الأحد، 28 أكتوبر 2018

‎"تقهوَى يا نذر عيني" .. قرَاءة سَريعة حولَ قولبة المرأة في سيَاق الحَالة الخليجيّة..



‎على الطَريقَة الكوميديّة ، تجتمِعُ "الحَالتان" حليمَة بولند وفوزية الدريع على السنَاب الشَات للترويج لبرنامج جديد لتثقيفنَا عن طريقة التعامل مع الرّجل على اعتبَار أنّ "كل علوم الرجال عندهن".. الحَالتان تسعيَان إلى تعليم المتابعات القواعد الأساسيّة لفنّ التعامل مع الرّجل.. العقدة الكُبرى التي تغذَى بها المرأة العربيّة منذ نعومَة أظافرها.. أن تخرجُ إلى العَالم بمهمّة وجوديّة واحدة: كيفَ تكسَب قلب الرّجل..
‎وبالنظَر إلى أنّ 70% من مستخدمِي سناب شات على الأقلّ في السعوديّة من النسَاء وممن تقلّ أعمارهنّ عن 34 سنَة فنحنُ أمام كارثَة حقيقيّة لإخرَاج جيل من الزوجَات والنسَاء الخليجيّات ممن على طرَاز: "تقهوى يا نذر إيني ولك ربٍ يفرجها". وأن يصبِح التصنّع والتغنّج والشكليّة هوَ الحل لكسبِ قلب الرّجل
‎وعلى اعتبَار أنه ينقصنَا جرعَات تسطيح في عُمان نأتي بهذهِ النماذج ونكرّمها مواصلين الإساءة والتسلّق على كتفِ مناسبَة "يوم المرأة العُمانيّة" الذي لو نطقَ لبرأ إلى الله منْ ثلثي ما يُنسب إليهِ من بهرجَة وتفاهة.
‎آلاف المواد التعليميَّة عربياً تحشَى في عقليّة المرأة الجمعيّة حول تجمّل المرأة وتزيّنها وأسرار العلاقة الزوجيّة ، وحيَل الفوز بقلب الرجل وتكتيكات عدم زواجهِ بأخرى إلا أنّ الواقع يقول عكس ذلك .. فنسب الطلاق لم تقلّ ، وهشاشَة العلاقات الزوجيّة تتعمق، والخيَانات تنتشر.. .
‎هذا يذكّرني بلقاءٍ شاهدتهُ مؤخراً حولَ أزمَة خاشقجي ذكر فيهِ الصحفيّ توماس فريدمان أنّ مؤشر التنميَة البشريّ في الوطَن العربيّ يُشير إلى عجز عربيّ تامّ في جوَانب ثلاث: المَعرفة، حريّة التعبير عن الرأي، وتمكِين المرأة.. عندمَا نتحدّث عن تمكين المرأة فنحنُ لا نتحدّث بالضرُورة عن أنّ نساءنَا ضحَايا للعُنف أو القهر.. لكنّ تغييب المرأة يحدث عندما تقولَب في شكلِ صورَة المرأة الجَميلة، الشيك، الدلُوعة التي تدُور حيَاتها حول فلك الرّجل وتبدُو مهمّتها الأسمَى هيَ التّجمل له وإرضاؤُه.. ويبدُو أنّ هذا هو النموذج الرائج خليجياً.. عندمَا تحيّد المرأة عن مسَاهمتها في مجالات الحيَاة المختلفة وهي بالمناسبَة قادرَة كلّ القدرة على الإسهَام في كلّ جوانب التنمية دونَ أن يخلّ ذلك بمقدرتها الفطريّة على الأمومَة فنحنُ أمام مشكلَة حقيقيّة تتعلق بتمكين المرأة..
‎‫هنالكَ من يريدنَا أن نكونَ وجوهاً جَميلة فقط علَى طريقة كُوني جميلة واصمُتي.. أن يكون تركيزنا على صنَاعة التجميل وَ"الترفيه" .. هنالك من لا يريد للمرأة ومن جنسِ المرأةِ نفسهَا أن تكونَ عنصراً فاعلاً في السيَاسة والاقتصَاد والهندسَة والتخطِيط والتَعليم والمَوارد البشريّة.. هنالك من يريد قولبتنا بشكل مستنسخ عبر قوَاعد ممجوجة وفاترة وحصر ذكاءنا الفطريّ في اللهاث خلفَ ما يُريدُه الرجل..‬
‎‫ونلمحُ فعلاً أنّ نسَاءً يمتلكنَ ذكاءً ورسَالة سرعَان ما يتحوّلن بعدَ أمد إلى نسخٍ من الفاشنستَات فتتحوّل الطيّارة والطبيبة والأخصائيّة الأسريّة إلى نسخ متشابهة من مروّجات "شِيك" للإعلانات والماركَات وعَلامات التجميل والموضة.. وتختفِي تلك الرسالة التي كنّا نرجُو لهذهِ المرأة أن تخرجَ بها من حالة القطيعيّة والتناسخ في مواقع التواصُل الاجتماعيّ لأنّ المحيط كلّه يدفعها دفعاً إلى التخلي عن تفكِيرها الحرّ والمستقل والانسيَاق ورَاء ما يطلبهُ "السوق" ..
‎‫لا أعتقدُ أنّ الرجل نفسه يوافق بالضرورَة على هذه القولبة..‬
‎‫الرّجل يريد امرأة يذهب معها إلى أبعَد من الجسَد والجمَال الخارجيّ.. يريدُ امرأةً "تشيله" و"يشيلها".. فكرياً واجتمَاعياً ونفسياً..‬
‎‫امرأة لا يشعُر بالزهدِ عنها عندمَا تشيخ، تزداد وزناً وتترهّل.. لأنّ الجسَد يذهب والدلع والتفاهة تذبل وتبقَى الروح والمعرفَة الانسانيّة..‬

‎‫تصِلني على الخاصّ رسَائل حولَ القضَايا التي أبدي فيهَا رأيي مثل: اتركِي السيَاسة للرجال، روحي مسكِي المخمّة والمطبخ أبرَك لك.. وهناكَ من يقولُ لي: صوركِ قبيحَة لماذا تنشرِينها؟ وكأنّ علينا أن نكونَ جمِيلات ليكُون لنا مكان في منصّات التواصل.. يا تُرى هل تصلُ هذهِ الرسائل لأصحَاب الحسَابات من الذكور؟ وهل يتعرّضون للتنمر نفسهِ كمَا تتعرضُ لهُ النسَاء اللواتي يدرنَ حسَاباتٍ تسيرُ وفقَ خطٍ مستقلّ عن السائدِ عربياً؟
‎‫نحنُ أكثر من وجوه جَميلة ومن يبحَث عنها فلهُ آلاف الحسَابات التي لا يتعدّى دور صَاحبَة الحسَاب فيها: المتعَة البصريّة..‬

‎‫وهكذَا فإنّ موجَة التسطيح مستمرّة.. نأتي بالمترديّة والنطيحَة وما أكل السّبع وبـالثنَائيّات التافهة ممن لا رسَالة ولا هدَف واضح لهم في الحيَاة سوَى أنّ لديهم حسَابات بأرقام متابعَة مليونيّة يجنُون من ورَائها الكَسب الرّخيص.. نأتي بهِم إلى عُمان مزفوفين كمَا يزفّ الملوك في قَاعات الفنادق والأفراح ونصدّر لاستقبَالهم الفرق الموسيقيّة والمشائخ وأصحاب الألقَاب لنوَاصل ارتكَاب جريمَة تكريس حالَة التسطيح والتفاهة العامّة بينَ جيلٍ يتخبّط بين فقدَان هويّته وبين إغراق الماديّة في حيَاته وغيَاب الانتاجيّة..‬

‎يا تُرى ‫إلَى أيّ قعرٍ يُرَاد لنَا الذهابُ إليه؟‬

الأحد، 21 أكتوبر 2018

عنِ التّعليم ، وَحريَّة التعبير والشرَاكَة المجتمعيَّة ..


قرَاءَة في مقتَل صَحَفي.. ضمنَ السيَاقاتِ الأوسَع: المسوّغات والنتائج

قبلَ يَوم، حَضَرتُ ورشَة عمَلٍ حولَ (التعليم، التنميَة والسيَاسات) في لندَن. أثِيرَتْ عدّة أسئلةٍ في الورشَة يتعلّق أغلبهَا بأهداف التنميَة المستدامة للأمم المتحدَة.. لكنّ سؤالاً طرحَ في الورشَةِ أثَار انتباهي هوَ كيفَ بالإمكان بنَاء أنظمَة تحترِم الحريَّات وعلى رأسها حريّة التعبير، وتقدّر الشرَاكة المجتمعيّة في وضعِ سياسَات الدولة ، والمساءَلة الشعبيّة لأدَاء الحكومة.. الإجَابَة كانتْ كلّها وَاحِدَة: التّعليم.. وبينمَا قالَ البعض أنّه يبدأ من العائلة إلا أنّ الحضُور اتفقَ أنّ التعليم يتفوَّق حتّى على العَائلة ..
عقبتُ وقتَها على حدِيثهم بأنّ ذلك يبدَأ من الحضَانة حتّى قبلَ دخُولِ المدرسَة.. أتذكّرُ أنني عندمَا كنتُ أطَّلعُ على ملاحظَات حضانَة ابنتِي في هُولندا كانَ من ضمنهَا تعليم الأطفال الوُضوح في إبدَاء مشاعِرهم، والجرأة في إبدَاء آرائِهم أمام وَالديهم.. كانتِ المربيّة تعلّم طفلتي: عندما تكُونين سعيدَة أظهِري مشاعِركِ أمام والديكِ، عندمَا تحبطين لا تخبئي مشاعِرك، كوني واضحَة في آرائك ومواقِفكِ ولا تشعِري بالخوف..

إنّهم يعلّمون الأطفال منذ سنّ الحضَانة الشجَاعة في إبدَاء مشاعِرهم وآرائهم أمام السلطَة الأبويَّة.. وعلَى السلطَة الأبويّة أن تحترمَ ذلك وتناقش الطفل بالمنطِق لا بالكبت والترهِيب..

قبلَ أيَّام أخبرني زميلُ عملٍ سابقٍ قادم من دولَة تقمَع الحريَّات ولكنّ حُسنَ ظنهِ قادهُ للزواج والاستقرار في المملكة المتحدة وهكذَا فقد اختبَر الرجل فارقَ التفكير بينَ البيئة التي نشأ فيهَا والبيئة التي ينشأ فيهَا اليومَ ابنهُ ابنُ العاشرَة..
يقولُ لي إنّهم يعلّمونهم حقُوقهم منذ الصفّ الأوّل..

- من حقِّكَ على الحكومَة أن تنعَم بهوَاء نظيفٍ.. إن لم تفعلْ ذلكَ فعليكَ مساءَلتها
- من حقّك أن تكونَ لديكَ حديقَة في حيِّك ومساحَة خضرَاء تلعبُ فيهَا مع أقرانِك.. إذا لم تتوفّر فعليكَ مساءلَة عمدَة المدينة
- من حقِّكَ مسَاءلة الدولَة في سيَاساتها وقوَانينها لأنّها وضعتْ لتنظّم حيَاتك فإذا ضرَّت حيَاتك فمنْ حقِّك مساءلَتها في أيّ قانون يلحقُ بمصلحَتك الضرر..
- ليسَ من حقِّ أيّ أحدٍ مساءلتكَ في معتقدِكَ.. إنّ أيّ معتقدٍ لا يضرّ بالمصلحَةِ العامّة هوَ شأنٌ شخصيّ
- إذا تعرَّضتَ للضرب والأذَى فإنّ على الدولَةِ حمَايتك حتّى من عائلتكَ نفسهَا
- إنّ مصلحَة الدولة هيَ مصلحتكَ طالمَا قدّمت لكَ الأمن والعدَالة ومتطلبَات العيش الكَريمة وعندمَا تنتفي هذهِ الأساسيَّات فمنْ حقّك محَاسبَة الدّولة

 عندمَا تُغرَسُ مثل هذهِ المبادئ وتلقّن تلقيناً في وعيِ جيلٍ طوَال 12 عَاماً فلا يُمكنُ للأسرَة ولا أيّ مؤثر آخر أن يمنعَ الموَاطن من حريَّة التعبيرِ عن الرأي، ومساءلَة حكومَته عندمَا تخطئ..

هنَا تكمُنُ المشكِلة: لقدْ تمّ تلقين الشعُوب العربيَّة التابعَة للأنظمَة عامّة وللأنظمَة المتوارثَة على وجهٍ خاصّ .. أنّها فوقَ المحَاسبة وأنّ الوطَن يختصَر في شخصِ الحَاكم وأنّ الحَاكم يملكُ الوطَن.. وأسوَأ من كلّ ذلك فقد تمّ زرع منطِق الحُكم الأبويّ في عقليّتها الجمعيَّة.. بمعنَى أنّ طَاعة وليّ الأمر واجبَة ومسَاءلته ممنوعة تماماً كما يتعففُ الابنُ عنْ مسَاءلَة وَالده في تسييرهِ لشؤُون المنزل وإدارتهِ الماليّة وإلا كَانَ عاقاً..

كيفَ إذنْ يجرُؤُ صحفيٌ علَى مسَاءَلةِ الحَاكم؟ إنّهُ ببسَاطَة يسَائلُ السلطَة الأبويَّة في "إدَارتها لشيءٍ من أشيَائها" فالوَطنُ كلُّهُ لها.. والخَير الذي يتمتّعُ بهِ الموَاطِنُ هوَ من النّعم التي يبسِطها الحَاكم على شعبهِ..

في هذَا السيَاق أتذكّرُ مجدداً النموذج الهُولندي. عندمَا كنتُ مرةُ مع مجموعةٍ من الأصدقاء الهولنديين الذينَ تتراوحُ أعمارهم بينَ العشرين والثلاثين: ما الذي يعنيهِ المَلِكُ لكم؟ هل تحبونهُ؟ هل أنتُم مرتبطين عاطفياً به؟ وما الذي تعنيهِ لكم الأسرَة الحَاكمة؟
وقد أجمَعُوا أنهُم لا يشعرُون بأي عاطفَة تجَاه الملك.. وأنّه بالنسبَة لهم يمثّل رمز الملكيَّة الهولنديَّة ويرَعى مصَالح الشعب.. قالَ لي أحدهم وهوَ يرفعُ كتفيه: إنّه بالنسبَةِ لي ملك وفقَط.. إنهُ لا يعنيني طالمَا كانتْ حقوقي واضحَة على هذهِ الأرضِ وواجبَاتي كذلك..

عندمَا تتخلَّص الشعُوب من الحوَاجز العاطفيَّة التي تحجُب عنها رصَانة النقدِ السّليم والمنطقي لحكُوماتها ، فإنّها ستستطيعُ وقتَها بنَاء منظُومة تسَائل الدّولة ، وتدَافعُ عن حقوقِها وتعبرُ عن رأيِها.. والأهمّ من كلّ ذلك فإن الحكُومات ستتعلَّمُ احترَام ذكَاء شعُوبها وعدَم استغفَالهم وعدَم التَعامل معهُم "كشيءٍ مضمُون".. أمّا عندمَا تصبِحُ مساءَلة الشعب للدولَة خروجاً على طَاعَةِ وليِّ الأمر ، فلا نستغربُ حينهَا أن ينتَهي أمرُ أيّ صحفيٍ يسائلُ الحَاكم في "شيءٍ" من أشيائهِ (شيءٌ اسمهُ الوَطن بالمنَاسبة) ويقومَ العالمُ على عقبيهِ إلا أبنَاء بلدهِ ..

نسيتُ أن أقولَ لكُم.. أنّ الورشَة بدَأت باعتلاءِ أحدهم المنبر وقرَاءة أبيات للشَاعرِ الهنديّ طاغور يختصرُ فيهَا منطِق التعليم متمثلاً في المعرفَة ومؤسساً للحريّة.. يقولُ فيها:

"عندمَا لا تختلطُ المعرفَة بالخوف، تُرفَعُ الرُؤوس للأعلى. هنالكَ حيثُ المعرفةُ حرةٌ.. حيثُ لا يجزأ العَالَم إلى قطَعٍ صغيرة منفصِلَة، حيثُ لا يطمَسُ العقلُ في الصحرَاءِ المجدبَة ، وإنما يتحررُ من الجَهلِ، وتخرجُ الكلماتُ منْ عمقِ الحقيقَة إنهُ حينهَا ينعمُ بالحريَّة.. يا أبتِ دَعْ وطَني يستَيقظ"..

تصبِحين على خيرٍ أيتهَا المَعرفة.. تصبِحينَ على خيرٍ أيتهَا الحُريَّة

عنِ الهندسَة ، والسيَاسة .. كيف تتفقان؟



انقسمنَا في هذا الأسبُوع بمادّة تطبيقات الهندسة العالمية إلى مجمُوعتين للمناظرَة حول موضوع من هُم أكثَر "قوّة وتأثيراً" على المجتمَعات: المهندسُون أم السياسيُون؟

في خضمّ الحديث حضرَت القصّة المشهورة حول كيفَ تمّ إنشاء النظام الحديث لشبكة الصرف الصحيّ في بريطانيا وتحديداً لندن.

حتى منتصفِ القرن الثامن عشر حاولَ المهندسون في غيرِ مرّة تمرير مشروع لإنشاء شبكة مواسير حديثة وآمنة في لندن وكان المقترح يواجه بالرفضِ في كلّ مرة من قبل أعضاء البرلمان بسبب ارتفاعِ التكلفة. كانَ البرلمان متقبلاً لفكرة أن تنتهي مياه المجاري إلى نهر التايمز رغمَ أنّ هذا الأمر كانَ سبباً لانتشار داء الكوليرا على اعتبارِ أنّ النهر كان مصدراً للشرب ومكباً للمخلفاتِ البشريّة.. كلّ ذلك لم يحرّك البرلمان للتصويتِ من أجلِ المشروع.

لم يتّخذ قرار إنشاء شبكة صرف كما هيَ اليوم في لندن إلا عندما علت الرائحة الكريهة في مجلس البرلمان البريطانيّ وعندمَا لم تعد الرّائحةُ محتملةً وافقوا على تمرير مشروع شبكة الصرف الذي قدّمه المهندسون المدنيون قبلَ ذلك. النتيجة أنهُ مهمَا حاولَ المهندسُون إيجَاد حلول مستدامة فإنّها تظلّ قاصرة إذا لم تدعمها سياسيَات واضحة وميزانيّات معتمدة هيَ في نهايَة المطاف قرارٌ يعُود للسياسيين.

في المُجتمعات ذات النضجِ الديمقراطيّ يبدُو للمجتمع وزنٌ كبير لأنّ السياسيين المنتخبين هُم من يقررون هذهِ السيَاسات وأحزابهم هي من تقومُ إذا فازت بتعيين الوزراء وصنّاع القرار ولذلك فإنّ للمجتمع وزناً كبيراً في تمرير هذه القوانين لأنّ السياسيين يعرفونَ أنهم ما لم يعملُوا على خدمة احتياجات المجتمعات والمقاطعات التي انتخبتهم فهم يخاطرون بفقدان شعبيتهم وعدم ترشيحهم.

تذكَّرتُ بهذَا الشأنِ الشّعار الذيْ رفَعَهُ مرشّح الرئاسة الكولومبيّ السابق أنطونوس ماكُوس (لا ديمقرَاطيّة بدون ماء) في الوقتِ الذي كانت فيهِ قرى ومدن كولومبيَا تُعاني من غيابِ شبكة توصيل ميَاه الشّرب ومفادهُ أنهُ لا مغزَى لانتخَاب مرشّح سياسيّ يعدهم بالديمقراطيّة ويعجَز عن تمرير مشروع لتوفير مياه الشربِ النظيفةِ للناس.

الأمرُ ذاتهُ ينطوي على الحلول الهندسيّة التي تقدّمها المؤسساتُ العالميّة غير الربحيّة في العَالم.. الهندُ مثالاً.

واحدَة من أبرز المشكلات التي تواجهُ المناطق الريفيّة والعشوائيّات في الهند (ونحنُ نتحدّث عما يزيدُ عن 200 مليُون شخص) هوَ غيَاب المراحيض وأنظمة الصرف الصحيّ وغياب مياه الشرب النظيفة. الأمر الذي يجعل ما يقاربُ من 50% من سكان الهند للجوء للأحراش، للاختباء خلفَ السيارات ، ومجاري المياه أو في الهواء الطلق من أجلِ قضاء حاجاتهم.

النتيجة هيَ انتشار الأمراض المعدية، ارتفاع الوفيات بين الأطفال بسبب غياب أساسيات النظافة.

حاولت منظمات مثل منظمَات بيل جيتس تقديم حلول هندسية ذكية لكنها تظل دائماً قاصرة مثلاً توفير مراحيض متنقلة ذات مخازن خلفية يتم تفريغها بشكل يدويّ. لكنّها حلول ذات نطاق ضيق فمهما وزّعتَ من مراحيض فالسؤال هوَ أين سيتم رمي المخلفات البشريّة بعدَ تفريغ المراحيض؟ إذا لم تكن هنالك شبكة صرف تمولها الحكومة فلا يمكن للمهندس أن يقدم حلول فرديّة لكلّ بيت standalone solutions

وينطبقٌ الأمرُ كذلك على مياه الشرب. إذا قام المهندسون باستخدام مواد من الطبيعة تعمل على تنقية المياه مثل نبتة المورينجا أو الكاكتوس التي تعمل كمخثّرات طبيعيّة للأوساخ في المياه والرمل الذي ينقي الشوائب في مياه الشرب لكنها تظل حلولاً كافية لخدمة شريحة سكانية صغيرة لا تجمّع سكاني مليونيّ .. تجمعات كهذه تحتاج لتقنيات صناعيّة بكلفة عالية لا يمكن إلا لصناعِ القرار في الحكومة اعتمادها..

هنالك مثلث للتنمية ذو محاور أساسيّة ثلاثة: صناع القرار والمشرعين في الحكومة ، أصحاب الصناعات والخدمات (القطاع الخاص والمهندسين) والثالث هو المجتمع .. إذا لم تنسجم هذه المحاور الثلاث فلا يمكننا تحقيق تنميَة قائمة على حلول هندسية ذات أثر فاعل على مستوى الكلفة والمنفعة ومؤديَة للغرض الذي قدمت له.

خُلاصَة القول أنّ الهندسة تظل ذات أثر قاصر فهي قد تساهمَ في تقديم حلولٍ مؤقتة وذات نطاق محدود وبإمكانها أن تحل مشكلة آنية مؤديةً في كثير من الأحيان إلى مشاكل أكبر على المستوى البعيد (مثلاً تصميم نظام لجمع النفايات لا إدارتها) إذا لم تدعمها السياسة والسياسيُون. المهندسُون لا يحلُون المشاكل، إنهم يحولونها إلى شكلٍ آخر -كما يقولُ سكوت آدامز- إذا لم يدعمهم السياسيّون..

نحنُ لا يقيّضُ لنا في عُمان أن نختَار وزراءنا. لكن لنحرُص على الأقل على اختيَار العقول الجديرة بتمثيلنا في مجلس الشورى. الانتخَابات قادمة فأحسِنُوا أيّها الشباب من يمثلُ مجتمعاتكم خيرَ تمثيل.

الأحد، 3 يونيو 2018

مَاذا لو كَانت كَارولينَا عُمانيّة؟

أسئِلَة إشكاليّة التسَامح بينَ القرنقشُوه والزوَاج بالعرجَاء
 
.
عائشَة السّيفي
 

قبلَ أشهَرٍ التقيتُ بكارولينا ، في اجتمَاعٍ بمقرّ عملي. كانت كارُولينا مبعوثة وزارة الخارجيَة بدولة أوروبيّة معرُوفة. لدَى كارُولينا إعاقة جسمانيّة. ومعَ ذلك فقد بَدت متألقة وواثقة من نفسِها وأدَارت الاجتماع بكفاءَةٍ عالية. بعدَ الاجتماعِ أضافتني كارولينا على أحدِ مواقع التواصلِ الاجتماعيّ لأكتَشفَ أنّها لا تتخطى الأربعَة والعشرين عاماً من عُمرها وهَا هي تمثّل بلادها في المحافلِ الدوليّة بكامِل الثقَة.
تذكّرتُ كارولينَا بعدَ انتشارِ مقطَع "عجَب حد يتزوّج عرجا؟" لداعيةٍ عُمانيّ شهير يَحظى بتقديرٍ عالٍ بينَ الجُمهُور.
يا تُرى ماذا لو كَانت كارولينَا عمانيّة هل كانت ستمتلك تلك الثقة العاليَة بالنّفس وهيَ تشاهِد برنامجَاً تلفزيونياً يضحكُ فيه المضيفُ قائلاً: عجب حد يتزوّج عرجاء؟ ستفكّر كارولينَا أنّها مشرُوع "عَانس" وبعدَ سنوَاتٍ طويلة فسيتكرّم رجلٌ متزوّج ويتزوجها كزوجَة ثانيَة "شفقةً بها" بناءً على نصيحَة رجل دين في التلفزيون.
هل نَحنُ متسامِحون؟
فكّرتُ بهذا السؤال وأنا أشَاهدُ الدّاعيَة المشهُور على مواقعِ التواصل الاجتماعيّ يديرُ حواراً تلفزيونياً وفي الحوَار يظهرُ أحد ضيوفهِ من "شيوخِ الدّين" وهوَ يحضّ الرجلَ المعدد على أن يستهدفَ حينَ يقرر الزواجَ بأخرى فئاتٍ كالمرأة التي أصابهَا المرض، العميَاء أو العرجَاء فيدخلُ مضيفهُ في نوبَة ضحك متواصل متسائلاً عجب من بيتزوج العرجَاء! .. ثمّ يبادر بسؤال ضيفهِ الآخر انت بتتزوج عرجاء؟ فيرد عليه: أنا لا لكن فيه حَالات زوَاج.
ورغمَ أنّ الداعيَة اعتذرَ عن تصرّفه كما قيل -ولستُ هنا في معرِضِ سَحلهِ- إلا أنّني بقيتُ لأيّام أستحضرُ هذا المقطع.. هل يَرى مُجتمعُنا فعلاً أنّ المرأة التي بهَا إعاقَة جسديَّة هيَ امرأة ناقصَة لا تصلحُ إلا كزوجَة ثانيَة؟ هلِ المرأة بكلّ مكوّناتها العاطفيّة والعقليّة والانسانيَّة هيَ مشروع "جسَد"؟!
"قد" أفهَم نفور الرّجل من الزواج بامرأة مشوّهة الوجه، مقطوعة الأعضاء مثلاً.. لكنْ ألا تكُون المرأة العرجَاء كافيَة للارتباط! ما بها المرأة العرجاء وما الذي يمنعها من أن تكون امرأة كاملة وجميلة وربّة بيت وأمّ؟
ألهَذا الحد نُعلي الجَسد وتنتصرُ المعايير الجسديَّة على كلّ المقوّمات الأخرى في الارتبَاط بالمرأة؟
إذا كَانت المرأة العرجَاء غير كافيَة لتملأ عينَ الرجل فما نقولُ عن المرأة العميَاء؟ أو المقعدَة؟ أو مشوّهة الوجه؟ ثمّ ما هذا التركيز العجيب على "المَعايير الجسديّة" في الزَواج بالمرأة!
سمعتُ من قبلُ دعاةً يروّجون للتعدد لاستهداف فئات كالمرأة المطلقة والأرملة التي لها أطفال أو الرجل الذي ابتليت زوجتهُ بمرضٍ يمنعها عنه. لكنْ أن نروّج للتعدد بتسوِيق النسَاء ذوَات الإعاقة "الجسديّة" على أنّهن فئات ناقصَة فهذَا أمرٌ جديد عليّ. لمَاذا هذا الربط بين التعدد و"نقص المرأة الجسديّ" الذي يخلصُ إلى الشفقةِ عليها و"تخليصهَا من واقعها" بإنزالهَا كزوجة ثانية؟
هل أنتَ متسامحٌ فعلاً أيّها المجتمع؟ وما هوَ مفهوم التسَامح الذيْ نروّج له في كلّ محفل؟
وهل ما قالهُ هذا الشيخ هوَ حديث المجالس الذي قد لا يقولهُ الناسُ أمام التلفزيون ولكنّهم يتداولونهُ بينهم.
"هيَ بنت زينة، بس فيها حوَل" .. سمِعتُ من قبلُ هذه العبارة. وسمعتُ من قبلُ من "البنت إصبَعها مقطُوعة"
نحنُ نحتكر التسَامح في عُمان على التعايشِ المذهبي والقبول الدينيّ ولكن يَا جمَاعة التسامح مفهُوم واسعٌ جداً. ماذا عن تعايشنَا مع الفئات الأخرى في المجتمع من ذوي الاحتياجاتِ الخاصّة؟ إلى أي مدى تبدو هذه الفئات مندمجة مع المجتمع وهل يتجاوز المجتمع العلل الجسديّة في التمازج الاجتماعيّ معها؟ هل يبذلُ مجتمعنا كلّ جهدهِ ويسخّر طاقاتهِ للحرص على خلقِ حالة تعايش تامّة مع فئة المعاقين؟ قفُوا أمام مرآة ضمائركم واسألوا أنفسكم إن كنّا نفعلُ ذلك! هل تحرُص الدولة على تمكينِ والدّفع بذوي الاحتيَاجات الخاصّة إلى منَاصب قياديّة لتمثيلهم مجتمعياً كما ينبغي كمَا حدَث لكارولينَا الأوروبيّة؟
هل نَحنُ متسَامِحُون؟
فكّرتُ في هذا السُؤال مجدداً ونحنُ نعيشُ نفسَ الجَدل الذي يثارُ كلّ عامٍ حول "القرنقشوه" .. هذه المرّة كانَ هنالك تطوّر جديدُ.. وهوَ انتشَار فيديو "وعظي" لبعضِ الأطفال وهوَ يصدحُون بنشيدِ القرنقشوه فيقاطعهم طفلٌ آخر "مرتدياً عمّةً بيضَاء" ويبدأ في وعظهم على أنّ القرنقشوه ليسَ من عَادات "المؤمنين" وبهَا ألفاظ لا تليقُ برمضان وموعظَة يطُول ذكرهَا..
إذنْ فقدِ انتقلتِ هذه الجدليَّة السنويّة هذهِ المرّة إلى استخدَام الأطفال وإسقَاط قناعات "الكبَار والبالغين" وحَشر الدين كأداةٍ في فرضِ آرائهم ..
أغلبُ الهجُومِ يأتي من متدينين قادِمين من ولايَات لا يشيعُ فيها القرنقشوه. ومعَ انتشَار القرنقشوه في العَاصمَة وزحفهَا إلى ولايَاتِ الداخل بحكم تنقلِ عائلاتِ الداخلِ إلى العاصمة.
السؤالُ هنَا – وأنا القادمَة من ولايَة لم تكُن هذهِ العادَة بها حتّى عامين مضَى- هوَ لماذا لا نحترِم فكرَة أنّ هذهِ عادَة اجتماعيّة من صميم عاداتِ وتقاليد ولايَات أخرى في السلطنة؟
لماذا نهَاجم ونقلل ونسخّر كلّ الأدوَات الدينيّة لدحضِ عادَات وتقاليد أبناءِ بلدنا القادمين من ولايَات أخرى فقط لأنّها لا تروق لنا أو تتنافَى مع عادَات الولايَة التي أتينا منها؟ لماذا لا نتقبّل هذَا الاختلاف حتّى وإن لم نتفقُ معه بالضرورة؟ ولماذا النيل منها وحشر شيُوخ الدين والفَتاوى في الشّاردَة والواردَة لتجييش الرأي العامِ ضدّ عادَة متجذرَة في طُفولة آلافِ العُمانيين؟
هذا يُثيرُ مرةً أخرى مفهُوم التسَامح الذي نحرصُ في كلّ المحافلِ على الترويج لهُ كسمَة عُمانيّة.
هل نَحنُ فعلاً متسامِحُون أمْ أنّ حالة الانحدار العامّة في أخلاقِ دولٍ مجاورَة جعلَتنا "نبدُو" أفضَل الموجود. وهل سَاهمَت قبضَة الحكومَة وصرامتها في إسكَات التعصّب والعنصريّة "العلنيّة"؟
أليسَ التسامُح هوَ الحَالة الطبيعيّة للشعوبِ؟ لماذَا يسوّق التسامح اليَوم على أنّه صفَة حصريَّة يُحتفَى بها؟
لقد سافرتُ في السنوَات الأخيرة كثيراً ووقفتُ على ثقافاتٍ في غايَة التعايش وعلى درجَة عاليَة من التقبل للآخر.
عِشتُ في هُولندا وشاهدتُ مهرجَانات وعادات تخصّ محافظاتٍ معيّنة فيها تتيح لها الدولة إجازة رسميّة للمدارس والمؤسسات دُوناً عن محافظاتٍ أخرى فقط احتراماً لخصوصيّة تلك المحافظات وحفاظاً على إرثِها.
زرتُ الهِند فرأيتُ موطنَ قدمٍ لكلّ عقيدَة. وزرتُ أذربيجان مؤخراً ووجدتُ حالة تعايش مذهبي عاليَة، أخت محجبَة تمشي بجوار شقيقتها غير المحجبَة واحترام كبير للآخر القادم من الخَارج، ذهبتُ للمغرب غيرَ مرّة ووجدتُ شعباً محبّاً للآخر متعايشاً في تنوعهِ العرقيّ واللغوي الهائل بل إنّ لغاتِ الأقليّة أصبحت تدرّس في المدارس في رسَالة مفادها أنّ كلّ لغة هي لغَة ثمينَة تُقدَّرُ وتحترم، في الوقتِ الذي تناضل لغَاتٌ في عُمان للبقاءِ بين متحدثيها الأصليين ناهيكَ عن فكرَة أنّ تدريسها في المدارس هوَ أمرٌ أبعدُ من الخيال.
يُحيلنا كلّ ذلك إلى إدراكِ الحاجَة إلى تحليلٍ عميقٍ ومحَايد لفَهم المجتمع للتّسامحِ بمنظُورهِ الشُموليّ ولعلّ هذا يبدأ بطرحِ هذا السؤالِ أولاً.. هل حقاً نحنُ متسامِحُون؟ هل نحنُ متسامِحُون بمَا يكفي؟

الأربعاء، 14 فبراير 2018

أزمَة القَلم والمبرَاة


أزمَة القَلم والمبرَاة
http://ayshaalsaifi.blogspot.com/2018/02/blog-post_14.html
 



عائشَة السيفيّ
 

ألقيتُ نظرَةً على الفيسبُوك صبيحَة اليَوم ووجدتُ أحدهُم قد وضعَ صورَة كاريكاتير نشرَ اليوم في صحيفَة عُمانيّة.. نظرتُ إلى الكاريكَاتير وتمتمتُ في نفسي: من الغريب أن تنشرَ هذهِ الصحيفَة كاريكاتيراً بهذا العُمقِ .. عندَ هذا الحدّ انتهَى الأمر.

بعدهَا بسَاعات وجدتُ الكاريكاتير وقدِ انتشرَ انتشار النارِ في الهَشيم بينَ لاعنٍ وهامزٍ ولامِز. دُهشتُ من الأمر وأنا أفكّر في وجهِ الإساءَة التي يحتمِلُ الكاريكاتير على إثرَها سيلَ الشتَائم هذهِ وقد صُعقتُ للتفسيرات "الجنسيّة" التيْ حُمِّلَ بهَا الكاريكاتير.

أعرفُ أنني أدخلُ "عشَ الدبابير" وأنا أتناول هذا الجَانب لأنني أقفُ في وجهِ "تفكير" غالبيّة الجماهير التي رأت في الكاريكَاتير خدشاً صريحاً لحيائها وتجاوزاً لأدبيّات النشر.

دعُوني أعرضُ لكم ما تبادر إلى ذهني وأنا أنظرُ إلى الكاريكاتير صبيحَة اليَوم .رأيتُ قلماً أمامهُ خياران: الخيَار الأوّل هو المبرَاة ممثلةً في سلطة الرقَابة الخانقَة التي تزدادُ حدّتها يوماً بعد يوم على أصحَاب الأقلام .. أو خيَار أن يغرقَ في حالِ اختَار ألا يستجيبَ لأهواءِ الرقَابة.

المغرّدونَ والصحفيُون والكتّاب الذينَ ذاقوا الأمرّين من ملاحقَة القضاءَ والأجهزَة الأمنيّة وذاقُوا الحَبس والحرمَان والتهديد يعرفُون تماماً ما عناهُ هذا الكاريكاتير في توقيتٍ كتوقيت ما يسمّى ب"عيدِ الحبّ".

يعرفُونَ أيضاً أنّ المبراة ستحاولُ دائماً تدجِين الأقلام المشبوهَة لمصالحها وأهوائها وأنّ من يقاوِم يدفعُ الثّمن. وهذا واقعٌ عالميّ وشهدنَا عليهِ محلياً وعربياً في الآونَة الأخيرة التي سقطتْ فيها أقلام في وجهِ التحزّبات التي تقودهَا الحكومات وفرضِ أهوائها السياسيّة على أصحابِ القلم.

هكذَا فهمتُ المقال وهكذا فهمهُ آخرون ولستُ هنَا في معرَض استعرَاض العضلات أو التفذلك. كانَ مدهشاً لي ولبعضِ من ناقشتُهم في الأمر أنْ تتحوّل هذهِ الرسالة التي فهمنَا بهَا الكاريكاتير إلى مفهُوم جنسيّ كما رآهُ كثيرون.

تُحيلني هذهِ الهجمَة المجتمعيّة الحادّة إلى سياقَات أخرى كنتُ شخصياً أحدَ ضحاياها. عندمَا يكتبُ كاتبٌ مقطعاُ ما أو يُجيب إجابَة ما ضمن حوَار طويل ويستقطع أحدهُم مقطعاً منهُ خارجَ السيَاق ويتداوَل بينَ النّاس على اعتبارهِ "ذا مغزَى جنسيّ" وعلى الكَاتب حينهَا أو الرسّام أن يتحمّل موجَة السّحل الجماعيّة التي تصيبهُ. الجنس الذي لا يزَال تابُوهاً مجتمعياً "على الورق فقط" رغم ما نراهُ في الواقع من كلّ المحرّضات الجنسيّة والعَوالم الخفيّة التي تحدثُ في الظلام.

ولأنّ المجتمعَ ببساطَة يُريدُ أن يسمَع (ما يُريدُ هوَ أن يسمعهُ) ولا مكَان بينهُ لأصحَاب النيّات الطيبة والتفسيراتِ العاديّة.

تُحيلني هذهِ الأزمَة أيضاً إلى كتَاب خوَارق اللاشعُور للدكتُور علي الوردي وحديثهِ عمّا يسمّى بـ"الإطارِ الفكريّ" الذي ينطلقُ كلّ واحدٍ منهُ في نظرتهِ وفهمهِ للأمور. الإطَار الفكريّ لا شعُوريّ وهوَ نتاجُ علاقَة الانسَان بمحيطهِ وأفكارِ بيئتهِ وما يغذّيه إيّاه"عقلهُ اللاواعي" الذي يحددُ لهُ طريقَة فهمهِ للأمور.

بمعنَى أننا جميعاً قد نرَى مثلاً "مبراة" ولكنّ كلّ واحد منّا للوهلةِ الأولى دونَ أن يستمع لما يقولهُ الآخر سيفسّر المبراة على طريقتهِ.

على قنَاة "أخضر" في اليُوتيوب ، عرضَ مقطع فيديو كرتونيّ لكتاب خوَارق اللاشعُور مثالاً هوَ ماذا لو أحضرنَا فيلاً في غرفة مظلمَة وأحضرنَا أربع نسَاء وطلبنَا من كلّ واحدَة أن تضعَ يدها على الفيل.

الإجَابَة كانت كالتّالي: التي ستضعُ يدهَا على ذيلهِ ستعتقدُ أنّه حبل، أخرَى ستعتقدُ أنّه جدار لأنها وضعت يدَها على جانبِ بطنهِ وأخرى ستعتقدُ أنّه جذع شجرَة لأنها أمسكت رجله. في حقيقةِ الأمر لا يمكنُ لأيٍ منّا أن يقولّ أنّ أياً منهنّ كانت على صوَاب أو على خطأ لأنّ كلّ واحدَةٍ فسّرت الفيل وفقَ منظورها هي.

ما يريدُ أن يوصلهُ الدكتور علي الورديّ في كتابهِ أننا ننطلقُ جميعاً من قاعدَة مختلفة في تفكيرنا وهي قاعدَة لا شعوريّة وللمجتمع والبيئة التي تحيطُ بنا أثرٌ أساسيّ في تحديد تفسيرنا وفهمنَا للأمور.

ولأننا مجتمَع يعاني فصاماً حقيقياً بين لغَة الصحَافة "المثاليّة" ولغَة الشّارع "غير المثاليّ" ومحكُومون بثقافَة العيب وعدَم مناقشَة المواضيع الحساسَة والخاصّة علنياً فإنّ النتيجَة غضبٌ شعبيٌ على كاريكاتير يفسّرهُ المجتمع بالطريقَة التي يُريدُ هوَ أن يفسّرها.

المجتمَع الذي يعتقدُ أن (عيد الحبّ) كما يسمّى هوَ "حالَة جنسيّة" وفي حقيقَة الأمر فإنّ مفهُوم هذا اليَوم وفقَ الأعراف الأجنبيّة احتكرَ في مفهُومٍ جنسيّ ضيّق ولكنّ ما لا يعرفهُ كثيرون أنّه فرصة لإظهار المحبّة للأشخاص المميزين في حياتهم.

رأيتُ مثلاً قبل قليل صُورة لصديقَة من المغربِ العربيّ تعملُ معلّمة في مدرسَة وقد وضعَت صورةً لطلابها الذين أحضرُوا لها كعكة مليئة بالقلوب واحتفلُوا معها بهذَا اليَوم. وبعثت صديقتي الهنديّة باقَة وردٍ إلى صديقتها الأخرى لتهنئها بهذا اليوم ووضعتْ صديقَتي البلجيكيّة على حسابهَا صُورَة لأمّها معلّقة: لم أجد في عيدِ الحبّ صدَاقة ً غامرةً بالمحبّة كما وجدتُها مع أمّي.
لا أريدُ في هذا المقَال أن أبررَ هذا اليَوم وما يحدثُ فيهِ فإنّ الخلقَ لخالقهم ولكنّ التفسيرات المدهشَة التي سمعتُها اليَوم أثارتْ في داخلي تساؤُلاتٍ عن أزمَة حقيقيّة في إسقاط مفاهِيمنا المنطلقَة من إطار واحدٍ وثقافة "الرأي الواحد" على مَا نرَاهُ.

صفّوا النيّة يا جمَاعة. واتركُوا القلم والمبرَاة وصاحبَ الكاريكاتير الذي نحمدُ الله أنّه لم يكن فتاةً في حَالهم. رزقنَا الله وإيّاكم الحبّ وسعَة القلُوب وتقبّل الاختلاف.

الثلاثاء، 6 فبراير 2018

شيخُوخَة حكوميّة


.

عائشة السيفيّ 





على الرّغم مما تطالعنَا بهِ الصّحفُ كلّ يومٍ من أخبَارٍ "إيجابيّة" عنِ المشهَدِ الاقتصاديّ للسلطنَة على غِرار استراتيجيّات التنويع الاقتصاديّ ، خطط جذب الاستثمَارات الداخليّة والخارجيّة ، برنامج تنفيذ، استراتيجيّات التنمية السياحيّة ، خطط الطاقَة المتجددة ، المناطق الحرّة في الدّقم ، صلالة وصحَار ، بنَاء ميزانيّة الدولة اعتماداً على 45 دولار للبرميل والقائمَة تطُول ، نرَى كلّ ذلك فنصدّق ونرَى واقعَ الحالِ فنعجب.

لا نزالُ نواصلُ نزولنا في مؤشراتِ التنافسيّة الاقتصاديّة عما كنّا عليهِ قبل عقدٍ من الزمان ، التصنيف الائتماني ، مؤشر الابتكار، مستوى التعليم ، أداء مؤسساتِ التعليمِ العاليّ ، مؤشرات الشفافيّة والفسَاد وغيرها الكثير وهذهِ المؤشراتُ تستحقُ أن أفردَ لها مقالاً آخر في القريب.

نقرأ عن الرؤيَة الاقتصاديّة لقطاعات مختلفة في عُمان وتأسِيسِ شركَات وهيئاتٍ كبرى ، عن استشرافِ المستقبل وعن خططٍ طموحَة فنستبشرُ خيراً بالقادمِ ولكنْ إلى أيّ مدَى يبدو بالإمكانِ تحققُ هذهِ الرؤى عندمَا نتأمّل قيادَات الصفّ الأوّل من الحكومَة التي يعوّل عليها قيادَة "أوركسترا" التنميَة المستقبليّة.

مجتمَع شاب وحكُومة عجُوز

يصنّف المجتمع العُمانيّ كمجتمعٍ شاب يشكّل من تقلُ أعمارهم عن 34 عاماً ما نسبته 75% من نسيج المجتمع العُمانيّ و85% تقلّ أعمارهم عن 44 عاماً. وفي المقابل نسمعُ بينَ حينٍ وآخر ببرامج كبرامج تأهيل الرؤساء التنفيذيين من القطاعِ الخاصّ وبرامج الكفاءة الحكوميّة بالإضافة إلى برامج القيادات التي تطلقها كليّة الدفاع الوطنيّ ومع ذلك فإنّ الأسماءَ الموجودَة على رأس الوزارات هي نفس الأسماء المتكلسة التي مرّت سنين طوالٌ دون أن تتغير. ولا تزال الحكومة تواصل تعييناتها لأسماء قضُوا حياتهم بين جدرَان الحكومة ويندر جداً أن نرى قيادات حكوميّة تربّت في القطاع الخاصّ ورضعُوا عقليّة قطاع المال والأعمال وفهمُوا كيفَ يفكّر السوق ويتحرّك الاقتصاد ويندر أكثر فأكثر أن نرَى رجال أعمالٍ عصاميين يتم انتقاؤهم لإنقاذ الوزارات المتخبطة بالقراراتِ العشوائية ، البطالة المقنّعة وغيَاب الرؤية.

وعندما تتأمّل قليلاً في قيادَات الصفّ الأوّل من الحكُومة تدهش من أنّ مجتمعاً شاباً بعقليّات شابة درسَت في الخارج وعملت في دولٍ كبرى تقابلها حكومةٌ بأسمَاء أكَل الدهرُ عليهَا وشرب تقودُ وزاراتٍ حسّاسة ومؤثرة على أدائنا الاقتصاديّ. ما الضّير في أن نرَى في التشكيلَة الوزاريّة وجوهاً لوزرَاء شبابٍ في عشرينيّاتهم ومطلع ثلاثينيّاتهم؟ لماذا لا نرَى مزيجاً حيوياً بين أولئك أصحابِ الخبرَة الطويلة والشبابِ أصحَاب الفكرِ الشابِ المتجددِ والقادم من بيئةٍ صهرتهم بثقافاتِ العالم والمتواصلِ مع آخرِ صيحَاتِ السوقِ العالميّة؟ وما هوَ التجديد الذي ننتظرهُ من قيَادات أتمّت أكثر من عقدٍ على تعيينها؟


واقعُ الحَال يخبرنا أنّ وزير القوى العاملة يكملُ هذا العام عشرَ سنواتٍ على تعيينه في منصبهِ ويتجاوزُ وزير النفطِ والغاز أكثر من 15 سنة منذ تعيينه وتكملُ وزيرة التعليم العالي 14 سنَة منذ تعيينها ويكملُ وزير الإسكان 11 عاماً منذ وصلَ لكرسيّ وزارتهِ وتكملُ رئيسة الهيئة العامة للصناعات الحرفيّة أكثر من 15 سنَة على تعيينها والأمرُ ينطبقُ على وزاراتٍ كوزارة الدفاع ووزارة الخارجيّة وغيرها. فيما يتجاوزَ أغلبُ الوزراء الحاليين دورَة الخمس سنوَات على تعيينهم الوزاريّ الكافيَة لوضعِ تقييم عامّ على أداء مؤسساتهم منذ استلامهم مناصِبهم. ألم يأنِ الأوان لنرى وجوهاً جديدة من أبناءِ هذا الوطن جديرينَ بقيَادة هذه المؤسسات بكفاءةٍ ورؤيَة مختلفة؟

نحتاجُ وجوهاً جديدة ، وقيَادات وكفَاءات جديرَة. إن كانت القيَادات الحاليّة لم تؤدّ ما يعوّل عليها فليكن ، وإنْ كانتْ أدّت واجبها وأكثر فقد آنَ أوان تسليمِ الدّفة لجيلٍ جديدٍ من صنّاع القرار.

 

ولا تبدو شيخوخة الأسماء هيَ وحدهَا مربط الفرس بل إنّ تدوير نفس الوزراء القائمينَ على وزاراتٍ في غايَة الحساسيّة على مجالسِ إدارَة مؤسسات خاصّة وحكوميّة حيويّة هوَ أمرٌ مثيرٌ للدهشة. فإذا كانت هذهِ الوزارات تعاني من الترهلِ والبيروقراطيّة فكيفَ نعهد إلى وزرائهَا أيضاً ليكونوا على رأس مجالس إدارة مؤسسات حساسّة تدير اقتصاد البلد ليحملُوا نفسَ الفكرِ والرؤية إليها؟

مثلاً يشغلُ وزير التجارة والصّناعة منصب رئيس مجلسِ إدارة الشركة العمانيّة للتنمية السياحيّة وهوَ أيضاً ر ئيس مجلسِ إدارة صندوق رفد ورئيس مجلس إدارة الهيئة العامّة لتنمية المؤسساتِ الصّغيرة والمتوسطَة وهوَ كذلك نائب رئيس المجلس الأعلى للتخطيط وهوَ عضو مجلسِ إدارة صندوق الاحتياطي العامّ للدولة.

كلّ هذا يضطلعُ بهِ وزيرٌ يشغلُ واحدةً من أكثر وزارات الدولة حساسيّة!

وشغلَ الوزيرُ المسؤول عن الشّؤون الماليّة بالإضافة إلى منصبهِ رئاسةَ مجلس إدارة شركَة الطيران العُماني (حتى عام 2017 بعد أن خلفهُ وزير النّقل)  وهوَ نائب رئيس مجلسِ إدارة الشركة العمانيّة للتنمية السياحيّة عُمران ، وهوَ رئيس مجلس إدارة صندوق الاحتياطي العامّ للدولة

ويشغلُ وزير النقلِ والاتصالاتِ رئاسَة مجلسِ هيئة الطيرَان المدنيّ ، وهوَ رئيس مجلس إدارة هيئة تقنيّة المعلومات ، وهوَ نائب رئيس مجلس إدارة الشركة العمانيّة للنقلِ البحريّ ، وهوَ رئيس مجلس إدارة شركَة ميناء الدقم وهوَ عضو مجلس إدارة شركة عُمران ليستلمَ مؤخراً إلى قائمَة مناصبهِ الطويلة منصبَ رئاسة مجلس إدارة شركَة الطيران العُمانيّ.

ألم تنجِب هذهِ الأرضُ الولاّدة إلا أسماءً ما بعينها لتدوّر بينَ مجالس إدارة مؤسساتنا الحيويّة؟ هل جفّت البطون لنعدَم رؤية الشبابَ المتعلّم الذي اكتسبَ خبراتٍ عالميّة ليقودَ مؤسساتنا الحكوميّة؟ لماذا تستثمر الدولَة في تعليم أبنائها في أفضل مؤسسات العالم ولا نرَاهم يتصدّرون مشهدَ صنَاعَة القرار اليوم؟ ألم يئن الأوان لتعُود الطيورُ إلى أعشاشها ونرى نتيجَة هذا الاستثمار الوطنيّ في الانسان العُمانيّ مترجماً في تصدير قيادات وكفاءات جديدة بعد أن استوفتِ القيادَاتٌ الحاليّة وقتَها؟ وهوَ ليسَ أمراً جديداً في العالم إذ هنالكَ نماذج كثيرة بإمكاننا الحديثُ عنها  مثلَ ريكس تيلرسون وزير الخارجيّة في الحكومَة الأمريكيّة الذي هُو في الأصل مهندِس مدنيّ ورئيس إحدَى أكبرِ شركَات الطاقة في الولاياتِ المتّحدة، وليسَ من العجبِ أن تكونَ أنجيلا ميركل في الأصلِ عالمَة كيمياء فيزيائيّة قبلَ أن تشغلَ منصبَ المستشارة الألمانيّة.

لماذا لا نزال نرَى مسؤولين حكوميين قضَوا حياتهم في بيئة بيروقراطيّة لا تزال تعمل بعقليّة الرسائل الورقيّة ، والقيَادة الطبقيّة ، يرشّحون ليقودوا شركَات حكوميّة خاصّة يعوّل عليها الاقتصاد الوطنيّ لتكون مصدَر دخلٍ لا عبئاً على جيبِ الدولة؟

لماذا رأينا قيادات تقود شركات النفطِ الكبرى في عُمان من مخرجَات القطاع الحكومي وتحديداً وزارة النفط على الرّغم أنّ قطاع النفط واحد من أنضج القطاعات الخاصّة التي أثبتَ العمانيون فيها جداراتَهم؟

لقد رأيتُ هيئات وشركَات حكوميّة يعوّل عليها الكثير ، تقودُ مشاريع بمئات الملايين ولكنّ الذي يحدث أنّه بمجرّد إعلان تأسيسها يصدّر العاملون في الوزارة الأقرب لها لينتقلوا بفكرهِم ليديروا تلك الشركة إلى حالة تخبّط وعشوائيّة. رأيت هيئات ننتظرُ أن تكونُ مستقبلَ عمان بينما لا يزالُ طاقمها "المستصدر" من الوزَارة الفلانيّة في عُزلة تامّة عن رؤية المؤسسة واتجاهها المستقبليّ.

نريدُ أن نكونَ إيجابيين تجاهَ واقعِ ما يحدث. أن نستيقظَ كلّ صباح مؤمنينَ أنّ "الأمور طيبة". نريدُ أن نصدّق كلّ عنوانٍ تطالعنا بهِ الصحف.. نريدُ أن نؤمنَ في صميمنَا أنّ مشاريعَ هذا الوطن في عهدَةِ أيدٍ نثقُ فيها ونريدُ أن نفتخرَ بالأسماءِ التي تقودُ اقتصادَ هذا الوطن وتتبنّى منجزاتهِ.

لقد تحدّثنا كثيراً عن خططِ التنويع الاقتصاديّ ولكننا أغفلنا الحديثَ عن تنويع الوجوه التي ستقودُ هذهِ الخطط. تحدّثنا عن تنويع الخططِ والاستراتيجيّات وأغفلنا أنّ علينا تنويع القيَادات والكفاءات التيْ نعهدُ إليهَا تنفيذِ هذهِ الرؤى والاستراتيجيات.

لقد آن الأوانُ أنْ نرفعِ سقفَ توقعاتنا بتعيين نخبَة النخبة. إنّ الرسائلُ التي ترسِلها الدولُ التي تعيّن قياداتٍ في عشرينيّاتها وثلاثينيّاتها لتقودَ كبرَى مؤسساتِها ليسَتْ رسائل عشوائيّة. إنها توصلُ رسالةً للعالم بثقتها في صنَاعة العقولِ التي تصدّرها، بتمكينهِم وإيمَانها بقدرتهم على اتّخاذ القراراتِ الأصوب لمستقبلِ أوطانهم. وهيَ تبعثُ رسالةً تطمينية أخرى للأجيالِ الشّابةِ الصّاعدَة بأنّ لهم مكاناً في صنَاعَة القرار الذي ليسَ حكراً على أصحابِ الشعرِ الرماديّ والكهُول وتحرّضهم على الالتحاقِ بأفضل مؤسسات التعليم ثمّ أفضل شركات القطاعِ الخاصّ العالميّة كحاضنَة لهم ليصعُدوا إلى مراكز صناعَة القرار.
آنَ الأوانُ للعمانيين الذينَ يعملون اليَوم في المؤسسات العالميّة أن يعودوا بكفاءتهم ويجدُوا مكاناً لهم في الحكُومة ليقودوا هذا الوطَن إلى ما يليقُ بهِ وبقائدهِ وما يليقِ بالانسانِ العُمانيّ ومستقبله.

 
 

الاثنين، 6 نوفمبر 2017

امرأة سريَّة..


مرَّتْ عليّ هذا العَام أكثرَ من أيّ عامٍ مضى حَالات خيَانة زوجيّة لنسَاءٍ أعرفهنّ بشكلٍ مباشر وغير مبَاشر سوَاءً كنّ طرفاً في الخيَانَة أو كنّ ضحيّة خيَانة أزواجهنّ.. هل هذَهِ مصَادفَة بحتَة أم أنّها أزمَة مجتمعيّة "خفيّة" يعيشهَا المجتمع؟ لا أعرف..

غير أنني بنَاءً على تكرّر الحَالات أحببتُ أن أضَعَ وجهَة نظرٍ شخصيّة لا أدّعي من خلالهَا خبرتي في فهمِ العلاقات الزوجيّة والأسريّة ولكنّها تقدّم رُؤيتي لمفهُوم العَلاقَة الجسديَّة وتقدِيري للجَسد.. كمَا أنّها تحمِلُ رسالةً لتلك المرأة التي تدخلُ في علاقَة جسديّة مع رجلٍ متزوّج.. أنا لا أفهَم كيفَ يفكّر الرّجل عندما يُقدِمُ على الخيَانة لكن وجهَة نظري التاليَة قد تفهمهَا المرأة أكثَر من الرّجل ومن أجلِ ذلك فإنني سأتوجّه بخطابي مباشرَةً إلى المرأة.

الجَسَد قيمَة انسَانيَّة كُبرى عكسَ ما يسوّق له كثِيرون.. عندمَا تمنَحُ المرأةً جسَدها فهيَ تمنحُ روحهَا معهُ ..

الكَثيرون مثلاً ينظرُون إلى الأعرَاس وحفلاتِ الزَفاف على اعتبَار أنّها مظهَر مبَالغ فيه وفي حقيقَة الأمر فإنّ الحَفلة الجَماعيَّة تلك هيَ احتفَال بالتقَاء جسَدين في تلك الليلة يجمعهمَا سقفٌ وَاحد.. إنّها حفلَة زَفاف ذلك الجسَد الأنثويّ الثَمين الذي ستنذرهُ تلك المرأةُ "حصرياً" لذلكَ الرّجل.. ذلك الجسَد الذي يُدفع له الغَالي والثّمين والذي يليقُ الاحتفَاءُ بمنحهِ لذلكَ الرّجل..

ورغمَ الابتذال الهائل في تسويقِ الجِنس عالمياً إلا أنني أرَاه أقصَى درجَات التجليّ الرّوحي بتوحّد هذين الجَسدين وتعبيرهمَا عن أقصَى درَجات القربِ والحميميّة وابتذالهِ في مسَاحَات أخرى هوَ تحييد عن الهَدف الفطريّ الذي جُعِلَ له.

الجِنس هوَ المحدّد الوحيد الذي يجعَلُ العلاقَة الزوجيّة مختلفَة عن أيّ علاقَة أخرى.. إذ أنّ هذا العنصر لا يحضُر في أيّ علاقَة أخرى نرتبطُ بها بمن حولنا: أشقاءنا أمهاتنا ، زملاءنا وأقَاربنا في العَمل ..

وحصريّته تلك هي ما تجعلُهُ ممارسَة مميّزة ينبغِي أن نحمِيها ونحَافظ ما استطعنَا على "حصريّتها" (monogamy (

جسَدكِ يا صَديقتي لا يليقُ أن يتقاسمهُ رجُلان في ذاتِ الوقتِ.. وإذا حدَثَ ذلك فهو لا يعبّر عن احترامكِ لذاتكِ ولقيمَة ذلك الجَسد.. الجَسد السرّ الذي لا ينكشفُ إلا لرجلٍ واحدٍ يليقُ بهِ..

كمَا أنّه لا يليقُ بكِ أن تكُوني امرأةَ الظلّ .. امرَأة في الظّلام..

عندمَا تمنَحين جسَدَكِ لرَجلٍ فأنتِ حَقيقةٌ بأن تكُوني كائناً حقيقياً لا يتقَاسمُ معكِ وقتهُ في الفِراش فحَسب أو امرأةً ينتهِي وجُودها بعد قضَاءِ وطرهِ..

ولكِن في شَاي الكَرك الذي تذهبَان سوياً لاحتسائهِ .. في الحَاجيّات اليوميّة التي تتسوّقانها معاً في السُوبرماركت.. في صَالة المستشفَى عندمَا تصابين بوعكةٍ صحيّة ويمسكُ بيدكِ أمام الجَميع. في جلسَات الشّواء الجمَاعيّة معَ عائلَتهِ .. في المشيِ المسائي على الشَاطئ ، في نزولكِ العلنيّ من سيّارتهِ في مقرّ عملكِ .. في التّفاصيل الصّغيرة والشؤون اليوميّة التي تجعلُ منكِ امرأةً حقيقيّة .. لا امرأة ظلّ .. لا عشِيقة .. لا "اسماً مستعاراً" على هَاتفهِ..

وُجودكِ العلنيّ هوَ ما يُخبركِ بأنّك كائنٌ أساسيّ لا هَامشي..

وأنتِ عندمَا تقررينَ دخولَ علاقةٍ كهذهِ فكّري في أطفَالك .. فأن تكُوني في علاقَة شيء وأنْ تدخلي في نفَقِ العَلاقَة الجنسيّة هو طريقٌ لا رجعة فيهِ لأنّ الأمر لا يرتبطُ فقط بكِ ولكنّك تضعِينَ على المحكّ حيَاتَين أسّريتين بأكملهما لا ذنبَ لأطرَافها في قرَارك..

نحنُ حتماً نملكُ حريّة أجسَادنَا وحريّة قرَاراتنا .. لكنّ القرَارات المرتبطَة بمصَائر آخرين هيَ ليسَت قرَارات شخصيّة تتعلّق بنا فحَسب.

قبلَ سنوَات حضَرتُ مع صديقةٍ كانت تخونُ زوجَها جلسَة استشَارة أسريّة مع خبيرَة علاقَات زوجيّة أجنبيّة وأذكُر آخر جملةٍ ختَمتْ بها تلك الاستشَاريّة حديثها.. لقد نظَرت إلى عيني صَديقتي تماماً وقالت لها: في يومٍ مَا عندمَا تنظرين إلى المرآةِ وأنتِ ممتلئة بالتجاعِيد وتتذكرِين كلّ ما قدّمتهِ في حيَاتك ، فكّري جيداً إن كنتِ ستكُونين فخورةً بما تفعلينهُ اليَوم. إنّ رجلاً لا يُريدكِ في الضّوءِ لا يستحقّك وإنّ مواصلتكِ في هذهِ العَلاقة هوَ المسمَار الأخير في نعشِ علاقتكِ الزوجيّة.

لقَد وَاصلتْ صَديقتيْ علاقَتها "السريّة" تلك .. لكنّها تطلّقت بعدَ سنوَات .. غيرَ أنّ شيئاً لم يتغيّرهوَ أنّها ظلّت "امرأةً سريّة" في حيَاةِ عشِيقها الذيْ لا يبدُو أنّه رآها تليقُ بعلنيَّةِ وجُودها في حيَاتهِ طالمَا قررتْ هيَ السّماحَ لهُ بأن تكونَ "امرأةَ الظلّ" ..

الجَسَد قيمَة انسانيَّة كُبرى ، متّى ما فرّطنا بهِ فإننا نفرِّطُ بقدسيَّةِ قيمٍ كثيرة مرتبطةِ به.. ومنْ يَهُن يسهُل عليهِ الهوَانُ عليه!