاسمنتيّة الضخمة .. ربما على بعد أمتار أو كيلُو أو أميال .. لكنهم موجودون بيننا ، يتنفسُون نفس هوائكم وإن لم يملكُوا مكيفاتٍ مركزيّة ولا سيارات رياضيّة كما تملكُون .. ينامُون تحت تشينكو أو يتكدسُون في غرفة واحدة ، وهم شئتم أن تخفُوا وجودهم موجودون ، ونعم .. منسيُون لا تطالهم "تبرعاتكم العظيمة" التي رسمتم خيالهَا في الهواء .. نحنُ نملكُ أقلاماً خلقت لتمثّل أولئك الذينَ لا يجيدونَ كتابة حياتهم المسحُوقة على الورق ..

نعم من حقنا أن نكتبَ للعمل الخيريّ وننتصرُ للعمل الخيريّ ، ولنساءٍ مهمّشات تحت خط الفقر ، وسنكتبُ لأننا من جسدِ هذا المجتمع .. نتحدثُ عنه لا عن شعُوب في المرّيخ

امرأتي المجهُولة أبلغتني باكيَة قبل يومين أنّ صاحب البيتِ أبلغها بإقلاعهِ عنْ فكرَة البيع رغم موافقتهِ المسبقَة وحقيقَة ً كنت أفكر قبل أن أعرف بهذا أن صاحب البيت لو باعهَا بيتهُ بذلك المبلغ فهوَ قدّم لها خدمة انسانيّة أعظم من خدمَة أي انسانٍ آخر بإمكانهِ المساعدة .. لكنْ الحياة دائماً "تلهُو بنا وتسخَر" !

لا أحبّ أن أفرد لكم أرقاماً في العمل الخيريّ في الدول الأخرى حتّى لا يقولَ قائلٌ: لهم أوضاعهم ولنا أوضاعنا .. مالياً واجتماعياً إلخ .. لكنيْ سأكتفيْ بعرض رسالة وصلتني من عُمر .. شاب عُماني درَس في كندَا ويعملُ حالياً في عُمان .. يتحدّث عن تجربتهِ الشخصيّة التي شهدها في العمل الخيريّ بكندا .. يقولُ عمر في رسالتهِ ..

( حينَ جئتُ إلى كندا قرأت مرة في إحدى الصحف أن الحكومة سجلت عمل 99.2% من الكنَديين في العمل الخيري في الصيف وحقيقة لم أصدق ذلك الرقم إلا حين أتاح لي الزمن فعلا العيش بين هذا المجتمع ومراقبة سلوكهِ ..

في كندا يتم تعويد الطفل على العمل التطوعي في الصيف ، ولذلك ينشأ الطفل منذ صغره وهو مبرمج على هذا العمل كل صيف .. لديهم مؤسسات لإدارة العمل الخيري وشركات ضخمة لاستيعاب المتطوعين.

في جامعتي ورغم أنها جامعة حكومية إلا أن أغلب المنشآت التي تبنى في الجامعة يتم بناؤها بتمويل مالي من شركات كبرى تخصص جزءا من ريع أرباحها للعمل الخيري

في كندا عشرات المتبرعين لتمويل دراسات الدكتوراه والماجستير مجانا للطلاب وتمويل مختبرات أبحاث ودراسات ، مثلا رجل عجوز وزوجته.. أو رجال أعمال يقدمون هذه التبرعات لآلاف الطلبة المستفيدين) ويختِمُ عمر حديثهُ بالقولِ ( لقد أحزنني فعلا أنه على كثر عدد رجال الاعمال والمستثمرين في عمان لا يوجد سوى اسم أو اسمين في الساحة فقط من الاثرياء ممن يقومون بطرح بعثات للطلاب المحتاجين ولم أسمع من قبل عن رجل أعمال عماني خصص جزءا من أرباحه لتمويل بحوث علميّة أو دراسات في الوقتِ الذي استغربت فيه من جريدة اقتصادية أجنبية ابرزت مسحا للتطور الاقتصادي في دول الشرق الأوسط أظهر أن عُمان تنمو اقتصاديا بنسبة 89% سنويا وأن هنالك 350 مليونيرا في عُمان ... هل تصدقين ذلك؟ )

انتهَت رسَالة عمر.. بعدَ رسالةِ عُمر تصادفَ أن شقيقيْ الطالب الجامعي الذي يستأجر غرفة ً في إحدَى بيوت الخوض أخبرني أنّ صاحبَ البيت قالَ لهم أنّ امرأة ً مطلقة كانت تقيم في تلك الغرفَة مع 4 من أطفالها! تخيّلوا .. امرأة تعيشُ مع أطفالها .. تطبخ ويأكلون وينامون في غرفَة واحدة مساحتها 3في 4 متر ! هذه المرأة أينَ هيَ من انتصَارنا لحقوق المرأة العُمانيّة؟ وأين هي من مساعدة شقيقاتها نساء الأعمال العُمانيّات "الثريّات"؟

لماذا لم يُخلق حتى اليوم تجمع من محامية أو اثنتين أو ثلاث أو عشر ممن يتخرجنَ سنوياً وفكرنَ في أن يخصصن جزءاً من أنشطتهنّ للعمل المجانيّ لنساء فقيرات يجهلن كيفَ يطالبنَ بحقوقهنّ؟

أو مهندسين معماريين أو مدنيين من أصحاب شركات البناء ومقاوليها يخصصونَ جزءاً من العمل الخيري لتصميم خرائط أو متابعَة بناء أملاك لأسر فقيرة تؤويهم ولو تحت سقف كرفَانة !

أمرّ معَ أمي على مزرعَة كبيرة تتعدّى مساحتها كما تظهرُ الألف متر بمئات النخيل .. تشيرُ أمي بإصبعها إليهِ وتقول لي: اسم المزرعة (بستان ديت كفن) أستفهم عن سببِ تسمية المزرعَة بهذا الاسم فتقولُ لي أنّ صاحب هذه المزرعَة الذي توفي قبلَ 30 عاماً نذر هذا البستان ليتم "طنيُ" نخيلهِ والتبرع بريعهَا لشراء الأكفان للناس .. وصرف ما يتبقَى منه للفقراء ..

اليوم .. أينَ نحنُ من ثقافة "الوقف الخيري" للتركة .. نقبض في كثير من الأحيان أوقافاً من هنا وهناك .. لأناسٍ رمّوا في التراب لكنّهم خالدُون بيدهم الطيبَة .. هؤلاء هم أجدادنا .. أميُون .. لكنهُم امتلكُوا الوعي فعلاً للأخذ بيدِ المجتمع.. ليتَ أبناءهم وأحفادهم بشهاداتهِم العلميّة ولغاتهم ودراساتهم يفعلُون مثلهم .. وليتَ حكومتنَا كما فتحتِ الباب أمام أبنائها ليستثمروا في أرضها ويرفعُوا رصيدها اقتصادياً ليتها تفتح الباب واسعاً للاستثمار في العمل الخيريّ والخروج من بوتقَة الجمعيّة الخيريّة الواحدة إلى عشرات الجمعيات التي تشتدُ المنافسَة بينها لمستفيدٍ واحدٍ هوَ المجتمع ..

لا أريدُ أن أتطرّف في آرائي وأطالب الجميع بأن يصبحَ "سوبر" في العمل الخيريّ ولا لا أريدُ أن أكتب بعاطفيّة لأستدرَ شفقَة أحد .. ونعَم ، أعرف كم يرزح شعبنا تحت طائلة الديُون وارتفاع الأسعار واللهاث خلفَ تدبير لقمَة العيش اليوميّة .. لكنْ إن لم ألتفت أنا ولم تلتفت أنتَ ولم يلتفتوا هم لفقرائنا المنكسرينَ بهمّ العَوز والفقر ، فمن يلتفتُ إليهم؟ وإن لم أكتب عن فقرَاء مجتمعي فعمّن أكتب؟ أشعلوا النور جميعاً يا أصدقاء .. لنبصر العمل الخيريّ في بلادنا وينكسَر ظلامُ هؤلاء المنسيين تحتَ شبح الفقر !

29 أكتوبر, 2009

لابدّ منْ "نزوَى" لتزهَرَ أضلعيْ
وتســـيلَ منيْ رقّــــة ُ الليــمـُونِ
وأقولَ يا وطنيْ امتحنّي كيْ أرَى
أهليْ .. منَ الفردوسِ كمْ حرمُونيْ
عائشَة
\
/
\
منْ نزوَى ..
صباحاتُ الله يا أصدقَاء ..

28 أكتوبر, 2009

أيّهـا الأصدقاء .. من يطعمُونني خبزَ مدوّنتي !

أصدقائي المجهُولين ..
أصدقائي الطيبين الذينَ يزورونَ مدوّنتي الصغيرة .. والتي تعفّنت من عدَم تحديثها إلا كلّ ثلاثَاء حيث ردهات وصلتي بهذا العالم الالكترُونيّ
.
.
أعتذر كثيراً عن عدم ردي على رسائلكم البريديّة .. أعتذرُ كثيراً على غيابي الطويل ..
أعتذرُ كثيراً أنكم تمنحُونني باقاتِ وردٍ .. فأمنحكم غياباً طويلاً وصمتاً أطول ..

:
:

دخلتُ في سنتي الخامسة والأخيرَة من درَاسة الهندسَة .. كما أنني بدأتُ أيضاً العمل جزئياً كمهندسَة مبتدئة في إحدى القطاعات العسكريّة ..
(خلاص شيّبت ! )

ذلك يخنقني ..

سأغادرُ بعد دقائقَ للعمل .. وحتّى الساعة الحاديَة عشر ظهراً حيث تبدأ محاضراتي متواصلةً للسَاعة السادسَة .. ومن ثمّ اجتماع "شبه يومي" للسَاعة السابعَة متعلّق بأنشطتنا الطلابيّة في كلية الهندسة وتحضيرات الملتقى الهندسيّ الخليجيّ .. ومن السابعَة مساءً للثالثَة فجراً أنهي وظائفي الدراسيّة ومشرُوع تخرّجي ما يوكَل إليّ في جهَة عملي ..

بودّي أن أكتب لكم .. وأن أتبادل المزاحَ الاعتياديّ مع زوار مدونتي الاعتياديين ..
بودّي أن أقفَ ساعة أمام المرآة وأحدّق كأي فتاةٍ في سنّى إلى نفسي .. بودّي أن أحضر فعاليّة في النادي الثقافي الذي لم تطأه قدمايَ منذ شهر نوفمبر العام المَاضي .. ووطأتهُ قبل أسبوعين في أمسية مملّة عن أدب نوبل ومنها دخلتُ في انشغالِ العملِ والدراسَة

لكنّه الوقت .. آهٍ من الوقت
.

بودّي أن أتسكّع في السيتي سنتر .. وأن آكل في مطعمي المفضّل تشيليز .. وأن أخرج للركضِ مع صديقاتي على الشَاطئ
بودّي أن أحلم أنني أصبحتُ يداً عاملة ً في وطني .. لا "عاطلةً عن العمل" بعد تخرّجي كحال عشرات من طالبات الهندسَة ممن سبقنني ..
ولذا فقد قررتُ العمل منذ الآن .. لأنني أؤمن أن الدراسَة ليست مانعاً عن العمل ولو بشكلٍ جزئي .. أريدُ أن أعمل منذ الآن حتى لا أتخرج فينتهي الحالُ بي في البيت أنتظرُ "زوجاً" أنشغلُ بهِ عن هموم انتظاري لوظيفةٍ أراها رؤيَة العين ولا أمسّها !
.
.

أصدقائي ..
يحزنني كثيراً أنني غائبة .. وأن هذه المدونة أصبحت مملّة .. وفي رأسي مليُون فكرة تسبب لي الأرق والصداع ليسَ لشيءٍ سوَى لأنني أريد أن أكتب ولكنني لا أستطيع

سأحاولُ قدر الإمكان أن أبقي خيط ردهات هنا في مدوّنتي ليربطني بكم .. بودّي أن أشارككم إحباطاتي وإخفاقاتي
وحزني على وطني الغَارق في الجهل والرجعيّة وتخلف أصحاب الكراسي .. وسيادة الواسطة وَندوَة المرأة وأمور كثيرَة تجعلني أحبّ وطني أكثر .. رغمَ فكرةٍ تعصف في أذني تقُولُ : (سأخُون وطني) !

.

أصدقائي ..

سأكون قريبةً هنا ما استطعت .. وستظلّون مادتي المفضلة للحديث والثرثرة .. أنتم صنّاع ما أكتب ..
هيمُوجلوبين مقالاتي ..

إنني أحبّكم .. وأعلم أن منكُم من يفعل ..

تمنّوا لي التوفيق ..

ودمتم دائماً بخير

لأنّ لا مكان للعملِ الخيريّ بيننا (1)



عائشَة السيفيّ

قبلَ أسبوعين .. نشرتُ مقالاً عنونتُهُ بـ " عنْ صديقاتي المجهُولات " .. وحقيقة ً تلقيتُ ردُود فعلٍ كثيرَة عبرَ بريدي الالكترونيّ ومدوّنتي .. راسلتنيْ نساءٌ عمانيّات نافذات في المجتمع .. بمعنَى أنهنّ يدرنَ مناصبَ مرموقَة على المستوَى المؤسّساتي وسعدتُ بتلك المبادرات لكننيْ لمْ أملك سوَى أن أحبطَ لردودهنّ الفاترة في التفاعلِ مع قضَايا النساءِ المجهولات التي طرحتُها ..

تمنيتُ أنْ تطلبَ مني إحدَى تلك النسَاء أن أساعدهنّ في الوصُول لتلك المرأة المكسُورة التي أمضت عاماً تجمع مبلغَ ألفي ريال لتشتريْ خرابة بيت من طين يؤويها ويؤوي أطفالها .. تمنيتُ أنّ إحداهنّ –بما يملكنَ من شهاداتهنّ العلميّة ومناصبهنّ المرموقة- طلبتْ منيْ أن أكونَ جسراً لتتبرع بمبلغ ألفي ريال قد يكُون راتبَ شهرٍ واحد من راتبهنّ .. أو نصف راتبهنّ الشهريّ أو ربعه..
تمنيتُ أن يراسلني قارئٌ لا أعرفهُ ليقولَ لي أنه يتكفّل بتلك المرأة .. لكنّ ذلك لم يحدث ..

سأقولُ لكم أنّني تعمدتُ لسنواتِ كتابتي أنْ أتناول قضايَا مختلفَة انسانيّة لا تحلّها سوَى بضعَة أرقام .. وبضع أوراق ماليّة وتنتهي معاناة تلك الحالات الانسانيّة .. لكنْ في كلّ مرة كنت أحبط بمستوى التفاعل .. وإن امتلأ بريدي برسائل التعاطف فإنها لا تخرج عن ذلك ..

ردودٌ عاطفيّة لا أكثر .. لكن حينَ يأتي الموضوع للغَة الأرقام والمال .. يخلو بريدي تماماً من أيّ تفاعل !
ما السبب؟ لماذا لا توجد لدينَا ثقافة العمل الخيريّ؟ هل هو سوءُ فهمٍ لمعنَى العمل الخيريّ؟ أم هو انعدام وجود ثقافَة العمل الخيري في بلادنا؟

يظنّ كثيرون منا أن العمل الخيري يعني أن نجمع مبالغَ لبناءِ مسجد .. أو علاج أحدِ المرضى ممنْ يحتاجُ علاجاً أو شرَاء عضوٍ خارجَ الوطن.. يظنّ الكثيرُون أن العمل الخيري هوَ زكاة العام .. أو صدقَة رمضان .. ولذا فعدا عما ذكرَ سابقاً يكاد ينعدم العمل الخيريّ في مجتمعنا ..
سأحكيْ لكم قصّة ً قرأتها عن خبيرِ تجميلٍ بريطانيّ .. حاولَ أن ينخرطَ في العمل الخيريّ ولكن وفق إمكانيّاته .. فهو ليسَ مليونيراً .. وهو لا يبحث عن صيغَة العمل الخيري المرادفَة للتبرع بالمال .. كان يحاولُ أن يجعلَ من تخصصهِ ومهنته وسيلَة لابتكار طريقَة جديدة للعمل الخيري وكانَ له ما أراد ..
يديرُ هذا الرجل اليوم واحدَة من أكثر المؤسسات الخيريّة فعاليّة .. فهوَ يستقبلُ مجاناً في صالونهِ عشرات النساء المصابات بالسرطان واللاتي فقدنَ شعرهنّ .. يقوم صالونهُ بتدليلهنّ .. عمل جلسات مساج لهنّ .. تنظيف لأظافرهنّ .. عمل قصّات لبواريك يلبسنها مكان شعرهنّ الذي أذهبه العلاج الكيماويّ .. يقدّم لتلك النساء المحتضرات .. خدمات تجميليّة مجانيّة تشعرهنّ أنهن لا زلن يمارسن أنوثتهن واهتمامهنّ بالجمال ..
ترى هلْ كنا سنصادف من ضمن المليُون صالون المتوزعَة في مسقط .. صاحبَة صالون واحدَة فقط تمتلك هذا الحسّ الانسانيّ في ابتكار وسائل العمل الخيريّ؟
حكىْ لي أحدُ أقاربي.. أنه في وقت أزمَة الأنواء المناخيّة بصيف 2007م.. حيث كان الناسُ منهمكُون بتجميع الملابس والأموال للتبرعات .. حكَى لي عن زميلته الأجنبيّة بالعمل .. التي كانتْ تمضي 18 ساعة من وقتها في الخارج لمساعدَة الناس .. أنها كانت تنفق أموالها في شرَاء حفّاظات الأطفال والفوط الصحيّة النسائيّة.. وحينَ كانَ زملائها يسألونها عن السّبب كانت تقول أن لا أحدا يفطن إلى حاجة آلاف العوائل في تلك الفترة لهذه الأغراض الأساسيّة .. وأن الناس منشغلون بتوفير أدوات العمل الخيري التقليديّة .. الملبس والطعام إلخ ..

لو أعطيتَ طفلكَ أو ابنك المراهق ريالاً واحداً وقلتَ له اصرفهُ وتعال لي بعد أسبوع وأخبرني فيمَ صرفته .. فإنّ طفلكَ على الأرجح سيصرفهُ على شرَاء الحلويات وغيرها ..
ماذا لو قلتُ لكم مثلاً أن الجمعيات الخيريّة في دولَة متوسطة الدخل كإسبانيا تتلقَى تبرعات من أعمار 13 سنَة فأقلّ ما يزيدُ عن 20 مليُون دولار سنوياً؟

لقدْ توسّعت دائرَة العمل الخيريّ لديهم لتبلغ مستويَات ناضجَة جداً .. للحدّ الذي أصبحَ العمل الخيريّ محط درَاسات وأطرُوحات في الماجستِير والدكتُوراه ففي كندَا قدّمت 12 ورقَة بحثيّة أكاديميّة في عام 2008م وكانَ مدَارُ دراستها هوَ العمل الخيريّ على كافّة المستويَات ..
في بريطَانيا وحدهَا ثمّة 180ألف مؤسّسة خيريّة في كلّ المجالات .. جمعيّات لدعم المصابين بالتوحّد ، جمعيّات لمكافحَة التشرّد ، جمعيّات أهليّة لمسَاعدة المكفُوفين .. جمعيّات خيريّة لتوفير وسائل نقل مجانيّة لتوصيل الأطفال الرضّع لمقار أمهاتهم في العَمل ليحصُلوا على الرضَاعة الطبيعيّة بشكلٍ يوميّ .. جمعيّات لتنزِيه المسنين والترفِيه عنهُم .. كلّ ما يخطر على البَال من حالات انسَانيّة تجدُ من ينضمّ تحت لوائها ..
يظنّ كثيرٌ منّا أنه لكي نصبحَ ضالعينَ في العَمل الخيريّ أنه يجب أن نملكَ المال لذلك .. ولكنّ هذا ليسَ صحيحاً .. ليسَ صحيحاً أننا نحتاجُ أن نكونَ أثريَاء لنشَارك بجمعيّة لرعَاية المسنين .. ليسَ صحيحاً أنهُ يجبُ أن نملكَ في أرصدتنا من المليُون فما فَوق لننظمَ فعالياتٍ مختلفَة للترفيه عنِ المعاقينَ والمكفُوفين والبكم إلخ ..
ثقافَة العمل الخيريّ .. تقليديّة لدينا .. مُحزِنَة و"تارسَة غبار"

أينَ ثقافَة "الدوَام الجزئيّ التطوعيّ" لدينا؟
هذهِ الصنَاعة التي درّت في عام 2008م فقط فيْ فرنسَا ما زادَ عن 320 مليُون دولار ..
تديرهَا منظمَات خيريّة كبيرَة .. تطرح مجموعَة من الأعمَال التي لا تحتاجُ لتخصّص ودراسَة بحيثُ يلتحقُ بها الفردُ ويتقاضَى عن كلّ ساعةٍ مبلغاً من المال يذهب إلى حسابَ تلك الجمعيّات الخيريّة ..

مثلاً يتمّ الاتفَاق بينَ فندق وجمعيّة خيريّة بأن يخصّص عمل تغسيل الصحُون للمتطوعين في تلك الجمعيّة ويداوم كلّ متطوّع عدداً معيناً من الساعات وما يدفعهُ الفندق لهم يذهبُ للتبرّع الخيريّ ..

ما الضير أن نعملَ لخمسِ ساعاتٍ كلّ أسبوع في مؤسّسة .. نقومُ بأعمال طباعيّة على الكمبيُوتر لصالح إحدى المؤسسات؟ ما الضّير أن تقومَ ربّات البيُوت غير العاملات بتأسيس شبكَة تطوعيّة لتوصيل الأطفال لمقَارّ عمل مهاتهم العاملات لرضَاعتهم؟

ما الذيْ ينقصنَا في الثقَافة العربيّة لنكونَ ضمنَ هذهِ الأرقام والاحصَائيّات التي أفردها الإعلاميّ أحمد منصُور في إحدى حلقَات برنامجه على قناةِ الجزيرَة ( بلا حدُود ) حينَ استفتحَ برنامجهُ بهذهِ المقدّمة :
(في الوقت الذي لا تشغل فيه ثقافة العمل الخيري التطوعي حيزا لدى العرب فإن الدراسات تشير إلى أن 91% من سكان كندا الذين تتجاوز أعمارهم 15 عاما مشاركون فاعلون في العمل التطوعي، وأن 45% من سكان ألمانيا في نفس الشريحة العمرية منضمون إلى منظمات العمل التطوعي المختلفة، وأن عشرة ملايين ونصف المليون فرنسي يتطوعون في نهاية الأسبوع للمشاركة في تقديم خدمات اجتماعية مختلفة تخص الحياة اليومية، أما في الولايات المتحدة الأميركية فقد أظهرت الدراسات أن نسبة الذين يشاركون في العمل التطوعي تشكل 44% من جميع البالغين حيث يقدمون ساعات تطوعية تبلغ أكثر من 15 بليون ساعة سنويا وهذا ما يقارب عمل تسعة ملايين شخص بدوام كامل)


رجالُ الأعمال لدينا والتجَار والأثريَاء مشغولونَ باللهاثِ خلفَ البيسَة والريَال .. كلّما زادَ صفرٌ في أرصدتهم البنكيّة ابتعدُوا أميالاً عن العمل الخيريّ .. تمنيتُ في ذلك اليَوم الذي تحدثتٌ فيه عن تردّي وضع النشاط الثقافيّ والعلميّ في السلطنَة بسبب غيَاب دعم الأثريَاء بالأموَال لهذهِ المشاريع .. تمنيتُ أن يراسلنيْ هامورٌ من مئات الآلاف من هواميرنا ليقول لي : 1% من عائد ثروتي الماليّة سيكُون لدعمِ ما ذكرتهِ في مقالكِ ..

لا وقتَ لديهم لقراءة المقالاتِ ربّما فهي لا تجلبُ "ريالات" لهُم .. وربّما قرؤوا المقال ونسوهُ بعد ساعَة .. فثقافَة تأثير "العَمل الخيريّ" عن طريق الكتابة لا تزالُ أيضاً غائبة ً عنّا ..

لأننا أبصرنَا النُورَ .. ونحنُ لا نعرف عن العملِ الخيريّ أكثر من كونهِ بناء مسجد يبعد عن المسجدِ المجاورِ مسافَة 200متر .. ورضعنَا فكرَة أن زكاةَ أموالنا هيَ ما يسمّى بالعمل الخيريّ ، ظللنا على حالنا غير قادرين على خلقِ حراك داخل المجتمع لزرع الوعي فيهِ .. وهكذا نشَأ جيل أطفالنا .. أمامنَا وقتٌ طويلٌ ربّما .. لليومِ الذي يختلف فيه وضعُ كاتبَة "محلية" مثلي تكتبُ في صحيفَة عن امرأة غير قادرة على شرَاء بيتٍ بألفي ريَال .. فلا تجدُ شخصاً واحداً من مليُونيّ انسَان يقطن على هذا الترَاب .. يرفع سمّاعته أو يرسل ايميلاً وهو يقول : ألفَي ريَال .. لتجدَ هذهِ المرأة سقفاً يؤويها وأطفالها !

21 أكتوبر, 2009

عن أربعَة أعوامٍ من الكتَابَة في ردُهات !


عائشَة السيفي
ufuq4ever@yahoo.com


أفتحُ بريديَ الالكترُونيّ ، فتقفزُ بي رغبَة ٌ شديدة ٌ للذهَاب لصفحَات بريديَ الأولى ، حيثُ خرجَ إلى النُور مع خرُوج عمودي .. أتصفّح تعليقاتِ القرّاء يومها وأتساءلُ أينَ أصبحُوا اليوم؟ فلمْ يعُد أيٌ منهُم حاضراً في بريدي بعدَ 4 أعوَامٍ من الكتَابة .. بعدَ 4 أعوامٍ من ردهَات .. تبدُو أسماءهُم غريبَة عليّ .. فقد غسلتْ 4 أعوَام من المقالاتِ الأسبُوعيّة ذاكرتيْ ، ولم يتبقَ منْ حضورهم سوَى ذاكرَة بريدٍ ممتلئ بالرسائل .. أتساءلُ لحظتها إنْ كنتُ فكرتُ قبلَ 4 أعوَام وأنا أخرجُ من مكتبِ رئيس التحرير الذيْ اعتمدَ عمُودي لينشرَ أسبوعياً .. إن كنتُ لحظتها فكرتُ أنني سأستمرُ ولأربعة أعوَام وإن كانَ قد ارتكَب حماقة ً بضمّي لكتّاب صحيفتهِ؟
يسألنيْ كثيرُون ما الذيْ اختلفَ من قرّاءِ عائشَة قبلَ 4 أعوَام وبعدها؟ فيحلُو لي الإجابَة .. أمّا القراء فلم يتغيّروا! لا يزالون نفسهم بمزاجيّتهم تارة وبعاطفيّتهم تارَة وبموضوعيّتهم تارة ً أخرى .. أمّا عائشَة القديمَة فربّما لم يتبقَ منها شيء .. لقد ربّاها قرّائهَا مقالاً تلوَ مقال ..
ما الذيْ اختلفَ فيَّ بعدَ أربعَة أعوامٍ من الكتَابة؟ ولماذا لا أزَالُ أجاهدُ لأستمر رغمَ آلاف الأفكَار التيْ تعصفُ بي دائماً لأتوقّف .. تلك الفكرَة الملحّة التي تقولُ لي : آنَ أن تستريحيْ..
حينَ بدأتُ كتَابَة الأعمدَة .. بدأتهَا وأنَا أحلمُ أن أكونَ منْ قرأتُ لهم .. حلمتُ أن أكونَ أنيس منصُور ، فهد الأحمديّ أو الرطيَان .. وكتبتُ بأسلُوبهم .. غير أنني لاحقاً اكتشفتُ أنّ هؤلاءِ شكّلهم قرّائهم وأنني لن أخرجَ من المنظُومة فسأصبحُ يوماً ما، مرآة َ قارئي المجهُول .. قارئي نفسهُ الذي يقرأُ له ويحتفظُ بقصاصَة المقال .. أو قارئي الذي يقرأ ليْ ويأكلُ على مقاليْ ويرميهِ في القمَامة ..
السنَة الأولَى من كتَابتي في عمُودي ردهات .. كانتِ الأصعَب ، وربّما أعترفُ أنها المرّة الأولى التيْ أعترفُ فيها أنني كنتُ أبكي كلّ يومِ أربعاء وأنا أجدُ قرّائي يوبخُونني .. كنتُ أكتبُ بلغةٍ عنيفَة .. لغَة ابنَة السابعَة عشرَة التيْ خاطرَ رئيسُ التحريرِ باعتمَاد عمودٍ لها .. ولأنني كنتُ أظنّ أن فهد الأحمدي الذي أعشقُ ما يكتبُ والذي لا يكادُ مقالٌ من مقالاتهِ يخلُو من حديثهِ عن نفسهِ / طفُولتهِ / أطفالهِ / أسفَاره/ مدرستهِ الابتدائيّة / صديقهِ الفلاني .. ظننتُ أنّ الأمرَ سيكون كذلكَ لدى القارئ العُماني .. ولذا كانَ عليّ أن أتلقّى أسبوعياً دستَة تعليقاتٍ ساخرَة تارة وموبّخة لفتاة تشَاركُ القارئ حديثهَا عن "فلاشها" الذيْ أصابته الفايرُوسات .. أو سلحفاتها التيْ تربّيها في المنزل .. كلّ مرّة كنتُ أبكيْ وأقسمُ ألا أعُود لذكرِ شيءٍ عن نفسيْ ، غيرَ أنّ المنظُومة تتكرّر وفي كثيرٍ من الأحيان كنتُ أبكي وأنا ألمحُ انزعاج عائلتي من إشراكي وإشراكهم في تفاصيل ما أكتبُ .. كنتُ أقعُ في حيرَة من انقسَامات القرّاء .. فهنالكَ قرّاء يطالبُونني بأن أكونَ حاضرَة في مقالي وأنْ أكونَ مثالاً حياً لما أكتبُ عنه .. أن أتحدّث عن أحلامي التيْ أراها في النومِ حينَ أفردُ مقالاً عن الأحلام ، وأنْ أتحدّث عنْ أثر "فلاشي المعطّل" على حيَاتيْ ..حينَ أتحدّث عن سيطرَة التكنُولوجيا عن حياة الفرد ، وأنْ أذكرَ عاداتٍ غريبَة رافقتنيْ في حياتيْ حين أتحدّث عن عاداتٍ غريبَة جداً لشخصياتٍ عالميّة .. كنتُ أفعلُ ذلك من قبيلِ إدخالِ القارئ إلى جوّ النصّ وكنتُ أصطدمُ بقرّاءٍ يطالبُونني بالتوقفِ عن حشرِ نفسي وآخرين يطلبُون منّي ذلك .. وبينَ ذلك كنتُ أغرقُ في حيرَةٍ شديدة ..
أذكرُ يومها أني اتصلتُ بصديقتي سعديّة مفرح .. وسألتها: ماذا أفعل؟
قالتْ لي: اكتبيْ بقلبك .. ودعكِ من القارئ فهوَ لن يرضَى يوماً عن كاتبهِ ..
وكنتُ أجهلُ حينها ما تعنيْ .. كيفَ يكتبُ الكاتبُ بقلبهِ؟ وهوَ لا يكتبُ لنفسهِ إنّما لقارئهِ المجهُول؟
بعدَ أربعَة أعوامٍ من الكتَابة .. عرفتُ كيفَ يكتبُ الكاتبُ بقلبهِ .. لأنّ قلبهُ يصبحُ جسداً من المجتمع .. يطُوف بأفكَار الآخرين فيلتقطها .. أن يحسّ بالآخرين فيكتبهُم .. وأن يحيلَ حياتهُم المجهُولة إلى مادّة جيّدة للكتَابة ..
علّمتني تلكَ الأعوَام أن أجيدَ كنسَ الأفكَار .. أن أكونَ "زبّالة" مُحترِفة ، تشمّ الأفكَار من على بعدِ أميال فتهرولَ نحوها لتكتبَ عنها ..
علمتنيْ أن أكونَ ابنَة الشّارع وأن تكتبَ لهُ وباسمهِ .. ألا يكونَ ثمّة مكان للنخبَة فالكتَابة للجمِيع وعنِ الجميع ..
هذهِ الكتَابة أكسبتنيْ أصدقاء كثر من القرّاء ، أتابعُ ما يكتبُون .. جعلتنيْ أتعلّم أن أستمعَ للآخر وأنْ أمنحهُ أذناً ليتكلّم .. ومساحة ً بريديّة لينتقد ..
أصدقَاء مجهُولين .. وأسمَاء تتجدد .. بعضهَا يبقَى على تواصلٍ لأسبوع أو شهر وبعضها لأعوام وبعضها يختفيْ بعدَ أول بريدٍ يبعثُ بهِ إلى بريدي ..
حينَ بدأتُ الكتَابة ، لم أكنْ أدركُ أنّ نسيجَ مجتمعيْ سيشكّل لاحقاً ما أكتبهُ .. واكتشفتُ بعدها أنّ القارئ العمانيّ صعبٌ جداً .. متحفظ ٌ .. من الصّعبِ إقناعهُ وإرضَاءهُ بالفكرة ..
أدركتُ ذلكَ حينَ بدأتُ في الكتَابة في صحفٍ أخرى خليجيّة وعربيّة ، كانتْ ردُود أفعال القرّاء من الصحفِ غير العُمانيّة تختلفُ تماماً عن ردُود أفعال القرّاء العُمانيين.. وعلمتُ حينها كمْ أن المجتمع العمانيّ خصوصيّ جداً
علّمني هؤلاء القرّاء الهدُوء .. وفيمَا كنتُ قبل ذلكَ أكتبُ بانفعال للحدّ الذي دفعَ قارئاً أن يعلّق : أشعر أنك حينَ تكتبين تكادينَ تكسرينَ لوحَة "الكيبُورد" ..
غيرَ أنّ ما علمنيْ إيّاهُ هو أنْ أصمتَ حينَ يوبّخني ذلك القارئ الذي لا أعرفُ .. وأن آخذ ما يروقنيْ .. وألا أبكيْ بعدَ اليَوم .. وأنْ أتقبّل فكرَة أنّ الكتَابة طريقَة لجلبِ الأصدقَاء والأعدَاء معاً ..
بعد 4 أعوَام من الكتَابة .. تعلّمت أن عُمان "قريَة صغيرة جداً" إذ لم أكن أذكرُ الاسمَ الأول لشخصٍ ما في موضوعٍ بمقالي حتّى أصحُو الساعة التاسعَة من يومِ الأربعاء لأجد أحداً بهاتفيْ يشيرُ إلى ذلك الشخص الذي عُرِفتْ هُويّته ..
في عُمان يكفيْ أن تحكي موقفاً وتذكر الاسم الأوّل للشخص ليعرفَ من حولكَ من يكُون .. ولذا خسرت أصدقَاء كثر .. واصطدمتُ بآخرين ، لأنني أعيشُ في مجتمعٍ مكشُوف يعرفُ كلّ شخصٍ من يجَاوره .. من يدرسُ معه .. مَن زميلهُ بالعَمل ..
كانَ ذلكَ ولا يزَال يثيرُ إزعاجي لأنّ ذلك يقيّدني .. فلم أعد أستطيعُ الإشارَة لهذا أو ذاك بسببِ مجتمعي الصّغير الذيْ لا تفُوتهُ "شاردَة ولا واردَة" ..
أنضجنيْ القارئُ بعدَ 4 أعوَام من الكتَابة .. بالعصَا وباللين .. أنضجَ مراهقة ً كتبتْ أوّل ما كتبت وهيَ في السابعَة عشر للكبَار ، لذا طالبها القارئَ أن تلتزمَ بكتاباتها للكبَار وأن تتعلّم منهجيّة الكتَابة لهُم .. بأعمَارهم المختلفَة ..
ولاحقاً اكتشفتْ أنّ هؤلاء الكبار قد يكُونونَ طلاباً في نهاية الابتدائيّة تماماً كأناسٍ في خمسينيّاتهم .. وأنّ الكتَابة للشّارع تعنيْ أن ترميَ سنوَات عمركَ خلف ظهرك .. وأن ترميَ نخبوّيتك خلف ظهرك فالقارئُ ليسَ معنياً سوَى بالعمُود المنشُور أمامه .. "يهزّقه" كيفمَا يشَاء .. فهوَ الوليّ هنالك .. وهوَ يمَارسُ أبوّيته على الكَاتِب ونصّهِ ليقرّر إن كانَ جيداً أو سيئاً ..
انفرطتْ 4 أعوَامٍ من عمرِ ردهَات .. وانفرطت معهَا مفاهيمُ كثيرَة .. حضرتْ أسمَاء وغابت أسمَاء .. سقطَت مبادئ وحضرتْ مبادئ .. وظلّ القارئ كمَا هوَ يقرأ بصمتٍ فإمّا يفتحُ الايميل ليبعثَ لي بريداً أو يكوّر ورق المقالِ بينَ يديهِ ويرميهِ بقبضةٍ سريعةٍ على أقربِ قمامة ..

14 أكتوبر, 2009

عَن صديقاتي المجهُولات/ردُهات

عائشَة السيفيّ


تعقدُ هذهِ الأيّام ندوَة المرأة العُمانيّة وذلكَ بتوجيهاتٍ ساميَة .. الندوَة كمَا سمعتُ من تحضِيرَاتها تعقدُ على جانبٍ عالٍ من المستوَى والحرفيّة متنَاولة ً أطروحَاتٍ ونقَاشاتٍ وَأورَاق عَمل إضافة ً إلى عروضٍ مرئيّةٍ تسلّط الضوءَ على المرأةِ العُمانيّة .. وقدْ حالتِ المسَافَة دونَ أن أحضرهَا غيرَ أنّي سأتابعهَا عن كثَب لأنهَا معنية ٌ بيْ .. وبهَا وبهنّ .. نسَاؤنا العُمانيّات س ، ص ، وعَ .. اللاتيْ لا يملكنَ قلماً للحديثِ عن ذواتهنّ وإنِ امتلكنَ فلا يملكنَ ترفَ الظهُور والنشرِ في الصحَافة ..
نساءٌ مقهُوراتٌ حولنَا .. اخترنَ أنْ يبقينَ تحتَ الظلّ .. خوفاً من عصَا المجتمِع والعائلَة والقبيلَة ربّما .. لا يدفعنَ ثمناً سوَى لأنّ كلمَة : أنثَى كتبتْ لتعريفهنّ في بطَاقاتهنّ الشخصيّة ..
ربّما لسنَ كثيرات .. ربّما لا يشكّلنَ 1% من نسِيج المجتمع وربّما يشكّلن أكثر .. لكنّ لهنّ الحقّ فيْ أن يُكتَب عنهنّ ، لأنّهن يمارسنَ الحيَاة ويمَارسنَ حقّها على ترَاب هذا الوطنِ الذي كفلَ لنا المسَاواة التّامة ، التيْ لا تزَالُ أطُرها مجهولة ً لدَى الكثِير من الساكنين فيْ خيمَة المرأةِ القديمَة .. التيْ لم تكنْ تملكُ حقّ الاختيَار ناهيكَ عن حقّ الاختيَار الشخصيّ في الحيَاة ..
لا أودّ أن أتحدّث بصفتيْ مدافعة ً عن المرأة .. فأنا في كثيرٍ من الأحيانِ أختلفُ مع رُؤى كثيرٍ من الناشطات في الدفاعِ عن المرأة .. وأرَى في مغالاتهنّ وسيلة ً لتقييدِ المرأةِ أكثر واعتكَافها في حجرهَا ..
لا .. لستُ مدافعة ً عن المرأة ، فالمرَأة في كثيرٍ من الأحيَان هيَ التيْ تختارُ أن تُقهَر .. وهيَ التيْ تختارُ أن ينتقصَ منها ، وحينَ تأتيْ امرأة ٌ للدفاعِ عنها والتّحدثِ باسمهَا تثُور ، وقدْ رأيتُ بنفسيْ دعواتٍ على الانترنتِ من فتياتٍ مثقفاتٍ يطلبنَ من المدافعاتِ عنهنّ في حقُوق تعدد الزوجَات والطلاق وحضَانة الأطفال إلخ.. بأن يتوقّفن ، لأنهنّ لا يردنَ أن تتحدّث أيّ امرأة باسمِ مئاتِ الآلاف من نسَاء المجتمع المتسَالمات مع حيَاتهن ..
.. لكنني امرَأة أكتُب .. ولأنني عايشتُ هؤلاءِ النسَاء بنفسيْ .. أكتبُ عنهنّ .. هؤلاءِ المقهُورات ، لأنني أنتميْ إليهنّ أكتبُ .. ولأنني لا أودّ هنا أن أكيلَ الشعاراتِ بلْ أسرد .. أنا ساردَة اليَوم لا أكثَر !
امرأتيْ المجهُولة الأولَى .. عرفتهَا عن طريقِ صديقتيْ أيامَ الثانويّة ، تخرّجت من الجامعَة وكثرَ الخاطبُون إلا أنّ أهلها كانُوا يرفضُون فيّ كلّ مرّة .. معلّمة ورغمَ ذلك لا تملكُ مائَة بيسَة فوالدهَا واخوانها المسؤُولون عن حسَابها البنكيْ .. يعتقدُون أنّ أيّ رجلٍ يتقدّم لها إنّما يتقدّم لحسابهَا البنكي قبل أن يتقدّم لها .. الخَاطب فوقَ المائة عادَ أدراجهُ من بيتها بعدَ أن طردهُ الوالدُ أيضاً .. فقررتْ أن تتزوّجه وإن رفضَت عائلتها وبعثتْ إليهِ تخبرهُ أنها موافقَة .. احتدمَ الموضوعُ ووصلتِ الأمُور إلى المحكمَة وانتهتْ بزوَاج المرأةِ من رجلهَا .. حدثَ هذا قبلَ 6 أعوَام .. واليَوم لدَى هذهِ المرأة 3 أطفَال .. لكنْ خلال الستِ أعوَام هذهِ هل اصطلحتِ الأمُور بينَ المرأةِ وعائلتها؟
6 أعوَام وهذهِ المرأة لا تستطيعُ أن تطأ عتبَة دارِ عائلتها شبراً .. ذهبتْ إليهم ، توسّلت ، توسّطت لدَى شيُوخ القبائل للمصَالحة ..
الفتاة لم تفعلْ أكثر من أنّها أرادت الزوَاج الذي أحلّه الله وحرّمته عائلتهَا ..
6 أعوام والفتاة لا تستطيع أن تدخلَ البيت وتقبّل رأسَ أمّها الممنوعة من استقبَال ابنتها ..
6 أعوَام وهذه الفتاة تلاحق "العزيَات والمربيّات" لتلتقيْ أمّها .. يدخلُ الناس للعزاء باكين وتدخلُ سعيدَة .. فهناكَ ستجدُ أمّها وستحتضنها وتدردشُ معها .. الأمُ المكسُورة ليسَ بوسعها قولُ لا ..
3 أطفَال لم يشفعُوا لأمّهم أن يسَامحها أعمامهُم وجدّهم ولمْ ترقّ قلُوبهم لهم .. ولم يشفعْ لها أن زوجهَا كان رجلاً متفهماًً وأنّ اختيارها كانَ صائباً ..
مرةً كانتْ في منزلِ أختها برفقَة أطفالها .. فجاءَ اخوانها ووالدهَا وبسرعَة شديدَة تمّ تصريفُها مع أطفالها من البَاب الخلفيّ خشيَة أن يلمحَ الأعمامُ والجدّ أبنَاء أختهم .. تعرفُون أنّ اخوتها يحملُ جميعهُم شهاداتٍ تبدَأ من البكالوريُوس وتنتهيْ بالدّال الضخمَة قبلَ أسمَائهم؟
هذهِ المرأة حتّى قبلَ شهرين من الآن لا تزَالُ كذلك .. لا تزالُ في رحلَة طويلَة مع عائلَة بليدَة .. لمْ تفعلِ الشهَاداتُ بهم أكثر من تحجيرِ عقولهم أكثر فأكثر ..
* امرأتيْ المجهُولة الأخرى هيَ عاملَة في مدرسَة .. شَاءتْ لها الأقدارُ أن يتمّ تزويجها في عُمر الرابعَة عشر منْ رجلٍ مزوَاج يبدّل النسَاء كمَا يبدّل "كميمه" .. فقِير ودمير ورغمَ ذلك فهوَ يجدُ دائماً ضالتهُ في الفتياتِ الأفقرِ منهِ .. الأدمَر منه .. يتزوّجهن لأشهر ثمّ "هنّ والشارع" سوَاء !
أنجبتْ منهُ طفلينِ وفتَاة .. وطلّقت .. لمْ تبقِ "حطَام بيت" في نزوَى إلا وتوجّهت إليهِ وانتهَى بهَا المقَام لتقطنَ في بيتِ أخِ طليقهَا .. الذيْ تعملُ زوجتهُ عاملَة كذلك ، زوجتهُ عاملَة تابعَة لوزَارة التربيَة والتعليم أمّا امرأتيْ المجهُولة .. فهيَ عاملة في شركَة خاصّة للتنظِيف.. في الأورَاق الرسميّة يكتبُ أنّها تتقاضى معاشاً بـ120ريَال وفي الوَاقع العَفن تستلمُ تارة ً 90 ريَال ، 80ريَال أو حتى نصفَ المعَاش الورقيّ .. 60ريَال حسبَ مزَاج مالكِ الشركَة الذي يستغلّ حاجَة النسَاء الشديدة للعَمل وجهلهنّ بحقُوقهنّ وابتزَازهنّ ، فالتيْ لا تريدُ العمل ثمّة 20 امرأة مقهُورة تنتظرُ مكانها وتتحرّق للعملِ مقابل 40 ريَالاً وليسَ 60 ريالاً فتصمتُ النساءُ على مضضٍ وتقبلُ بما يمنّ بهِ عليهنّ ..
آخرُ ما وصلنيْ من خبرهَا أنّها كانتْ تجمعُ النقُود وذلكَ لتخرجَ من بيتِ أخِ طليقها .. تخيّلوا.. فوقَ السنَة تحَاول أن تجمَع مبلغ ألفي ريَال لتشتريْ بهِ "خرَابة" من خرَابات نزوَى وتقيم فيهِ مع أطفَالها ..
قالتْ :( دامْ فيه سقف وفيه جدرَان ، يكفيني أنا وأولاديْ ) ..
صاحبُ المنزلِ سمحَ لها بالإقامةِ مجاناً لأنه لم يجد أساساً من يؤجّرهُ له .. قالَ لها أقيميْ فيهِ وحينَ ييسرُ اللهُ لكِ الألفينِ أعطينيْ إياهم لأبيعكِ إيّاه ..

* امرأتيْ المجهُولة الثالثَة فتَاة بعُمريْ .. صديقَة عزيزة .. راسلتهَا مؤخراً لأكتشف أنّ هاتفها مغلق .. اتصلتُ بها عشراتِ المراتِ وسألتُ الصديقات فلم يعرفْ أحدٌ عنها ، قلقتُ كثيراً وذهبتُ إلى بيتها ، ضربتُ الجرسَ .. وطلبتها فخرجتْ .. كانتْ مصدُومة لمجيئيْ لكننيْ شعرتُ أنّ ثمة َ أمراً بها..
الذيْ حدثَ أنّ هذهِ الفتَاة دخلتْ في علاقَة عاطفيّة "هاتفيّة" مع شاب .. اكتشفتها عائلتها .. وأسهلْ طريقَة ليفرّ الشاب كانَ أن أغلقَ هاتفه في وجهِ صديقتيْ بعدَ أن توسّلت إليهِ بأنْ يأتيْ ليخطبهَا .. لا داعيْ لمنَاقشَة ردّة فعل الشاب فقد أصبحتْ مكرّرة لحدّ الغثيان وليتَ فتياتنَا يتعظنَ !
أتعرفُون ما فعلتْ عائلتهَا بهَا؟
ضربَتْ صديقتيْ كمَا تضرَب "الهايشَة" ضرباً مبرحاً جعلهَا طريحَة الفرَاش لأسبُوع .. وتمّ منعهَا من الذهَاب للكليّة .. كُسِرَ هاتفها ، وقَاطعها جميعُ من في المنزِل.. فتَاة جامعيّة يصفعهَا أخوهَا على وجههَا وتقَاطعها عائلتها ويتمّ التمهيد لفصلهَا من الكليّة ..
في هذا النمُوذج أقرب ما يمكنُ أن تفعلهُ فتاة فيْ أسوَأ لحظَاتِ ضعفهَا هيَ أنْ تهربَ للشَاب الذيْ سيستغلهَا جنسياً ، أو تهربَ من البيتِ وتوَاجه أقدَار الحيَاة..
أنَا لا أعرفُ كيفَ تفكّر هذه العوائل! يعنيْ الفتَاة أخطأت ، تقُوم العائلة بمقاطعتهَا وضربَها لتصلَ الفتَاة إلى حالَة مزريَة وكأننا نقُولُ لها .. اذهبيْ في حضنِ الشَاب .. لغَة حوَار عنْ أسبابِ فراغِ هذهِ الفتاة عاطفياً .. دقيقتيْ ترهيب ، دقيقتيْ مناجاة ! لا نمتلكها .. تكلمِين شاباً؟ وهات يا عصَا !
فكرتُ كثيراً معها ولا همّ لي سوَى موضوعِ فصلهَا من الكليّة فالشهَادة اليَوم هي قيمتكَ في الحيَاة.. وخلصنَا لخطّة نستعينُ فيها بصديقَة ثالثَة تكلّم أخاها على أنها موظفَة بالخدمَات الاجتماعيّة بكليّتها تخبرهُ أن صديقات الفتاة افتقدنهَا مؤخراً وأنهنّ لجَأن لها للاتصال بأحدِ أقاربها المسجّلين في سجّلها الدرَاسيّ ..
فعلتْ صديقتنا ذلكَ وبإقنَاع وشدّ وجذب وافقَ على عودةِ أختهِ .. لكن تعرفُون ما الذيْ حدث؟
أصبحُ أخُ الفتَاة يلاحقُ صديقتها.. منعَ أختهُ منَ الدرَاسة لاكتشَافه أنّها تحدّث شاباً ، لكنّه انشغلَ بمغازلةِ وملاحقةِ صديقتها .. والحمدلله أنني كنتُ طلبتُ من صديقتنا الثالثَة أن تستخدمَ رقماً جديداً لا تستخدمهُ أبداً لأنني كنتُ أتوقّع هكذا نهَاية بالنظرِ إلى تعليق صديقتيْ المجهُولة عن أخيها الذيْ سمعتهُ كثيراً يغازلُ هذهِ الفتاة أو تلك .. بابتسَامة قهرٍ أخبرتني (شايفَة كيف يا عائشة؟ الله يعاقبُ اخوانيْ في أختهم "الخربَانة" التيْ هيَ أنا ! )
كانتْ تقول ذلكَ وأنا أفكّر.. كمْ أنّها بريئة وهيَ تجهلُ أنّ أخاها يلاحقُ صديقتهَا الآن !
تلكَ حكاياتُ صديقاتيَ المجهُولات .. لا يتّسع عمودي لأضيفَ قصصاً أخرَى عايشتهَا ورأيتهَا بأمّ عيني ..
لا يتّسع الحديثُ عن صديقتيْ التي منعهَا أخوها معلّم الريَاضيات الذي عمره 25 عاماً بعدَ حصُولها على نسبَة 90% من دخُول كليّة التقنيّة لأنها مختلطَة وبهَا شبهَة وكنتُ أفكر هل سيكُون مصيرُ بناتهِ بعد عشرين عاماً بمصير أختهِ؟
ولا عن صديقتيْ الأخرى التيْ بكتْ ونحن في الأوّل الثانوي لأنّ أخاها "المهندس" بإحدى شركَات النفط منعهَا ومن لحقتهَا من أخواتها من دخُول المجَال العلميّ خوفَ أن يحصلنَ على نسبَة تؤهلهنّ ليصبحنَ ممرضّات أو طبيبات أو مهندسَات فالمجَال الأدبي لا يتيحُ لهن مصيراً سوى أن يكنّ معلمَات وهو العمل الوحِيد "الحلال" على المرأة ..
أكرهُ المبالغة .. ولذَا فأنا لا أبالغ هنا .. نعم هؤلاء النساء المقهُورات يعشن معنَا .. بيننا .. يعبرنَ أمامنا في السوقِ أو نلتقيهنّ في مناسبَة ونتحدّث إليهن .. لكنهن لا يبحنَ لنا عن كبتهنّ وعن حياتهنّ المسخرَة تحتَ رحمَة السلطَة العليَا للرّجل ..
ثمة الكثير من الحكَايات .. ربّما سأضيفها في مدوّنتي وربّما سأكتفيْ بها داخليْ .. حتى لا أتّهم بالمبالغة .. وحتّى لا تأتيني إحداهنّ لتنهَاني عن أن أكونَ متحدّثة باسم المرأة وهيَ لا تحتاجُ إليّ ولا لدفَاعي..
هؤلاء النساء المقهُورات .. بيننا ! امنحوهنّ من يزرع فيهنّ الأمان ليقلنَ لا .. في زمنٍ أصبحَ أصعبُ ما يمكنُ أن تفعلهُ هذه النسَاء في حياتهنّ هوَ قولُ لا !

07 أكتوبر, 2009

ارحمُوا الدينَ والعُرفَ منـّا/ردهات



عائشَة السيفيّ
http://www.alwatan.com/dailyhtml/culture.html#6



أنَاولُ صديقَتي الكاميرَا وأطلبُ منهَا تصويريْ حينَ أصعدُ المسرحَ للتكرِيم .. تجهّز الكاميرا .. وأستعدُ أنا .. وما أنْ يبدَأ المقدّم بمنادَاة أسمَاءِ المكرّمات تتحوّل الأنظَار تجاهَنا في انتظَار خرُوج أيّ فتاةٍ للتكرِيم فلا تخرجُ ..
تمّ منادَاة 13 اسماً قبلَ اسميْ لتكريمهنّ ولم تخرُج أيّ فتاة .. بدأ ذلكَ بمجرّد رفضِ خرُوج أوّل فتاةٍ للمسرَح ليتمّ تكريمها.. وتبعتهَا الأخريَات ، ربّما على مضضٍ وربّما لأنهن فعلاً لا يرغبنَ بخرُوجهنّ للتكريم .. حينَ كانتْ أسمَاؤهن تتمّ مناداتها .. كنت أسألهنّ بحنقٍ ودهشَة: ليش ما تطلعُوا يكرمُوكم؟ .. ما حلوَة ! ما فينا يجلسوا يشوفونا كلهم .. أستحِي إلخ ..
وَأنا .. وفيمَا كانتْ صديقتيْ تستعدّ لتصويريْ .. وبعدَ منادَاة 13 فتاة قبليْ .. قرّرتُ ألا أصعدَ المنبرَ أيضاً .. وأنا في داخليْ أسخرُ منْ نفسي وأفكّر .. يا ترَى لو صعدتُ هلْ سأبدُو بمنظرِ الفتاة "الفلتَانة" ؟

غيرَ أنني كنتُ أكثَر جبناً من أن أخرُج .. وفعلتهَا فتَاة بعديْ .. بعبَاءتها المحتشمَة وبشيلتها السّوداء وبوقَارها خرجتْ للتكرِيم .. وتبعتهَا صديقاتٌ أخرَى محجباتٌ وغيرُ محجّبات .. حينهَا كنتُ أشعرُ بالسّوء من نفسيْ وأكادُ أبكيْ تفويتي اللحظَة التيْ لا تتكرّر إلا كلّ عام .. أن أنالَ التكريمَ من كليّتي الجميلَة .. وقسميَ الجميل ..
تمنيتُ حينها أنْ يعودُوا لمنَاداة اسميْ فأصعَد وأرفعُ رأسيْ مبتسمَة وأفكّر .. ( سحقاً لكلّ مبدأ ٍ يجعلُني أخجلُ من تكريمي ، يجعلنيْ أعتبرُ تناوليْ "ورقَة" من المكرّم "حاجَة ما حلوة" .. )
مفاهِيم غريبَة من فتيَات متعلّمات بدأت تطفُو على السّطح .. مفاهِيم غريبَة لم تقرّها عاداتنَا ولا ديننا .. ولم تكنْ سائدَة ً في الزّمن القديم ، زمنِ أمّهاتنا وآبائنا .. بدأت الشفافيّة تختفيْ ، وبدأنا ننحشرُ في سلسلَة تعقيدَات ننسبهَا للمجتمعِ والعُرف .. دونَ أنْ نملكَ تبريراتٍ مقنعة ً لذلك ..

أنتظرُ المصعدَ برفقَةِ صديقتين ِ .. ثمّ يأتيْ شابٌ ثالث .. تدخلُ ثلاثتنا المصعَد وينتظرُ الشابُ في الخارجِ .. أقولُ لهُ : تفضّل أخيْ ، فتشدّني صديقَتي من كتفيْ وتقولُ لا .. ما نريد واحد معنَا في المصعَد .. تقولُ ذلكَ هامسَة لكنّ الشابَ يسمعها فيتراجعُ بحرَج .. وأحدّقُ إليهَا مصدُومَة.. أيّ تخلّف هذا ! هلْ أصبح المصعَد شُبهَة ؟ وهلْ صعُودنا في نفسِ الصندُوق المعدنيّ لثانيتين للطابقِ الأوّل وثانيتين أخريين للطابقِ الثاني .. عَيب؟

فيْ الوقتِ الذيْ لا تمانعُ فتياتٌ كثيراتٌ صعُود أسَاتذة أجَانب وعمّال هُنود معهنّ في المصعَد .. بحقّ أنا غير قادرَة على فهمِ بأيّ منطِق نمَارسُ هذهِ التصرّفات؟ وأيّ عرفٍ هوَ المسؤُول عن إجازةِ أو منعِ مواقفَ كهذهِ؟

أتذكّر أنّي مرة ً كنتُ أنتظرُ المصعدَ .. وفتحَ لتخرجُ منهُ شابٌ وفتاة .. كانَت ثمّة مجمُوعة شباب بجانبيْ تقفُ فعلّقوا ضاحكين على ذلكَ .. "يا سلام وش عليك انت"
أفكّر مثلاً في سينَاريُو ذلك الفتَاة والشاب .. لو أنّني غيرُ قادرَة على صعُود الطابقِ الثالث بالسلّم .. ولديّ محاضرَة مهمّة .. وآتي للمصعَد فأجدُ شابا قبلي ينتظرهُ .. يفتح المصعَد ويدخلُ .. ويقُول لي .. تفضّلي .. فأدخل .. وخلال ثانيتين أكُون وصلتُ للطابق الثالث .. فهل الأمرُ شاذٌ إلى هذا الحدّ؟ وهلْ نتعَاملُ معَ ذلكَ كخلوَة غير شرعيّة؟ لا أعرفُ لماذا نجعلُ من أنفسنَا "رقبَاء اجتماعيين" باسمِ الدّين والعُرف .. ونحنُ لا نمتّ لا للدين ولا للعرفِ بصلَة ..
هؤلاءِ الشباب الذينَ علّقوا .. أعرفُ بعضهُم .. ممّن درسَ معيْ .. محترفُون فيْ الغشّ ، والنّقل ، والتخميس بسيّاراتهم والتدخين ..
هذهِ يعتبرُونها محللات .. لكنّ صعُود شاب وفتَاة في نفسِ المصعَد يعتبرُ دخيلاً وحراماً؟
أيّ نفاقٍ اجتماعيّ نعيشهُ؟

تحكيْ لي قريبتي وهيَ تسكنُ في مدينةٍ تغطّي فيها النسَاءُ وجوههنّ .. دخلتْ هيَ وزوجها إلى محلّ للتفصِيل فيما انشغلتْ فتاة زبُونة بالشّرح للآسيويّ عن الموديل الذيْ تطلبهُ ..وفيمَا دخلت قريبتيْ المحلّ برفقَة زوجها حتّى هبّت تلك الفتاة لتغطيَة وجهها .. فضحكتْ قريبتيْ وعلّقت .. "يا سلام! ترَى الهندي ما رجّال تغطيْ وجهها قدّامه" !
هلِ العُرف يصنّف الرجَال لعيّنات حسب جنسيّاتهم؟ وعلَى ذلك الأساس نمَارسُ أعرافنا الاجتماعيّة معهُم .. فإذا كانَ عمانياً غطّينا وجهنا وإن كان من جنسيّة أخرى فنحنُ وَباسم المجتمعِ نحلّ لأنفسنا أنْ نكشفَ وجهنا !
ما هوَ مبرّر هذا التناقض؟

قبلَ مدّة كنتُ أناقشُ صديقة ً في هذا الموضُوع وأبديْ استغرابيْ من مواقفَ على شاكلَة ما ذكرتُ أعلاهُ فحكتْ لي ما قصّتهُ أمّها لها .. أنّها حينَ كانتْ في الخامسَة عشرة حينَ تزوّجت والدَ صديقتيْ .. كانَ يبعثهَا مع أخيهِ لزيَارة أهلها على "حمَار" .. ضحكتْ صديقتيْ المتزوّجة وقالتْ .. تخيّلي الآن أن يبعثنيْ زوجيْ لأهليْ برفقَة أخيهِ .. كنتْ صرتْ خبز بلا ملح !

أصبحنَا نخافُ منْ كلّ شيءٍ ونرَاقبُ يميناً وشمالاً ردُود أفعال الآخرين دونَ أن نمنحَ أنفسنَا الفرصَة لنقرّر إن كنا في الداخلِ مقتنعينَ تماماُ بأنّ ما نفعلهُ صوابٌ أو خطَأ .. أصبحنَا غارقين في دوّامَة سوءِ ظنّ .. وأصبحنَا مهوّسين بتفسير تصرّفات الغير على أنّها تقُود دائماً لنهَاية سيئَة وقذرَة ..
فوجُودُ اثنين وحيدين يؤدّي لنتيجَة حتميّة هيَ وجودهما لاحقاً فيْ سريرٍ واحد !!

كلّ يومٍ تزدادُ الممنوعَات كردّةِ فعلٍ على التحدّر الاخلاقيْ الذيْ يشهدهُ المجتمع والسّبب القصص الكثيرَة والمخيفَة التيْ نسمعهَا هنا وهناك .. وخوفنَا من سقُوط القيم والفساد الذيْ أصبَحَ يُصدَّرُ لنا من كلّ صوب .. من الإعلانات ، منَ التلفزيُون والقنوات الفضائيّة ، من المراكزِ التجاريّة ..
أصبحَتْ لدَينا "فُوبيا مجتمع" وأصبحَ ما أحلّهُ الأمسُ مرفوضاً اليَوم .. ونحنُ نناقضُ أنفسنا بأنفسنا ..

فالفتياتُ اللاتيْ رفضنَ صعُود المسرحِ للتكرِيم .. كانَ بعضٌ منهنّ يرتديْ ملابس متحرّرة جداً غير متعارف عليها بينَ المجتمع ، بعضهنّ "نصفُ محجّب" وبعضهنّ ترتديْ "شبهَ عباءة" ولم يعتبرنَ أنّ ذلكَ "حاجة ما حلوة" بينمَا اعتبرنَ صعودهنّ للمنبر "حاجة ما حلوة" !

أصبحنَا بطريقةٍ وبأخرَى نفصّلُ العيبَ واللاعيبَ بمقاساتنا .. وفيمَا ندرسُ في جوّ مختلط ونعملُ في جوّ مختلط وأصبحتْ دوائرنا الحكوميّة مختلطَة وأصبحتْ مستشفياتنا مختلطَة ، ونذهبُ للسّوق في جوّ مختلط .. ورغمَ ذلكَ نستحيْ من صعُود المسرحِ لاستلام شهادَة تكريم لا للغنَاء والرّقص ، ونعتبرُ وجُود شاب وفتاة صاعدين في مصعدٍ واحِد ، شُبهَة نجرّمهم ونحاسبهُم عليها باسمِ الدّين والمجتمع؟

لا يا أصدقَاء .. ديننا وعاداتنا بريئة ٌ من كلّ سبق .. والعيبُ في عقُولُ أهلِ العيب .. والخطأ نحنُ فقط من نعتبرهُ كذلكَ لأننا لا نجيدُ سوَى إلصاق الأخطاءِ بالآخرين باسمِ الدين والعُرف .. ارحمُوا الدينَ والعُرف يا جمَاعة ..
فالدينُ خلقَ ليكُون جميلاً ومنطقياً ، يفسّر كلّ ما يحلّله ويحرّمه .. وخلقَ العُرف كذلكَ ليضعنَا في منظُومة منظّمة لا نعيشُ فيها هواجسَ من سوءِ الظنّ وتخطيءِ كلّ شيءٍ ..
ارحمُوا الدينَ والعُرف .. وارحمُوا أنفسكُم قبلَ كلّ شيءٍ !

30 سبتمبر, 2009

المَاركَة .. الصّناعَة ذاتُ الحدّين/ ردُهات


عائشَة السّيفي
ufuq4ever@yahoo.com


وَفقاً للمنظمَة العالميّة لحقُوق الملكيّة الفكريّة فإنّ العلامَة التجاريّة أو المَاركة هيَ إشَارَة مميّزة تبيّن بعض السلع أو الخدمَات باعتبَارها منتجاتٍ أنتجتهَا جهَة معيّنة سواءً كمؤسّسة أو أفرَاد وتكُون معرُوفة لدى الزبُون تمثّلها هذهِ العلامَة وتعتبرُ حقاً لتمثيلها تجارياً في بلدها ..
يعُود نشُوء العلامَة التجاريّة أو "الماركَة" إلى 3 أو 4 قرُون حيثُ شاعَ في أوروبَا استخدَام أصحَاب الحرف رموزاً معيّنة ً لتمييز ما ينتجُونه من حرفٍ فكانَ النجارُون يضعون على الأبوابِ رمزاً معيّناً ليميّزَ كلاً منهم عنِ الآخر وكذا فعلَ الحدّادونَ وسائر الحرفيين .. ومنذ ذلكَ الحين أصبحتْ ملامحُ العلامَة التجاريّة تزداد وضوحاً وبدَأتْ تسريْ بشكلٍ رسميّ وشيئاً فشيئاً غزتِ العالمَ وأصبحتْ جزءاً لا يتجزّأ من تكوينِ السّوق .. إذ لا يمكنُ خرُوج أيّ مشرُوع تجاريّ إلى النور دونَ أن يمتلكَ العلامَة التجاريّة الخاصّة بهِ ..
هذهِ العلامَة قدْ تكُون رمزاً معيّناً .. مجمُوعة حرُوف مختصرَة أو جملَة أو كلمَات .. وقد تكُون رسماً دلالياً وهيَ غير مقنّنة بالشّكل الذي تظهرُ بهِ معَ الاحتفَاظ بقوانين معيّنة في الموافقَة عليها بحيثُ لا تحملُ إيحاءً سيئاً معيّناً للقارئ ولا تخدشُ الأديَان وألا تحملَ معنَى بذيئاً في لغَةٍ أخرى كما يجبُ أن تكونَ واضحَة ومفهُومة بعيداً عن التعقِيد بحيثُ يكونُ من السّهل إشهارها في السّوق والتعاملُ معها على المستوَى التجاريّ والإعلانيّ ..
هذهِ الرمُوز قد تحملُ علاقَة بالمنتَج وبالتاليْ تحملُ أسماءَ أو رمُوز ترتبط بالمنتج كأنْ يتمّ تسميَة سلسلَة مرَاكز تجميليّة باسمِ عالم المَاكياج أوْ شركَة متخصّصة في تصنِيع الميَاه المعدنيّة بشلالات ظفَار فيُوحي لنَا الاسمُ بهويّة المنتج الذيْ تقدّمه تلك الشركَة .. وقد تقدّم الشركَة كذلك رمزا لهُ علاقَة بطبيعةِ منتجهَا مثلَ أن يقومَ محلٌ لتفصيل العباءات بوضعِ رمزِ امرأةٍ ترتديْ عباءَة .. كعلامَة تجاريّة لهُ .. ليستشفَ الزبُون ما يعنيهِ هذا الرّمز ..
وقدْ تأتيْ الكلمَات عشوَائيّة لا علاقَة لها بالمنتَج .. مثلَ لانكُوم لمستحضَرات التجميل .. أو توشيبَا لصنَاعة الحواسيب الآليّة .. أو قدْ نستخدمُ كلمَات دَارجَة كعلامَة تجاريّة لنا .. مثلَ استخدَام سلسلَة محلاّت الملابس والأزيَاء كلمَة "مَانجُو" للإشارَة لمحلاّتها بصرفِ النظر عن عدمِ ترابُط اسمِ العلامَة بنمطِ توجّه منتجات الشركَة وهوّيتها ويكُون كذلكَ اختيَار رمزٍ للشركَة أو الجهَة المنتجَة دونَ أن يكونَ ثمّة ترَابط بينَ الشيئين ..

يقُولُ خبيرُ الاقتصَاد العالميّ دايفيد إيكر في كتابهِ Building Strong Brands أنّ العلامَة التجاريّة هيَ إحدَى نتاجات العولمَة الحقيقيّة في القرنِ الجديدِ حيثُ تسيطرُ الكيَانات الكبيرة على الكيَانات الصغيرَة باسمهَا وحضُورها في السّوق .. وهوَ تماماً نتاجُ ما حدثَ مؤخراً بعدَ رفعِ شركاتٍ مصنّعة لأنظمَة الحواسيب الآليّة قضايا كثيرَة على عملاق أنظمَة الحاسُوب مايكرُوسوفت التيْ أسسها بيل جيتس بسببِ اعتبَار شركتهِ بعبعاً تجارياً يستفردُ على الأخضرِ واليابسِ من سُوق الحَاسوب العالميّ ما جعلَ مايكرُوسوفت مهدّدة ً بتقسيمها لشركَات صغيرَة وكيانات متفرّقة لإفساح المجالِ للجميع بتسويق منتجهِ بعيداً عن استفرادِ شركةٍ دونَ أخرى وصنعِ ثقَة جديدَة للزّبُون الذي لا يعرفُ سوَى مايكرُوسوفت دونَ بديلٍ ينافسها في الثقة أو يتيحُ المجالَ للمنافسَة بعدَ أن اتخذت مايكرُوسوفت سياسَة شراء العلامات التجاريّة لأي شركات منافسَة وضمّها تحتَ عباءَتها ..

وعادةً ما يتمّ تسجيلُ العلامَة التجاريّة في البلدِ الأمّ الذي تخرجُ منهُ الشركَة والنّظر في توافقها مع قوانينِ وأنظمَة هذا البلدِ فإذا أرادتِ الشركَة الخرُوج من حدُود وطنها الجغرافيّ إلى أبعادٍ عالميّة فينبغيْ أن تنالَ الترخيصَ من منظّمة العلامات التجاريّة التيْ وقّعت عليها 60 دولَة منذ إنشائها للتأكّد من أن علامة تلكَ الشركَة لا تشابهُ أو تماثلُ علامَةَ شركةٍ أخرَى موجُودة في السّوق العالميّ فيحدثُ اللّبس أو الخلط ..

اليَوم أصبحتِ العلامَة التجَاريّة بصمَة ثقَة .. فنحنُ مثلاً نعرفُ أن العلامَة التجارية نوكيَا أو سونيْ أريكسُون هيَ الأكثر رواجاً وثقة ً في السّوق وقد نجدُ هواتفَ بمواصفَات أفضَل وميزات تكنولوجيّة أكبر من هواتف نوكيا أو سونيْ أريكسُون لكننا نشتريْ الأخيرَة لثقتنا بهَا فنحنُ ندفعُ للاسم .. للمَاركة قبلَ أن ندفعَ للمنتجِ نفسهِ ..
قد نشتريْ حذاءً بسعرِ 60ريال ونشتريْ آخر لهُ نفس المميّزات وربما أكثر ب5 ريال والفارق أننا في الأول لا ندفع لمميّزات الحذاء بقدر دفعنا لثقتنا بالشركَة المنتجَة للحذاء وأصليّتها وجودَة منتجاتها وندفعُ لسمعتهَا في السّوق واسمهَا بينما في الحذاء ذي الخمسَة ريالات نحنُ لا ندفعُ سوَى للحذاء نفسهِ دونَ أن تكونَ لشركتهِ ذلك الاسم والثقَة الكبيرَة الموجودَة في السّوق ..
ويأتيْ اهتمامنا وتوافقُ المنتج معَ توجّهاتنا الحياتيّة في الأسبَاب التيْ تدفعنَا نتوجّه إلى استخدَام العلامَات التجاريّة في تعاملاتنَا .. فمثلاً قد أذهب أنا إلى أيّ شركَة سيّارات وأشتريْ سيّارة عاديّة بمواصفاتٍ عاديّةٍ لأنني لستُ من النوعِ الذيْ يلقيْ بالاً إلى عالمِ السيّارات بينمَا يأتيْ آخر مستعدّ ليدفعَ أضعافَ ما دفعتُ لسيّارة أخرى لأنّها مثلاً تمتلكُ نظام حمَايّة معيّن .. زوَائد معيّنة ، هيكَلها ، دفعهَا ، قوّة محرّكها ، استهلاكها للوقُود .. فارتبَاطه الحسيّ بالعلامَة التجاريّة لذلك المنتج أكبر من ارتبَاطي واهتماميْ بالسيّارات كمنتج ..
وتلعبُ السيَاسَة والدّين توجهاتٍ كبيرَةً لدَى الزّبُون فمثلاً كنتُ قد أوصيتُ مؤخراً أحدَ وسطَاء شركة عُطور أن يجلبَ ليْ عطراً معيّناً إلا أنهُ عاد واعتذرَ عن أنّ الشركَة أوقفتِ استجلابَ ذلكَ العطر لأنّه منتجٌ اسرائيليّ ..

ومثالٌ آخر ما حدثَ لمذيعَة خليجيّة ظهرتْ بدونِ أن تعرفَ وهي ترتديْ قميصاً يحملُ شعارَ شركَة معرُوفة بانتاجها منتجات للشواذّ جنسياً ودعمهَا لهُم وإقبَال الشواذّ عالمياً على الشرَاء منها باعتبارها تمثّلهم .. لذا لقيتْ تلك المذيعَة الكثير منَ التقرِيع .. لأنّها حينَ لبستْ ذلكَ القميص فإنّها مثّلت تلكَ الشركَة ..
وكذَا يحدثُ لدَى شركَاتٍ يقالُ أنّها تدعَم جيوشاً معيّنة في بلدانٍ معيّنة أو أنّها تقدّم دعماً مالياً كبيرَاً لشعُوبٍ ضدّ أخرَى وبهذهِ الطريقَة ترتبطُ هذهِ العلامات التجاريّة وعلاقَة الزبُون بها في بلدٍ ما أو منطقةٍ ما بالخلفياتِ السياسيّة والدينيّة التيْ ترتبطُ بها شركَة تلك العلامَة التجاريّة لذلكَ يرفعُ اقتصاديُون كثر عالمياً شعَار (لا دين لا سياسَة) كأوّل خطوَات نجاح أيّ علامَة تجاريّة يسعَى أصحابهَا للعالميّة لكيْ لا يحدثَ تعارض في توجهاتِ تلك الشركة السياسيّة أو الدينيّة مع زبائنها في بقعَة معيّنة من العالم ..

غيرَ أنّ الكثِير من الزبَائن أصبحُوا مهوّسين بالعلامَة التجاريّة وأصبحت العلامَة التجاريّة تعنيهم أكثَر من المنتج أو السلعَة نفسها .. فالنسَاء مثلاً يتباهينَ بأنّهن اشترينَ قميصاً بقيمَة 50 ريالاً من شركَة أزيَاء عالميّة لا لشيءٍ سوَى لأنّ تلك الشركَة تمثّل سوقاً للطبقَة الثريّة ..
مؤخرا وأنا أتصفّح إحدَى المجلاّت التيْ كانتْ تعرضُ خطّ ملابس كاجوَال صيفيّة طرحهُ محلّ ملابس في دبي وقد صدمتُ فعلاً لمستوَى الغلاء التيْ وصلتْ إليهِ الملابس .. ففستان شيفُون قصير لا يتخطّى الركبَة وضعَ عليهِ سعرُ 3000آلاف ريَال عُماني .. وحلق أذن بلاستيكيّة على شكلِ وردَة وضعَ عليهَا سعر 700ريَال عُمانيّ .. وشَال على الرقبَة من القطن وضعَ عليهِ سعرُ 1500ريَال عُمانيّ .. وقد كانَ مجمُوع ما ارتدتهُ العارضَة تلك من ملابس خفيفة جداً .. 13ألف ريال عُمانيّ .. وكان هذا حالُ بقيّة الصور التيْ ظهرتْ بها العارضَة .. فهلْ يعقلُ أن الترفَ وصلَ بالنّاس ليلبسُوا في مجمُوع لبسَة واحدَة ما يزيدُ عن 13 ألف ريَال عُمانيّ فيمَا يغرقُ العالم في الجُوع والفقر المدقع؟ هذا فعلاً نتاج العولمَة وضريبتهَا السّوداء ..
هذهِ الملابس لم يبلغْ سعرهَا هذا لأنّها صنعتْ من خامَة خاصّة نادرة جداً .. ولمْ تكن بذلك التميّز الذيْ يجعلُ منها هذا السّعر .. لكنّ ماركَتها واسم شركتهَا في السّوق خوّلها لذلك وصنَع لها طبقَة معيّنة من الزبائن يتوجّهون لشرَاء منتجاتهَا ..
ولتقريبِ الصُورَة أحكيْ لكُم قصّة حكَاها أحدُ أقاربيْ وهو مهندسٌ معماريّ مشهُور في السّوق لديهِ مكاتبهُ الهندسيّة للاستشاراتِ وجاءهُ زبونٌ يطلبُ منهُ أن يعدّل شيئاً ما في خريطتهِ التيْ استخلصها من مكتبٍ آخر .. وفي تلكَ اللحظَة نظرَ المهندسُ إلى الخريطَة ورسمَ خطاً ما في الخريطَة وقالَ لزبُونهِ .. خلاص مشكلتكَ حُلّت .. وحينَ سألهُ الزّبون عن السّعر قالَ لهُ 30 ريَال .. فدهشَ الزبُون وقالَ : ثلاثُون ريالاً أدفعهَا لأنّك رسمتَ خطاً في الخريطَة وفي ثانيتين؟
فأجابهُ المهندس: أنتَ لا تدفعُ لي لأنّي رسمتُ خطاً وإنّما تدفعُ ليْ لدراستيْ 5 سنوَات في كليّة الهندسَة ودرَاسة تخصّصي .. وسنتان للماجستير وتدفعُ لي السّنوات التيْ قضيتهَا في السّوق لأؤسّس اسميْ .. أنت تدفعُ لثقتكَ بي وتوجّهك إليّ دوناً عن بقية المكاتبِ والمهندسين .. أنت تدفعُ لخبرتيْ الطويلة لصنَاعة الثقَة في الزبائن وَصنَاعة جودَة ما أقدّمه للسّوق ..
هذا بالضّبط هوَ ما تعنيهِ العلامَة التجاريّة .. لكنْ هلْ يبرّر هذا المغالاة الكبيرَة التيْ وصلتْ إليها الشركَات في منتجاتها بلا مبرّر؟ وعبَادة الكثيرين منّا للتسوّق من المحلاّت الراقية والماركات المشهُورة ليسَ لشيءٍ سوَى لأغرَاض الترفِ والمبَاهاة؟
في العالمِ الفقير هذا .. لا تمثّل العلامَة التجارية شيئاً للملايين الذينَ يسحقُون تحتَ همُوم الحيَاة اليوميّة لتأمين لقمَة عيشهم وكسوَة أطفالهم ويهمّهم أن يفيْ المنتجُ بالغرض دونَ أن يلتفتُوا إن كانَ هذا المنتج عالمياً أو إن قدّم الفنان الفلانيّ دعاية ً لهذا المنتج .. لأنّ هذهِ الدعايَة إنّما خرجتْ من جيُوب الزّبائن ليحصلَ الفنان على مئات الآلاف لقاءَ تقدِيمهِ دقيقَة إعلان واحدَة أو حضُوره في حفلٍ لشركَة تلكَ المنتَج ..
هكذَا إذن يكُون للعلامات التجاريّة وجهها الأبيض والأسوَد ونظلّ بحاجةٍ لخلقِ توازنٍ حقيقيّ وألا ننجرفَ ورَاء الهوسِ بالعلامَة التجاريّة بدونِ أسبابٍ منطقيّة سوَى التباهيْ أوْ تصنيفنَا وفقَ طبقَة معيّنة نريدُ أن ينسبَنا الآخرُونَ لها .. إنّها بحقّ صنَاعة العولمَة .. الصنَاعة ذاتُ الحدّين !

21 سبتمبر, 2009

أعيَادكُم بلا فيرُوسات !

السّاعة الواحدَة صباحاً .. والآنَ أسمعُ الحلاّق المجَاور لبيتِ جدّتي وهوَ يغلقُ محلّه ..
اليَوم مررتُ عليهِ فوجدتُ الرجَال وقوفاً .. لم أمنعْ نفسيْ منَ الضّحك وأنا أطالعَ شعرَ رأسِ قريبِي وأقولُ لهُ : كأنّه غايتهُ تروح تحلق شعرَك؟
فردّ : لا لا أريد ..
- لمَ؟
- أخاف يحلق شيئاً من شعرِ اللحيَة الملاصق لشعرِ الرّاس
- وإذا حلق؟
-حرام ، يبطل صيام رمضان
- شو يعني ؟ مهُو انت متعوّد تحلق ذقنك
تصدّقوا ؟ 21 عاماً ولم أنتبه بحياتي إلى أنّ الرجالَ يتحاشونَ حلقَ ذقونهِم في رمضَان ..
حسناً .. أنا لست مطوّعة ولا تقرب ليْ الطوَاعة وكمَان شخصياً أخافُ من اللحَى الطويلَة جداً .. لذلكَ لا تعتبرُوا تدوينتي معادَاة للساميَة
عفواً معادَاة لمن يحلقُون لحاهم أو يخفّفونها
يعني حرامات يقعدُوا الحلاقين بلا شغل ولا مشغلَة برمضَان .. بتصِير بطالة ، أقصد باحثين عن العمل
خطيّ والله ما يصير يا جمَاعة تتذكّروا أنكم لم تحلقُوا لحاكم شهراً ثمّ تهبّواع الحلاقين وتخلُوهم سهرانين للسّاعة الواحدَة صباحاً مشَان شغل جزَاز اللحيَة
الحمدلله أنّه الحريم ما عندهُم لحَى .. ولو أنّه عندهُم أمُور أعظم
***
كنتُ أظنّ أنّ انفلونزَا البطِيخ ستمنَع النّساء من زحمَة الصالُونات بس الحريم هُم الحريم ..
قبلَ يومين اتّصلت بالفتَاة التي اعتادتْ على نقش الحنّاء لي .. فأجابت أنّ جدولها ممتلئ منذُ شهر .. بعيد الشّر ! ليش الحريم منتزقَات كذا ولا أنَا نايمَة بالعسل؟ وبعد شدٍ وجذب وافقت على أن تحنّيني قبل العيد بثلاثِ أيّام! يا إلهي .. والله ممنوع عليّ أمسّ الماء لحتّى ما يروح الحنّا .. هذا يعنيْ أني لن أستحمّ لثلاث أيّام ولن أغسل يدي بعد الأكل لثلاثِ أيّام .. كمَا أنني لن أطبخ لثلاثِ أيّام .. والله هذا ما صار حنّا .. المهم تحنينا وعاد لا تسألوني هل سيبقَى الحنّاء لثالث أيّام العيد أي بعدَ مضيّ 6 أيّام على الحنّا ..
الآن يا فيرُوس أتش ون أن ون .. شدّ الهمّة في ساحَات الوغى حيثُ تدوِي أصوَات ماكينَات الاستشوَار وماكينَات الفيشل وتتناضدُ النسَاء فوق بعضهنّ البعض أملاً في إصلاح ما أفسدته الأشهر التي فصلتْ بينَ هذا العيد وسابقهِ
شدّ الهمّة يا سيّد فَيروس .. عفواً نسيتُ أنّ السيد للعائلة المالكَة فقط .. شدّ الهمّة يا أستَاذ فيرُوس فأمامك مشاوير طويلَة
***
فجرَ اليَوم ومن نافذتيْ شاهدتُ الرجالَ يتقاطرُون أمماً أمام منزلنا فعرفتُ بالطبعِ أينَ يكونُ مقصدهم
ككلّ عيدٍ يتكرّر الموقفُ .. يُسَدُ الطريقُ بالسياراتِ التي تقفُ على بعدِ مئات الأمتار .. وتتصَادم الحشُود أمام مصنعِ الحلوَى الصغير القريب من بيتنا .. تختنقُ الأنفاس ويتعاركُ الرجالُ من أجلِ نيلِ مكبّة ولا مكبتين حلوَى ..
آآآتشو في وجهِ كلّ واحد وهزّ وسطَك يا فيرُوس الخنَازير ..
وهي فرصَة لنمعنَ أنظارنا بسيّارات الكباريّة بأرقامها الخاصّة الملوّنة بالأخصر والأبيض والأحمر وسيّارات أصحاب المعالي والسّعادة إضافة ً إلى لوحاتِ سيّارات الأشقّاء الخليجيين .. يا إلهي .. هل سيمُوت العمَانيُون إذا لم يأكلُوا حلوى؟
قبلَ مدّة همسَ ابنُ صاحبِ هذا المصنعِ قائلاً لقريبِي أنّهم كسبُوا من العيدِ الماضي 200ألف ريَال ..
يا سيدي نيّالهم ع قلُوبهم .. اللهُم بارك وزِد
أضحك من حالي .. كادّين كدّ بالدرَاسة لندخل الهندسَة أو حيّا الله تخصص يسترنا ونعمل ونظلنا شي عشرين وثلاثين سنَة
الواحد يشتغل وتشتغل زوجته ويا دُوب يطلّع له بحياته كلها 100 ألف ..
المضحكُ في الأمرِ أنّ أحدهُم أخبرنيْ عن قصّة صديقهِ الذي يملكُ والده مصنعَ حلوَى ويدرسُ هندسَة طيرَان فيْ الخارج ويشكُو من صعُوبات الدرَاسة .. قالَ له لم لا تعمل في مصنعِ والدك .. ألا تربحُون؟
قالَ : لو عملتُ في مصنع والديْ لربحتُ أضعافَ ما أربحهُ من تخصصي هذا
بسْ افهمها يا شَاطر .. لو تصير مليَاردير وتردّ الملايين من صنَاعة الحلوَى في النهَاية تظلّك "حلاّو" يصنع الحلوى .. هندسَة الطيرَان اسم ومكَانة ..
ضحكتُ كثيراً .. يا الله كيف نعبُد الألقاب والمظَاهر !
خلي الهندسَة تنفعنيْ .. يعنيْ لو يخلّوا بنت تشتغل معهم تعمِل حلوَى كنت عقيت الهندسَة بصُوب ورحتْ فتحت لي بعد شي سنتين مصنَع حلوَى ..
طيب .. أنا عندي فكرَة ولحّد يسرق حقُوق الملكيّة الفكريّة .. يعني على كثر ما يعبد العمَانيّون الحلوَى ،لماذا لم يصنَع أيٌ منهُم ماكينَة لصنَاعة الحلوَى؟
صارْ لي شهرين وأنَا أحنّ حنّ على رَاس أخي الطالبِ بهندسَة الكهربَاء
قلتُ لهُ أنتَ تدرس هندسَة كهربَاء .. دعنا نتعَاون لتصنِيع ماكينَة صنَاعة حلوَى .. أنتَ اهتَم بالجَانب الكهربَائي الخاصّ بتخصصّك وأنا أهتم بالجَانب الدينَاميكي الخاصّ بتخصصي ..
منْ يقنعُ أخي بجدوَى فكرتي؟ واللهِ فكرتي مش بطّالة
***
أطالعُ أخي وقدْ شدّ رأسهُ بفوطَة وحرارتهُ عالية .. يُوه .. لا يكُون؟
اليَوم راجع والنّصر حليفه بعدَ معركَة الحلوَى التيْ كادَت أن تودي بحيَاته معَ مئات الرّجال
أوهُوووو نسيت أنّ فترَة حضَانة الفيرُوس من 2-8أيّام
معلِش خيّو .. أجر وعافيَة
***
يا رجَال العَالم اتّحدوا في موَاجهة الفيرُوس ..
أتمنّى أن تكُونوا قد أعددتُم عدّتكم .. خلّوا عنكم عادَة صباب القهوَة وتوزيعهَا على الخمسِين شخص اللي حاضرين بالسَبلة وتمريرها بفنجَان قهوَة أو فنجانين يمرّان على عشرَات الأفواه التي تترك لعَابها الطاهر على الفنجَان ..
ثمّ تمتدّ الأيادي "لتغفص الحلوَى" وفجَأة يعطس أحدهم فيها ويسترِيح الفيرُوس في بحيرَة السّكر المحرُوق في الحلوَى
آهِ يا فيرُوس .. سيزدَاد وزنكَ يا رجل!!
***
البَارحَة تلقّيت نكتة مؤلمَة جداً ..
سألنيْ صديقٌ من السعوديّة .. انتُو بكرَة صايمين مثل أمّي؟
قلتُ له أيوا صايمين .. بس ليش أمّك صايمة؟ هي مش سعوديّة؟
قال لي : بلَى بس ماشيَة ع شيعَة العراق .. هم أيضاً صائمُون غداً
- وَي! بس النَاس تتبع الدولَة التي تقيمُ بها حتّى لو لم يكُونوا من أهل البلد
- وأزيدك منَ الشّعر بيتاً .. أمّي صائمَة غداً .. وأبيْ مفطِر !
- وَأنت؟
- أنَا يا ستّي أصُوم مع آخر بلد يصُوم .. وأفطر معَ أوّل بلد يفطِر
شفتُوا نكتة مثل هاي؟ امرأة تصُوم وزوجهَا يفطِر
آآآآه كم أكرهكِ أيّتها السيَاسة .. حتّى في الدِين حاشرَة نفسك
***
مقُولة جميلَة أحببتهَا في موقعِ الدكتور عبدالله الحرّاصي اقتبَسها من كاتبَة أجنبيّة تقُولُ " السفينَة تكُون آمنَة حينَ تكُون راسيَة ً على الشطّ لكنّها لم تخلق لِذلك "
نعَم أيَها الأصدقاء ، اذهبُوا لزيَارة أحبّائكم .. واقعدُوا معهم .. هنئُوهم بحبّ
ابتهجُوا وافرحُوا فمَا كتبَ لكم لمْ يكُن ليخطِئكم ..
لا تبَالغُوا في الحذَر ولا تبالغُوا في التسَاهل ..
وسيكُون جيّداً لو امتلكَ كلٌ منكُم مطهّرهُ الخاصّ ..
محبّتي لكُم .. قبلَ العيد وبعدهُ

20 سبتمبر, 2009

عُد يا رمضَان .. ولكنْ دونَ هؤلاء !

كيفَ حالكم أصدقائي؟
اشتقت لكُم كتير كتير .. وأتمنّى أن تكونُوا قد اشتقتمُوني أيضاً ..
أنهيتُ إعداد كعكِ العيد ولو أنه ما جا عليي أسوّيه .. أحسّ ضلوعي متكسّرة من المكَابس والعجن
أسمَع المفرقعَات تدويْ في أرجاء مدينتي الصّغيرة نزوَى .. صدّعونا .. خلاص عرفنَا أنه بكرَة عيد
ولو أنّي لم أسمع صوتَ مدفع القلعَة .. كونيْ جارَة القلعَة طبعاً فالمدفع أهمّ طقُوس دخُول العيد
عمُوماً .. غادرنَا العزيزُ رمضَان وقد كنتُ أبيّت النيّة لكتابة مواضيع رمضَانيّة "تغثّ الفواد" لأنها تحزّ في القلب
لكنْ ما هنتُوا عليّ أهزّ مشاعركُم الرمضَانيّة .. أعرفكُم حسَاسين بالزيَادة ، زيي يعني ! قلتْ أخرّب عليكُم العيد اعتبرُوها عيديّة العيد غير المحبّذة
***
غادرَ رمضَان وعادتْ شهرزَاد إلى الفعلِ المباح "من وجهَة نظرهَا هيَ"
في الفيس بُوك غيّرت مهندسَة أعرفها صورتها .. كانتْ تعمل في الشركَة التي تدرّبت بها وهي عُمانيّة غير محجّبة
في الفيس بُوك كانتْ أختنا تضعُ صورَة لها وهي بتسريحَة و"فُل ميك أب" وفستان .. أعتقد التقطتْ صورتها إمّا وهي ذاهبَة لزفاف أو وهي عائدَة منهُ .. وما أن حلّ رمضَان حتى تغيّرت الصُورة تلك إلى صورة لنفسِ الفتاة وهي ترتدي عباءَة وشيلَة سوداء لا يظهرُ منها إلا وجهها ..والآن أطالع صورتها القديمَة وقد عادتْ مجدداً .. يا عيني ! ما يحلّ طول العام يحرّم في رمضَان ..
***
في الجانبِ المقابل ، ومن ملاحظاتيْ في الفيس بُوك أيضاً .. شاهدتُ صورَة مهندسَة عراقيّة أيضاً كانت تعمل معي بالشّركة أيّام الصّحراء
حليوة ومكشّخة نفسها بالزيَادة .. الله يعين الشباب في الصحرَاء على وجُودها !
في الفيس بُوك وفي عزّ رمضَان وضعت الأخت صورة لها والجزءُ الأعلى من صدرهَا عارٍ تماماً .. ثمّ لاحقاً غيرت الصُورة إلى أخرى وهي ترتدي فستانا وردياً قصيراً لم أرَ في حياتي أقصر منه .. لا أعرفُ كيف لم يظهرْ سروالهَا الداخليّ من قصرهِ ..
كانتْ تركبُ دراجة ً ناريّة ..
عادةً أعتبرُ كلّ ما سبقَ أموراً شخصيّة بحتَة لا يحقّ لي التدخل بها .. لكنّها أمُورٌ مثيرةٌ للحزن
أذكرُ دكتورتي الأميركيّة التيْ كانتْ ترتدي في رمضَان "عباءَة" رغمَ أنّ ملابسها كانتْ أساساً محتشمة وفضفاضة وقالت يوماً : اللبسُ أمرٌ شخصيٌ تماماً ، لكنّني لستُ في بلدي .. وللناس في المجتمع الذي أكونُ بهِ حقٌ عليّ .. أقلّها إن علمتُ أن ما ألبسهُ يخدشُ طقوسهم الدينيّة !
هذه الفتَاة العربيّة جداً ، ولا أعرف أهي مسلمَة أم لا إنْ كانَ المسيحيّون يسمُون بناتهم زينَب .. المهمّ أنني حزنتُ كثيراً حينَ رأيتُ ما تضعهُ من صُور على الفيس بُوك في رمضَان .. حريّات يا عالَم .. حريّااااااااااات ..
***
منَ الأمُور التي تحزّ في خاطري أيضاً قصّة حكتها لي زوجَة أخي عمّا تعرّضت لهُ عاملةُ أهلها وعاملة جيرَان أهلهَا
فقبلَ 10 أيامٍ تحديداً في الثلثِ الأخير من رمضَان .. وفي السّاعة السادسَة صباحاً حيثُ كانتِ العاملتان منشغلتان بتنظِيف سيّارات الأسرَة كل واحدةٍ أمام بيتِ الأسرة التي تعمَل بها .. مرّ شابان يركبَان دراجَات ناريّة .. نزلا من الدراجتين وانهالا ضرباً على العاملتين .. ثمّ غادرا بسرعَة كأن لم يفعَلا شيئا ً ..
في الساعَة السادسَة حيثُ يخرجُ الرجالُ من المسَاجد مؤدّين صلاة الفجر ..وتستغرقُ النساء في قراءَة القرآن ببيوتهنّ ..
يطُوف هؤلاء "الشلاتيّة أولاد الحرَام" الشّوارع بحثاً عن طرائد ليفرّغوا عليهنّ عقدهم ..
عاملات فقيرَات قطعنَ آلاف الأميال لإعالة أسرهنّ الغارقَة في الفقر المدقع .. لا يعرفنَ إلى أيّ مصيرٍ يلقَين إليه ..
ما ذنبهنّ لينهَال هؤلاء السفلةَ عليهنّ بالضرب؟
قبلها بأيّام كذلك حدثَ أنّ مجموعةً من النسَاءِ عدن منْ تأديَة صلاةِ التراويح بالمسجد .. تمرّ عليهنّ سيارة شباب .. فيخرجُ أحدهم يدهُ ويضربُ بقوةٍ مؤخّرة إحدى النساء .. وحينهَا يقولُ له صاحبه في السيارة : المرَة الماضيَة كانتْ أقوى !
يالَ وجعِ البطُون التيْ أنجبتكُم أيّها الأوغاد ..
***
في نهَار رمضَان كذلكَ .. وفي السّاعة السابعَة صباحاً وفيمَا كانَ الطفلُ يلعبُ أمام بيتهِ مرّ عليهِ شابٌ بسيارتهِ .. قالَ له اركَب معيْ سأريكَ لعبَة بلاي ستيشن رَائعة ..
ركَب الطفل بكلّ هدوء .. وانطلقَ الشاب بسيارتهِ باحثاً عن مكانٍ ينفّذ فيهِ فعلتهُ المشينة .. ظلّ يطوف بسيارتهِ باحثاً عن مكانٍ منعزل .. يطُوف ويطوف .. ثمّ أدركَ الطفلُ أنّ ثمّة ما يبيّت له هذا الشّاب النيّة فبدأ في البكاء وضربِ النوافذ للخرُوج .. حتّى مرّ الشابّ بالسيَارة على أحدِ الرجالِ الذين يعرفُون الطفلَ وعائلته فاستغربَ ركوبه مع الشاب فاستوقفهُ وأخرج الطفل من السيارة .. ليحكي الطفلُ لعائلتهِ ما حدث .. ولولا سترُ الله لوقعَ الأسوَأ ..
مغتصبُو الأطفال هؤلاء لا يختلفُ رمضَان لديهم عنْ غيره ..
عبدَة شهواتهم المريضَة وحيوَانيّتهم الآثمة والله إنّ الحيوَانات لأشرف منهم فقد خلقهنّ الله هكذا وحتّى تناسلهنّ يتمّ وفق شريعَة ونظَام
هؤلاءِ يعيشونَ بيننا ويمرّون في الطرقاتِ أمامنا .. فمن يحمينَا وأطفالنا منهم؟
***
ذهبَ رمضَان .. ربّما عنى الكثير لنا ولم يعنِ شيئاً لغيرنا ..
أسألُ الله أن يعيدَ لنا رمضَان ، لكنْ بدونِ هذهِ النماذج .. النماذج التيْ لا تنتميْ لروحانيّة رمضَان ولا قداستهِ ..

19 سبتمبر, 2009

ستّر مذيعاتك يا عبّود !

اليَوم شعرتُ بالسعَادة لأنّ الله استجَاب لدعائي أن يكونَ غداً صيَام ..
لقدْ أصبحتُ ورمضَان أصدقَاء .. ومنَ الصّعب ألا تكونَ مستعداً لودَاع صديقك
أقلّها غداً سأكونَ مستعدةً لأقولَ لرمضَان وداعاً .. اذهبْ بهلالك .. بأموَاتك الذينَ كانُوا أحياءً قبلكَ
اذهبْ بروحَانيّاتك .. اذهب مشتاقينَ لك . معلّقةً أرواحنَا بك .. ربّما نلتقيْ بعد عام .. "رمضَان الحيّ" كما يقولُ أخي ..
**
كالعَادة عاودتنيْ حالة القرف من الكتَابة .. ولكنّي أكتب الآن وأنا أقول سأنهي هذا الموضوع ..
نعَم سأنهيهِ رغماً عنه وعنْ أنفِ اللي خلّفوه .. بما أنّي باشرتُ بكتَابة دستَة تدوينات توقّفت عنها في المنتصف .. السّبب ضربَة مزَاج بعِيد عنكُم .. وحديْ قايلَة لكم من زمَان أنا أكسَل من أنْ أكوَن مدوّنة .. أنا كرتُونة كسَل !
**
حسناً الآن لنبدَأ بقنَاة العربيّة .. صحيح أنني لا أحبّك ولكنني أيضاً لا أكرهكِ
نعَم أنا متعصّبة تقليديّة للجزيرة رغم أنّي توقفتُ عن مشاهدتهَا مؤخراً لأنّها صايرَة "تغثّني" بأخبارها التقليديّة التيْ لم تتطور
بس لا زلتُ أحبّها لأنها صنعتْ طفولتيْ ولأنّ بها إيمان بنّورة ولأنّ بها مذيعَة محجّبة أمُوت في "أنتكتهَا" ..
المهمّ أيتها العربيّة .. أي نعَم أحيي فيكِ برنَامج "رجال حول الرّسول" التيْ تقصيْ عنكِ لقب "العبريّة" الذي لا أحبّه بالمناسبَة
ونعَم أحيي تقاريركِ اليوميّة عن الصحّة في رمضَان فأمّي تحبّها وهذا سببٌ كافٍ لأشاهدها وأتعرّف ع موائد الاخوَة العرب في رمضَان
بس ليْ كلمَة راس مع عبدالرّحمن الراشد .. يعني يا سيدي نحاول نحبّكم بس لازم طلعُوا لنا علّة ..
إخبارياً مالي شغل بقناتك لأنّي مكتفيَة بأخبار العاشرة في الأم بي سي اللي تقاريرهَا ومقدّموها زيّ العسل .. لكنْ مع انقطاعها برمضَان اضطررتُ لمشاهدَة العربيّة التي توافقُ أخبارها المفصّلة فترتي اليوميّة لمشاهدَة التلفزيُون لساعتين منَ السّاعة 9 لـ 11م
الآن مشَان الله يا عبدالرحمن الرّاشد خلاص شبعنَا من الفرجَة على "صدُور" مذيعَاتك برمضَان ..
يا سيدي عاملين لنا حالكُم عايشين جوّ رمضان برجال حول الرّسول وصحّتك برمضَان .. ومش قادرين تخلّوا مذيعاتكم يغطّوا صدورهم .. والله عرفنَا أنهنّ Sexy !
برَامجكم الرمضَانيّة في وادٍ ومذيعاتكُم صاحبَات الصدُور المثيرَة في واد ..
مقدّمة النشرَة الاقتصاديّة شو حشرها تكشف لنا نصفَ صدرها؟ ناهيكَ عن الأخت مال الصحافَة
لا .. لم نطالبهنّ بأن يتركنَ التنانير القصيرَة ولا الأكمام العارية .. حلال عليهنّ .. لكنْ وصلتْ لهذا الحدّ وفي رمضان؟
طيّب يعني إذا صايمين بنهَار رمضَان معناه حلال علينَا أن نتلذّذ بصدورهن العاريَة في ليله؟
فالله يرضَى عليك روحْ ستّر مذيعاتك يا عبدالرحمن يا الرّاشد .. حتّى نشرة أخبار نشاهدها برَاحة وبرفقَة اخواننا الذكُور مش قادرين نطالعها
هربنَا من صدُور السليكون في مسلسلات القنوَاتِ الفضائيّة .. لاحقتنا حتّى صدُور مذيعات الأخبار .. حرام عليكُم والله تلوّعنا .. وين نهرب بعمَارنا؟
ورمضَان كريم يا عبدالرحمَن وعيد مبارك أيضاً .. لكَ ولمذيعاتك صاحبَات الصدُور "المُفَرقِعَة" !
وفيْ الزّمن الصعبِ هذا تصيرُ الصداقاتُ كالخَمرِ
نشربُ أوّل كأسٍ ونهتفُ لا .. لا مسَاسَ
ولكننا لثمَانين كأساً تليهِ من الخمرِ نقسمُ ألا نعُودَ وَ .. ننسَى
آهِ يا زمناً نخلعُ الأصدقَاءَ بهِ مثلمَا يخلعُ اليَومُ أمسَا ..
آهِ منْ زمنٍ كلّما قيلَ "يا صاحبي" قيلَ همسَا
عائشَة
.
.
بحزنٍ كثيرٍ أقولُ /
صبَاح الصدَاقات المؤقّتة

16 سبتمبر, 2009

كمَا قَال فُـوكو عَن العقـل !



http://www.alwatan.com/dailyhtml/culture.html#4


عائشَة السيفيّ
ufuq4ever@yahoo.com


حينَ سألَ أحدُ الأصدِقاء في الفيس بُوك عن الكتبِ التي غيّرت حياتنا؟ كانَ ردّ أحدهم.. تاريخ الجنُون لميشيل فوكو .. لم أكنْ حينها قد قرأتُ لفوكو بعد .. غير أنّ الكتابَ كانَ بين يديّ بعدها بأيّامٍ قلائل.. وحينَ شرعتُ في قراءَة الكتَاب وافقتُ الرأيَ أصدقاءَ الفيس بُوك تماماً !
الأسئلَة التيْ يثيرها فُوكو ثقيلَة جداً .. ما معنَى أنْ تكونَ مصاباً بالجنُون؟ ومن هوَ المسؤول عن إقرارِ ذلكَ؟ وما هوَ تاريخُ الجنون؟ وهل الجنُون نظير للا العقل؟ أو ضدّ العقل؟
أسئلَة من الحَجم الكبير يخصّص فوكُو عشراتِ الصفحاتِ والفصُول لدراستها تاريخياً ، فلسفياً وعلمياً ..
الطريقَة التيْ يبدأ بها فُوكو كتابهُ أقلّ ما يقالُ عنها أنّها صادمَة .. فهوَ يستهلّ دراستهُ العميقة تلكَ للجنُون في أوروبا متتبعاً إيّاه علَى مدَى قرُون.. بالحدِيث عن مرضَى الجذَام في أوروبا حيثُ كانَ يتمّ عزلهم عن المجتمعِ في سَاحاتٍ مسوّرة على ضوَاحي المدن .. بعيداً عن الحياة السكانيّة والاجتماعيّة .. كان المجذوم يعامَل ككائنٍ أكلَ المرضُ روحهُ وعقلهُ أيضاً وليسَ جسدهُ فحسب لكنْ بعدَ قرُون وفي نهاياتِ العصُور الوسطَى كانَ الجذَام قد اختفَى تقريباً .. وخفتت بشدّة حدّة الجذام حتّى أصبحتِ المدَن صحيحة ً تماماً وخالية ً من المجذومين .. حينها احتاجَ المجتمعُ مرة ً أخرى إلى فكرَة العزل .. إيجَاد فئة جديدَة لتُعزل ، إذ لا يمكنُ التسليم بصحّة المدن .. واختفاء فكرَة العزل بشكل أبديّ ، لمْ يكن سكّان المدن الأوروبيّة ليستسلمُوا لعدم وجُود تلك الفئة التيْ كانت يجبُ عزلها ، ولأجلِ ذلكَ وجِدَ المجَانين .. منْ هنا بدأت فكرَة ارتبَاط الجنُون والعزل ويوضّح فوكُو أكثر ذلكَ عن طرِيق أسطُورة أوروبيّة انتشرت في العصُور الوسطى عن سفينَة للمجانين .. وضعَ بها جميعُ أولئك المختلين ليسَ عقلياً فقط بل اجتماعياً .. جمّعوا جميعاً في سفينة ٍ وأرسلُوا إلى الماء .. حيثُ المجهُول تجُوب بهم السّفينة للبحثِ عن دوَاء الحكمة والعقل في الأنهَار الأوروبيّة ولم يعرف أحدٌ بعد ذلك ما حلّ بهم .. لقد تركَ الجنُون في مواجهَة الطبيعَة المجهُولة في محاولة ٍ من "العقلاء" لإقصاءِ "غير العقلاء" منهُم ومنها نشأت الفكرَة القائلَة أنهُ لا يمكنُ لغير العقلاءِ أن يعيشُوا في ذاتِ المكانِ والزّمان ، الحيَاةَ المتكافئَة مع العقلاء ..
بدتْ هذه الأسطُورة أقرب للتحقّق مع انتشَارِ موجَة حملِ هذا المجنُون أو ذاك للسّاحل حيث مئات البحّارة والطلَب منهم حمله معهُم في البَحر كحالَة من أساليب العَزل ..
قبلَ أن تحتدّ هذهِ الموجَة كانَ المجنُون يُعامل ككائنٍ طبيعيٍ في المجتمع بل وككيَان من كيانات المجتَمع .. يعيشُ ضمنَ الأسرَة الأوروبيّة ويأكل برفقتها ويُعتنى بهِ ..
وفي عام 1660م صدَر القرار الملكيّ ببناءِ مبنَىً يُعامل كأنّه سجن وإصلاحيّة ومصحّة ومأوى .. يتمّ فيه سجن جميع المختلين على كافّة المستويات .. تحوّل هذا المكان ليسَ لجدرَان تسجن المجانين بل سجنَ فيهِ أيّ فردٍ يعتبرُه المجتمعُ عالة ً عليهِ .. يعتبرهُ المجتمع مختلاً بشكلٍ ما عن طريق تصرفٍ من تصرّفاتهِ .. فالبخلاءُ ، والشوَاذّ جنسياً والشّحاذونَ والعاطلُون أودعُوا في ذلك المبنَى مع المسَاجين ، فوكُو يبرزُ عبر ذلكَ أنهُ كانَ من الممكن لأيّ انسان نعتبرهُ طبيعياً اليوم أن يكونَ هنالك ، أنا هوَ أو أنتَ.. ورغمَ أنّه لم يكنْ غريباً وجود المجانينِ مع هؤلاءِ إلا أنّ مطالباتٍ كثيرَة طالبت بفصلهِم عن المجانين لاعتبار أنّ ثمّة إهانَة لهُم لوضعهِم مع أشخاصٍ مجانين لا يفرقّون بينَ الصوَاب والخطأ ..
غيرَ أنّ المجتمع لمْ يكن حتّى تلك اللحظة يفرّق بينهم لسبب بسيط هوَ أنّ المجتمع كانَ ينظرُ إليهم بمنظارٍ واحد .. هوَ أنّهم جميعا ً كانئاتٌ غير اجتماعيّة وأنّهم جميعاً عالة علَى المجتمَع .. المجَانين وغيرهم ..
لاحقاً استحدثتِ الحكُومة الفرنسيّة قانوناً يدفع بهؤلاءِ المسَاجين إلى العَمل في المصَانع الفرنسيّة خاصّة القُطن .. لأنها كانتْ تحتاجُ إلى أيدٍ عاملة ٍ كثيرَة لتشغيل العمل .. وهكذا انخرط هؤلاء المسَاجين في العمل في هذهِ المصَانع ما عدَا المجانين الذين لا يملكُون حتّى القدرة لتصرِيف شؤونهم الذاتيّة ناهيكَ عن العمل ومن هنَا بدأ ترسيخُ فصلِ الفئَة الأولى عن المجانينِ ومن هنَا انطلقَت فكرَة اعتبَار المجانين فئة مجنُونة فعلاً .. ما مهّد إلى اعتبَار الجنُون لاحقا ً مرضا ً عقلياً .. وتمّ ربط الطبّ بهِ وهكذا أصبح الطبيب هوَ الرّجل الذِي تمّ إيكَال المجانين إليهِ .. واستحداث أدوَار لهُ فيما يخصّ معالجة الجنُون .. والذيْ مهّد بدورهِ إلى استحداث أنظمَة معالجَة مختلفَة .. نفسيّة وفيزيائيّة .. وهنا يتتبعُ فوكُو أنظمَة المعالجَة الأوروبيّة للجنُون بينَ استخدَام بعضِ الأطبّاء للمعاقبةِ كأسلوبِ علاج والبعض الآخر لحمّامات الماء البارد والبعض تطوّر بهِ الأمر لاستخدامِ الأفيُون علاجاً للرّوح المريضَة والأجسَاد المتعبَة ..
لا يفوّت فوكُو درَاسَة الجنُون وتتبعهِ أدبياً .. وهوَ بذلكَ يرسّخ لفكرَة أنّ الجنُون ليسَ ضداً للإبداع وأنهُ –عكسَ ذلكَ- انطلاق للإبداعِ وأنّ الوقوفَ على حافّة الجنُون هوَ الإحساس بمنتَهى اللذة بما يخبّئه ذلك للموهوبين الذينَ عاشُوا الجنُون وأصبحُوا جزءاً من هُويّته ويعرضُ فوكُو في معرضِ ذلك أسماءً أوروربية ً من كبارِ أدبائها ومفكّريها ومبدعيها يشتركُ جميعهم أنهُم بطريقةٍ ما أو بأخرى دخلُوا مصحاتٍ عقليّة وعاشُوا بينَ المجانين وربّما أصبحُوا جزءاً منهم .. وسخّروا اقترابهم الكبير ذلك من الجُنون في صنَاعة أعمال خالدة ..

فنيتشَه مثلاً –حبيب قَلب فوكُو- والذي يكتبُ فوكُو بطريقَة شبيهَة جداً بأسلوبهِ دخلَ في آخر حياتهِ مستشفَى الأمراضِ النفسيّة وانتهَى بهِ الحال غير قادرٍ حتّى على إدارة شؤونه الذاتيّة وإنما تحتَ رعايَة أمّه .. إنّه نيتشه نفسه المفكّر العظيم والأديب الذي قلبَ موازين الأدب عالمياً ..

وفان جُوخ الرّسام الهولنديّ العبقريّ الذي ظلّ مصاباً بالهلوسَة في حياتهِ الكئيبة حتّى أنهُ كانَ يخرجُ إلى الشوَارع حافياً وهوَ يصرخُ ، وفي النهَايَة قرّر إنهَاء حياتهِ بجرعَة حبُوب زائدَة وانتحَر !

ويُوهان هُولدرين الشّاعر الألمانيّ الكبير الذي جنّ وهوَ لم يتعدّ الثلاثين بعد .. وعاشَ معزولاً لأربعين عاماً وكانت حدّة مرضهِ تصلُ إلى فصَامٍ لأكثَر من شخصيّة ..
وجيرَار نيرفَال الكَاتب والمسرحيّ العَظيم الذيْ بدأت عقدهُ منذ الطفُولة حيثَ فقد أمّه ثمّ تطوّر الأمرُ لخسارتهِ لحبيبتهِ التيْ تزوجّت رجلاً أغنَى منهُ وعاشَ بينَ الشّوارع والصحافة يعيشُ ليجد لقمَة الخبز حتّى تطوّرت أزمتهُ النفسيَة وهجرهُ الأصدقاء ليعَاني من العُزلة والمرضِ والهلوسَة وينتهيْ الحالُ بهِ منتحراً !

هذَا الكتابُ هو أطروحَة ميشيل فوكُو للدكتُوراه ، وأقولُ أنّه ليسَ غريباً أن يهزّ هذا الكتَاب أوروبَا حينَ صدُورهِ لأنهُ خرجَ من رجلٍ عاشَ الجنُون ودخلَ لزمنٍ المصحّات العقليّة وعاش معهَا .. وسَاهمَ شُذوذه الجنسيّ ودخُولهُ في نشَاطاتٍ جنسيّة تعذيبيّة وساديّة في العَيش ككائن منفلت من العقل .. وهوَ نفسهُ الذي كانَ مراسل الصحف الفرنسيّة في إيرَان حيثُ التقَى بالخمينيّ نفسه وعاشَ حالَة غليَان الشّارع ضدّ الشاه والإطاحَة بهِ .. هذا الرّجل الذي درّس بكبريَات الجامعَات العالميّة كالسّوربون وكاليفُورنيا وأصبحَ رئيساً لأقسَام الفلسفَة .. ملعبهِ المفضّل ..
ليسَ غريباً على فُوكو أن يؤرّخ الجنُون لأنهُ اقتربَ منهُ وأدركَ الخيطَ الرفيع الذي يفصلُ بينَ الجنُون واللا جنُون ، وأدركَ كيفَ يصبحُ الجنُون حرفة ً للإبداع .. ظلّ طوَال سنواتِ حياتهِ يكرهُ الأطبّاء لأنهُم كما يرَى ليسُوا المسؤولينَ عن الجنُون ولا ينبغيْ أن يتمّ إيكَال الجنُون إليهم باعتبارهِ مرضا ً عقلياً !
إنهُ فعلاً من نمطِ الكتبِ التيْ تسرقكَ ممنْ حولك ، تشوّشك ، وتضربكَ بعُنف .. بأسلوبٍ لا يملّ يمزجُ بينَ النيتشويّة والكانطيّة ويمهّد فعلاً إلى انتهَاء عصرِ المقولة القائلَة أنّ الجنُونَ ضدّ العقل !

09 سبتمبر, 2009

وداعاً للصّلع ، والألَم وأشيَاء أخرَى/ رُدهَات



عائشَة السّيفيّ
ufuq4ever@yahoo.com




عِندَما سُئلت المغنيَة العالميّة مادُونا قبلَ 10 أعوَام ، ما الذي تتمنّى أن يتغيّر في جسدهَا بعدَ أن تخطّت الثلاثين .. أجابت: أتمنّى أن يزدادَ طُولي إنشين على الأقلّ ..
قرأ الجَميع أمنيتها وتخطّوها لأنهُ كانَ من المستحيل وقتها حتّى أن نضيّع وقتنا بالتفكير في إمكانيَة حدُوث ذلك استناداً إلى الحقيقَة العلميّة القائلَة أنّ الطولَ يتوقّف بينَ 18ل21سنَة معَ بعض الطفرات في زيادَة الطول حتّى سن 25..
غيرَ أنّ مادُونا لو قالت ذلك اليَوم لربّما وقفَ العلماءُ كثيراً عند جملتها لأنّهم يعملُون فعلاً على فكّ أسرار الطول التيْ يجزمُون أنّ نعمة ً عظيمَة اسمها الخريطَة الجينيّة للانسان استطاعت منحهُم الكثير من هذهِ الأسرار التيْ أصبحت اليوم تحتَ تجربَة مختبرات آلاف علمَاء الجينَات ..
بعدَ أقلّ من 5 سنوَات من حديث مادُونا ذلك ، تمّ فكّ الشفرة الجينيّة للانسان ووَضع مخطّط كامل لعالم الجينَات البشريّة المستقرّ في جسدِ كلٍ منّا ..
وبعدهُ بخمسِ سنوَاتٍ أخرى كانَ العلماء في طريقهم للإعلان عن الجين المسبّب للطول والقصر والذيْ يمكنُ أن يجعلَ وجودهُ منكَ أيّها القارئُ رجلاً طويلاً ويجعلَ غيابهُ منّي امرأة ً قصيرة !
ما اكتشفهُ العلماءُ حينها بدرَاسة عيّنات آلاف من الأوروبيين الذينَ خضعُوا للدرَاسة هوَ مسؤوليّة جِين أسمَوهُ HMGA2 يؤدّي وجُود نسخَة واحدَة منه إلى زيَادة في طول الانسان بمعدّل نصف سنتيمتر ويؤدّي وجود نسختينِ منهُ إلى سنتميتر كامل زيَادة في الطُول إضافة ً إلى وجودِ جينٍ معاكسٍ لهذا الجين يجعلُ صاحبه أقصر بوجودهِ.. ووعدَ هذا العلمَاء بتصنِيع حقنٍ جديدَة تستهدفُ هذا الجين وفقاً لطلبات الزّبائن .. أولئك الذين يشتكُون الطول الزائد أو القصر الزّائد على السّواء ..
فكّ الشيفرَة الجينيّة وتمكّن العلماء من تسميَة أسماء كلّ جين بوظائفهِ دفعَ النَاس أكثر إلى التعلق بأمل إصلاح عيُوبهم وأبرزُها الصّلع ..
نعَم أيّها الرجال .. لن تكُونُوا مضطرين بعدَ اليومِ لتغطيةِ رؤوسكم بالمصَار والكميم لإخفاء صلعكم ولن تعُودوا مضطرينَ للتذمرِ من أنكُم لم تبلغوا الثلاثين بينما سقط نصفُ شعركم والنظر بغيرَة إلى فلان الفلانيّ الذي تخطّى الأربعين وشعرُ رأسهِ مكتمل بالتمامِ والكمَال ..
أو البحث من عيَادة لأخرى عن وسائل زرعِ الشّعر الجراحيّة.. وكذلكَ أيّها النسَاء اللاتي تلاحقنَ كريمَات وزيُوت الشّعر عديمَة الجدوَى وينتهيْ بكنّ الحال إلى صالُون تجميل يضعُ لكنّ خصلَ الشّعر الإضافيّ التي تخفيهَا خبيرَات التجميل بمهارة تحت خصلاتِ شعركن لإخفاء فراغاتِ الصّلع..

ففي عددهَا مايُو 2003 نشرتْ مجلّة العربيّ مقالاً للدكتُور مدحت صَادق مقالاً يتحدّث فيهِ عن نجاح العلمَاء في الوصُول إلى جينٍ للصّلع ، يؤدّي وجوده بقوّة في خريطَة أيّ بشريّ إلى تعطيل سرعَة نموّ الشعر بنسبَة 50%.. ويؤدّي عدم وجُوده إلى كثافَة في الشّعر ومعدّل أسرع في نموّه ..
ليسَ هذا فحسب بلْ قربَ توصّل العلماء أيضاً إلى جين يتحكّم بعددِ بصيلات الشّعر في الانسان .. بمعنَى أنّ متوسط عدد البصيلات في الانسَان تبلغُ5ملايين بصيلَة يتركّز 100ألف منها في فروَة رأسهِ وما وعدَ بهِ العلمَاء هوَ القدرَة على التلاعب بحساباتِ هذا الجين بطريقَة تساهم في عدد بصيلات الشّعر في الرأس وتخفيفها في الأجزاء الأخرى غير المرغُوب بها كالإبط والمنَاطق الحسّاسة ..
نُشر هذا البحث قبلَ ستّة أعوَام من الآن وبعدهَا بخمسَة أعوامٍ كانَ العلمَاء يعلنُون عن تجارب جديدَة لضرب جينَات الصّلع دون أن تؤثّر تلك الحقن على نسبَة هرمُون الأسترُوجين في النّساء والذي إذا زادَ معدّله لدى الرجل تساقط الشّعر من كثير من أجزاءِ جسدهِ بينمَا لو زاد هرمُون التستوستيرُون في المرأة يؤدّي ذلك إلى زيادَة نموّ الشّعر في جسدهَا ولعلّ أبرزهُ ذقنهَا ..

آخرُ اكتشافاتِ العلمَاء المتعلّقة بفك الشفرَة الجينيّة للانسانِ هوَ اكتشافهُم كذلك أنّنا لسنَا متساوينَ في الألم ليسَ بسببِ شيءٍ بل بسببِ الجينَات.. بمعنَى أنّك قد تصابُ بجرحٍ في رأسكَ لكنهُ سيؤلمكَ أكثر من صديقك الذي أصيب بنفس الجرح وفيْ نفسِ المكان..
ليسَ السبب في ذلك أنه أكثر تحملاً منكَ بل لأنّ خريطتكَ الجينيّة تحملُ جينَ SCN9A الذي يؤدّي تعطيلهُ إلى إعاقَة انتقال الألم من الأعصاب إلى المخّ .. وتمّ استخلاص هذَا الاكتشَاف من تطبيقِ درَاسة على عيّنات من عمّال السيرك الذينَ يخرجُون أمام العالم ليمشُوا على الجمرِ أو يغرسُوا آلاتٍ حادّة في أجسادهم أو يجرحُوا أنفسهم دونَ أن يشعرُوا بأيّ وخزةٍ من الألم بينما كانتْ ردّة الفعل العصبيّة أكثر إيلاماً لدَى أشخاصٍ كانَ هذا الجينُ لديهم في كاملِ نشاطهِ ..
بحوثٌ متعلّقة ٌ بالألم ، والقدرَة على تحمّل الجُوع والعطش وقلة النَوم هي بحوثٌ قديمةٌ جداً تعودُ إلى أيَّام هتلر الذيْ سخَر آلافاً من علمائهِ لدرَاسة دور الجينات في كلّ ذلك رغبة ً منهُ في صنَاعة جيشٍ خارقٍ يتحمّل كلّ ما سبق .. غير أنّ الخريطَة الجينيّة لم تكن مكتشفة ً يومها وكانَ أمام العلماء شوطٌ كبيرٍ ليدخلُوا إلى عالم الجينَات الشاسع ..
اليَوم وبعدَ 6 أعوامٍ من فكّ الخريطَة الجينيّة للانسان أصبحَ بمتناولِ اليدِ لدى كثيرٍ من البشر أن يذهبُوا إلى أقربِ معمل ويطلبُوا فكّ خريطتهم الجينيّة ليكتشفُوا قابليّتهم للإصابَة بالسرطَان والجلطَات الناتجة عن طفرَات في جينَات معيّنة بالخريطَة ويكتشفُوا مدَى كثَافَة شعرهم وتقدير أطوال أبنائهم وفقاً لما يحملونهُ من جينَات مسبّبة للطول والقصر ..
سيمكنهُم كذلك التنبُؤ بأشكالهم حينَ يشيخُون ، فمعدّل زيادة التجاعيد ، ووهنِ العظام ، وضعف الذاكرَة وتعطّل الوظائف الحيويّة لديهم حتّى تقدير السنوَات التيْ تفصلهُم عن بدءِ إصابتهم بالضعفِ الجنسيّ ..
نعَم ، مفاتيحُ كلّ ما ذكرَ في الأعلى مرتبطة ٌ بالخريطَة الجينيّة للانسان التيْ تحملُ سرّ كلْ سنتيمتر من جسدكَ وتقدّم قراءَة مستقبليّة لما ستكُون عليهِ ..
وهكذا أصبحَ بمقدُور الانسانِ أنْ يفعلَ ذلكَ بعدَ أن تحوّل فكّ الشيفرَة الجينيّة للانسان قابلاً للتسويقِ التجاريّ فبحلُول عام 2013 سيكُون بإمكاننا فكّ شيفراتنا الجينيّة بمبلغٍ يقلّ عن 300ريَال عُمانيّ وخلالَ ربعِ ساعةٍ فقط ، بعدَ أنْ كلّف العلمَاء مليارات الدُولارات فكّ أول خريطَة جينيّة للانسان بينمَا قلّ السعر بعدَ سنتين فقط إلى 50 ألف دولار واليَوم لا يتعدّى السعرُ في المعامل الأميركيّة عن 15 ألف دُولارٍ للفرد ..
قراءاتنا للشيفراتِ الجينيّة سيدفعنَا حتّى إلى تنبّؤ إصاباتنا بالأمراض تماماً كما فعلتْ قبلَ أشهُر ملكَة جمَال المملكة المتّحدة السابقة التيْ أخبرها الأطبَاء وفقاً لخريطَة جينَاتها بأنهَا معرّضَة للإصابة بسرطَان الثدي بما يزيدُ عن 90% فسارعتْ إلَى إزالتهِ تماماً بعدَ وفَاة أمّها وأختها بسرطَان الثدي ..
هذا سيدفعُ كثيراً من الناس للإصابَة بالشكِ والبارانويا من احتمال إصاباتهم بأمراض مختلفَة وفقاً لدرَاسة قابليّتهم لحدُوث طفرات في هذهِ الجينَات ..
ها نحنُ إذنْ نقفُ معَ ثورةٍ جينيّة جديدَة يتحوَّل الانسانُ فيها إلى مستودعٍ بيُولوجيّ لكلّ مواصفاتِ البشر .. ويتحوَّل إلى جسَد قابلٍ للتعديل عبر حقنَة واحدَة .. هل سينجحُ العالمُ فعلاً في التحكم بعيُوب البشر وهل ستنجحُ هذهِ الخرائط الجينيّة في تغيير بُوصلة جسمِ الانسان؟
إنّهم العلماء .. هؤلاء الجيُوش العلميّة المعتكفَة في مختبرَاتها وَالتيْ تسعَى إلى جعلِ المستحيلِ في تكوِين الانسَان حقيقة ً .. منذ تلك اللحظَة التيْ أعلنُوا فيهَا فكّ سرّ الانسان العَظيم .. الخريطَة الجينيّة !

08 سبتمبر, 2009

المرأة العمانيّة والكويتيّة.. في ميزَان الشّعب

عَن إيلاف ..
عائشَة السيفيّ
قبلَ أعوَام حينَ كنتُ لا أزالُ طالبة ً في المدرسَة طرحتْ وزارة التربيَة والتعليم مسابقَة أفضَل لقاء موثّق بالفيديُو، قررتُ أن أشاركَ بلقاءٍ اخترتُ أن يكونَ ضيفي فيه عضوَ مجلس الشُورى الذي كانَ يمثّل ولايَة نزوى آنذاك.. الحقيقَة أنني قبلَ أن ألتقيهِ كنتُ أتطيّر من أنّ اللقاء سيكُون رسمياً ورتيباً كأيّ لقاءٍ معتادٍ مع شخصيّة حكوميّة بارزَة تحاذرُ من أيّ كلمَة تخرجُ منها، إلا أنني بعدَ نهايَة اللقاءِ كنتُ قد كوّنت فكرةً مغايرةً تماماً..
ورداً على سؤالٍ وجّهتهُ لهُ حولَ رأيهِ في الإنجَاز الكبير الذي حقّقته المرأة في السّلطنة بدخولها مجلسَ الشّورى.. جاءتْ إجابتهُ صادمة ً جداً ومغايرة ً حينَ أجابني: أيّ إنجاز كبير تتحدّثين عنهُ؟ لدينَا قرابَة الثمانين عضواً للشورى ولا توجَد سوَى امرأتين لا تشكّلان أكثر من 2% من مجمُوع الأعضاء؟ هل برأيكِ هذا إنجازٌ كبيرٌ لشعبٍ أولت حكُومتهُ المرأة مناصبَ حسّاسَة وثقَة كبيرَة لم يعكسِ الشعب صداها في مجلسِ الشورى الذي يختارُ الشعبُ ممثليه.. آسفٌ جداً.. لكنّ ما يقَال عنْ أيّ إنجاز حققتهُ المرأة في مجلس الشُورى هوَ كذبة كبيرَة!
في ذلكَ الوقتِ كانت هنالكَ ممثلتانَ للمرأة في مجلسِ الشُورَى، وحينَ جرت آخرُ انتخابات مجلس الشّورى قبلَ عامٍ مفضية ً إلى خيبَة أملٍ كبيرة بخرُوج المرأة تماماً من التمثيل البرلمانيّ المتمثل في مجلس الشُورى وددتُ حينها أن ألتقي بعضو مجلس الشُورى ذلك لأقولَ لهُ.. كم كانَ قارئاً دقيقاً لوضع المرأة العُمانيّة على المستوَى الشعبيّ.. المستوَى الشعبيّ لا الحكُوميّ..

قراءَة في تجرِبَة المرأة في الانتخابات الكويتيّة

لم يكنْ أعضاء مجلس الأمّة الكويتيّ قبلَ أعوامٍ قليلة حين صدرَ مرسومٌ أميريّ بمنحِ المرأة حقوقها السياسيّة وفتح الطّريق أمامها للترشّح على علمٍ حينَ تعالت صيحات الاعترَاض على هذا المرسُوم وفتحهِ الحريّة غير المحدودة لتمثيل المرأة البرلماني أنّهم سيستقبلُونَ بعدَ فترة زمنيّة أقرب مما يتخيّلون 4 نسَاء سيدخلنَ مجلس الأمّة من بابهِ العريض..
بوادرُ هذا الانتصَار برزَ عام 2008م حينَ رشّح حزبٌ رئيسيٌ فاعلٌ في الخارطة السياسيّة الكويتيّة هوَ الحزب الديمقراطيّ المعاصر امرأةً لتمثّله.. وإن جاءتْ النتائج محبطة ً بغياب التمثيل النسويّ في المجلس إلا أنّ 4 نساءٍ بعدَ عشرِ أشهرٍ تحديداً إثرَ حلّ المجلس وإعادة فتح الانتخابات كسرنَ الاحتكَار الرّجالي على المجلس مسجّلاتٍ سبقاً تاريخياً في الحياة السياسيّة الكويتيّة.. النساءُ الأربع لم ينتمين إلى حزبٍ واحد أو مذهبٍ واحد أو إلى فكرٍ متشابه فكلّ واحدة منهنّ ناشطة في مجال مختلف غيرَ أن جولَة سريعَة جداً لاستقصاءِ خلفياتهنّ السياسيّة والاجتماعيّة يدفعنَا للإيمان باستحقاق الأربع للدخولِ للمجلس.. فالمرشّحة معصُومة مبارك –شيعيّة المذهب- الأوفر حظاً بالأصواتِ هيَ أوّل وزيرة في تاريخ الكويت التي أمسكتْ حقيبَة وزارَة حسّاسة جداً كوزارة التخطيط.. ومنّ ثم جدّدت لها الثقة على مدى ثلاثِ وزارات متعاقبة.. غيرَ أنّ معصُومة لم تمضِ أكثر من عامين في منصبها الوزاريّ قبلَ أن تقرّر الاستقالة والتي لم تعنِ خروجها من العمل السياسيّ فهي بعدَ أن كانت في موقع الاستجواب المتواصل من قبل نوّاب مجلس الأمّة عادتْ لتكونَ منهم وتمارس دورهم السّابق.. معصُومة مبارك لم تصلْ إلى ما وصلت إليهِ من فراغٍ فهي قبلَ كلّ شيءٍ حاصلَة على دكتُوراه في العلُوم السياسيّة تدرّس في جامعة الكويت وواحدة من قلائل الناشطات السياسيّات في الكويت التي يجمعُ الكويتيُون على أنها امرأة عصاميّة حفرت اسمها في الخارطَة السياسيّة بكلّ شفافيّة وشرعيّة..
البرلمانيّة الأخرى هي سلوَى الجسّار عضو جمعيّة الشفافيّة الكويتيّة ورئيس مركز تمكين المرأة، ومستشارَة للأم المتحدَة في مجال الإنمَاء..
وقبلَ أن تكونَ كلّ ذلك فهيَ حاصلَة على دكتُوراه في الفلسفَة التيْ سبقتها أربعُ شهاداتٍ في حقولٍ مختلفة فهي حاصَلة على شهادات أكاديميّة في التربيَة وأخرى في الجغرافيَا والاقتصَاد.
أمّا أسيل العوضيّ فهيَ الأخرى حاصلة على الدكتُوراه في الفلسفَة السياسيّة وقد فازتْ عنِ الحزب الديمقراطيّ المعاصر ويلاحظ أنّ أسيل العوضيّ استطاعتْ أن تحصد أصوَات أبناء قبيلتها المنغلقَة قبلياً نوعاً ما وهوَ ما يسجّل على انفتَاح الجماعاتِ القبليّة على منحِ ثقتها لنسائهَا بعدَ أن كانتْ النساء المنتميات لقبائلَ معرُوفة يعانين منْ استحوَاذ رجال القبيلة المترشّحين على أصوَات الناخبين والناخباتِ على السّواء..
وأخيراً فإنّ رولا دشتي التيْ توقّع الكثيرُونَ عدمَ فوزها فاجئت هي الأخرَى الجميع بفوزهَا الصّعب قليلاً.. فرُولا التيْ لا تعرفُ الحديث باللهجة الكويتيّة وتتحدّث باللهجة اللبنانيّة لكونها من أمّ لبنانيّة استطاعتْ أن تدخل مجلس الأمّة وهيَ ليستْ بأقلّ من الثلاث الأخريات اللاتي دخلنَ معها المجلس فهيَ أيضاً حاصلة على الدّكتوراه في الاقتصَاد صنّفت كواحدَة من أقوَى النسَاء العربيّات حيث حلّت في المركزِ السادس والثلاثين المتقدّم نسبياً وهي منذُ عودتها من الولايات المتّحدة عام 92م ظلّت رئيسَاً للمجمَع الكويتيّ الاقتصاديّ لأربع دورَاتٍ متعاقبة ً مسجّلة ً حضوراً قوياً كواحدَة من أبرز اقتصاديّات الكويت.. في الكُويت وحدها فقط ستجدُ امرأةٌ لا تتقنُ لهجَة قومها الطّريق إلى مجلس الأمّة.. كان هذا سبقاً حقيقياً..
النسَاء الكويتيات الأربع اللاتيْ تسبقُ الدَال أسماؤهنّ ويجتمعنَ في أنهنّ حصلنَ على شهاداتهنّ تلك من الولاياتِ المتّحدة كما أنّ جميعهنّ يدرّسن في جامعة الكويت قادماتٌ من خلفيّات فكريّة مختلفة فاثنتان منهنّ محجبات واثنتانِ منهنّ غير محجّبات غير أنّ هذا الاختلاف الفكريّ والمذهبيّ لم يحل دونَ اتفاقهنّ على الرغبة في تمثيل المرأة السياسيّ الحقيقيّ بلْ وكثيراً ما شوهدنَ سويّاً أثناءَ الانتخابات البرلمانيّة الكويتيّة الأخيرة..
هكذا إذن دخلتِ المرأة الكويتيّة عهداً جديداً في الحياة السياسيّة الكويتيّة وبقيَ ألا نستبقَ دخولهنّ بأحكام فضفاضَة قبلَ أن نرَى إلى أيّ مدَى سيعُود تمثيلهنّ بالنفع على المرأة الكويتيّة وإلى أيّ مدى ستكُون قضايا المرأة حاضرَة في طاولَة نقاش مجلس الأمّة الكويتيّ..

التركيبَة السّكانيّة وحقّ الانتخَاب

يبلغُ عددُ سكّان الكوَيت ثلاثة ملايين ونصف نسَمة.. يشكّل المواطنُون منها مليُون نسمَة.. وفي قراءَة للهرم السّكاني الكويتيّ حالياً فإنّ هذا المجتمع الصغير سناً لا يشكّل عددُ الذينَ يحقّ لهُم المشاركَة كناخبين ممنْ يتخطّون 21عاماً أكثر من 300ألف من أصلِ مليُون.. أي ما يعادلُ 31% من نسيج المجتمعِ الكويتيّ يحقّ لهُ التصويت.. ويبلغُ أعضاء مجلسِ الأمّة الكويتيّ 50 عضواً يترشّحونَ عن 5 دوائر انتخابيّة موزّعة جغرافياً وسكانياً ويحقّ لأعلَى 10 مترشحينَ يحصدُون أعلى نسبَة أصوَات من كلّ دائرَة أن يصبحُوا أعضاءً في مجلس الأمّة..
هذهِ التقسيمَة ساعدتْ المرأة الكويتيّة على دخُول المجلسِ نظراً لأنّ هنالك عدداً قليلاً من الدوائر مقابلَ عددٍ كبيرٍ من المرشّحين عن كلّ دائرَة فاثنتانِ فقط حجزتَا مراكز متقدّمة في دوائرهنّ بينما حلّت اثنتان في ذيل القائمَة..
الآن بالنّظر إلى نظَام الترشّح لدينا في السّلطنة فإنّ عدد سكّان السلطنة يبلغُ 1.7 مليُون نسمَة يشكّل عدد الحاصلين على حقّ التصويت قرابَة 500ألف من السّكان حيثُ يبلغ أعضاء مجلس الشّورى 84عضواً بواقع 61 ولايَة يترشّح منها عضوٌ أحياناً أو عضوان حسب تركيبتها السكانيّة وبالتالي فإنّ فرص حصُول المرأة على مقعد في مجلس الشورَى تقلّ بالنظر إلى عدد المراكز الانتخابيّة الكثيرة فأقصَى عدد من الممثلين بالمجلس عن كلّ ولايَة هوَ عضوان فقط ما يقلّص فرص فوزهَا..

27 أكتُوبر الحزين

يوم 27 أكتوبر 2007م كانَ يوماً حزيناً علَى 21 امرأة ترشّحت لشغل منصب عضُو مجلس شُورى ولنْ تنساهُ بالتأكيد أي معنيّة بدور المرأة العمانيّة في الحضُور السياسيّ.. فالنتائج جاءت صادمَة بخرُوج المرأة من مجلسِ الشورَى وغيَاب المرأة الكامل عن التمثيل في مجلس الشُورى.. وفيمَا اختصرتْ قناة BBC في خبرٍ مقتضبٍ طبيعَة الفائزين بأعلى الأصوات بهذا المقطع (وأظهرت النتائج وفقا لوكالات الانباء أن معظم الفائزين بمقاعد المجلس البالغ عددها 84 مقعدا إما إنهم يتمتعون بروابط قبلية قوية أو من رجال الأعمال المعروفين في السلطنة.
ولم تفز أي من السيدات اللواتي خضن معركة الانتخابات بأي مقعد في المجلس خلافا للانتخابات التي جرت منذ أربع سنوات والتي فازت فيها امرأتان بعضوية المجلس) وقد لخّصت القناة بذلك أزمَة كبيرَة وجدتِ المرأة نفسها مرغمة ً في أن تعلقَ بها.. فأن يفتحَ الباب منذ سنواتٍ طويلةٍ للمرأة بدخولِ المجلس ويتحقّق لها ذلك وفيما كانتِ المرأة العمانيّة تتطلّع إلى توسيع فرصها في التمثيل بمجلس الشُورى بأكثر من المقعدين اللَّذَينِ كانا في الدورَة السابقة فإنها في 27 أكتُوبر وجدت نفسَها خارج المنظومَة كاملةً.. هذه النتيجَة لم تكنْ مخيّبة للمرأة فحسب بل للحكُومة التي سعتْ منذ البدَاية إلى وضع المرأة في مناصبَ حساسّة مستبقة ً بذلك الحضُور النسائيّ في دول المجلسِ في الحكُومة وإدارتهنّ حقائبَ وزارات حسّاسة فبعدَ أن تحقّقت الوزارة والسّفارة والوكالَة للمرأة.. وجدتْ نفسها تسقطُ في أبرز اختبَار لاستجَابة الشعبِ في الإيمان بأهميّة الدور النسويّ ولذلكَ لم يكنْ غريباً التعزِيز الكَبير الذي منحهُ ذلك المرسُوم السّلطاني الذي أعقبَ إعلان انتخابات مجلسِ الشُورى بتعيينِ 9 نسَاء في مجلس الدّولة وهوَ أعلى حضُور للمرأة في تاريخ السلطنة في مجلس الدّولة.. المجلس الأكثر سلطَة ونفوذاً بعدَ مجلس الوزرَاء فيما لا يزالُ مجلسُ الشورى لا يمثّل سلطَة رسميّة رغمَ أنهُ كانَ حينها يدخلُ دورتهُ السّادسة.. غيابُ المرأة عن تمثيل مجلس الشُورى وعجزها عن الاستحوَاذ على أصوات الناخبين.. واحدَة من بين 21 امرأة لم تستطعْ أن تقنعَ الشّعب بجدارتها بدخُول المجلس كشفَ حجمَ الهوّة بين في النظرَة لدورِ المرأة بين القيادَة الحكوميّة والشّعب.. وكانَ من المحرجِ جداً للقيادَة السياسيَة في السلطنَة أنه بعد أن قطعتْ شوطاً في منحِ المرأة ثقةً حكوميّة كبيرةً أن يأتيْ الشّعب ليخبرَ العالمَ أنّ ما يفكّر بهِ بعيدٌ تماماً عمّا تفكّر بهِ الحكُومة العُمانيّة..

حولَ غيابِ المرأةِ العُمانيّة عن مجلسِ الشّورى

حينَ فازتْ معصُومة مبارك بالمرتبَة الأولى في دائرتها الانتخابيّة فإن ذلكَ لم يعنِ أنّ الرجالَ فقط من صوّتوا لها أو النّساء.. بل ذهبَ الاثنانِ وتشاركا عمليّة التصويت للدّفع بها إلى مجلسِ الأمّة الكويتيّ.. وحينَ فشلتْ 21 امرأة في الوصولِ لمجلسِ الشورى فقد عنى ذلكَ أنّهُ ليسُ الرجلُ فقط من لم يؤمِنْ بأولئكَ النسَاء لتمثيله وإنّما المرأة الناخبَة نفسها لا تثقُ بالمرأة التيْ ترشّحت.
غيابُ هذهِ الثقة كان مردّها ربّما إلى أنّ الناخبَة قرأت في تجربَة المرأة السابقة في المجلس أن شيئاً لم يتغيّر حينَ دخلت المرأةُ المجلسَ وأنّ أياً من القضايَا التي تعنيْ المرأة لم تنَاقش في مجلسِ الشُورى ففيما لا تزالُ المرأة العمانيّة تطالب بحقوق منحَتْ لنظيراتها كساعَة الرّضاعة التي وصَل صداها للبرلمان البحرينيّ الذي أقرّ بالأغلبيّة أحقيّة المرأة العاملَة البحرينيّة في الحصُول على ساعَة رضَاعة بينما لم تصلْ قضايا ذات خصُوصيّة كبيرة للمرأة العاملة إلى طاولة النقاش في مجلسِ الشُورى سواءً من خلال النساء اللاتي مثلنَ المرأة في المجلسِ لدوراتٍ سابقَة أو من خلال الأعضَاء الرجَال أنفسهُم.. آلافُ النساءِ منحنَ أصوَاتهنّ لمرشّحين ذكُور ربّما انتصاراً للقبيلة وربّما تبعيّة لزوجٍ أو أبٍ وربّما لأنها شعرتْ بعدم كفَاءة المترشّحات مقارنَةً بكفاءَة المرشّحين الذُكور.. وفيمَا اتجهتْ القبائلُ الكبرى بالسلطنَة للأخذِ بيدِ مرشّحيها الذكُور ودعمهم بأصوَات أبنَاء القبيلَة لم تستطعِ النساءُ اللاتيْ خرجنَ من تمثيلاتٍ قبليّة واسعَة أن يحصدنَ هذا الدّعم الذي رجحتْ كفّتهُ لنظيرها الرّجل، ربّما بسبب أنّ مقوّمات المترشّحين وكفاءاتهم كانتْ أعلى ممّا لدى المترشّحات رغم أنّ هذا لا ينطبق على جميعِ العشرين امرأة اللاتي غازلنَ الانتخابات وفيمَا دخلتِ المرأةُ كذلكَ في اللعبَة الإعلاميّة من خلال توزيع صورها في اللافتات الإعلانيّة "بالبنطات" العريضَة والدّعوة لانتخابها فإنّ الناخِبَ العُمانيّ لم يتأثّر كثيراً بهكذا حملَة مفضلاً الانتصَار لمرشّحهِ التقليديّ الرّجل..
ربّما لو كانتْ قضايَا متعلّقة بالمرأة، فتحَ ختمها ونوقشتْ في المجلسِ لشعرتِ المرأةُ الناخبَة أنّ المرَأة عضوَ مجلسِ الشّورى قد تحدثُ فرقاً كبيراً أو تعديلاً في حقُوق تطالبُ بها المرأةُ العمانيّة غيرَ أنّ قضايا ذات طابع نسويّ غابتْ عن المجلسِ إلا فيما ندرَ لتحلّ بدلاً عنها قضايَا ذات طابع عامٍ..
كمَا ساهمَ غيابُ المرأةِ الكبيرِ عن التّصويتِ في تعميقِ فجوَة غيَاب التمثيل النسويّ بالمجلسِ فالرسَائل والخطاباتُ والدعوَات للترشِيح والتي وجّهت لآلاف النسَاء في السّلطنة وعشرَات المدَارس الحكوميّة التيْ دعَيتِ المعلّمات خلالها للمشاركَة في التصويتِ لم تقنع الأغلبيّة بجدوَى دخُولِ المرأة في مجلسِ الشُورى أقلّها من بابِ تقدير التوجّه الحكوميّ لرفعِ الثّقة بقدرَة المرأة ونجاحها في إدارة مناصبَ أكثر حساسيّة من كونها عضواً لمجلسِ الشّورى بالنظَر إلى أنّ إدارة وزاراتٍ بأكملها أسندَتْ إليها فما بالكَ بدخولها مجلسَ الشّورى الذي وإن كانَ لهُ ثقلهُ إلا أنّه يظلّ في النهاية غيرَ ذي سلطَةٍ رسميّة كتلك التيْ نجحتِ المرأةُ في إدارتها كما فعلتْ حينَ مثّلت الدّولةَ دبلوماسياً ووزارياً..
أضفْ إلى ذلكَ أنّ نظام الأحزَاب لا يزَالُ غائباً عن السّلطنة حيثُ يدفعُ حزبٌ معينٌ بامرأةٍ لتمثيلهِ في مجلسِ الشُورى دافعاً بذلك كلّ أعضائهِ ذكوراً وإناثاً للتصويتِ لهذهِ المرأة ومساندتها بعدَ مباركَة الحزبِ لترشّحها تماماً كما حدثَ مع سلوَى الجسّار التي ترشّحت عن الحزبِ الديمقراطيّ الحرّ عام 2008م ففشلتْ في الوصولِ لمجلسِ الأمّة إلا أنها بعدَ عامٍ تحديداً استطاعتْ ممثلّةً الحزبَ نفسهُ الدخُول إلى مجلسِ الأمّة بابتسَامة عريضَة..

المرأةُ العُمانيّة.. بينَ الحكومَة والشّعب

منذُ زمنٍ استضَافتْ قناةٌ إخباريةٌ، إحدَى الناشطَات الكويتيّات في مجالِ حقُوق المرأة وتحدّثت عنْ أنّ المرأة الخليجيّة حتّى اليوم لم تستطعْ إقناعَ الشّعب بأهميّة دورها في الخارطَة السياسيّة غيرَ أنّ المذيع عقّب بأنّ سلطنَة عُمان مثالٌ على وصُولِ المرأة إلى قياداتٍ سياسيّة حساسّةٍ فما كانَ من الناشطَة تلك سوَى أن تعقّب بأنّ المرأة العمانيّة دُعِمَتْ منذ البدايَة بحكُومتها التيْ كانتْ سنداً قوياً لها والتيْ سهّلت أمامها الطريق لتدخلَ إلى أكثر المناصب حساسيّة وفي كلّ الحقول لكنّ نظرةً واحدَة إلى غيابِ المرأة عن التمثيل البرلمانيّ في مجلس الشّورى الذي يحدّد الشعبُ من يدخلهُ كشفَ أنّ المرأة مدعُومة من قبلَ حكومتها فقط وأنّ الشّعب لم يستلهمْ ما رمتْ إليهِ القيادَة الحكوميّة، ثمّ أعقبت أنّ طريقَ المرأة العمانيّة كانَ سهلاً ومدعوماً أمّا المرأة الكويتيّة فكانتْ ولا تزالُ تدافعُ ولوحدها دونَ أن يدعمها أحدٌ.

المرأة العُمانيّة.. حضُوراً تاريخياً

عام 1955 كانتْ فاطمة المعمريّ أول امرأة خليجيّة وليست عُمانيّة فحسب تحصلُ على شهادَة الدّكتوراه، عامَ 1956م كانَ هوَ العَام الذي حصلتْ فيهِ شريفَة اللمكيّ أوّل امرأة عُمانيّة على إجازة في الاقتصَاد والسيَاسة وفي عامِ 1970م كانَ صوتُ منَى المنذريّ يصدح في أثيرِ السّلطنة كأوّل مذيعةٍ عُمانيّة وعَام 1972م كانتْ وضحَى العوفي أوّل امرأة عمانيّة تلتحقُ بجهازِ الشّرطة بعدَ أن كانَ مقتصراً على الرّجل وفي نفسِ العامِ كانتْ ناشئة الخرُوصيّ تدخلُ التاريخ كونهَا أوّل مهندسَة عمانيّة وبعدهَا بثلاثِ أعوامٍ كانتْ خديجَة اللواتيّ أوّل دبلُوماسيّة عمانيّة تمثّل السلطنة في المحافلِ الدوليّة وبعدهَا بعشرِ أعوامٍ بالتّمام عيّنت هدَى الغزَاليّ لتكونَ أوّل مديرَةٍ لشؤونِ الطّفل والمرأة العمانيّة وفي عامِ 1997م كانتْ راجحَة عبدالأمير هيَ أوّل وكيلَة لوزَارة حسّاسة جداً كوزارة الاقتصاد الوطنيّ لشؤون التنميَة.. وقبلَ 13 عاماً بالتحديد من آخر دورَة انتخابيّة سمحَ للمرأة بالتصويتِ والترشّح فكانتْ طيبَة المعولَي وشكُور الغمّاري أول امرأتين تمثّلان المرأة في مجلسِ الشُورى وفي عامِ 1998م كانتْ سعاد اللمكيّ هي أول مستشارة قانونيّة وبعدها بعامٍ كانتْ خديجَة اللواتيّ أول سفيرَة عمانيّة اختيرتْ لتمثّل السلطنة في هولندَا.. وفي عامٍ 2003 كانتْ عائشَة السيابيّة هي أوّل امرأة عُمانيّة برتبةِ وزيرةٍ، وفي عام 2005م كانتْ حُنينة المغميري أول امرأة خليجيّة وعربية في طريقها إلى الولايات المتّحدة لتعمل سفيرةً فوق العادة لعُمان في واشنطن..
فإذنْ بعدَ هذا التاريخ الطّويل الذي تدرّجت فيهِ المرأةُ سياسياً وحكومياً، بدَا من الغريبِ أنّ الشّعب لم يمتصّ بعدُ فكرَ أنّ المرأةَ أصبحتِ اليومَ شريكاً فعالاً في القيادَة السياسيّة

ولذا كانَ مخيّباً جداً أنهُ بعد 37عاماً من انطلاق صوتِ المرأة ليصدحَ هازاً الأثير وبعدَ 13 عاماً من دخولِ المرأةِ المجلسَ بأن تخرجَ المرأةُ بتلكَ الصورَة المحبطَة من أيّ تمثيلٍ في مجلسِ الشّورى حتّى من أولئكَ النسَاء القادمَات من قاعدَة قبليّة واسعَة أو نفُوذ عائلَة من كبريات العوَائل الاقتصاديّة في السلطنَة كما كانَ في دوراتٍ سابقةٍ بالمجلسِ.. لم يستطعنَ مغازلَة الشّعب واستمالتهُ في صفهنّ فما بالكَ بالنساءِ العصاميّات اللاتي من بابٍ أولى خرجنَ صفرَ اليدينِ..

في الدّورة السّابعة

بقيَ عامانِ وقليل ونشهدُ دورةً انتخابيةً جديدةً ستدخلُ المرأةُ مجدداً ضمنَ خارطتها الانتخابيّة.. وسيدخلُ الشعبُ مجدداً في رهانٍ حقيقيٍ حولَ جدوى وجودِ المرأة في مجلسِ الشُورى الذي لم يستطعْ حتّى اليَوم أن يحتضنَ أكثر من مقعدين هما أقصَى ما استطاعتِ المرأةُ أن تشغلهما منذُ سمحَ لها بالترشّح عام 94. فهلْ توسّع المرأة تمثيلها الانتخابيّ؟ وهل ستجدُ المرأةُ العُمانيّة–كما وجدتِ نظيرَتُها الكويتيّة- الإيمَان الحقيقيّ من قبَلِ الشّعبِ بدورها وحقّها الفطريّ في تمثيلِ الشّعب صنوَ الرّجل؟ فقطْ لنتمنّ ألا تكرّر الدرَاما المأساويّة نفسَها مجدداً..

07 سبتمبر, 2009

حكَايَة تبنّي إرهابي .. آخر كُوميديَا عنصريّة التكنُولوجيا !

البَارحَة عصراً .. دخلتُ كعادتي إلى اليُوتيوب ، لتطالعنيْ واجهتهُ بفيديُو ظهرَ على أيقُونتهِ صورَة رجل متنكّر بزيّ أشبه ما يكُون بالعربيّ ، كانَ ذلكَ الفيديُو في أعلَى واجهَة الصفحَة الرئيسيّة لليُوتيُوب، لأنهُ احتلّ أعلَى نسبَة تعليِق لهذَا الأسبُوع في تصنيفِ الفيديُوهات الكوميديّة ، واحتلّ أعلَى نسبَة مشَاهدَة في الولاياتِ المتّحدة وإسرائيل والهِند والمكسيك وآيرلندَا وكندا وعشر دُول أخرى ..
جذبتنيْ أيقونة الفيديُو لأضغط عليهِ .. كانَ عنوَانهُ "تبنّي إرهابيّ" وفيهِ استفتحَ صنّاع الفيديُو بعبَارة "تبنّي مسلِم متطرّف"
أحدَاثُ الفيديُو كانت تتحدّث عن راندي وجانيت واغنر اللذينِ قرّرا تبنّي طفلٍ إرهابيّ وفي الفيديُو يظهرُ رجل .. عشرينيّ وهوَ يلعب دور الطفل الإرهابيّ الذي تمّ تبنيهِ ، ينشغلُ الزوجان بشرحِ عمليّة التبنّي إلى آخرهِ فيمَا يظهر في خلفيّة حديثهما الطفل الإرهابيّ متمثلاً في ذلك الرجل وهوَ يضعُ لحيَة سودَاء كثيفَة تصلُ لصدرهِ ، مرتدياً عقالاً وغترَة عربيّة معَ لباسٍ أبيض ذي نقُوش عربيّة ..
يظهرُ الإرهابيّ الذي تمّ تبنيهِ وهوَ يلعبُ مع طفلِ الزوجين .. وفيما ينشغلُ الطفلُ ذو العَامين باللعبِ البريء وهوَ على "جلاّستهِ" ، يظهرُ الإرهابيّ وهوَ يلعبُ برشّاش ، وفي صورَة أخرى وهوَ يشعلُ النار بطائرَة من ورقٍ صنعها وأمامهُ مجسّما برجين صغيرين يجعلُ الطائرَة تصطدمُ بهما فيسقطَان ..
وفي نهايَة الفيديُو يتمّ توسيع أبعَاد الكاميرَا عن الزوجين ليتّضح أن يديهمَا مقيّدتان وخلفها يظهرُ الإرهابيّ وهوَ يسنّ سيفهُ ثمّ يغطي رأسَ كلٍ منهمَا بحاويَة قماشيّة سودَاء استعداداً لقطعِ رأسيهمَا ..
لا أودّ عرض الفيديُو هنا أو رابطهِ لكي لا أساهمَ في الترويجِ لهُ أكثر ..
كانَ الفيديُو وقحاً للغايَة ، ساخراً بطريقةٍ فجّة ، غيرَ مثيرٍ لأيّ شيءٍ سوَى للقرف ..
أقولُ ذلكَ باعتبَار أنّي شاهدتُ فيديُوهات أخرى ، لكنّ مدَى تصلّب هذا الفيديُو ووقاحَة صنّاعهِ كانتْ أبعد من أن تظهر كغطاء للضّحك والفكاهة وهيَ تغذّي فكرَة ما يسمّى "بالإسلام الإرهابيّ" ، "الإسلام المتطرّف" ، "الإسلام الأصوليّ" ..
وبإشاراتها الجلفَة عبرَ اللحيَة الطويلَة التي تشيرُ في دلالَة لا مرَاء فيها إلى المسلمِ المتطرّف ، وبالغترَة العربيّة التيْ اعتدنَا مشاهدَتها وهيَ تحشر في كلّ فيلم يُخاض فيهِ عن قضَايا الإرهاب ليقرأ المشاهد الغربيّ مباشرةً ارتبَاطهُ بالإرهاب والعرب تحديداً ..

الحقيقَة كنتُ أنوي أن أغادرَ ذلك الفيديُو إلى غير رجعَة حينَ طرأ في رأسي قرَاءة التعليقات التيْ كانت حينها قد بلغت 7آلاف تعلِيق .. لأجدَ أنّ الكثِير مما يدعُو للقراءَة مضمنٌ أسفلَ الفيديُو ..
تتبعتُ الحوَار لأجِدَ أغلبَ المعلقين في حيادٍ حول الموضوع معلقِين بأنّ الفيديُو Funny وأنهُ رغمَ ذلك لا يخلُو من عنصريّة وأنهُم في حياتهم صادفُوا مسلمِين كانوا في قمّة الـ cool
احتدّ النقاش لاحقاً معَ ثورَة عددٍ من المعلقين المسلمِين تجاه الفيديُو .. بعضهُم وصلَ بهِ الحدّ إلى ألفاظ سيّئة جداً ، شوَارعيّة ، معبّرين عن رفضهم لذلك الفيديُو بطريقةٍ متهوّرةٍ كتلكَ ..
تدخلتُ أنا في نقاشٍ قصير حين رأيتُ معلومات مغلُوطة يطرحها المهاجمُون لكنّي سرعان ما غادرتُ إذ أنّ 70% من النقاش الذي دَارَ اختفَى بعدَ سَاعة تقريباً لتبقَى "طراطيش" كلام معلّقة ..
غيرَ أنّ ما لفتني هوَ أن عدداً من المعلقين السلبيين كانُوا يمتلكُون خلفيّة كبيرَة عن الإسلام سخّروها في حوَارهم مع المعلقِين المسلمين ..
أحدهُم .. ظلّ يقتبسُ آياتٍ قرآنيّة مترجمَة للانجليزيّة وتحديداً تلكَ التي تدعُو المسلمين للنّيل من الكافرين وقتالهم .. اقتبسُوا الآية التي يأمرُ فيها اللهُ النبيّ بقتلِ جميعِ الأسرَى وعدمِ إبقاءِ أحدٍ منهم حياً .. واقتبسُوا مقاطعَ من آياتٍ قرآنيّة تتوعدّ اللواطيينَ والشواذّ جنسياً ..
أقولُ لكم لقد أدهشتنيْ خلفيّة هؤلاء عن ديننا للحدّ الذي استطَاعُوا فيهِ التركِيز على نقَاط الاختلاف والاستفهام الكبيرَة المثارَة تجاه الإسلام .. كانُوا يحَاورُون ومعهُم "دزّينة" من الآياتِ القرآنيّة التيْ تظهرُ الإسلامَ باعتبَارهِ دينَ عنف ، وتسلّط الضّوء على القرآن باعتبَارهِ "كتاباً داعياً إلى الإرهاب" ، "ومهمّشاً للأديَان الأخرى" ..
وما أدهشنيْ حقاً هوَ طرحهُم لأسئلَة جوهريّة جداً ، جعلتنيْ أفكّر لو أنني لم أكن مسلمةً وقرأتُ ذلك الحوَار لخرجتُ مندهشةً من دينٍ يتزوّجُ نبيّهُ وهوَ في الخمسين من فتاةٍ عمرهَا 6 سنوَات ..
مهلاً .. أنقلُ لكم بعضَ الأسئلة والتعليقات التي طرحُوها .. والتيْ كانت كفيلَة بإربَاك الطرف الآخر من المسلمين الذينَ أحزنني أنهُم انشغلُوا بإفراد الشتَائم وأربكتهُم تلك الأسئلة .. لأنها كانت ضاربَة في العُمقِ ولأنهُم لم يكُونوا يملكُون تلك الخلفيّة الكبيرَة التي تمنحهُم قدرَة إقناع القارئ الذي يجهلُ الإسلام .. كدِين .. يجهلهُ تماماً ..
أحدُ المهاجمينَ الشرسينَ للإسلامِ قالَ
" نبيّهم محمّد تزوّج وهوَ في الرابعَة والخمسين من فتاةٍ عمرها 6 سنوَات"
دخلتُ أنا وصحّحتُ له المعلومَة قائلةً .. "رجاءً ، لا تطرح معلوماتٍ غير دقيقَة .. خطبها في السادسَة وانتظرها حتّى تبلغ التاسعة وتزوّجها حيثُ كانتْ بالغَة كأيّ امرأةٍ في الجزيرَة كانتْ تنضجُ في ذلك السنّ ، ثمّ أضفتُ ..
قبلَ شهرٍ شاهدتُ فيلماً هوليوودياً جديداً طرحتهُ السينمَا الأميركيّة بعنوَان "الدُوقة" وفيهِ يتزوّج دوقٌ وهو في أربعينيّاتهِ من فتَاة (لعبَت دورها كيرا نايتليْ) من عائلَة أرستقراطيّة وهي في عمر الرابعَة عشرة .. تبَارك البلادُ كلّها زواجهما ولا يعدّ ذلك خروجاً على أعراف المجتمع ، لأنّ الفتياتِ كنّ يتزوجن بهذا السنّ ، كانَ هذا قبلَ قرنين ، بينما لو فعلهَا رجلٌ أربعينيّ الآن وفتاة عمرهَا 14 سنَة لزجّ به في السجن .. السبب أن الظرُوف اختلفت وما كانَ مقبولاً أمس أصبح مرفوضاً اليوم .. نحنُ نتحدّث عن قرنين سبقَا فما بالك بزمنٍ قبلَ 15 قرناً ! لم يكنْ ذلك شاذاً وكانَ أمراً اعتيادياً جداً وفعلهَا قبله اليُونانُ والرّومان"

فردّ عليّ ساخراً .. "نعَم ، سأكُون حينها مرتاحاً بوجودِ 4 زوجَات"
فرددتُ عليهِ "نعَم ، سيكُون ذلك أفضل من وجودِ زوجَة واحدَة و100 عشيقَة كما نشاهدُ في برنامج د.فيل"
ردّ .. "ما الذي يدفعُ رجلاً للزواجِ من فتاةٍ عمرها 9 سنوَات"
وحينها كنتُ أفكّر في أنّ أغلبَ زيجَات النبيّ كانتْ عن أمرٍ إلهيّ إلى أنْ جاء الأمر الإلهيّ بأن يتوقّف النبيّ عن الزّواج وامتثلَ النبيّ لذلك، وفي حالةِ زواجِ النبيّ بعائشَة فقد كان ذلكَ مكافأةً لأبي بكر على وقوفهِ بجانبهِ وكسباً له وتوطيداً لعلاقتهِ معهُ ..
كنتُ أفكّر كيفَ أشرحُ أنّ زواجَ النبيّ الخمسينيّ بفتاةٍ عمرها 9 سنوات يعدّ مكافأةً لأبيها .. كانَ المعلقُون سيعتبرونني مريضَة نفسيّة .. لأنّ من لا يعرفُ النبيّ سيعتبرُ ذلك سخريةً .. كيفَ يكُون زوَاج الخمسينيّ بابنَة التسع أعوام ، مكافأة لها! ألا يبدُو أن العكسَ هو الحادث؟ وكيفَ أقولُ له أن زيجَات النبيّ التسع كانتْ بأمرٍ من ربهِ؟
.
لقد أربكَت الكثير من الأسئلة المطرُوحَةِ ، المسلمينَ المحاورين ، وأحزنني أنّ أحداً منهم لم يكنْ مستعداً للإجابَة على أسئلةٍ جوهريّة جداً ، محرجةً جداً ، وعدم فهمنَا لها ستضعُ أمام القارئِ المحايدِ مساحَةَ استغرابٍ ضخمَة من دينٍ مثيرٍ للجدلِ كالإسلام ..
كانتْ أهمّ الأسئلة .. لماذا الإسلام يدعُو لقتلِ الشواذّ جنسياً؟ لماذا الإسلام يدعُو المرأة للحجاب ويعتبرهَا سافرةً إذا خلعتهُ؟ لماذَا لا يدافعُ ربّكم عن نفسهِ ،ولو كانَ دينكُم حقيقياً لما احتاجَ ربكّم إليكُم لتدافعُوا عنهُ؟
كيفَ يستطيعُ المسلم الزّواج من فتاةٍ لم يعش معها؟ ولماذا يرفضُ إقَامة علاقَة معَ الفتاة المرَاد الزواج بها قبلَ إتمام مراسمِ زواجهما؟ ولماذا يعاقبُ الإسلامُ من يفعلُ ذلك بالجلدِ أو الرّجم؟
هذهِ الأسئلَة ظلّت معلّقة لم يستطعْ عشراتُ المسلمينَ ممن علّقوا إجاباتها ، وحينها كنتُ أفكِّرُ .. كيفَ أنّ جميعنَا مرّ بطريقةٍ أو بأخرى بموقفٍ طُرِحَتْ عليهِ هذه الأسئلة الجوهريّة التي نكُون في الأغلبِ غير مستعدين لإجابتها ..
هنا في الصّحراء .. قبلَ شهرٍ ونصف .. حيثُ كانت درجَة الحرارَة تتعدّى الستين درجَة .. تجرّأ مهندسٌ كولومبيٌ على سؤالي قائلاً .. "أستغربُ كيفَ تستطيعينَ ارتداء الحجَابِ مغطيةً بهِ كلّ رأسك عدا وجهك بينمَا نحنُ نكادُ نذوبُ من الحرارَة داخل ملابسنَا !"
رددتُ عليهِ بابتسَامة: "صدّقني أشعرُ بالرَاحة ، وأتعرّق أكثر في الأماكن المكشوفَة من جسديْ كوجهي ويديّ" ..
قبلَ هذا المهندس سألتنيْ مهندسَة ماليزيّة مسيحيّة بينما كنتُ في غرفتي وخلعتُ أمامها الحجَاب فعلّقت .. أنت أجمل كثيراً دون الحجاب ، لماذا ترتدينه؟ ولماذا تخلعينهُ تحديداً أمام النساء؟ ولماذا وأنتِ تصلينَ تغطينَ كامل جسدكِ عدا وجهكِ ويديك؟ هل تحتاجينَ لتحتشميْ بالكامل وأنتِ تقفين أمام ربّك؟ هل يعدّ ربّك غريباً إن كنتِ تبررين أنّ ارتداءكِ الحجاب يكونُ أمام الرّجال الغرباء؟

لقد صعقتني تلكَ الأسئلة ، وصدقُوني لم أكنْ مستعدّةً لها .. كنتُ أفكِّرُ كيفَ أنني أمضيتُ حياتيْ كلّها دونَ أن أكونَ مستعدةً للحظَة التيْ أسأل فيها هكذا أسئلَة
لقدْ صدمتنيْ خلفيّتهم المعلوماتيّة الضّخمة عن الإسلام ، والتيْ سخّروها في ليّ عنق القرّاء عن الفيديو المقيت أعلاه وإثارَة تركيزهم أكثر على ردّة فعل الجانب المسلم تجاهَ أسئلَة جوهريّة كتلك عجز الطرفُ الآخر سوَى بالرّد بجُنون ، بسوقيّة لا تمتّ للحوَار الإسلاميّ بالصلَة ..
"سأفعلهَا بأمّك ، بأختك ، بزوجتك ، بـ...
اذهَب واستمنِ ..
أيها الزاني بأمّك .."
تخيّلوا .. كانَتْ هذهِ ردُود أفعال المعلقينَ المسلمين .. فيمَا ضحكَ الذي طرحَ كل تلك الأسئلة أعلاه بالقول .. "أيها الأوغاد المسلمُون ، ظللتمْ طوال هذا الأسبوع تبعثُون بالتقارير لمسؤولي اليُوتيوب لإزالة هذا الفيديو لكنّه سيبقى رغماً عن أنفكم وستجدُ عشرات الفيديوهات طريقها للنشرِ بعد هذا الفيديُو"

استمرّ الحوار ، وتعبتُ منهُ وغادرتُ .. والآن وأنا أكتبُ هذه التدوينَة أقرأ عدد التعليقات التيْ تعدّت التسعَة آلاف بمعدّل زيادَة ألفَي تعليق خلال 24 ساعَة فقط ..
.
.
ما حدثَ من تعليقاتٍ حولَ الفيديُو المشار إليهِ في الأعلى .. جعلنيْ أشعرُ بالحزن لأنّنا كأمّة يتعدّى تعدادها المليار شخص .. تجهلُ أساسيّات دينها ، وتجهلُ نمط الحوَار الذي نخاطبُ بهِ الآخر الذي لا يعرفُ الإسلام!
كيفَ أشرحُ حدُود الفتنَة؟ ما هيَ المعايير التيْ تجعلُ منّي فتاةً محتشمةً أو لا .. ما هيَ الأسسُ التيْ أصنّفُ فيها امرأةً أراها في الشّارع بأنها مثيرَة للفتنَة أو لا .. وكيفَ أشرحُ لرجلِ الشّارع الغربيّ الذي لم يرَ في حياتهِ مسلماً سوَى بتلكَ الصورَة التي رآها في الفيديُو أو مسلساتِ هوليُوود وأفلامها المؤدلجَة إعلامياً تجاهَ الإسلام ..
هذهِ البروباجندَا التيْ تشنّ تجاهنَا تحتَ غطاء الكوميديّة وإثارَة الضّحك هيَ التيْ يدخلُ منهَا هؤلاءِ إلى الآخر باعتبَار الإسلام دينَ تطرّف .. لا يجيدُ سوَى قطعِ الرّقاب بحدّ السّيف
نحنُ بحاجةٍ لإيجاد صيغَة حوار جديدَة .. لأنّ جميعنا .. ونحنُ نستخدمُ هذه الشّبكة الصغيرَة سنوضع في مواقفَ نحاورُ فيها الآخر ، ليسَ بطريقَة شرحِ وجهَة النظر الإسلاميّة لمسلمٍ آخر .. بلْ من مسلمٍ لآخر غربيّ ..
فتحَ عيونهُ متقبلاً فكرَة زواج المثليين ، ومعتبراً أن محمّد متحرّش بالأطفال .. وأنّ الإسلام يدعُو لقتلِ الأسرَى .. وأنّ الإسلام دين مضطهِد للمرأة ..
سنجدُ في عشراتِ مواقع الانترنت ، رجال الدين المسلمينَ يشرحُون لنا حكمَ كل ما وردَ أعلاه .. لكنْ من وجهَة نظرٍ إسلاميّة موجّهة للمسلمين .. لا لتقرأ من قبل الغَرب الذي لا يعرفُ عن الإسلام أكثر من طالبَان ، والمُلا عُمر وأبي مصعَب الزرقاويّ !
.
قبلَ يومينِ قرأتُ تعرّض مسلمين في جنوبِ لندن لهجومٍ من قبل عصابَة مراهقين تبلغُ 20 فرداً تتراوحُ أعمارهم بينَ 12لـ15 عاماً .. هاجمُوا المصلين وهم يغادرُون المسجد بعدَ أن أنهوا صلاةَ المغرب .. هاجموهم وضربُوهم بشدّة وهربُوا ..
هؤلاء الأطفال ربّما لم يقابلُوا يوماً مسلمين .. لكنّهم ولدُوا ونشئوا على أفكارٍ معلّبة خلقها الإعلام الموجّه ضدّ الإسلام .. باعتبَارهِ دينَ تطرّف .. ونحنُ نعرف أنّ الدينَ لا يمكنُ أن يكُون ديناً ومتطرّفاً في نفس الوقت ، فالتطرّف صنَاعة بعيدَة عن الدين ، يظهرُ الدينُ فيها فقط .. كجدار ثبّت عليهِ علاّق يتمسّك المتطرفُون بهِ للالتصاق بذلكَ الجدار .. هؤلاءِ الأطفال ، رضعُوا هذه الأفكار ، لأنهُ بكلّ بساطة لم يكنْ هنالك وجُود للإعلام المضادّ من قبَلِنَا، الذي يستوعبُ هكذا اتّهامات ويردُ عليها بلغَة مطابقَة للغة المتلقي الأجنبيّ الذي يرقبُ ما يبثّ تجاههُ منْ معلُومات مغلُوطة عن الدين عبرَ ثغراتٍ كهذهِ التي وردتْ في الأعلَى ..
.
.
ما نستطيعُ فعلهُ اليَوم ليسَ أكثر من توزيع هذهِ الفيديُوهات داعينَ مستخدمي الشّبكة للتصوِيت ضدّ هذا الفيديُو أو ذاك أو إنشَاء شبكاتٍ ومجموعات نوزّع عنها آلاف الايميلات داعينَ إلى الانضمام لهذه المجموعة لإيقاف فيديُو يبثّ مقاطع حرق آيات قرآنيّة أو تدنيسهَا بالبراز .. أو ندعُو الفيس بوك لإزالَة مجمُوعة مناهضَة للنبيّ محمّد .. نحنُ نوزّع ونجمّع ونجمّع أعضاء آخرين دونَ أن نقرّر تعليمَ أحدٍ كيف يحاور؟ ولا كيفَ نفنّد حججهُم بنفسِ الطريقَة التيْ يهاجمُوننا بها ..
نحنُ فقط نجيد تجميع أكبَر عددٍ من الأعضاء دونَ أن نعرفَ ما نقُول وما نفعل!
أصدقائي ..
جميعنَا سيمرّ بطريقةٍ أو بأخرى بهكذا أسئلة .. سيصادفها على الانترنت أو خلال عملهِ أو في المطارِ أو خلال دورَة عملٍ خارج بلادهِ ..
سيصادفهَا المتديّن منكم وغير المتديّن ..
هذهِ دعوةٌ مني للجميعِ ليشاركُوني رؤاهُم الشخصيّة في نمطِ حواراتهم حول الأسئلة الجوهريّة المطرُوحة أعلاه مع الآخر الذي يجهلُ الاسلام ..
وتجاربهم الشبيهَة بما وردَ في الأعلى ..

معَ الحبّ

عائشَة السيفيّ

05 سبتمبر, 2009

روَائح .. ومذاقَات !


بعدَ مرورٍ عامٍ على نشرهِ في ثقافيّ "شرفُات".. أعيدُ نشرهُ
معَ دعوتي للأصدقاء مشاركَتي الرّوائح الرمضَانيّة التي علقَت بذاكرتهِم "الطّفلة"

محبّتي

.

.



لا يعني رمضَان الكثير لطفُولتي، ربما يشغلُ حيّزا ضيقاً من مساحة الذّاكرة لكنّ الأمرَ الذي أثق بهِ أنّ الروائح والمذاقاتِ لا تخُون وأنّ للرّائحة في حكايةِ ذاكرتي مسَاحة جميلَة ..

لماذَا أجدني مولعة بالروائِح ؟
لا أدري .. ربّما لأني مدينَة لها بإرجاعِ الكثِير من شغب الطفولة الذي لا تزالُ تمارسهُ بي
قبلَ 15عاماً أو ربّما يزيد ، كانَ هنالكَ الأبُ الذي تعدّ له زوجتهُ الطيبة وجبتهُ المفضلة التيْ يستمتعُ بها بعد عودتهِ من صلاةِ التراويح .. تتحدثُ إليه بقليلٍ من السواحليّة وكثيرٍ من العمانيّة ، ثمّ تقدّم لهُ "الأوجي" ، الطّبق اليومي الذي يؤذن رمضان بدخُوله في مطبخ تلك المرأة وفي مائدة ذلك الرجل ..
تلك المرأة هي أمي .. وذلك الرجل أبي !

بعد 15 عاماً ، يقلّ أو يزيد لا تزالُ أمي تعدّ "الأوجي" لوالدِي السّبعينيّ .. يحتسيهَا برضاً كبِير ، ويتمتمُ قبلها بأدعية خفيضةٍ لا أكترثُ كثيراً لسمَاع جرعَاتها الروحانيّة، فقط أؤمن أن كثيراً من الروحانية كذلك تحملها هذهِ الأكلة الأقرب إلى الشوربة .. نسيتُ أن أقول أنّ هذه الأكلة تسمّى بالعمانيّ "الحسيوة"
***

كنّا أربعَة .. أنا وأختي التي تكبرني بثلاثِ أعوَام وشقيقين أصغر منّي .. كنا نحبّ رمضان كثيراً ، فرغمَ أنه لا يعني لنا الكثيرَ وقتهَا لأننا لم نكن قد بلغنا سن الصيام بعد إلا أننا كنا نستمتعُ بالمميزات الإضافية التي تمنحُ لنا في نهارِ رمضان .. إذ كنا نستمتعُ مرتين بالطعام اللذيذ الذي كانت تطهوه أمي استعداداً لحفلة الأكل الليلية ، تارةً في النهار والناس صيام وتارةً في الليل إذ يفطرُ المفطرون ونحنُ معهم مفطرُون ..
لكن الميزة الإضافية التي كانت تمنح لنا هي أن تشتري أمي لنا كراتين اللبن الصغيرة ، والتي لا تزالُ تستهلك في السوق حتى اليوم ، نفتحُ الوعاء الكرتوني الأصفر للبن ونحضرُ كيسة بطاطس عُمان ونكسّر ما بها إلى قطع صغيرة ثم نصبّه في اللبن ونستمتع برشفه حتى آخر قطرة ..
مساء أمس قررت أن أشتري ذات اللبن.. طحنت قطع الشيبس وغمستها في اللبن وأعطيتها لابن أخي البالغ عامين .. شربه باستمتاع كبير ، كنت أنظر إليه باندهاش وهو يمارس متعته الطفولية تلك .. وقررت أن أفعل مثله علّني أحظى بمذاقٍ طفوليّ ممتع .. غير أني حين ارتشفت الرشفة الأولى شعرت بمذاق الفلفل الحارق مع اللبن الحامض يلسعني .. كان المذاق غريباً للغاية .. أدركت لحظتها أن كثيراً من شغب الطفولة قد انقضى .. وأن تلك الأزمنة لم تعد تعني لي شيئاً ، أصبحت غريبة عني .. غريبةً عني تماماً !
***

في عائلتي منذُ يدخلُ رمضان أبواب بيتنا .. تبدأ طقوسٌ جديدة لا تحل علينا إلا كل عام حين يقبلُ رمضان وتغادرنا بمغادرتهِ ، أبرزها أكلة "المسيتو" السواحلية التي تحترفها أمي ..
لم يسبق لي أن جرّبتها بيد امرأة أخرى ، كما لم يسبق لي أن قرأت عنها في كتب الطبخِ الكثيرة التي اقتنيتها لأقنع نفسي بأني أصبحت أنثى ناضجة تمارس مهمتها الفطرية بحبّ ،رغم إيماني بأن الطبخ هو "وسيلة سخيفة لإثبات الأنوثة" ..
لعلّها أمي التيْ أقنعتني بأن الرجل إذا تزوج شاعرةً وأحبّ ثقافتها فهذا لا يكفي لنجاح شراكتهما لأنها كزوجة حينَ يجوع زوجها ويبدأ نداء بطنهِ فإنها لن تصنعُ له وجباتٍ من ورق .. وموائد من قصائد !

لم أفكّر يوماً بأن أتعلم "المسيتو" من أمّي .. لإدراكي العميق أنها جزءٌ من التكوين النفسي الذي أرى بهِ أمّي .. ولأجل ذلك تعني لي هذه الأكلة الشيء الكثير
أدركتْ أمي منذ زمن بعيدٍ ما تعنيه هذه الطبخة لي ومع ذلك فهي ترفض أن تطبخها لي إلا في رمضان ..
وقد سلمت بذلك مؤمنة ً بأنها تستحقُ الانتظار عاماً كاملاً .. وهكذا ظلت "المسيتو" زائراً جميلاً يزور مطبخ أمي الصغير بحبّ .. وألتهمها بحبٍ أكبر طوال 10 رمضانات جميلة هي عمرُ ما صمتهُ حتى اليوم، منذ قررت أن أنضم إلى عالم الصيام في الحادية عشرة.
وأنا في مسقط بعث لي أخي يقول لي: "اليوم أمي عاملة لنا مسيتو ع العشا ، وما وقفت عن ذكرك" .
حينُ عدتُ إلى نزوى قالت لي أمي: عملنا مسيتو من كم يوم .. افتقدتك وناديتك كثيراً .. ما "صنّت" أذنك؟
ضحكتُ وأجبت: بلى .. ابنكُ أوصلَ النّداء !
***
أكرهُ التونة وكلّ ما يمتّ للتونة بصلة وليسَ هذا لشيءٍ سوى لأن رائحة التونة كذلك تذكرني بأشياء لا أحبّ تذكرها .. أشياء صنعتْ هذه العَلاقة الممسوسة بيني وبين التونة ..
حينَ أصبحتُ في الصفّ الرابع الابتدائيّ ، قرّر أبي بأنه آن الأوان لي أن أتدرّب على الصيَام استعداداً للعام المقبل. فرحتُ كثيراً لأنني شعرتُ بأنني أصبحت أخيراً كبيرَةً للقدر الذي أصبحتُ فيه مؤهلة ً لولوج عالم الصائمين . قررتُ في اليوم الأول أن أصوم عن الطعام ولا أفعل مع الماء .. وبزغ النهار الجميل بكل سكينة رمضان وهدوئه ، والطفلة تلعب وتمرح وتستعرض عضلاتها وتخبرُ كل الأصدقاء بأنها كبرت وأصبحت تصوم .. لكن ما أن انتصف الظهرُ حتى كنتُ أتسند على الجدران كي أميز الأشياء أمامي .. شربتُ كثيراً ، للمرة الأولى والثانية والخامسة ، وصيامُ الطعام يشتد بوطئته عليّ .. آخر ما أذكرهُ من مرات شربي للماء أني ولجت إلى المطبخ وما أن أمسكت بكأس الماء حتى خارت قواي وسقطت .. كان آخر ما سمعتهُ صوت ارتطام الزجاج بالأرض .. انتهى كل شيء !
كانت هنالك أصوات كثيرة تختلط عليّ .. صوت أمي ربّما ، باب السيارة وهو يفتح ، خطوات سريعة على الأرض .. أفقت في المستشفى على صوت طبيبٍ عُمانيّ .. بدا وجههُ أليفاً ومتناغماً بلحيتهِ الكثة مع أجواء رمضان .. وضع أنبوباً مغذياً على يدي وغادرني .. انتبهتُ لحظتها لأمي وأخي .. شعرتُ بخجلٍ كبيرٍ حين اكتشفتُ أيضاً أنني كنت حافية ، سألت أمي عن نعلي فأجابتني أنه في السيارة.
جاءتني المضمدة وقدمت لي بلطفٍ شديد وجبة صغيرة .. لا أزال أذكرُ تماماً كيفَ كانت ، التقطت أمي منها قطعةً مثلثة من خبز التوست ..خبزتان رصّتا على بعضهما
حين قرّبته من فمي كانت رائحتها كريهة جداً .. لا أدري هل كانت كذلك أم أن الجوع كان قد أدّى وظيفته في حاسة الشم لدي أيضاً !
كشفتُ عن الحشوة التي بين قطعتي التوست ، فوجدتُ التونة مسترخية ً بسلام..
هكذا لم أعد أنا والتونة أصدقاء .. ويومها قررتُ ألا أرخي أنفي لرائحتها، منذ ذلك اليوم بدأت القطيعة الحقيقيّة بيننا ..
***
رمضَانٌ جديدٌ ومذاقات جدِيدة .. وذاكرَة طويلَة من الرّوائح التيْ لا تنتهي .. وَحدها الحياةُ كفيلَة بصناعَة الرّوائح الأجمَل .. والمذاقات الأرقى التي ستحتفظُ الذّاكرَة بنزقهَا لعشرِين رمضَان قَادم ..
***

( الرّوائح طرقنَا المختصرَة لفهم انسَانية الأشياء )
بودلير

03 سبتمبر, 2009

وطنيْ .. لا تُؤاخذنا بِما فعلَ "ولاةُ الأمرِ" منّا !


أصدقائي .. لعلّكم تذكرون مقالي الذي كتبتهُ قبل شهرينِ حولَ عمالَة الأطفال .. أدرجهُ لكم في الرّابط ..


http://www.alwatan.com/graphics/2009/06jun/3.6/dailyhtml/culture.html#6


وقتهَا تلقّيت ردود فعلٍ جميلَة من الاخوة القرّاء ، أقول الاخوة القرّاء وليس المسؤولين لأنّه لم يسبق أنْ تحرّك مسؤولٌ ما من عرشهِ العاجيّ ليتفاعلَ معي حولَ قضيّة طرحتُها طوال سنوَاتِ كتابتيْ

هزّتني هذه الرّسالة تحديداً القادمَة من قارئٍ واعٍ كانَ بينَ حينٍ وآخر يتواصلُ بالردُود حولَ ما أكتب..

ذلكَ اليَوم طلبتُ منهُ طرحَ رسالتهِ هذهِ وإنْ باسمٍ مستعار في إحدى المنتديات ومن يومهَا لم يتواصل معي لأسبابٍ أجهلها ..

الآن أترككم مع رسالتهِ الجميلة .. وفي حنجرتيْ غصّة ، وفي قلبِي ألم ..

آآآآهِ يا وطني ، كم أنتَ تغرَق !



أختي الفاضلة \ عائشة السيفي

السلام عليكم ورحمته الله وبركاته

أسعد الله أيامك بالخير والطاعة

بالنسبة لمقال الاسبوع الماضي والذي تحدث فيه عن عمل الاطفال ،

والله اختي عائشة الواقع مرير وأن كانت لا تتعدى ان تكون ظاهرة ، من خلال نشاطي في العمل الخيري في ولاية البريمي ومن تلمسي

لحاجات المواطنين لدينا ، أرى واقع الفقر لدينا يدقع ناقوس الخطر ، حسبة بسيطة اسردلها لكي هنا :

عدد الفقراء المسجلين لدينا يتجاوز 700 اسرة فقيرة ، منها حوالي 200 اسرة استطيع انا اقول انها لربما تحت خط الفقر ، وضع 200 من هذه الأسر كالتالي رب الاسرة إما متقاعد براتب 150 او 200 ريال عماني ، او انه يحصل مساعدة من الضمان الإجتماعي 80 ريال إلى 126 ريال عماني أو انه يعمل في وظيفة براتب من 100 ريال إلى 200 ريال ، طيب الغالبية منهم يقيم في منزل ايجار لا يقل عن 100 ريال عماني ، عدد افراد الاسرة لا يقل عن 7 افراد ، عدنا نأخذ مثال اعلى راتب لدينا وهو 200 ريال عماني اذا اسقطنا منه 100ريال الإيجار ، كم يظل عنده هل تتصورين انه 100 ريال لـ تكفي لهؤلاء الافراد هذا غير فواتير الماء والكهرباء .

والله اختي عائشة البعض قالها لي بصراحة أنهم يذهبون لدولة مجاورة للتسول ، والبعض دفع ابناءه للعمل في تجميع العلب الفارغة والبعض الأخر في بيع المشاكيك ، واخر دفع ابنته لبيع البخور في محطات البترول ،

يقولون لا حيلة لهم ماذا يفعلون الحياة تكيل لهم اللكمات الواحده تلو الاخرة ، اذكر أني دخلت احدى المنازل وإذا في طفل يأتي لدي منكسر الجناح يقول عمي اريد تلفزيون ، تفاجأة من طلبة قلت وماذا تريد من التلفزيون ، قال اريد اشوف رسوم متحركة كل الأطفال يشاهدون الرسوم المتحركة وأنا لا أشاهد ارجوك عمي .

وما يزيد الطين بله اختي عائشة ما تفعلة وزارة الشئون الاجتماعية تجاه اسر الضمان الاجتماعي ، تخيلي اسرة تستلم ضمان وقدره 80 ريال ، ولديها ابنه خريجة ثانوية عامة لديها رغبة بالعمل وانت تدرين كم راتبها لن يتجاوز 120 هذا في احسن الاحوال ، ولكن تكمن المصيبة في إنها لو عملت سوف تقوم الوزارة بقطع مبلغ الضمان ، وكثير من الناس لا يضمنون استمرارهم في العمل والبعض الاخر يريدون ان يستفيدوا من المنح التي تقدمها الوزارة لطلبة الضمان الاجتماعية بإلحاقهم في الجامعات الخاصة .

والله هذي الأسرة بين نارين ، والوزارة مصرة على موقفها اي فرد يعمل في الاسرة يتم قطع الضمان اي حجه غبية هذه ، يقول لي احد الاصدقاء في التنمية أنه من خلال عمله في التنمية 20 عاما هذه الوزيرة اسوء مسؤول وطئ ارض الوزارة بقراراتها التي تهدم فيها بكيان الاسرة ، الاخت الوزيرة تريد من اسر الضمان الاجتماعي اسر منتجة .

نسأل الله العافية ، وما خفي كان أعظم

واسمحلي على الإطالة ، ولكن ما في القلب الكثير يا اختي عائشة

ولو سمحتي لي من حين إلى أخر سوف أكتب ما اشاهده من مشاهدات في مجتمعنا ، لربما استطعتي يوم من الايام بقلمك النابض ان تحرك الماء الراكد ،

ولك جزيل الشكر على ما تكتبينه وادام الله في صحتك وعمرك

عبدالله

02 سبتمبر, 2009

حنظلَة .. كما هوَ ، "دايرْ ظهرُه" للعالم !/ردُهات


حنظلَة .. كما هوَ ، "دايرْ ظهرُه" للعالم !

http://www.alwatan.com/dailyhtml/culture.html

عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com




قبلَ أن أولدَ بعَام .. رحلَ صاحبهُ مُغتالاً برصاصةٍ استقرت أسفلَ عينهِ اليمين .. والآن بعدَ اثنين وعشرينَ عاماً من موتِ صاحبهِ .. أصبحَ الأطفالُ الذينَ لم يخلقُوا في بطُون أمّهاتهم حينَ ماتَ شباباً .. وأصبحَ الشبابُ الذينَ عاصرُوا موتهُ كهولا .. ورغمَ ذلك فحنظلة كمَا هو .. لم تغيّر منهُ سنوَاتُ الحياةِ شيئاً .. لا يزالُ على سنينهِ العشر .. عاقداً يديهِ .. ومعرضاً بظهرهِ عن العالمِ كلّه .. يالهُ من حنظلة هذا العصيّ على الدهر .. الواقفُ الزمانُ على قدميهِ .. لا يشيخُ ولا يفنَى ! ولا غيّرتُ منهُ سنوَات الموتِ منذُ 1987 نظرتهُ التهكميّة ، تماماً ولا قرّر أن يبتسمَ لحظة ً ثمّ يعود إلى تقطيبتهِ المعتادَة .. تلكَ التقطيبَة التيْ يلمحهَا القارئُ منَ الخلفِ منذُ رسمهُ صاحبهُ بها لم تتغيّر .. وربّما لأن كلّ ما رآه من مآسي شعبهِ كانَ أكبر من أنْ تستحقَ ابتسامة ٌ واحدَة أن تتحمّله .. حنظلَة هذا .. الرّجل في جسدِ طفل !

هكذا قرّر ناجي العَلي –رسّام الكاريكاتيُور العالميّ- أن يكونَ قدر "حنظلَة" .. قبلَ 40 عاماً .. منذُ قرّر أن يكونَ حنظلَة شخصيّة كاريكَاتيوراتهِ الرئيسَة .. ومنذ ُ أن قرّر جعلـَهُ شاهداً على معاناةِ شعبه .. وكانَ ما قرّر !

ناجيْ العلي تنبّأ أن تكونَ الرّسالة التيْ عهدَ على نفسهِ أن يؤدّيها حتى النهايَة هيَ الرصَاصة التي تودي بحيَاتهِ ولأجلِ ذلكَ قرّر أن يكونَ حنظلة حاضراً في كلّ مشهد .. في كلّ صرخة .. وأن يكونَ كالشّبح ! ينتقلُ من بقعةٍ لأخرى ليعاصرِ مصيرَ شعبهِ المتأرجحِ .. وليؤرّخ كلّ شيء متعلقٍ بفلسطينيّتهِ وعربيّتهِ ..

وحينَ سئلَ ناجي العليّ .. متَى يمُوت حنظلَة أجابَ (هذا المخلوقُ الذي ابتدعتُه لنْ ينتهِي منْ بَعدِي ، بالتأكيدِ ، وربّما لا أبالغُ إذا قلتُ أنّي قدْ أستمرُ بهِ بعدَ موتِي)

هلْ كانَ ناجي العلي يقرأ القادم؟ حينَ يموتُ ناجي ! ويحيَا حنظلَة؟

نعَم .. شاختِ الوجُوه ، والمَبادئ ، وشاخ مخيّم عين الحلوَة بلبنان الذي أمضَى ناجي العليّ سنواتِ عمرهِ بهِ .. وشاختِ الأقبية ، ووقعتِ الحرُوب واغتيلتِ الشخصيّات الفلسطينيّة التيْ عاصرتْ حنظلة .. وكما هُو .. ظلّ حنظلَة صغيراً بسنوَاتهِ العشر التيْ قالَ صاحبهُ عنها .. "أنّ حنظلة ولدَ وعمرهُ عشرُ سنوات .. ولنْ يتحرّك سنة ً للوراءِ ولا للخلف .. سيظلّ دائماً هكذا .."

خرّيج السُجُون المحترف ناجي العلي الذي حينَ سئلَ كم مرّة ً دخل السجن أجابَ .. من كثرةِ ما زرتها نسيتُ أن أحصيها .. والسجُون كذلك لمْ تعد كما كانتْ ولم تعدِ الجدرانُ الاسمنيّة بتلك القوة التيْ رسمَ عليها ناجي العلي حنظلتهُ .. الجدرَان اعتلت .. وهوَ كما هو .. يخبرُ خرّيجي السجون أنّ رجلاً كان هنا قبلَ 40 عاماً .. يختصرُ العالم في رسمَة واحدَة .. وهوَ ليسَ منحازاً لأيّ شيءٍ سوَى للمظلومين .. سوَى للانسانِ المسحُوق تحتَ الاحتلال والظلم ..

من يصدّق أنّ رساماً كاريكاتيورياً استطَاع أن يرسمَ حنظلَة في 40 ألف رسمَة كاريكاتُور دونَ أن يجعلَ من حضُور حنظلة حضوراً مملاً أو متكرراً .. ولم يجعل من شخصيّاتِه الأساسيّة طريقة ً مبتذلَة لإقناعِ الآخر بفكرتهِ ..

ولأجلِ ذلكَ كانتْ فاطمة .. شخصيّة الكاريكاتيُور الشهيرة الحاضرَة دائماً في رسُومات ناجي العليّ ممثلة ً الأمّ الفلسطينيّة .. التيْ ترفعُ من أزرِ زوجها دائماً .. الذيْ قد يتخاذلُ في بعضِ الأحيانِ لكنّ فاطمَة تمارسُ دورها غير الاعتياديّ .. حينَ يلينُ زوجها تقسُو فاطمَة .. وفي أقسَى ورطَات الحرب تبدُو فاطمَة "الحزينَة دائماً" متماسكَة .. رابطَة الجأش !

تظهرُ فاطمَة .. تمسكُ في إحدَى المشاهدِ بيدها اليسارِ طفلها وهيَ ترضعهُ من صدرها .. وفي يدها اليَمين ، تنظّف بندقيّة زوجها الذاهب لمواجهةِ جنودِ الاحتلالِ ..

وفي إحدَى الصور.. تحرقُ النقُود التيْ أغريَ بها زوجها ليصبحَ عميلاً لأحدِ الأنظمَة وهي تقُول: (الله يعمي عيُوني قبل ما أشوفكْ عميل ! )

بفَاطمة .. وحنظلة وزوجها .. وشخصياتٍ أخرى ، قرّر ناجي العلي أن يجابهَ السّلاح .. بسلاحٍ آخر .. تحوّل هؤلاء إلى طريقةِ ناجي الخاصّة في الرّفض وهؤلاءِ أصبحُوا لاحقاً مصدرَ إحراجٍ للأنظمَة المستبدّة –العربيّة والاسرائيليّة على السّواء -التيْ لم تجد طريقة ً أخرى لإسكاتِ ناجي سوَى بإسكَاتِ روحهِ ..

سقط َ ناجي العلي في لندن .. كما أرَاد حينَ قال ( ياللي بدو يرسم لفلسطين يعرف نفسه ميت ميت .. وأنا بديش أتحرك عن مبادئي ولو شعرة واحدة)

خلال سنّي حياتهِ ، اقتربَ ناجي كثيراً من الموت حتّى أصبح كالزهرَة ، تجتذبُ الجَميع .. الأنظمَة العربيّة العميلة التيْ ارتضتِ الهدنة مع العدّو ، والعدوّ نفسه .. ولربّما كان ذلك أقلّ وطئاً من أن يجدَ ناجي العلي نفسهُ مطلوباً من أبناءِ وطنهِ .. هؤلاء الذينَ يرسمُ لأجلهم ، ولربّما تعلقُ في الأذهان التصريحَات التيْ فجّر ناجي بها أزمَته مع منظّمة التحرير الفلسطينيّة التي أشارَ إليها بمحاولاتِ قتلهِ متحدثاً عن حوارٍ هاتفيّ دار بينهُ وبينَ "محمود درويش" الشّاعر القياديّ يومها في المنظمَة الذي هدّده بتصفيتهِ .. هل كانَ ذلك صحيحاً؟ لا أحدَ يدريْ لأنّ الرجلين الآنَ وسّدتهما الأرض وإنْ باعدتْ بين قبريهما مسافَة الجغرافيا !

ظلّ قتلة ُ ناجي مجهولينَ لأعوامٍ حتّى فجرتْ صحيفَة اسرائيليّة نشرت بعد مقتلهِ بسنواتٍ قائمَة بالعمليّات الناجحة التيْ قامَ بها جهازُ المخابراتِ الاسرائيليّ لاغتيَالِ شخصياتٍ فلسطينيةٍ مدرجة ً ناجي العلي ضمنَ القائمَة

لمْ يتعلّم ناجيْ العلي كيفَ يرسم؟ فقد علّمه الحزن ذلك .. وعلّمتهُ حياةُ التشرّد التي عاشها منذُ ولد في وطنهِ وأجلاهُ الاحتلالُ طفلاً إلى لبنان .. وعلّمتهُ السجُون الكثيرة المتشابهَة التيْ مكثَ بها كيفَ يجعلُ من الحزنِ مادة ً للضحك .. وكيفَ يجعلُ من الظلمِ والاستبداد مادة ً للسخريَة !

أكمَلَ ناجي العلي .. قبلَ يومينِ اثنينِ وعشرين عاماً وهوَ يرقدُ في قبرهِ "غير الاختياريّ" في لندن .. الذيْ عجزَ أقاربهُ أن يحققوا لهُ أمنيتهُ بأن يدفنَ بجانبِ والدهِ في مخيّم عين الحلوة .. دونَ أن يمنحَ الملايينَ الذينَ أحبّوه أمنيتهُم بأنْ يرَوا شكلَ "حنظلَة" الذيْ قالَ ناجيْ العلي أنهُ سيريْ وجههُ للعالمِ حينَ تصبحُ الكرَامة العربيّة بأمان .. وينتهيْ خوفُ الانسانِ العربيّ من فقدانِ حريّتهِ وملاحقةِ حكُوماتهِ وهوَ ما لمْ يحدث ..

هكذا إذن كانَ قدر حنظلة .. المطلوبُ حياً أو ميتاً ألا يعرفَ أحدٌ ما بأيّ شكلٍ هو .. وبأيِ وجهٍ يطالعُ بهِ العالمَ ..

ومنذُ كتَّفَ ناجي يديْ حنظلَة إلى الخلف .. لم يرفع حنظلة يديهِ أبداً .. ظلّ كما هوَ رافضاً لأيّ مساومَة على وطنهِ .. غير مهادنٍ لأيّ نظامٍ يمسّ كرامة الانسانِ فيهِ ..

حنظلَة ابنُ المرارة .. وسيظلُ كذلك .. سنكبرُ نحنُ بعدَ عشرين عاماً .. ونشيخ .. سوفَ تملأ التجاعيدُ أوجهنا .. وينمُو شعرنا ثمّ يسقط

لكنّ حنظلة سيحتفظُ بطفولتهِ الصعبة .. وبرقمِ سنوَاتهِ الصعب .. وسيظلّ شعرُ رأسهِ كذلكَ كما هوَ .. بسحنتهِ الساخرَة .. نصفَ حليقٍ .. لا ينمُو أبداً..

الزّمان يمضيْ .. والأمكنَة تتغيّر .. وناجيْ العلي لمْ يعد معنياً بالعالم .. فقدْ تركَ أمانتهُ حية ً .. مطمئناً إلى أنّ أيّ رصاصةٍ لن تستطيعَ إسكَاتَ طفلهِ الذيْ رسمهُ .. هذا الحنظلَة غير الرّاغب في الموت .. غير الآبهِ بنا ونحنُ نشيخُ .. غيرُ المعنيّ بأيّ شيءٍ سوَى بالأوطانِ المسلوبة ..

يقفُ حنظلة كما هوَ "داير ظهرُو للعالم" .. مكتّف اليدين من الخلف .. بثيابهِ الرثّة وحتى بالرقعَة في كمّ قميصهِ اليمين .. بوجههِ المجهولِ لا شيءَ يطالهُ ، بلا مبالاتهِ المعتادَة يقفُ وبطريقتهِ التهكميّة الحزينة ..

حنظلَة ابنُ السجُون .. وخرّيج معاهدِ الحزن .. التيْ حفرتْ في ريشةِ صاحبهِ ذلك الوعيَ الذي لم يأخذهُ من معاهدِ الرّسم .. بلْ من معهدِ الحياةِ التيْ علّمتهُ "لا مسَاومة على الوطن!" وعلّمتهُ بألا ينحازَ لأحدٍ سوَى لأولئكَ المنسيينَ تحتَ أقدامِ الاحتلال .. يمارسُون الحياة ولكنْ بطريقتهمِ السّاخرة .. الشبيهَة بطريقَة "حنظلة" .. المشَاكس الذيْ رأى العالمَ وعمرهُ عشرُ سنوات .. وسينتهيْ العالمُ وحنظلة بسنواتهِ العشر لا يشيخ ..

01 سبتمبر, 2009


كانَ يبكيْ العراقَ يبكيْ ويبكيْ

كيفَ يبكيْ العِرَاق دماً ومِلحَا؟


كانَ يبكيْ فيْ اللّيلِ حتّى تشظّى

عنْ غناءٍ على الحنَاجرِ بُحَّا


كانَ يبكيْ وملءُ كفـَّيهِ دمعٌ

لاسعُ الوقعِ فيْ المشانقِ سحَّا


كانَ يبكيْ فجفَّفَ الدمعَ صوتٌ:

ليسَ يشْكُو القتيلُ فيْ الموتِ جُرحا

عائشَة السيفيّ

28 أغسطس, 2009

الشعرَة التي جعلت من معاويَة "عدوّ المطاوعة اللدود" !

حاولتُ طرح هذا الردّ في مدوّنة معاوية لكنّها أطول من المسموح في التعليقات ..
لذا أدرجها هنَا .. كحلّ وسط !
مودّة
هذا ردّي على حديث معَاوية الرواحيّ المنشُور في مدوّنتهِ :
السلامُ عليكُم ..
تابعتُ البارحة بشكلٍ سريع ما دارَ في الموضوع المعنون بـ "فقاعات معاوية إلخ"
صفحَة صفحتان .. أربع .. خمس .. ثمّ تعبت ! كان كلّ الذي دار مُعَاداً وبامتياز !
وأنا أقرأ الموضوعُ كانَ هنالكَ اثنان غيريْ يقرآنه معي من الاخوة ..
وكانَ ثمّة تساؤل يجمعُ ثلاثتنا .. الجيُوش البشريّة من الأعضاء الذينَ كانوا يصفقُون لمعاويَة في كلّ موضوعٍ أينَ ابتلعتهم الأرض؟ ومعاويَة لماذا يفتح على نفسهِ هكذا جبهة؟

مقولَة جميلَة كانت أمّي تقولها ليْ دائماً وحينَ أرى الحاصلَ الآن أتذكّرها .. "بو يكثر كلامه ، يكثر الغلط عليه" وفي روَاية أخرى "يكثر اللغط عليه"

يا أخيْ ..
أنتَ من أشهَر المدوّنين العمانيينَ حالياً وخلال هذهِ الأعوام التي أمضيتها كانَ عليكَ أن تتعلّم درساً مهماً .. لا تعلّمك إيّاه "مدوّنة مفعوصَة مستجدّة كأنا "
التدوين مختلفٌ عن المنتديات ! ولأجل ذلك خُلِقَ التدوين .. ليسَ كلّ ما تكتبهُ في مدونتك قابلٌ ليناقش في سبلة عُمان أو س
وص من المنتديَات ..
لماذَا يا معاوية تعرّض نفسك لكلّ هذا القدح في شخصك؟
أفكارنَا هيَ عيُوننا التي نبصرُ بها .. فمنا الذي نتحدّث به .. أصابعنا التي تضغطُ على أزرار الكيبورد ..
لماذا نمنح الآخر المجالَ ليطأها بكلّ هذه العنجهية؟
ليسَ كلّ ما يكتب في المدونة يُناقش في المنتديات ..

دعني أوضحها لكَ .. أنا لا أتّفق معك في موضُوع تسويق الخَمر وتسهيل الحكومَة لتوزيعه .. لكنني لا أمانع أن تطرحهُ في مدوّنتك وأقرأ وأستمتعُ به ..
لكنْ بالله عليك يا معاوية .. أن تحملَ موضوعك لمنتدى عامٍ وتطرحه .. هل ستتوقع أن يصفّق لك الجميع؟
يا أخي .. أن تتحدّث عن الإعلام ، الفساد في الدولة ، الوصوليّة الحادثة في الوزارات .. هذه أمور نحبّها وسيصفّق لك الجميع .. تستطيعُ حملها إلى أي منتدى وعرضه وستجد آلاف المشاركات .. لكنْ مواضيع شائكة تحملها للنقاش العام .. عليكَ حينها أن تتحمّل النتيجة حتّى النهاية ..

قرأتُ ما كتبتَ حول تصنيفك "المطاوعة" رغمَ اعتراضي على هذه اللفظة أساساً وردّ الجانب الآخر المعارض لما تكتب .. وصدقني ، وجدتُ أنكم جميعاً متفقون ! لكنّكم تائهون في الفكرة ! ضائعُون وسط النقاش المليء بالغضب والاحتقان والكيل بمكيالين ..
جميعكم يحاول تطعيم نقاشه بالهدوء لكن أين الهدوء؟ كانَ غائباً تماماً !
كلّ شيءٍ كان حاضراً في ذلك الموضوع .. إلا النقاش الهادئ .. كان خارج المنظومة تماماً

أنتم متفقُون على لبّ الفكرة ومختلفون في السطح .. ولكنكُم منشغلون بتصيّد عبارات الآخر وتلوينها باللون الأحمر .. أنتم تخرجُون عيونكم عن آخرها للبحثِ عن أي كلمة يكيل بها الآخر لكم والابتعاد عن لبّ الموضوع وشحنهِ تجاهَ تراشقكم هذا ..

أخي معاوية ..
أنتَ كاتبٌ جميل .. نجحت في عمليّتك التدوينية .. ونجحت في استقطاب الكثيرين لقراءتك ولكنّك تحرق بيتكَ بيدك..
أنت جعلت الجميع ينظر إليك ككائن "مليء بالعقد من المطاوعة" .. وأنتَ لستَ كذلك ، ربّما تحبهم في داخلك .. لكنّك تكتب بعاطفية وبشكلٍ يجعل الآخر يظنّ أن عقدكَ تخرج بالدرازن حينَ تظهر أمامك كلمة "مطوّع" أو دين !
يا أخي .. لا أحد يمنعكَ من الكتابة .. لا أحدَ يكمّم فمك .. لكن اكتب في حدود ما تستطيعُ عليه .. وحَاور من يملكُ أسس الحوَار الحقيقيّ .. أما أن تضع مواضيعك للنقاش العامّ وتفتح المجال للجميع كائناً من يكون وبكلّ خلفياتهم "البدائيّة" في الحوار وتتلقى كيل التجريح ثمّ تغضب؟ أنتَ فتحت لنفسك هذه الجبهة !!

تقولُ ..
لا تفهموني خطأ. لا أنادي بقمع الدينيين أو بإخراسِهم. حاشا لله، وإنما أنادي أن يتركوا الناس في حالِهم سواء الذي يحلق لحيتَه، أو يسبل دشداشته أو الذي يشرب الخمر.

ومنْ منعَ الناس من حلق لحاهم وإسبال دشاديشهم وشرب الخمر؟
لا يا أخي .. لا المتدينون فعلوا ولا غيرهم ! .. الجميع يحلق لحيته "بكيفه" ويسبل دشداشته بكيفه .. ومن يشرب الخمر لا أحد يجرهُ من عرقوبه ويمنعُه عن ذلك ..

قد يتلقى من يفعل ذلك بعض اللمز هنا وهناك ولكنْ لا أحد يمنعهُ .. فقط ثمّة أمراً عليك أن تفهمه جيدا يا معاوية .. وأنتَ أخبر مني بشأن هذا الشعب وبشأن بلدنا الصغير ..
اشرب الخمر واحلق لحيتك وأسبل دشداشتك .. "وَاصمت !"

بالإمكان أن تتحدث عن هذا مع أصدقائك في جلسة بمقهى .. مع عائلتك في المنزل .. لكن أن تخرج للعامة وتتحدث بأعلى صوتك فسيهاجمك الجميع ..
الأمور في عمان هنا تحدث بالهدوء .. الجميع يرى ويسمع ولكنهُ لا يتكلم .. وإن تكلّم فلخاصتهِ ..
وحتى إن أردت أن تتكلم يا معاوية فافعلها في مدونتك .. لا في منتدى يدخله الآلاف .. فتعرّض نفسك للهجوم هكذا والتجريح ..
لماذا يا معاوية؟ لماذا تضع نفسك في مواقف أنت في غنَى عنها !
هل تظنّ أن هؤلاء الآلاف الذين أمضوا أكثر من عشرين سنة من حياتهم على عالم غير قائم على الحوار الموضوعي .. سيقتنعون بفكرتك؟ ويحاورونك بالأسلوب الذي تريد أن يحاورونك به؟ أن يتبعوا سبل الحوار الحقيقي؟ مخطئ إن ظننت ذلك .. إن وافقكَ 10 من 100 فأنتَ حققت نجاحاً كبيراً

الكتابة أمرٌ جميلٌ .. وكشف المستور في كلّ بلد أمرٌ جميل كذلك .. لكن باختيار الزمان والمكان وليس هكذا خبط عشواء ..

انظر .. هؤلاء المصفقون المبجلون الذين كانوا يصفقون لما تكتب بالأمس .. اختفوا اليَوم !

لأنّ هنالك طرفاً يتمسك بالدين في حواره .. والدين خطّ أحمر لجميعنا .. نحنُ نصمت حينَ يأتي الآخر بصفة دينية لأنّ سيماء "التقوى والإيمان" ستنزل على الجميع .. شاربهم للخمر حالق لحيته ومسبل دشداشته .. الجميعُ سيقفُ ضدّك حينها لأنّ الطرف الآخر هو الأقوى لأنهُ قادمٌ وهوَ ممسك بحقيبة الدين للدفاع ..
هل هنالك ندّ للدين؟ لا .. لا أظن !
ولستَ يا معاوية بحاجة لتبرر لأحد إن كنتَ مسلماً تؤمن بالله واليوم الآخر وملائكته وكتبه ورسلهِ واليوم الآخر والقدر خيرهِ وشرّه !

جميعنَا نفعل .. لكنْ يصبح الكلام المكرر غير ذي فائدة .. هم أساساً يعرفُون أنك تفعل ولا يهمهم ذلك .. هم لديهم فكرة ويودون إقناع الآخر بها وإظهارك بمظهر معين دون أن يكترثوا إلا لما يدعّم موقفهم ..

المتدين يا أخي سيظل متديّن .. لن تغيّره حوارات الانترنت العشوائيّة هذه .. وغير المتدين لن تقنعهُ هذه الحوارات وتعدل موقفه ..

اجلب لي موضوعاً واحداً .. من بين المليون موضوع المطروح في سبلة عمان وغيرها اقتنع طرفٌ بوجهة نظر الطرف الآخر؟ موضوع واحد فقط !!

يا أخي معاوية .. الأمور لا تتغير بعد نقاشٍ واحد أو موضوع أو حتى عشرة مواضيع .. أنت تتحدث عن مجتمع لهُ أسسهُ ومعالمه .. لن تغير أنتَ منهُ ما ربيَ عليه طوال 30 أو 40 عاماً !

ألمحُ كم أنتَ متكدّر ومتضايق وبالفعل .. ما قيلَ في حقّك الكثير مما يُحزن أيّ شخص .. لكن يا معاوية عليك أن تتحمل جريرة فتحك الباب لذلك ..

الجدال الأزلي بين الدينيين واللادينيين لن ينتهي .. لن أستطيع لا أنا ولا أنتَ إنهاءه ..
فقط كن أكثر وعياً ولا تجعل الآخر يصنفك لهذا التيار أو ذاك .. لأنكَ لست كذلك !

لقد ضحكتُ كثيراً من ذلك الحوار الذي اشتد ووصلَ لعشرات الصفحات والجميعُ يركّز على عبارتك:

فلا تخضعوا لصوت المطاوعة الذي أراه بدأ يسيطر عليكم،

ونسيَ الجميع تكملة ما قلتَ .. لقد قلتَ :

(( فلا تخضعوا لصوت المطاوعة الذي أراه بدأ يسيطر عليكم،
ولا تخضعوا لصوتِ الليبراليين، دعوا هذا وذاك يتحدثون، ولا تكونوا مثل وزارة الإعلام التي تصادر الشعب وتعامله كما تعامل الطفل، دعوا هذا ودعوا ذاك يتحدُّث.
))

أنتَ لم تقل أكثر من أنهُ لا للتطرف .. الديني أو الليبرالي .. الوسطيّة فقط !
وصدقني لو قرأ الجميع هذه العبارة بالشكل الصحيح لاتفق معها لأن جميعنا يؤمن بالاسلام السمح .. الاسلام الوسط !
لكنّ موضوعك عن الخمر هو الذي أجج الموضوع .. وجعل موقفكَ ضعيفاً لأنّ الجميع كان يضع ذلك الموضوع شماعة ً في كل مداخلة ..

خلاصة الكلام أخي معاوية ..

المنتديات مكان جميل للحوار .. ولكن عذراً ليسَ للحوار في أيّ موضوع !
لأنّ أقل أسس الحوار وهي معرفة الطرف الآخر غير المتخفي بالأقنعة غير متوفّر ! فعن أيّ أسس حوار تبحث؟
نحنُ نقرأ مواضيع المنتديات ونحبّها .. ونصفق لها ثم ينتهي اليوم .. نغلق الانترنت ونفكّر ! "تراه الا كلام منتديات!"

ودعني أقول شيئاً .. نحتاج لمواضيع جديدة عن عُمان والواقع بعيداً عن تلك التي تثير كل هذا اللغط الفارغ "المطاوعة والخمر والشذوذ إلخ" ..
الخمر والمطاوعة والشذوذ موجودة في بلدنا .. لكن كفاية حديث عنهَا .. والله انفلقنا !

وأقول لكَ شيئاً .. ليسَ كلّ ذي لحيَة يحملُ نفس الفكر والمنطق .. لقد عملتُ مع أشخاصٍ ذوي لحَى تغطي بطونهم وكنتُ أخاف وأتطيّر منهم لمجرّد رؤيتهم لكنني والله وجدتهم في قمة الاحترام والرقي في التعامل معي ومع زميلاتي .. بصرف النظر إن كنّ يضعن الماكياج ، البخور ، محجبات أو لا .. بل وكنّا نجسر في سؤالهم والاستفادة منهم أكثر من غيرهم ممن لا يطيلون لحاهم ..
المطاوعة الذي تتحدث عنهم ليسوا جميعاً بنفس الفكر وليسوا جميعاً قنابل مفخخة تمشي على قدمين وليسوا جميعهم طالبانيون ولادنيّون .. وليسُوا جميعاً على شاكلة أهل الحسبة ..

والليبراليون كذلك ليسوا جميعاً بنفس التفكير ولا جميعهم متحررون كما تظن فأغلبهم أصحاب شعارات فارغة تجدهم في بيوتهم نقيض ما يدعونَ إليه ويؤمنون ..

كفوا عن هذا الجدال العقيم وانصرفوا إلى مناقشة مواضيع هذا الانسان الفقير العماني الرازح تحت غائلة الديُون والفقر والأمية .. والظلم الاجتماعي والطبقيّ ..
دعوا عنكم سفاسف الأمور هذه واهتموا بهذا المواطن الذي لا يملك لساناً ناطقا وقلماً جميلا كما تملكون
سخروا أقلامكم لخدمتهِ ودعوا عنكم هذه النقاشات التي لا تخرُجون منها سوَى بالضغائن الشخصيّة .. وشخصنة مواضيعكم تجاهَ بعضكم البعض ..
هذا التراشق لن يفعلَ سوى تشتيت تركيزكم على قضايا بلدكم ..

أكثر من ذلك يا معاويَة ..
حكمتي في الحيَاة .. غبية قليلاً لكنّها مجديَة جداً في هذا العالم . لا تجادل حكيماً فيغلبك ، ولا سفيهاً فيجرحك !

Cool Down bro.. It doesn't worth all that anger and rage :)

سويـَّاً لخلقِ فكرَة !

مرحباً أصدقائي ..
هنـَا تجمّع الكتاب العمانيين على الانترنت في الفيس بُوك ..
الدعوة مفتوحة لجميع الاخوة الكتّاب والمدونين الناشطين عَلى الانترنت ..
أقتبسُ لكُم افتتاحيّة التجمّع :

أصدقاء الانترنت
.. خرجت فكرة هذا التجمع إلى النور بعد اقتراحٍ من الأخ أحمد المقبالي
وهو ناشط انترنتي ومهتم بالتصوير الضوئي ومتابع للشأن الثقافي العماني وله متفرقات
صحفية هنا وهناك..

هذه دعوة لحوار هادئ لا تحكمه سوى الرغبة في التغيير وصناعة المختلف ..بعيداً
عن كل الغباءات الكثيرة
نحن هنا نتبادل مشاريعنا الثقافية .. إنتاجنا الإبداعي ونعمّر صفحات
التكنولوجيا هذه بالجديد في عالم الكتابة ..
نتمنى أن يحدث هذا التجمع تقارباً أكبر في الرؤى واختلافا أكثر في الآراء
طالما هنالك وعي وحوار حقيقي

ولكم جميعا .. الدعوة مفتوحة لانضمام أي عضو يجد في نفسه الرغبة في المشاركة
والدفع بهذا التجمع سواءً من الاخوة العمانيين والعرب الحاضرين في هذا العالم
الافتراضي من الانترنت ..

مودّة

27 أغسطس, 2009

اضحك مَع نكتة المَوسم الرمضانيّ 2009 لوزارَة إعلامنَا الموقرَة !




روَى لي أحدُ الصحفيين .. عن صحفيّ آخر عن أحَدهم ، آخر نكات وزارَة الإعلام المتمثلَة في التعميم الذيْ يمنعُ بموجبهِ على الإعلام العُمانيّ المقروء ، والمسمُوع والمكتُوب استخدَام عبارة"رمضان كريم" سواءً في المقالات ، الإعلانات إلخ .. واستبدالها بجمل أخرى كـ "رمضان مبارَك"



والله حالة ! هذا اللي فالحة فيه وزارة الاعلام !



هذا يعيدُ لي ذلك اليَوم الذي سألتُ فيه محرري صحيفَة أكتب بها لماذا حذفُوا عبارةً من نصٍ أدبيّ كتبتُ فيه .. ( أيّها السيدُ الشعر .. )

فأجابوا : لا