10 فبراير, 2010

الانتَرنت ينَافسُ "أم زكِي" !/ردُهـَات



عائشَة السيفيّ
ufuq4ever@yahoo.com


قبلَ أربعِين عاماً حينَ تمّ تصنِيع أوّل حاسُوب يعمل بتقنيّة الانترنت لمْ يكن مخترَعوه يعرفُون أنّ الانترنَت سيتحوّل إلى عالم يشمَل الفيس بُوك واليُوتيوب ومواقع المحادثة بالفيديُو .. وإنْ كانت هذه الخدمات بعيدَة التوقّع إلا أنّ أحداً منهم بالتأكيد لم يتوقّع أنّ الانترنت سيتحوّل إلى أداة "تجمِيع بين الرؤوس بالحلالِ" أو خطّابة الكترونيّة تفُوق فيْ عملهَا وقدرتها قدرَات "أم زكي" في باب الحَارة ..
في الموَاقع الغربيّة أصبحَت مهنَة الماتش ميكر أو التوفيق بين شخصَين عاطفياً للزوَاج مهنَة مربحَة تدر الملايين على أصحابهَا .. إذْ تقدّر نسبَة دخلها بما يزيدُ عن 80مليُون دولار سنويّاً تتوزّع ما بينَ الإعلانات أو الرسُوم الرمزيّة التيْ يدفعهَا الباحثُون عن شريكِ حيَاتهم ..

أمّا في المواقع العربيّة فليسَت هيَ بأقل من نظِيرتها الغربيّة مع وضوح العشوائيّة في الطرح وعدم الاحترافيّة وشيُوع النصب والضحك على الذقُون على أولئك الذين عدمُوا شركاء حياتهم حتّى لجئوا إلى ذلك العالم المجهُول المختبئ خلفَ شاشاتِ حواسيبهم ليبدؤوا رحلَة البحث عن الحبيب أو الحبيبَة المتخيّلة ..

جولَة قصيرَة في رحَاب هذه الموَاقع "تفطسكَ من الضّحك" وتبعثُ فيك الاندهَاش لوجُود عالمٍ من البشر وهم يدرجُون مواصفات شرِيك حياتهم المطلُوبة ..
أحدهم يقولُ : (مطلُوب فتاة لزوَاج مسيار قابل للإشهار بعمر 18ل35سنَة من مدِينَة .. ) .. كلمَة قابل للإشهَار .. تذكّرك جيداً بإعلان عن طرح سيّارة للبيع مع قابليّة التفاوض ..
أو ذاك الذي يشترطُ (معلّمة لا يزيدُ طولها عن 162سم) .. أو أخرى تطلبُ زوجاً مقيماً في مدينَة كذا يشبهُ المذِيع "هشَام عبدالرحمَن" !

طلبَات غريبَة للغايَة وشرُوط أغرب تدفعكَ للتساؤل إلى أيّ مدَى تنجحُ هذه الزيجَات وهل وصلَ اليأس بهؤلاء البشر للجوء في لعبَة مكشُوفة يرتديْ فيها 90% من لاعبيهَا هوية ً مزيّفة؟

فتيَات لم يبلغنَ العشرينَ وأخريَات تخطين الثلاثين تشتركُ جميعهنّ في البحث عن الرجل الذي يسترهنّ كما يشير الموقع ..
في إحدَى المواقِع يوضّح الموقع طريقَة الوصولِ للفتاة المعلِنَة عن رغبتها في الزوَاج بعبَارة :
(أيضا يقوم الموقع بتقديم خدمة الخاطبة المدفوعة ، حيث تقوم الخاطبة العاملة مع الموقع بالاتصال بالطرف الثاني ، و التأكد من مواصفاته و جديته ، و ترتيب زيارة عائلية للتعارف و الخطوبة لاحقا، هذه الخدمة تكلفك فقط 300 ريال مرة واحدة ، بإمكانك تسديدها عبر وصلة توكيل الخاطبة أدناه)

مهنَة الخَاطبة هذهِ ليستْ غريبة على أيّ مجتمعٍ عربيّ بل هي جزءٌ من تاريخ كلّ مجتمعٍ ويمتدّ دورهَا لآلاف السنين منذ عصرِ الجاهليّة الذي اشتهرت في أيّامه أشهرُ خاطبات العَرب أم نعزَة التميميّة التيْ كانَ العرب بدواً وحضراً يقصدُونها ببناتهم لتزوّجهنّ .. وكانَ الأمراء وشيُوخ القبائل يقصدُونها باحثِين عن فتَاة يناسبُون عائلتها رغبة ً في تقويَة روابط القبائل ولئم الشرخ بين قبيلةٍ وأخرى ودمج النسَب الذي يحمي القبيلتين الحربَ وإرَاقة الدماء ..

في مواقعِ الانترنت لا يخجلُ المشتركُون من الإفصاحِ عن نوعيّة الزواج الذي يريدُونه فهنَاك من يطلبُ زوجَة للمسيَار وهنَاك من يرغب في البحث عن زوجَة لمساكنتهِ أثناء دراستهِ في الخارج وانتهاء الزواج بعدَ ذلك .. وهناكَ من يشترطُ أن يقومَ بدور الزوج دونَ أيّ صرفٍ عليها .. وهناك الزوَاج المتنقل الذي يعلنُ فيه الزّوج عدم مسؤوليتهِ عن توفير مسكن للزوجة وعدم الاستقرارِ معها في منزلٍ واحدٍ ..

أنواع الزوَاج تلكَ استحدَثها الزمَان والمكان رغمَ العربُ قديمهم ليسوا بغريبين على هكذَا طقُوس ففي كتبِ العرب القديمَة يتحدّث المؤرخُون عن زواجاتٍ مختلفَة أبرزها تلكَ التيْ تجمَع الزوجَة فيها بينَ أكثر من زوج يعاشرُونها معاً فإذا حبلت بعثت إلى أحدٍ منهم تنسبُ إليهِ ابنَها ولا يحقّ لذلك الرجل بأيّ حالٍ من الأحوال إنكار بنوّة الطفلِ إليهِ ..
وهناكَ زواج المستفحِل .. وهوَ أن يهجرَ الرجل زوجتهُ أمداً ويعهد بها إلى رجلٍ آخر .. وعمدَ العربُ إلى ذلك كثيراً رغبة ً في الحصُول على نسلٍ من رجالٍ فرسَان معروفين بشهامتهم وشجاعتهم فترغبُ الأسرَة في الحصُول على نسلٍ من فارسٍ عربي شهير فيعمد الرجل لإعارةِ زوجته بشكل مؤقت وتزويجها لذلك الفارس حتّى تحبلَ منهُ .. ثمّ تعُود لزوجهَا السّابق

وأكثَر الزواجات غرَابة هي تلكَ التيْ يتزوّج فيها الرجلُ أرملَة والدهِ بأن يأتي إليها ويلقي عليها بردَائهِ وهذا دلالة َ أنه ورثها من ضمنِ إرثِ أبيهِ .. وفي تلكَ قصَة طريفَة أنّ ثلاثَة من الاخوَة اختصموا في الزواج من أرملَة والدهم وحينَ لجئوا لإحدى عرَافاتِ العرب الشهيرات أشارت عليهِم بأن توضع الأرملَة وسط ساحَة القبيلة .. ويركبَ كلٌ منهم حصَانه ويتسابقُوا إليها فمن يسبقُ منهم برميِ ردائهِ عليها فازَ بها ..

نعُود مرةً أخرى إلى الزواج الالكترونيّ الذي راجتْ موضتهُ مؤخراً فقد أوضحَ معهدٌ فرنسيٌ للدراساتِ أنّ 63% من الرجالِ الذين يقدمُون في هذه المواقع الالكترونيّة أنهم في الأساسِ متزوجُون وأشارَ إلى أنّ كثيراً منهم يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى إدمانِ التسجيل في المواقع الالكترونيّة وأنّ أغلبَ الزيجات تكونُ سريعَة ومنتهيَة المفعول .. كمَا أشار في درَاسة إلى أنّ 3من أصلِ 5 رجَال يشعرُون بنظرَة دونيّة للمرأة التيْ تعرضُ نفسها للزواج عن طريقِ الانترنت ..
دخلَ الزواج الانترنتي أو التوفِيق بين شخصَين عاطفياً حيّز التلفزيُون والسّينما لعلّ أبرزهُ فِيلم Burn after reading الذي قامَ ببطولتهِ الرائعَان جورج كلوني وبراد بيت ويسلّط الفيلم الضوء على مواقع الماتش ميكَر إذ يبرُز جورج كلوني بكونهِ زير نسَاء يصطَاد النساء عن طريق مواقع الانترنت هذهِ ويوهمهنّ بأنه غير متزوّج ويختلق شخصيّة وهويَة مختلفَة تماماً بعيداً عن شخصيّته فيما جورج كلوني متزوّج ولا ينوِي بأيّ حالٍ تطليق زوجتهِ ..
وفي الجَانبِ الآخَر تظهَر فرانسِس مكدورماند كامرَأة يائسَة تكره جسدها وتحاولُ إصلاحه بعمليّات التجميل رغبة ً في أن يعجبَ بها شريك حياتها الذي ستقابلهُ في الانترنت وتظهر مكدورماند كامرَأة مخدوعَة تلتقي برجال كثرٍ عبر الانترنت رغبَة في الزواج بهم تكتشفُ في كلّ مرّة أنهم متزوجّون وأنهم يشتركُون في هذه المواقع بحثاً عن الإيقاع بامرأة ينامُون معها ..

هكذَا إذن تعتاشُ هذهِ المواقع على فكرَة رغبَة طرف في الاستقرار ويأسه في تحقيقِ ذلك ووجود طرفٍ آخر يجدُ مبتغاه في الحصُول على امرأة أو رجل لتمضيَة الوقت أو الهرب من زوجَة ملّها زوجها فأراد تغيير الجو بشكلٍ مؤقت مع امرأة يخطبهَا له الانترنت بحرفيّة تفوق حرفيّة "أم زكي" خطّابة باب الحَارة الشهِيرَة !

02 فبراير, 2010

"دِي سَاد" .. وجدلُ الفصلِ بين النصّ وسادِيَّةِ محتوَاه ؟ / ردُهـات

"دِي سَاد" .. وجدلُ الفصلِ بين النصّ وسادِيَّةِ محتوَاه ؟

عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com



لم يُثرْ أيّ كاتبٍ أدبيّ جدلاً حولَ الفصل بينَ تقييم النصّ الأدبيّ وتقييم محتوَاه من أحدَاث وتفاصِيل كمَا أثَارتهُ كتابات الماركِيز فرَانسوَا دي سَاد .. ولمْ يُلعَن روائيٌ على كتاباتهِ على مرّ التاريخ كما لعنَت هذهِ الشخصيّة المثيرَة للجدَل ..


لعلّ كثيراً منّا يقرأُ أو يرى على التلفزيُون مصطلح "ساديّ" أو ساديّة دونَ أن نفكّر من أين نشَأ هذا المصطلح .. ووفقاً لتعرِيف علمَاء النفس فإنّ الساديّة هي الشعُور بالرّضا حينَ يتألّم الطرف الآخر أو يشعر بالمعَاناة وتردُ كثيراً في عالم النّفس الجنسيّ وتحليل كثير من سلُوك المجرمين خاصّة .. أشهر المجرمين العالميين الذي هزّوا أخبَار الصحف بجرائمهم أو Serial killers الذينَ استهدفُوا في ضحَاياهم الكثِير من العاهرَات وقتلهنّ بعدَ تعذيبهنّ جسدياً ..


الحَديث عن حياة الكونت دي سَاد يدخلنَا إلى عوالِم غريبَة جداً نتسَاءل خلالهَا هل فعلاً من حقّ القارئ محاكمة النصّ الأدبيّ من ناحيَة أدبيّة فقط؟ أم أنّ من حقهِ أيضاً أن يعاقب الكاتب على ما يحتويهِ نصّه من إيعازاتٍ وتفاصيل؟


ويفرض علينا التساؤل أيضاً هل يحقّ للقارئ أن يحاكِم الروائيّ على ما نسجهُ خيالهُ من أحداثٍ مفترضَة؟ أمْ أنّ من حقّ الروائي نسج أي أحداث في روايتهِ بافتراض أنّها لا تخرج عن دائرة التخيّل وأنها لم تؤذِ أحداً ..


اشتقّت كلمَة الساديّة إذن من اسمِ الكونت دي سَاد الذي ولد في عام 1742م لأحد النبلاءِ الباريسيين .. ونشَأ كأيّ فتى عاديّ بين والديه وفقَ تعاليم الكنيسَة التيْ كانت مسيطرَة في ذلك الوقت في كلّ حيثيّات المجتمع الفرنسيّ .. ومنذُ نشأتهِ بدأت تتضحُ ميُول دي ساد الساديّة في الجنس وغيرهِ وبدَأ بالاعتراف بأفكارهِ الإلحاديّة واعتبارهِ أنّ الطبيعَة وحدها كفيلَة بإخرَاج شرور الانسَان الكامنَة وأنّها إن لم تظهَر فهذا لأنهُ يكبتها بدافع من الضمِير واعتبَارها أفعالاً خاطئة .. فأسرع والداهُ بعقدِ صفقةِ زواجهِ على واحدَة من بنات أشهَر العائلات الباريسية آنذَاك ثراءً .. غيرَ أنّ هذا لم يثن الكونتَ عن نزوَاتهِ الجنسيّة التيْ كانَ أبرزهَا احتيَاله على فتاة فقيرَة بادّعاءِ توفير عملٍ لها واحتجازهِ لها في قصرهِ وتعذيبها بجَلدِها وسكب الشّمع الساخن عليها .. ولم تنجُ تلك الفتاة منهُ إلا برمي نفسها من الطابق الثاني بقصرهِ وإبلاغ الشرطَة عنهُ غير أنّ الفتاة تنازلتْ لاحقاً بضغوط من عائلتهِ على عائلتها الفقيرَة ..


لم توقِف تلك الحَادثَة هذا الرجل عن مواصلة أنشطتهِ الساديّة الغرائبيّة بلْ زادتهُ تعنّتاً كانَ آخرها إغواء أختِ زوجتهِ التيْ جاءت لزيَارتها .. والتيْ كانتْ تخطّط لأنْ تكونَ راهبَة .. هذا الأمرُ دفعَ أمّ زوجتهِ إلى تعقّب أي زلّة منه للزج بهِ للسجنِ رغبةً للانتقَام منهُ بعد أن خانَ دي سَاد زوجتهُ مع أختهَا .. لمْ يتوقّف الأمرُ عند هذا الحدّ فبعدها بقليلٍ هزّ المجتمع الباريسيّ حدث إبلاغِ أربعَةٍ من المومسَات بلاغاً ضدّه لدى الشرطَة الفرنسيّة باتهَامه بتسميمهنّ وتمزِيق أجسَادهنّ بالسيَاط الحديديّة في حفلَة جنسيّة داعرَة شاركَ بها خادمهُ المقرّب بينَ جنسٍ وسحَاق ولوَاط وتعذِيب.


فحكمَ عليهِ القضَاء بالمَوتِ شنقاً هُوَ وخادمهُ لكنّ حادثة ٌ كهذهِ دفعت الكونت للهَرب مع زوجتهِ وأختهَا إلى إيطَاليَا وهنَاكَ قامَ بتأليف عملهِ الروائيّ الأوّل .. الرحلة إلى إيطَاليا أو عنوانٍ آخر عدلهُ لها هي الرحلَة إلى سافوي .. نسبة ً إلى اسم القصرِ الذي أقامَ بهِ ..


ورغمَ خيانته لها مع العشرات من الرّجال والنسَاء حتّى مع أختهَا .. ظلّت زوجتهُ تجالدُ معهُ وتقفُ بجانبهِ ..

استطَاعتْ أمّ زوجته بعدَ ذلك إغراءهُ بالعودَة وذلكَ بنقل خبر مرض والدتهِ الشديدِ إليهِ وما أن وصلَ إلى باريس حتّى قامت الشرطَة بالإمسَاك عليهِ .. وباستخدَام وساطات عائلتهِ تمّ تخفيف الحكم عليهِ من الإعدامِ إلى السّجن .. في السّجنِ كتبَ دي ساد أشهَر رواياتهِ وهيَ روَاية 120 يوماً في سادوم وهي روَاية مقزّزة للغايَة تعجّ بمشاهد العنف والتعذيب تتحدّث عن أربعَة أثرياء يجلبُون أربع قوّادات إلى قصر معزُول في أعالي الجبَال لتتحدّث كلّ قوادَة عن مغامراتها الجنسيّة وأساليبها الجسديّة الأعنف .. ويقُوم هؤلاء الأثريَاء الأربعة باحتجَاز 42 فتَى وفتاة .. يتمّ إنزال أصنَاف العذَاب الجسديّ بهِم .. بهذهِ الروَاية بدأت كتَابات دي ساد تلقى رواجها في المجتمعِ الفرنسيّ .. وكانَ يقوم بتهريبهَا بطرقٍ مختلفَة من سجنهِ.. وكتب خلالَ فترة سجنهِ أشهر رواياتهِ كروَاية جوستِين .. وهي روَاية ترجمَتْ للعربيّة ومتوفّرة على الانترنت بلغاتٍ شتّى .. وهذه الرواية استلهمَها دي ساد من فتَاة قابلهَا تقترب حياتهَا بشكلٍ كبير من أحداث روايتهِ تلك .. وتتحدّث عن امرأة اسمها جستِين حكمَ عليها بالإعدام لارتكَابها جرائمَ عدّة وتروي قصّتها لامرَأة أخرى تتحدّث عن أنّها كانت فتاةً فاضلَة إلا أنّها تعرّضت في حيَاتها لكثيرٍ من التعذِيب والعنف من رجالٍ مختلفين غيّروا شخصيّتها وتتضمّن الروَاية كذلك مشاهدَ عنفٍ كثيرَة مليئة بالساديّة أبرزهَا لحظَة الانفجَار التيْ قادتْ جوستين للإعدَام وذلكَ بقطعهَا قضِيب أحدِ من عذّبوها وإجبَارهِ على ابتلاعهِ .. ثمّ إذابتهِ بالأسِيد.. مشَاهد كهذهِ تتكرّر كثيراً في روايات دي ساد اللاحقَة ما جعل ثيمَة العنف والتعذيب حاضرَة بشكلٍ دائم في كتابات الماركيز دي ساد ..


كانَ الماركيز شغوفاً بالكتابة الروائيّة ومحباً لأنْ يتمّ تمثيل رواياتهِ لذا استخدم نفوذهُ لبناء مسرحٍ في السجن وكانتْ مسرحيّاته يتمّ تمثيلها بشكلٍ دوريّ في مسرحِ السّجن .. حتّى أوقفهَا نابليُون بعدَ أمدٍ باعتبَارها روايات فاحشَة تخلّ بالذوقِ العام وتشجّع دي ساد على مزيد من بوهيميّة المشاهد الجنسيّة الفاجرَة في رواياتهِ


واستمرّت حيَاة الكونت بينَ دخولٍ للسّجن أو خروجٍ منهُ .. وفي المقابل ازدادتْ شهرتهُ بينَ الناس .. وكانتْ رواياتهُ تلقى رواجاً بينهم وكأنّها أشرطَة بورنُو أو مسرحيّات إيروتيكيّة فاجرَة..


أكثَر رواياتهِ التيْ هزّت النّاس للحدّ الذي أمرَ نابليُون بونابرت نفسهُ بمنعِ الماركيز من نشرِ رواياتهِ هي روايته فلسفَة المخدع .. والتيْ تحكيْ عنِ امرأة أرستقراطيّة عهدتْ بابنتها إلى ثلاثة أشخاص في قصرٍ لتعلِيم ابنتهَا فنُون النّكاح .. إلا أنّ هؤلاءِ خلصُوا إلى حفلاتٍ ماجنَة جنسيّة معها وتعلِيمها أصنَاف التعذيب الساديّة وأكثَرها فحشاً ، قامَ هؤلاء بتعليم الفتَاة .. أنّ الغايَة الأسمَى للأنثى هي النّكاح .. وبأعنفِ أنواعهِ طالمَا أرضت شهوَتها وأنّ كلّ المفاهيم التي تخالف هذا المبدأ هي مفاهِيم سخيفَة وغبيّة .. وتنتهيْ الرّواية بمشهدٍ مهيبٍ جداً حيث تعود المرأة إلى أخذ ابنتها إلا أنّهم يحتجزُونها وبمبَاركة ابنتها .. ويتمّ إحضَار عبد أسوَد مصَاب بأكثر الأمرَاض التناسليّة فتكاً آنذَاك وهو مرض الزهريّ ويقوم العبد باغتصَاب الأمّ ونقل المرضِ لها .. ويقومُون بإطلاق الأمّ وتركها تعُود مصابة ً بالمرض ..


ظلّ الكونت قرَابة عشر أعوَام نزِيل سجن الباستِيل .. الأشهر على الإطلاق آنذاك ويقالُ أنّ الكونت كان من المحرّضين على ثورَة الباستيل وذلكَ باستخدَامه الأنابيب التيْ يتبوّل فيها السجناء كمكبّرات صوت وكان يصرخ للنّاس خارج السجن .. ( إنّهم يقتلُون السّجناء هنا .. إنّهم يعذبونهَم ) ..


ثمّة فيلم شهِير أنتجتهُ هوليوود يؤّرخ لمرحَلة وجود الكونت في السّجن وهوَ من بطُولة الممثلَة الرّائعة كيت ونسليت التي أبدعت في الفيلم بتمثيلها دورَ خادمَة تعمل في مصحّ عقليّ تقوم بتهريب ما يكتبهُ الماركيز للخارج ومن ثمّ تنشر رواياتهُ.. وهوَ فيلم يعجّ بالمشَاهد الدمويّة والغرائبيّة ويسلّط الفيلم الضّوءَ على محاولات الكونت العجيبَة في تسرِيب روَاياتهِ بعدَ محاربَةِ الحكومَة الفرنسيّة له بصفتهَا كتابات شيطانيّة تشجّع على الجريمَة.. فصادرتِ الحكومَة أورَاقه وأقلامه فاتّخذ من عظَام الدجاج التي تقدّم له في الطعام .. ريشاً للكتابة .. واستخدَم الخبزَ ورقاً للكتابة وقامَ بتهريبه .. وحينَ فطنت إدارة المصحّ إلى ذلكَ كسر مرآة َ، زنزانتهِ واتّخذ منها ريشة ً للكتابَة ودمهُ حبراً .. وحينَها صودرتْ المرَايا .. بدأ في نقلِ تفاصيل روايتهِ شفهياً بالهمس لجارِ زنزانتهِ والذي يهمسُ بدورهِ لمن يليهِ حتّى يتم إيصالها للخادمَة.. إلا أنّ الكونت لم يفكّر يوماً أن تفاصيل ما ينقلهُ لنزلاء زنازين المصحّ العقليّ قد يدفع نزيلاً للتفاعل مع الروَاية واغتصَاب الخادمَة وقتلها ..الأمرُ الذي فطَرَ قلبَ الكونت وذلك لارتبَاطهِ عاطفياً بالخادمَة المطيعَة التيْ كانتْ مستودَع كتاباتهِ وبصيص النور الذي يحملُ ما كتَب من إيروسيّات إلى الشّعب .. وحينَ انتبهت إدَارة السجن لذلك جاء أمرٌ مباشرٌ من نابليُون بقطعِ لسان الكونت للقضاء على مصدرِ البلاءِ نفسهِ ، وهنَا تتصَاعد أحداث الفيلم في عجائبيّة غريبَة على سعَار الكونت وهوسهِ الشديد بنشرِ إباحيّاتهِ فيبدأ في استخدَام برازهِ كحِبر .. واستخدَامهِ جدرَان زنزاتهِ كورَق .. وازدادَ تدهورُ حالَة الكونت الصحيّة شيئاً فشيئاً بعد مقتلِ الخادمَة وطلبِ زوجتهِ الطلاقَ منهُ وحصولهَا عليهِ بالفعلِ .. ويقالُ أنّه ماتَ مسلولاً وقيلَ قتلتهُ الحمّى والهذيَان وترجّح رواياتٌ كثيرة ٌ أنّهُ ماتَ منتحراً بابتلاعهِ صليباً أعطاهُ إيّاهُ راهبُ السّجن ..


حيَاة غرائبيّة جداً عاشها الكونت نادَى خلالَها بمفَاهيم أنّ إرضَاء الرغبَة هي القيمَة العليا التي لا يعلَى عليها وأنّ ما عداها هي وسائلُ لتسخيرهَا لها .. تنقّل خلالها بينَ سجونِ فرنسَا وأكثرهَا ظلمةً وبشاعَة وانتهَى بهِ الحال نزيلاً لإحدى أشهر المصحّات العقليّة في فرنسَا ..


ورغمَ ذلكَ فإنّ دي سَاد نفسهِ ذكرَ أنّه وإن ذكرَ في روَايتهِ مشاهد اعتداءٍ على أطفَال أوْ مشاهِد قتل وتمثِيل بالأجساد فإنهُ لا يمكنهُ أن يفعلَ ذلك وأنّ كل ذلكَ من نسجِ تخيّلاتهِ ولا يستطيعُ أن يقترفَ أفعالاً كتلكَ من اغتصَابٍ للأطفَال أو قتلٍ لأيّ انسَان .. هذَا الأمر دافعتْ عنهُ وبشدّة زوجتهُ التيْ كانتْ تقول دائماً : (حاكمُوا دي سَاد على أفعالهِ .. لا على كتاباتهِ ) ..


رحلَ الكونت دي سَاد مخلفاً العار والخيبة لعائلتهِ .. بالرّغم أنّ كثيراً من رسائلهِ التي وجدتْ بعد موتهِ والتي بعث بعضها لزوجتهِ وبعضها لأمّ زوجتهِ كانتْ تحملُ الكثير من العاطفَة الأبويّة والانسانيّة في طيّاتها إلا أنّ ذلك لم يغفر له عندَ أولادهِ الذينَ أمرُوا بحرقِ كلّ مؤلّفاتهِ والتخلصِ منهَا .. غيرَ أنّ الشعبَ كانَ يتناقل مؤلفاتهِ التيْ وجدت طريقَها إلى مئات الآلافِ من النّسخ ..


لم يكنْ دي ساد مجنُوناً ليودع في مصحّ للمجانين بفضلِ وساطات أهلهِ لنقلهِ من السّجن للمصح العقليّ بل كانَ مجنوناً –كما وصفهُ أحد القساوسَة آنذاك- بالشرّ والحيوَانيّة الجنسيّة ..


لمْ يُكره كاتبٌ كمَا كرهَ دي سَاد .. ولم يلتصِقِ الشّر والعار بشخصِ روائيٍ كما التصقَ بهِ .. ولم تضرَب مغامرات ساديّة كأقصَى أمثلة البوهيميّة والتعذيب كما ضربَ المثل بمغامرَاته ومع ذلكَ لم يخفِ علماء النّفس والأدب في آنٍ واحد عبقريّة الخيال الذي غاصَ إليهِ دي سَاد وقدرته في تصوِير أقصى درجَات الشرّ داخل الانسان وما يمكنُ أن تفعلهُ الرغبَة في شخصِ أيّ انسانٍ عاديّ وتحويلهِ إلى لاهث ورَاء أبشع صوَر التعذيب لإرضَاء شهوَاته ..


استخرجتْ جمجمتهُ بعد دفنهِ بأعوَام .. ليتمّ دراستها في علم الفرَاسة وأبحَاث دراسة جماجِم العباقرَة ورغبَة في اكتشاف علاقة شكل الجمجمَة بتوجّه الخير أو الشرّ واستيلائهِ على سلُوك الانسَان وهل هوَ سلوكٌ وراثيٌ أم مكتسَب ..


لا تزَالُ روايات دي سَاد تطبع باستمرَار وأنشئت عشرَات المواقِع على الانترنت لتأريخ كتاباتهِ الأدبيّة كما ولا تزَال مخطوطَات رواياتهِ الأصليّة تباع بالملايين في المزاداتِ العالميّة .. وظلّ السؤال الأكثَر جدليّة قائماً حتّى بعد مرُور أكثر من قرنَين على رحيل دي سَاد .. هل يحَاكم الكاتبُ على أحدَاثِ ما يكتبهُ وإن كانَ من نسجِ الخيَال أمّ أنّ للقارئ الحقَّ في أن يحَاكم نصّه أدبياً فحَسب؟

27 يناير, 2010

نبيٌ منَ الوردِ ..

حَبيبيْ ..
نبيٌ منَ الوردِ ..
أنفَاسهُ ليلـَك ٌ ... دَمـُهُ زعفـرَان !

العَالم قائماً على "ادفشنيْ وأطيح!"/ردُهات


عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com

فيْ كتابهِ الصادر في نهاية ستينيّات القرن المنصرم يتحدّث العالم باول أهرليك عالم السكانيّات والاقتصاد عن التضخم السكّاني الذي يشهدهُ العالم وتسارع الامتلاء السكانيّ للأراضي الفارغة في العالم بأنّ عدد سكان العالم تضاعفَ ستّ مرات منذ ما كانَ عليه في بدايات القرن العشرين حيثُ قفز من مليَار ونصف إلى 6.8 مليَار نسمَة يعيشون على وجهِ هذه البسيطَة ..

يقترحُ بول أهرليك في كتابهِ سنّ قوانين دوليّة صارمَة بشأن حقّ كل فرد في هذه الأرض بأن ينعم بهواءٍ صحيّ بما أن الأرض ملك للجميع .. بمعنى أن تكون قوانين الإنجاب واحدة على جميع الدول ..

الذي دفع أهرليك لذلك هوَ حقيقَة أن البشر يتكاثرونَ بتزايد ولكن دونَ تساوٍ في عمليّة التكاثر .. بمعنى أنّ هنالك دولاً كثيرة تتراجع في مستويات الإنجاب تعوّضها دولٌ أخرى في ذلك ..

فعدد السّكان في الدوَل الفقيرة ودول العالم الثّالث تساوي ضعفَ عدد السكان في الدول الغنيّة ذات الدخل المرتفع وفيما يصلُ معدّل إنجاب المرأة في دولة فقيرَة كأنغولا 7 أطفَال .. يبلغ متوسط إنجاب المرأة في السويد طفلاً واحداً فقَط ..

ليسَ هذا ما يقلقُ أهرليك فحسب بل إنّ تراجع الإنجاب والتزايد السكانيّ في الدول كلّما زاد دخل الفرد فيهَا يدفعه للتساؤل .. هل التقدم العلميّ عدوّ للتكاثر السكانيّ؟ وهل وعي الأبوين نتاج لهذا التراجع السكانيّ؟

يتخذ أهرليك ألمانيا مثالاً على ذلك .. ففيما كانَ عدد الأفراد الذين يشغلون متراً مربعاً واحداً في ألمانيا قبل عشرين عاماً 342فرداً أمّا اليَوم فيشغلُ 230فرداً كيلومتراً مربعاً واحداً ليعيشُوا فيه .. بالنظَر إلى ارتفاع مستوى دخل الفرد الألمانيّ بشكلٍ ملحوظ مما كان عليهِ قبلَ عشرينَ عاماُ ..

الأمرُ يحدثُ بالعكس في منطقَة فقيرَة جداً كغزّة يبلغ دخل الفرد فيها دولارين ونصف حيث يشغلُ مليون ونصف فرد من السّكان مساحَة 360 كيلومتراً مربعاً ..

قبلَ عامٍ نشرت مجلّة العربيّ مقالاً حول ظاهرَة التكاثر السكانيّ في العالم وتحدّثت أنهُ مع تكالب موضوع التكاثر السكانيّ الضوئي وتصاعد كميّات البشر الذينَ يشغلون مساحَات الأرض إضافة ً إلى ارتفاع نسب الأدخنة والملوثات الكيماويّة والصناعيّة التي يملأ بها البشر الأرض بالإضافة إلى ارتفاع مستوَى حياة الفرد فإنّه ينبغيْ تقنين كلّ عائلة لتمتلك طفلين فقط .. وذلك حفاظاً على سلامة الحياة وديمومتها على سطحِ هذا الكوكب؟

فيما لو اختلّت هذه المعادلة واستمرّ البشر خاصّة دول العالم الثالث ومن ضمنهَا سلطنتنَا عمَان .. في إنجاب كلّ عائلة عدد أفرادٍ لا يقلّون عن 6 أطفَال فمَا البديل الذي يمكن الحصُول عليهِ لضمان الاستمراريّة بسلام في الأرض؟

بالتأكيد فإنّ خيار البحث عن كوكب احتياطي خيار وارد وإن كانَ بعيداً .. ويحضرني في ذلكَ مقال للكاتب الجميل فهد الأحمديّ يتحدث فيه عمّا لاحظهُ عالم المجهريّات أنتوني لوفنهوك حينمَا قام بأولى تجاربه في مراقبة البكتيريا والفطريّات في عيّنات العفن .. يقولُ أنتوني لوفنهوك أنّ ما لاحظَهُ كالتّالي: أنّ البكتيريا كانتْ تتكاثر وتتكاثر للحد الأقصى الذي تمتلئ فيه مساحة العفن وحين تجد أنّ العينة لم تعد قادرةً على تزويدها بالحيَاة فإنّها تتوقّف ..

ولوحظ هذا على عددٍ من ممالكِ الحيوانات مثلَ الطيُور .. والأفاعي التيْ تتكاثر في جحر لحدّ معيّن ثم تتوقّف .. بعدَ ملاحظَة أنّ مقوّمات الحياة في مساحة التكاثر لم تعد كافيَة .. فهل هذا ينطبق على عالم البشر؟

العكس طبعاً هو ما يحدث فكلّما كانت الظروف أكثر سوءاً والمعيشة أكثر تعقيداً والدخل أقلّ كلما ازداد الإنجاب والحَمل .. والبشر لا يملكُون تلكَ القدرَة على ضبط الإنجاب بملاحظة أنّ الظروف لم تعد مواتيَة بل إنّ العكس هو ما يحدث ..

يكمل الكاتب القولَ أنّ تلك البكتيريا نفسهَا تستعيد تكاثرها مرةً أخرى .. بمجرّد نقلها لعيّنة أوسع ..

تماما مثل تكاثر فقمة البحر التيْ يقلّ تكاثرها بشكل تلقائي حين يقلّ توفّر السمك قريباً من الشطّ فلا يمكن أن تكونَ هنالك سمكة واحدة لخمس فقمَات .. بينما يختلف التكاثر إذا كانت كل فقمَة تحظى بسمكتينِ كلّ يوم ..

الفرق بيننا وبينَ الحيوانات أنه لا يوجَد مكان بديل أوسَع ننتقل إليهِ فيما لو بلغ استيعاب هذه الكرَة الأرضيّة حدودها ..

ثمّ علينا ألا نقيس تكاثرنا بها بالنظر إلى أنّ ما تحتاجه هذه الحيوانات هو طعام وبيئة للعيش بينما نحتاجُ نحنُ مكاناً نسكنُ بهِ .. تعليماً .. ضماناً صحيّاً .. إلى آخره من متطلّبات عيش الفرد ..

ولا يمكن قياس مساحة الأرض بعدد ما يشغلهَا من سكّان .. فعمَان مثلاً يشغلُ 9 أفراد منهَا مساحة كيلومتر مربّع واحد لكنّ دخل العائلة فيها طبقاً لإحصائيات البنك الدوليّ عام 2006 يبلغ 280 ريَال عمانيّ ..

الآن نقيسها بدولَة مثل الدنمارك يبلغ عدد الأفراد الذين يشغلون مساحة كيلومتر مربّع بها 125 فرداً .. لكنّ الدخلَ

يبلغ 1280 ريَال عمانيّ

فإذن معدّل الإنجاب لدى الدنماركيين ينبغي أن يكون أربعة أضعاف ونصف عدد الإنجاب لدينا إذا قسناه بمستوى الدخل .. رغم أنّ عدد السكان الدنمَاركيين في كل كيلومتر مربّع واحد يعدّ أكثر منّا في عُمان ..

مرةً سُئلَ أحدُ الصحفيين ما هي المقوّمات التيْ تحدّد عدد أفراد كل عائلة فأجاب .. شهادة الأبَوين .. مشيراً بذلكَ إلى حقيقة أنّه كلما كان الأبوين أقلّ تعليما وفقرا كلّما كان وعيهما بالإنجاب أقل..

قبلَ أيّام .. كان أخي يحدّثني عن قريبنَا طالب الجامعَة الذي يدفعُ من مصروفهِ الذي يستلمهُ من الجامعة لمساعدَة والدهِ في إعالةِ أسرتهِ بالنظرِ إلى أنّ عدد من اخوتهِ فاشلون دراسياً للحد الذي يضطرّ أخاهم طالب الجامعة للمساعدة في المصرُوف.. وتذكّرت والدَة ذلك الطالب التي لم تزَل تنجب حتّى بعد بلوغ كبرى بناتهَا الخامسة والعشرين عاما وبعدَ أن نصحتها الممرضّات بعدم الإنجاب لكثرَة ولاداتها فردّت عليهنّ قائلة: ما تصرفن عليهم من جيبكن!

ما الفائدَة في أن تملأ كل عائلَة، الحارَة بأطفالها .. فيما ينشأ هؤلاء الأطفال وهم يعانون من قلّة الاهتمام الدراسيّ والتشتت الأسريّ وقلة المصروف الماليّ عليهم وعدم حصولهم على فرص تدريس خاصّ نظراً لتشتت إعالة والديهم الماديّة على بقيّة اخوانهم !

في زمنِ الغلاءِ هذا .. ما الذي يمكنُ أنْ تفعلهُ 280ريالاً لكلّ عائلة؟ وكم طفلاً يمكنُ أن يعيشُوا وفق مقوّمات الحياة الكريمة اعتماداً على هذا المبلغ؟ فيْ وقتٍ بدأنا نعيش فيه اتساع الفجوة الماليّة بين الأغنياء والفقراء وانتشار ثقافة احتكار الثروات على عيّنة من المجتمع بينما يعيش بقيّة المجتمع على المستوَى الماديّ الذي يقولُ "ادفشني وأطيح" !





عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com

مسقَط/ينَاير/2010


حبّاً طفوليّا أريدُ ..

ودفتراً للرّسم .. كَعباً عالياً للرقصِ .. كيْ يبدُو الغناء على طريقتهِ

وَلا أحتَاجُ من لغَة الغرَام سوَى بساطَةِ لثغتيْ في الرّاءِ

لا أحتَاجُ أكثَر من بكاءِ رضيعةٍ حيرَى تحَاولُ أنْ تدرّب نفسهَا لتصِير أنثَى

أشتهيْ رجلاً بطعمِ الملحِ يحملنيْ إلى جسديْ البعيدِ الغارقِ المنثُورِ في شطآنِ مسقطَ

أشتهيْ رجلاً يعلّمنيْ غنَاء النخلَة البدويّة الأمّ الحنونَة

أشتهيْ حباً طفولياً يعيدُ إليّ أسمائيْ القديمَة .. كلمَا أسقطتُ من عمري ربيعاً .. غادرَ اسمٌ سحنتيْ السّمراء ..

لا .. لا أشتهيْ شيئاً سوَى حبٍ طفوليٍ .. وفارسِ مهرةٍ بيضَاء يحملنيْ لنزَوى فوقَ مهرتهِ
ويقسمُ بيْ.. بأسمائيْ الجديدَة والقديمَة ..

كم أحبّ الرقصَ فيْ أضلاعهِ

وأحبّ أنْ أتقمّصَ الأشيَاءَ بينَ دميْ ولحميْ ..

كمْ يعذّبنيْ الغناءُ وفيْ دميْ حاناتُ رقصٍ لا تنامُ .. وكمْ أنا الحضريّة ُ الأولَى اشتهيتُ جبينَ شيخٍ فيْ الصّباحِ يعلّم الأطفَال تجويدَ الكتابِ وفيْ المسَاء يعلّم الأنثَى الجميلَة كيفَ تجعلُ من معالمها الخفيّة جنة ً دنيا .. وكيف تجيد تجويد الغناءِ الطفلِ فيْ النهدِ البريءِ/

مشيتُ من قِفرِ العِبارةِ للعبَارة ؛ كيْ يعُود الشّيخ من أكفانِ ذاكرتيْ وكيْ أسترجِع الضّحكات من بطنِ القمامة

كيْ اقول: دميْ بكاملهِ حلالٌ للطفولةِ .. سوفَ أنذره لحبّي الطفل وهو يلملم الألوَان من حوليْ ويقذفها .. يعيدُ صياغَة الألوان كيْ يرضي حبيبته ُ يقولُ : بلونِ عينكِ سوفَ تكتملُ الصيَاغة في مخيّلتي أنا المنذورَ .. كيفَ أجيزُ ليْ جسدَ الحبيبة ِ كيْ أدثّرها بملحيْ وهيَ لمْ تتعلّم الأشعَار إلا كيْ تقولَ بصوتِ قلبيْ .. "كم أحبّك َ .."

كمْ أحبّكَ..

فاحتملنيْ طفلة ً تتسلّق الأشجَار كيْ تمشيْ بإصبعها لدغدعةِ الرّياح

وكيْ تصَافح وجهها المرسُوم فيْ جسدِ الغمامِ وكيْ تحنّيها النجُومُ بلونها الذهبيّ

كيْ تبتَاع من قمرٍ سريرا عالياً للنومِ والرّقصِ النبيْ

حباً طفولياً أريدُ .. عصاً يجيدُ السّحر كيْ يتحوّل الرجلُ الذيْ أشتاقُ .. دفترَ طفلةٍ تتعلّم الأشعَار

تكتب فيْ الغلافِ الغضّ .. حرفَ العينِ .. ثمّ تضيفُ :

"لا .. لا أشتهيْ شيئاً سوَى حبٍ طفوليٍ"

وتغلق دفترَ الأشعارِ بحثاً عن حبيبٍ لا يحبّ الشّعر غيرَ عبارة الحبّ الطفوليّ الذيْ كتبتهُ أنثَاهُ الجدِيدَة ْ ..

"حبّاً طفوليّاً أريدُ .. ولا أريدُ سوَاهُ كيْ ألِدَ القصِيدَةْ " !

06 يناير, 2010

ظلّ جدّيْ ، وظلّ أبيْ .. للغناءِ وللرّقص !

ظلّ جدّيْ ، وظلّ أبيْ .. للغناءِ وللرّقص !

.

عائشَة السيفيّ

/

\

/



وليْ ظلّ جديْ

وظلّ أبيْ

وهْوَ يُمطرنيْ بربيعٍ قديمٍ كحُزنِ إلهَاتيَ البدويَّةِ/

أعزفنيْ نوتةً صعبَةَ اللحنِ

أغرِقُنيْ في دميْ ، فأصير شهيداً يعمّدهُ الضوءُ

تختارهُ الريحُ مهراً على شاطئِ الغيمِ يعدُو

وأختارنيْ ظلّ أنثَى تريدُ حبيباً يلقّنها وخزَةَ الحبّ

أختارنيْ كرنفالاً من الرّملِ

لا يشتهيْ غيرَ بحرٍ جميلٍ يقبّلهُ

فيصيرُ ابنهُ الموجُ.. والسفنُ العابراتُ صديقاتهِ

ويصير عصيّاً على الموتِ ، مستسلماً لنعاسِ الحياةِ

"سدنتُ النجومَ كما تشتهيْ

وعبدتُ البِلادَ كما تشتهيْ

لا أريدُ سوَاي ليكتملَ العبثُ الجدليُّ بروحيْ

ولا.. لا أريدُ من المدنِ السافراتِ سوَى نجمةٍ لتضيءَ الطريقَ إلى جسديْ

وتجهّزَ ليْ في السّماءِ ضريحاً يقيني الفناءَ

أريدُ نسيماً أنيقاً ليعزفَ جُوقَةَ موتيْ البسِيطِ

أريدُ وداعاً يليقُ بسيِّدةٍ أخطأتْها النبوَّةُ

فاستَسلَمتْ للغناءْ"

***

الطوافُ إلى جسدينِ قريبينِ أطوَل مما تخيّلهُ حارسُ الطيفِ فيَّ/

الطّوافُ إلى جسدينِ بعيدَينِ مثلَ الكمانِ يعمّدهُ اللحنُ بينَ يديَّ/

الطوافُ أنايْ التيْ ودّعتنيْ إلى لا غيابٍ ولا عودةٍ

كيفَ أودَعتُها القدرَ الأخروِيَّ ولمّا أعِدَّ صلاتيْ لتتلَى بحفلِ القيَامةِ بينَ الخلائِقِ

قلبيْ عصيٌ على الموتِ

واللحنُ لم يستَلِمْ بعْد نوتاتهِ منْ ضلُوعيْ

لماذَا صعدتُ إلى الوطنِ الحلمِ ، والحُلمُ فيَّ جنينٌ غرسْتُ جبينيْ بهِ ووأدتُ بهِ الزّمنَ الغرّ

مثلَ النبيذِ احتسيتُ دميْ فسكرتُ بقيلُولةِ القَدَرِ الطِفْلِ

ها ظلّ قلبيْ خرَاءٌ

وها ظلّ ذاكرتيْ مستمرٌ على بطْشِهِ

لنْ تواسيْ دمي الذّكرياتُ

ولنْ أستظلّ بدمعِ الكمنجَاتِ

ظلِّيْ استقالَ

وليسَ لديَّ سوَى ظلّ جديْ ، وظلّ أبيْ كيْ يبلّلنيْ الموتُ بالرّقصِ

والبَحر بالأغنيَاتْ !

05 يناير, 2010

أحاديثُ عمانيّة جداً (2) / ردُهـات


عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com

** لا تزَالُ إيزابيل ليندي تحضُرُ مخيّلتيْ كلّما تلفّتُ يميناً أو شمالاً فرأيتُ عمَارات "ترس قفِير" تتطاوَل في سمَاء مسقط ..

كنتُ أتساءلُ ما المختلفُ لدينا في عُمان كلّما زرتُ دولة ً خليجيّة ً في الجوار ورأيتُ عماراتهَا الشاهقَة والجميلة ..

زرتُ أغلب دولِ الخليج .. ورأيتُ بناياتها الشاهقَة تعانقُ السّماء .. وكما لدينَا يبدُو التضخمُ العمرانيّ واضحاً هنالك .. مع فرق بسيط .. حداثَة ورقيّ التصميم .. تجذبكَ مشاهدة عماراتهم بتصاميمها الخارجيّة الأنيقة .. وبتشكيلاتها الجذّابة .. تشعرُ أنّ العمارة لم تبنَ فقط لتحتوي على شقق ومستأجرين .. وإنما بنيت بتصميم أنيق لا يتنافَى مع كونها بنيتْ لغرضٍ تجاريّ ..

في مسقط تمرّ على العمارة تلو الأخرى .. فلا تجدُ فرقاً .. تصاميم خارجيّة تقليديّة للغاية .. أغلب مناظر العمارات "بشِع" يخبركَ أن صاحبَ العمارة بناها فقط ليستقبلَ 500 ريال نهايَة كلّ شهر من جيب ساكِن كلّ شقة

المهمّ أن تكونَ هنالك جدران .. وفتحات تهويَة ونوافذ للإضاءَة .. لا أعرفُ لماذا لا يوجدُ لدى أصحاب العمارات حسّ الاهتمام بالتميّز الخارجيّ لبناياتهِم ..

عمارات شاهقَة .. خاليَة من الرّوح والحسّ التصميم الأنيق .. عبارة عن مبنَى رأسي يضم عشر أو عشرين شقّة .. لا همّ لصاحب العمارَة سوى أن يحشرها بأكبر قدرٍ من الجدران الاسمنتيّة .. وحجز كلّ شبر من الممكنِ استغلاله .. فإذا وجدَ مساحَة 50 أو 60 مِتر شغلها بغرفَة وحمام ومطبخ .. وضربَ عليها 200ريَال .. ويحشرهَا إن شَاء الله لو حتى بموقف سيّارات أو بسطح العمَارة !

همسَ ليْ أحدهُم بأنّ البلدية هي التيْ تشترطُ تصاميم معيّنة للعمَارات والمباني.. فقلتُ ليسَ شرطاً أن تكونَ أناقَة التصميم في بهرجتهِ فما رأيتهُ بدول أخرى وراقني لا يمتّ للبهرجَة بصلة .. إنّما كلّما تلفتُ وأنا في الطريق السريع وأشرعتُ نظري تجاه العمارات "خاليَة الرُوح" ، سألتُ نفسي هلْ يوجد بندٌ ضمنَ ترخيص البناء يشترط قبلَ أن تتم إجازة البنَاء أن تكونَ العمَارة "بشعَة" أو لا يُجاز الترخيص؟



** يصبّ أغلب مشرُوع تخرّجي كمهندسَة مدنيّة على تصميم الطرق بمختلف الأنظمَة التابعَة لهَا .. كلّما نزلَت "نفّة مطر" ومشيتُ في شوارع مسقط وتحديداً شوارع الغبرة .. سألتُ نفسيْ: أيعقلُ أنّ مهندسين مدنيين قامُوا بتصميم هذه الشوَارع؟

رغمَ أنّ من أولويّات تصميم الطرق والبدء في تحدِيد ميلان الطريق من الخطّ الوسطي مروراً بذراع الطرق وانتهاءً بممر المشاة ينبغي أنْ يضع في الاعتبَار خطّة لتصريف الميَاه بعيداً عن الطريق وملاحقَاته !

أشفقُ على السّكان وهمْ يعبرونَ يومياً بركَ الماء التيْ تتجمّع كلّ مترين أو ثلاثَة كلّما هطل المطر! وأتساءل: أيّ مهندسٍ هذا الذي صمم الشّارع دونَ وضع اعتبارات لتصرِيف المياه وقتَ الأمطار؟



** قبلَ أيام حضرتُ محاضرَة لبروفسُور أميركيّ زارَ السلطنة .. متخصّص في الهندسَة المدنيّة وتحديداً ما يخصّ الإنشاءات والطرق .. حينَ بدأ المحاضرة أخبرنا وابتسامَة تعلو وجههُ أنه حينَ قرر أن يأتي لعُمان براً من دبيّ وقاد سيارتهُ كانَ يظنّ أنه سيجد شوارع أقلّ زحاماً وأكثر تنظيماً لكن أول مفاجأة صادفها هوَ أنهُ توقّف تماماً لساعَة ونصف في طريق الباطنة بينمَا أمامهُ وخلفه آلاف السيارات .. واتضح بعدها أن سبب التأخير هوَ انقلاب شاحنة على الطريق .. ثمّ تساءل البروفسور: أيعقلُ أن طريقاً رئيسيا يتعطل بالكامل ولساعة كاملة إذا وقعَ حادثٌ بهِ؟ ألم يتمّ وضع خطط بديلة لهكذا حوادث حينَ صمّمت منذ البدَاية؟

لم يمضِ هذا البروفسُور أكثر من يومٍ في السلطنة وغادرها .. وحينَ كانَ يلقي بتساؤلاتهِ السابقة كانَ بودي أن أطلبَ منه أن يمكث ليومين إضافيين فقط ليلمح بنفسهِ حجم الكارثَة التي نعيشها بشكلٍ يوميّ!

تقرير الحوادث الذي أصدرتهُ شرطة عمان السلطانية يشيرُ أنهُ في الفترة من 12 إلى 18 ديسمبر وقع 16 حادث دهس .. أقلّ من أسبُوع .. ويحدث 16 حالة دهس وبالنظر إلى أنّ 48 أسبوعاً كلّ عام فعن كم حادث دهس سوفَ نقرأ؟

في شوارعنَا يعاملُ المشَاة وكأنّهم معاقبُون .. فمن النادر جداً أن تجد جسر عبُور لهم .. وإذا حصل ذلك في خط الشارع الرئيسيّ بمسقط فعليهم أن يمارسُوا الرياضة ويمشُوا كيلو أو اثنين أو ثلاثة كيلومترات تفصل بينَ كلّ جسر عبُور وآخر..

سامحَ الله من خطط ليكون الشارعُ الرئيسي في وسطِ العاصمَة تماماً ، حيثُ يصبحُ أي تعديلٍ مستحيلاً به وسط القفزة العمرانيّة والاقتصاديّة التيْ تقُوم على جوانب الشارع الرئيسيّ .. فإذا تعطل الشارع .. تعطلت العاصمَة بأكملها ..

يدرسُ أيّ مهندسٍ مدنيّ كيفَ نقوم بتحويل خسَائر الوقت أثناء الطريق إلى مبالغ ماليّة .. ولو حسبنا خسائر الوقت التيْ يتعرّض لها سائقو السيارات الذين يعبرُون الشارع الرئيسي بمسقط كلّ يومٍ لوصلنا إلى مبالغ تملأ البرّ والبحر .. والمرّيخ أيضاً !

حادثٌ واحد في الطريق الرئيسي .. وصول شخصيّة مهمّة تغادرُ المطار .. أي عرقلة بسيطة في الشارع الرئيسي بمسقط وتصَاب العاصمَة بأكملهَا بالشلل .. لا حركَة مروريّة ولا شوارع تعويضيّة أخرى غير الشارع الرئيسيّ فقط ..

ليتَ شعري متى نغمضُ عيوننا ونجدُ شبكَات شوارع أخرى تحملُ جزءاً من العبء الواقع على الشارع الرئيسيّ؟

ليتَ شوارعنَا تتكَاثر كمَا أصبحَت العمَارات تتكَاثر في مسقط !

أما في طريق نزوَى السريع فحدّث ولا حرج .. أصبح طبيعيا جداً أن نسمع كلّ يومين أو ثلاثَة عن مصرع عامل آسيويّ أو مواطن فيْ حادث دهس أثناءَ عبوره الطريق .. لا جسور للمشاة ولا إشارات لعبُور المشاة .. سيّارات مسرعة تنقضّ على أجساد العابرين .. وأجزمُ أنّ هذا واقعُ بقيّة ولايات السّلطنة..



** منذ زمنٍ كنّا نسمعُ في دولٍ عربيّة أخرى .. كيفَ يستغلّ أصحاب التكاسي جهلَ السائحين بأسعار التوصيل .. يقعُ ذلك الاستغلال في دولٍ رخيصَة المعيشة وعملتها منخفضَة .. بمعنَى أنّه حتّى حينَ يغشّ أصحابُ التكاسي السائحين فإنّ المبلغ لا يكُون صادماً بالنظر إلى انخفاض أسعار المعيشَة بتلك الدول .. .. أما اليَوم فقد أصبحَ هذا السيناريُو مألوفاً لدينا في عُمان ..

همستْ لي تلكَ السائحة : يا إلهيْ .. عُمان غالية جداً ! سألتها: كيف؟ قالتْ لي: أيعقلُ أن توصيلَة منْ المطَار للقرم .. يكلّف 50 ريَالا؟

قلتُ لها : مسكينَة ! من ضحكَ عليك؟ قالتْ لي : هذا ما طلبهُ صاحب التاكسيْ الأول الذي أقلنيْ .. قلتُ لها: وهل هنالكَ آخر؟ فقالتْ نعم .. الآخر طلبَ مني بنفس المسافَة 18 ريال !

قلتُ لها : ضحكُوا عليك اثنيناتهم .. بس الأوّل كان أشطر !

أخبرتنيْ أخرَى .. تعرّضت لنفس الموقف أنها وأثناء التوصيلَة سألتْ سائق التاكسيْ عن السعر وحينَ أخبرها صدمت .. وقالتْ له أنها لن تدفع هذا المبلغ .. وفي منتصف الطريق.. أوقفها وطلبَ منها صارخاً أن تخرج من السيارَة .. وتدبّر نفسها !

من الطبيعيّ أن يتكرر هذا السيناريُو لآلاف السوّاح .. ما دام لا يوجد قانونٌ حتى اليوم يحدد الدفع وفقَ المسافَة المقطوعة .. ولا تجبر الحكُومة سائق التكاسي على تركيب تلك العدّادات التيْ تحمي السائحين من الخداع والاحتيال ..

وإذا تحدّثنا عن الشركات التيْ يتم الاتصال بهَا لتوفير سياراتِ الأجرة فهيَ لا تقلُ غلاءً .. وأسعارها "نار حمرَاء" !

نظنُ أن السياحة فقط .. هي توفير أماكن سياحيّة للزيَارة وفنادق جميلة ومنتجعَات لكنْ أليستْ حمايَة السائح من النصبِ جزءٌ منَ التشجيعِ على السياحَة؟

متى تصبحُ أمُور كهذهِ في البال في بلدِنا الذي تعدُ شبكَة مواصلات الأجرَة لديهِ ضعيفَة جداً إذا ما قورنتْ بدولٍ أخرى في المنطقَة ، أم أنّ سيناريُوهات الاحتيال هذهِ ستجدُ وقتاً طويلاً لتخصبَ وتتناسلَ إلى أن نجدَ حلاً لها!

30 ديسمبر, 2009

أحاديثُ عمانيّة جداً (1)


عائشَة السيفيّ

** فيْ إحدَى إذاعاتنَا المحليّة يطلّ علينا كل سَاعة أو نصف ساعَة إعلانٌ عن مسَابقة خاصّة بالهواتف والأرقام .. يبثّ الإعلان بصوتِ امرأة تنطقُ الإعلانَ باللغة العربيّة الفصحَى ولكنْ بأخطاء مؤذيَة جداً لأذن السامع .. فكلمَة إذاعَة تحوّلت إلى "إزاعَة" وكلمَة "بيسَة" تحوّلت بقدرَة قادر إلى ما يُشبه برج بيزَا المائل وهي تنطقُ "بيزَا" .. وتحوّل الرقم ثلاثة إلى "سلاسة" .. نحنُ لا نطالبُ الإذاعاتِ بأن تبثّ لنا إعلانات منقّحة لغوياً وتشكيلياً حين البثّ لكن على الأقلّ الحفاظ على أساسيات نطق الحروف العربيّة صحيحة ..

ثمّة مذيعين في قنوات كبيرَة كالجزيرة وغيرها يعانونَ من لثغة الرّاء أو حرف آخر .. لكن في الإعلانِ السابق أعلاه يتمّ مزج نطق اللهجَة المحليّة لتلك الحروف مع النطق الفصيح لها .. أي أنّ المرأة لم تستطِع أن تفصل لهجتها المحليّة في نطق الحرُوف عن اللغة العربيّة الفصيحة التي بثّ بها الإعلان .. ألا يوافقنيْ مسؤولو تلك الإذاعَة الرأي؟!


** اعتدنَا في طريق دواماتنَا أن نقفَ كعشراتِ الآلاف من الموظفين على جانبِ إحدى محطاتِ الوقود لنطلبَ من محلّ التسوّق هنالك شاي عاديّ أو بالنسكافيه من الآلَة .. نخرجُ من جيوبنا "مئة بيسة" ونتوكّل مواصلين طريقنا للعمل .. الحالُ اختلف اليوم فتلك الآلات العتيقة استبدلت بآلات أطول وأعرض وامتدّت أمامنا عشرات الخيارات .. اختفى الشاي الذي بمائة بيسَة وحلّ محله الهوت تشوكليت والكاباتشينو إلخ..

كوبُ الشاي أو القهوَة المحترَم من الآلة الجديدَة لا يقلّ عن 400 بيسَة ! يا جماعَة حرام عليكُم ..

موظف عادي .. سائق أجرَة .. سائق شاحنَة .. يدفع يومياً 400 بيسَة مشان 100مل شاي

يرتفعُ السّعر 400% ! .. تطوّروا لكنْ ليس على حسَاب جيُوبنا .. اليَوم أصبحت لدينا فوبيا من شيء اسمه "تطوّر" لأنهُ سيقابلهُ في المقابل "خرفة كبيرَة" لجيوبنا .. أعيدُوا لنا الآلات القديمَة وضعوها بجانب الآلاتِ المتضخّمة تلك التيْ تعبئ أكواب الشاي وتعبّ جيوبنا في الجانب الآخر..

القهوَة الفرنسيّة واللاتيه والاسبريسو لذيذة .. لكن ليست للشربِ اليومي الذي يكسرُ ظهر موظّف مستور على قدّ حالهِ أو عامل بناء أو غيره ممن يماثلهُ الحالُ..

سألتُ البائع في المحلّ أين ذهبتْ آلة الشاي القديمَة؟ فقال .. خلاص تخلصنا معها وتعاقدنا مع شركة فلانيّة لتزويدنا بهذهِ الآلات في كلّ فروع المحلّ بالسلطنَة .. تمتمتُ : أبوي عاذرين عن الكاباتشينُو !


** في إحدى طاولاتِ الكوستا .. اقتربَ منا ذلك الشابّ .. بدا في أولى عشرينيّاتهِ بدشداشَة وكمّة عمانيّة .. دونَ أن ينبسَ بكلمَة اقتربَ ومدّ ورقةً إلينا وعادَ مبتعداً عنّا مسافَة متر .. نظرَة سريعَة على تلك الورقَة أخبرتنا أن الشابّ يطلبُ المالَ للمساعدَة في عمليّة جراحيّة تكلّف 5آلاف ريَال .. صرفناهُ بقليلٍ من المال فغادرَ باحثاً عن زبائن آخرين في الكافيه ليمدّ بورقتهِ إليهم .. بعضهُم أدخل بضع مئاتِ البيسة داخل الورقة والبعضُ الآخر صرفهُ خاليَ الوفاض ..

مشاهدُ كهذهِ أصبحتْ مألوفة ً جداً في مسقط .. امرأة ترتدي عباءة رأس أمام سُوبر ماركت في الخوض .. تجلسُ ساعاتٍ عند بابهِ تمدّ يدها سائلة ً الداخلينَ والخارجين .. من بينِ كلّ عشرة يقررُ واحدٌ أو اثنان أن يمدّ إليها بالمال .. وفي إحدى محطاتِ الوقود تطرقُ امرأةٌ وفي يدها طفلهَا الزجاجَ على سائقي السيّارات وهم يعبئونَ الوقود سائلة ً إيّاهم المال ..

آخر صرعَات التسوّل الاحترافيّة والتيْ كنت أسمع بها ولا أصدّقها لولا أني رأيتُها بأمّ عيني وقريبيْ يترجّل من السيّارة فيعترضه رجلٌ يرتدي غترَة إحدى دول الخليج المجاورَة وإليكُم سيناريو التسوّل الاحترافي .. يوقفُ الرجل أي رجلٍ عابرٍ أمامه .. يرصدهُ من بعيد ليرى نوعيّة سيارته ويقرر إن كانَ سيخرج منهُ بكم ريال أو لا .. يتوجّه إليه ويقُول له أنّ عجلَة سيارته ثقبت وأنهُ ذهب بها للجاراج ولكنهُ أضاع محفظتهُ واتصل بأصدقائه ولا يردّون .. ثمّ يطلب 20 ريال ويتبعها بطلب رقم هاتف الشخص الآخر حتى يردّ لهُ المبلغ حينَ يستعيدُ محفظتهُ .. رجلٌ "شدّة عدّة" لا يشتكي نقصاً ولا علّة .. غير قادر على العمل لكنهُ قادر على هذا التسوّل الاحترافي ..

يحكي لي قريبيْ عن صديقهِ الذي تعرض لنفسِ الموقف وأعطى ذلكَ "النصّاب" 80ريَال بعد أن حلّفه بأنه لا يكذب فأقسم الرجلُ وغادر وقد امتلأ جيبهُ بالثمانين ريالاً ولم يعد !

لم يعدْ غريباً اليوم مشاهدَة شباب مكتملي الرّجولة يمدُون بأيديهم للمارّة .. لا يستحُون فعل ذلكَ .. لكنّهم يترفعون عن العمل الشريف .. تجدُه بكامل أناقتهِ .. متحلّقاً ونظيفاً .. أصبحُوا عصاباتٍ تمارسُ التسوّل بحرفنَة !

أينَ هي وزارَة التنميَة الاجتماعيّة عن هكذا ظاهرَة بدأت تتفشّى بشكلٍ مقلقٍ مؤخراً .. ألا ينبغيْ تشكيل لجان للوصولِ إلى هؤلاء ومعرفَة ظروفهم الاجتماعيّة .. مثلاً إن كانَت تلك المرأة يصرفُ لها راتبٌ من الشؤون الاجتماعيّة أو إن كانَ لها معيل .. ومعرفَة إن كان ادّعاء ذلك الشاب بحاجتهِ لعمليّة جراحيّة صحيحاً أم لا .. فإن لم ينقصهُم شيء تمّ تطبيق إجراءات عقابيّة لهم .. فقد أصبحتْ أيديهم تلاحق العُمانيّ والمقيم .. والعربيّ والأجنبيّ وأصبحَ منظرهم مؤذياً وهم يرتدُون الزيّ العمانيّ ويمدُون أيديهم للرّايح والجاي .. لا نريدُ أن يتحوّل التسول لدينا كحالِ بعض الدولِ المجاورة ممن يحجزُ كلّ متسوّل منطقته الخاصّة للتسول وتطوّر عمليّة التسول إلى صناعة وعصابات تدرّ مئات الآلاف من الدولارات !


** جميلٌ هوَ التعمين .. وجميلٌ أنْ نسعَى إلى إحلال الشابِ العُمانيّ ومنحهِ الثقة في إدارةِ مشاريعهِ بنفسهِ بدلَ إسنادهَا للوافِد .. لكنّ الحلوَ لا يكمل دائماً .. والمثاليّات لا تتحقّق إلا فيْ المدينَة الفاضلة التيْ رسمها أفلاطُون فيْ أحلامهِ..

قبلَ سنواتٍ كانَ الوافدُ يفتحُ محلّهُ في الساعَة السادسَة صباحاً أو السابعَة على أقصى الحدُود فإذا ذهبتَ لشراءٍ شيءٍ ما من المحلّ وجدتهُ مفتوحاً في الثامنة .. أمّا اليَوم فحتّى التاسعة والنصف تجدُ المحلّ مغلقاً لأنّ صاحبهُ أو البائع/ة في المحلّ يكونُ في ذلك الوقت قد استيقظَ قبلَ قليل وشرَع في شُرب "الشاهي" في بيتهِ ..

اليَوم كلّما احتجنا لسلعَة ما أو غرض معيّن .. نحسبُ حسابنا أنّ المحل لا يفتح قبلَ التاسعَة وفي المتوسّط .. الساعة التاسعَة والنصف أو العاشرَة ..

وفي أيّام الجمعة تجدُ نصف المحلاتِ مغلقَة عصراً رغمَ أنّ صلاة الجمعَة انتهتْ قبلَها بساعات !

الرّزقُ يحتاجُ همّة ويحتاجُ دأباً .. لا أنْ نأخذ إجازاتِ نهايَة الأسبوع براحتنا كأنّنا موظفُون في قطاعاتٍ حكوميّة .. رغمَ أن الدوام الرسميّ للقطاع الحكوميّ يبدأ في السابعة أو السابعة والنّصف وهؤلاء يمددُون بداية دوام الصباح للتاسعَة والنصف والسَاعة 12ظهراً قفلوا عائدين إلى بيوتهم حتّى الساعة الرابعة أو الخامسة عصراً ..

نعم ، لا نعمّم هذه العادة على جميع الاخوة العمانيّين فثمّة بينهم المجدين والمجتهدِين على مشاريعِهِم ..ونعَم نحبّ للشاب العمانيّ أن يعمل ويحلّ محلّ الوافد .. لكن ليسَ بهذا الشكل الذي لا يمنحنا الثقة َ بهِ وبأدائهِ ..

ندخلُ المحلّ فيقابلنا مكشّراً عابساً .. لا نستطيعُ مجادلته .. فإن حاولنا ردّ علينا بفظاظة ..

إنْ كانتْ حكومتنا الموقّرة تدفعُ بعجلةِ التعمين للأمام فلتفعلها وفقَ أسسٍ ممنهجَة .. أقلّها إخضاع هؤلاء إلى دورات قصيرَة تدريبيّة حول أسس التعاملِ مع الزبُون أو أسس إدارة المشروع الناجح ..

إذ ايّ مشروع نتوقعُ لهُ النجاح تصلُ الساعة التاسعة والنصف صباحاً ولافتة "مغلق" على واجهةِ محلهِ بينما صاحبهُ لا يزال يشرب شاهي في بيتهِ؟

كما لأصحاب المحلات وأصحاب المشاريع التجاريّة حقّ في احترامِهم فإنّ للزبائن أيضاً حقّ في أنْ ينالُوا نفسَ القدرِ من الاحترام !


** "كلّما غفوتُ نصفَ ساعَة .. وجدتُ بيتاً جديداً بنيَ في الجوَار"

هذا مقطعٌ منْ إحدَى روايات إيزابيل اللينديْ وأجدنيْ أتذكّرهُ الآنَ والعمارات الشاهقَة تمتدُ في الجوانبِ على طولِ الطريق الرئيسيّ في مسقط .. جولَة صغيرَة في العاصمَة وحسبة بسيطَة تجعلكُ تدركُ حجم التمدد الإنشائي القائم لدينا في مسقط ولكن السؤال.. هل انخفضت الإيجارات؟

لا طبعاً .. يرتفع سعر الشقة مئة ريال من الخوض للموالح ومئة أخرى من الموالح للحيل ومئة أخرى من الحيل للغبرة أو العذيبَة ومئة أخرى حتى تصل القرم !

بحقّ كيف يستطيعُ موظّف جامعيّ يستلمُ راتباً شهرياً قدرهُ 600أو 500ريال .. يدفع إيجار شقة "أقل من عاديّة" سعرها لا يقل عن عن 250 أو 300 أن يشتري أرضاً ويبني بيتاً؟ ووراءهُ مصاريف ماء وكهربَاء وعائلة؟ فما بالك بشابٍ لا يملكُ شهادَة؟

حتّى الشقق اليَوم أصبحتْ ترفاً كبيراً !

كلّما غفونا نصفَ ساعة .. استيقظنا فوجدنا عمارَة تبنى في الجوار .. لكن هل تنخفضُ الأسعار؟

لا .. لأنّ هنالك من يدفعْ دائماً .. والفقير ليذهب ويبحث عن بيتٍ صفيح أو شقّة مبنيّة بموادّ مغشُوشة أو ليذهب ليسكنَ الكهُوف والجبال فهناكَ وحدها لا يطالبهُ أحدٌ بأن يدفعَ إيجَارات شقق ومعَ ذلكَ ستلاحقهُ كسارات صخور الجبال لتطردهُ إلى العراء .. آهِ لو كانَ الفقرُ رجلاً ..

28 ديسمبر, 2009




كطائرٍ يفكّر كمْ ضاقتِ السّماءُ على جناحيهِ ..

.

.


أفكّر كمْ ضاقَ وطنيْ عليَّ !

22 ديسمبر, 2009

الثقافـَة حينَ تصبِـحُ "cool" ! / رُدُهـات

عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com

لا تغيبُ المقاهيْ الثقافيّة عن الذّكر كلّما استعرضَ أديبٌ أو باحثٌ حركَة الأدب العربيّ القديمَة والمعاصرَة .. وتحضرُ مصر والعراق ومقَاهي الشّام في المقدّمة .. عبرَ مقاهيهَا الشهيرَة التيْ احتضنتْ كتاباً كباراً أهدوا الأدبَ العربيّ روائعَ الكتب ..

حينَ تذكرُ المقاهي في مصرَ يذكرُ في المقدّمة مقهَى الريش في القاهرَة الذيْ لمْ يكنْ واجهة ً ثقافيّة يتجمّع فيها المثقفُون المصريُون والعرب فحسب بلْ كان وجهة ً فنيّة وتشكيليّة بدأتْ فيمَا قبل ظهُور أم كلثُوم وعاصرتْ أم كلثُوم بحفلاتها التيْ أقامتهَا في ذلك المقهَى ..

مقاهٍ أخرى كثيرَة دخلت التاريخ لعلّ أبرزها مقهَى نجيب محفُوظ الذي اعتادَ روّاده أن يرَوا الرّجل العجوز بنظّارتهِ الكثيفَة يطلبُ شايهُ المفضّل من النادل .. يجلسُ يومياً في نفسِ الكرسيّ ، يطالعُ الجريدَة ثمّ يخرجُ قلمهُ ويكتُبُ .. كانَ نجيب محفُوظ واحداً من أبرز أدبَاء العربِ ممنْ روّجوا لثقافَة المقاهي الثقافيّة وارتبَاط حيَاة الكاتب بالمقهَى ..

رغمَ مرورِ ثلاثَة أعوام على رحِيل نجيب محفُوظ إلا أنّ مقهاهُ البسيط جداً في مظهرهِ والذي اعتَاد ارتيادهُ كلّ يوم يجتذبُ الكثيرينَ ممن يذهبُون خصيصاً للمقهَى ليتتبعُوا رائحَة الرجلِ الذي أغنَى المكتبَة العالميّة برواياتهِ الخالدَة ..

فيْ عُمان لا تزَال ثقافَة المقهَى مغمُورة جداً بيننا .. يفعلهَا المثقفُون الشباب بشكلٍ شخصيّ فيما بينهُم ، يتجمّعُون في نهاية الأسبُوع في مقهى ما لتبادلِ الحديث الثقافيّ وغير الثقافيّ .. إلا أنّ المقهَى كواجهَة ثقافيّة لإقامة الفعاليّات والأمسيات مغيّب تماماً في ثقافتنا كعمانيين ..

في البحرين وقبلَ أسابيع اصطحبنيْ بعضُ الأصدقاءِ إلى عددٍ من المقاهي والكافيهات الثقافيّة وقد دهشتُ فعلاً من تنظيمها وأناقتها ..

إحدى تلكَ الكافيهَات كانَ لامرَأة مصريّة مهتمّة بالثقافَة وكان عبارة ً عن جاليري مقسم لقسمين .. جزءٌ منهُ لروّاد الكافيه حيثُ توزّعت الطاولاتُ البسيطة التيْ تتوسّطها ورودٌ ورديّة وعلى جدرَان الكافيه عرضتْ أعمَالٌ فنيّة لفنانٍ تشكيليّ جزائريّ .. كانَ روّاد المقهَى يمضُون وقتهُم تارةً في الطاولات وتارة ً يغادرونهَا لمشاهدَة اللوحات المعرُوضة على الجدران وتصوِيرها .. وفي القسمِ الآخرِ من الكافيه ، عرضتْ لوحَات لفنانٍ تشكيليّ بحرينيّ عرّفني الأصدقَاء إليهِ بأنّهُ –إنّ صحّ حديثهُم- يشتغلُ حالياً على نحتِ شاهدَة قبر أدونيس .. صديقهِ الحميم .. وأنّ أدونيس يسافرُ بينَ حينٍ وآخر للبحرَينِ ليرَى ما نحتهُ هذا الفنان ..

هذا الجاليرِي يستخدمُ أيضاً لإدَارة فعاليّات ثقافيّة بداخلهِ .. داخلَ صالتهِ متوسّطة الاتسَاع نسبياً وقدِ اطلعنَا حينهَا على جدولِ أعمالٍ قادمَة سيحتضنهَا المقهَى ..

وبصرفِ النظرٍ فقد كانَ المقهَى بسيطاً في ديكُوره للغايَة .. لكنّه كانَ مدهشاً برسالتهِ التيْ يقدّمها للزبُون.. حيثُ يقدّم مع قائمَة الطعامِ ، جدولَ الأعمالِ القادمَة للترويجِ لها لدَى الزّبائن .. أليسَ هذا ما نحتاجهُ بالفعلِ في عُمان؟

في تلكَ الزيَارَة وضمنَ فعاليّات مهرجان الشّعراء الشّباب العرب أخبرنيْ المنظّمون أنّ الفعاليّة المخصّصة لإلقائي ستكُون في أصبُوحة تحتضنهَا إحدى المجمّعات التجاريّة في البحرين وحقيقة لم أكن قدِ استوعبتُ لتلكَ اللحظة أن الأصبوحَة ستقام في وسط مجمّع تجاريّ محاطين بالمحلات ومطاعِم المأكولات السريعَة .. أن يتحلّق كل جمعٍ منّا حول طاولة ونبدأ في إلقاءِ نصوصنا .. وفي الطريقِ إلى ذلك المجمّع التجاري كنتُ أشعرُ بالاكتئاب وأنَا أفكّر كيف سيبدُو مظهرنا والناس يتسوّقون في المحلاّت أو يطلبون الطعام من ماكدونالدز أو الكوستا أو غيره ونحن في الوسط نقيم تجمّعنا شعرياً ونرفع أصواتنا عبر المايكرُوفون بالشّعر..

قلتُ لصديقتي الشّاعرة السعوديّة التي كانت ستلقي معيْ في تلكَ الأصبُوحة .. كيفَ شعورك؟ فردّت ضاحكَة بنبرَة قلقَة : حاسّة أني رايحَة أستهبَل !

غيرَ أنني بعدَ ساعتين أيْ بعد انتهاء الأصبوحة كنتُ قد خرجتُ بفكرَة مختلفَة تماماً ..

كانَ الناس يواصلُون تسوّقهم بحركَة انسيابيّة دون أن يبدُو الاستغرَاب عليهم من فكرَة إقامتنا لذلك التجمع الشعريّ بمايكروفوناتهِ مكبّرة الصوت ربّما لتعوّدهم على هكذا فعاليّات ثقافيّة تقام وسطَ المراكز التجاريّة .. في الطاولات التيْ تتوسّط المطاعم السريعَة أقمنا فعاليتنا الشعريّة كانَ هنالك عددٌ من النَاس الذي يأكلُون .. حملُوا طعامهم وانضمُوا إلينا للاستمَاع وكانَ الجوّ مشجعاً جداً للإلقاء ، شاعرَة سوريّة جميلَة كانت برفقتنا علّقت بنبرَة جميلَة: يا الله كثير "cool" الواحد يعمل أمسيات بهاي الأماكن..

.. لقد خرجتُ من تلكَ التجربَة وأنا أفكّر: ترى لو أقيمتْ في عُمان فعاليّة ثقافيّة في طاولات المطاعِم السريعَة في السيتي سنتر أو البهجَة مثلاً أو مول تجاريّ هادئ هل سيكُون الأمرُ مماثلاً؟ ولماذا لم تجرّب أي مؤسسة ثقافيّة سواءً ممثلة ً في المنتدى الأدبيّ/ النادي الثقافيّ/ جمعيّة الكُتّاب العمانيّة/ وزَارة التراث والثقافَة ..

تجربَة النزُول إلى الشارع وصهر الثقافَة بالمكان العامّ .. حمل الثقافَة من منابرها الاعتياديّة إلى طاولات المقاهي السريعَة؟

ألا يستحقّ الأمرُ أن يحدُث ولو على سبيلِ التجربَة؟

اليَوم لم تعدْ دولَة تخلُو من وجُود الميادين الثقافيّة أو الفنيّة .. تلكَ التي لابدّ أن من سافر إلى دول كالمملكَة المتّحدة أو أستراليا أو الولاياتِ المتّحدة قد صادفهَا .. حيثُ تقَام أمام العامّة وفي مساحاتٍ مكشوفَة ومفتُوحة ، العرُوض الفنيّة والمعارضُ التشكيليّة والفعاليّات الثقافيّة المختلفَة التي تقَام أحياناً بشكلٍ محليّ أو فِرق خاصّة أو يتمّ استئجارها منْ قبل دولٍ أخرى لإقامةِ أيامٍ أو أسابيعَ وطنيّة ..

الخرُوج من جدرَان صالات المنابر الثقافيّة وحملها إلى الشاب العاديّ أو الشابّة العادية .. البحثُ عن أساليب جديدَة ليس في الثقافة نفسها فحسب بل في المكان الذي يحتضنُ الثقافَة .. كسر روتين الفعاليات الثقافيّة و إن لم تجد الفعاليّات من يَحْضُرُهَا من الشّارع العام فلتكنْ بالنزُول إلى الشارع العامّ وإغرائهِ ..

كمَا تطوّرت صنَاعَة النشرِ وصنَاعة الإعلان لتخرجَ من تابوهَاتها الاعتياديّة إلى الشارع والمركز التجاريّ والحدائق .. فإنّ صناعة الثقافة كذلك تستطيعُ أيضاً أن تحملَ من عقرِ دارها الاعتياديّ الذي لم يتغيّر منذ عشرين عاماً إلى الشارع والمركزِ التجاريّ والحديقَة إذ لو لمْ نغري شبابَ اليوم بوسائلِ الثقافَة الجديدَة ليحبّوها ويحترمُوها فمنْ يحمِلهَا عنا غداً ؟

[ عِقـَاب ! ]








يُعاقبنيْ رَجُليْ .. بمزيدٍ منَ الحُبِّ

يُحرجنيْ بالطفـُولةِ أكثرَ .. وَالعاطفـَة ..



أيّها المارقُونَ عن الحبّ ..

فيْ ح ـافّةِ القلبِ .. تُشنـَقُ أحلامنَا واقفـَة !

16 ديسمبر, 2009

الشوفينيّة التيْ لا نعرفُ ! / رُدُهـَات

الشوفينيّة التيْ لا نعرفُ !

http://www.alwatan.com/dailyhtml/culture.html

عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com


وفقاً للموسوعة الحرّة ويكيبيديَا فإنّ الشوفينيّة تعنيْ فكرَةً متطرِفَة وغَير مَعقُولَة يتم بموجبِها التعصّب لمَجمُوعَة ينتمِي إليهَا الفَردُ، وخَاصّة عندمَا تتضمّنُ المجمُوعَة حقدَاً وكرَاهِيةً تجَاهَ أيّ فريقٍ منافِسٍ. حينَ خرجتِ الشوفينيّة كمصطلحٍ لم تكن تحملُ فرقاً كبيراً بينها وبينَ نظَام التعصّب العرقيّ الذي وضعَ أسسهُ علمياً عالمُ الاجتماعِ الأميركيّ وليَام سمنَر الذي عرّف التعصّب العرقيّ على أنّه النظرُ إلَى جمَاعَةٍ مَا علَى أنّها مرْكزُ كلِّ شيْءٍ، وَجميعُ الآخرِين يُوزنُون وَيرتّبُون بعدَهُم. غيرَ أنّ الشوفينيّة خرجتْ في القرنِ الأخير من كونهَا مصطلحاً إلى كونهَا أساس مركّب تتفرّع عنهُ مصطلحَات أخرى فالشوفينيّة لم تعد –كما خرَجتْ في بداياتِها- قائمَة على التعصّب لعرقٍ أو وطنٍ وإنّما حملتْ فكرَة التعصّب لأيّ مذهَب ، فكرَة ، حزبٍ سياسيّ ، ثقافيّ أو اجتماعيّ .. التعصّب لفكرَة خارجَة من أيّ تجمّع يهمّش أي تجمّع آخر غيرهُ ..

خرجتْ كلمَة الشوفينيّة إلى النّور –كما تشيرُ الكاتبَة لمى العثمان فيْ إحدَى مقالاتهَا- كاشتقاقٍ من حكَايَة أرّختها كتبُ التاريخ الفرنسيّة عن جنديّ فرنسيّ يدعَى ( نيكُولا شيفان ) وهوَ جنديٌ مشهُور خاضَ حروباً كثيرةً في جيش نابليُون وكانَ يتعصّب لسيَادة الامبراطوريّة الفرنسيّة على بقيّة الأعراق والدوَل .. وظلّ رغمَ إثخانهِ بالجراح في الحرُوب التي خاضها نابليُون متعصباً لفكرَة أنّ فرنسَا هيَ الأعلى ولا شيءَ آخر غيرها ..

تعصّب شيفان جعلهُ أساسَ اشتقَاق كلمَة الشوفينيّة التيْ تطوّرتْ لاحقاً إلى ما هيَ عليهِ الآن ..

الشوفينيّة ليستْ غريبة ً على الإطلاق عن التاريخ الانسانيّ القدِيم الممتدّ لآلافِ السنين منذُ عهدِ الرُوم والفرس اللذينَ كانَ ينادي كلّ شعبٍ منهمَا بسيَادتهِ على بقيّة الشعُوب الأخرى وبأحقيّته في أن يملكَ سلطَة الفوقيّة التيْ تخوّلهُ التعاملَ بازدرَاء واحتقَار لأيّ جنسٍ بشريٍ آخرٍ .. وعلى هذا الأسَاس امتدتْ هذهِ الفكرَة سوَاءً عبرَ قبائل العربِ القديمَة التيْ لا أبرز منهَا حرب البسُوس التيْ دفعتْ أجيالها حتّى بعد قرنٍ من الزّمان للتعصّب والحميَة للقبيلَة بصرفِ النظرِ عنْ كونهَا محقّة أو مخطئة ..واعتبَار أيّ مسّ بأي رمزٍ ينتميْ بشكلٍ أو بآخر لقبيلَة الفرد هوَ مسّ شخصيٌ وإهَانة لهُ ..

ولمْ يدفعْ ضريبَة الشوفينيّة كما دفعهَا الملوّنُون وخاصّة ً الزنوج الذينَ زجّ بهِم في هذهِ الدوّامَة التاريخيّة المتكرّرة .. أبرزهَا نظام الفصل العنصريّ الذي مارسهُ البيض باعتبَارهم الجنس السّائد وما سوَاه يندرجُ كتابع .. وبلغتْ مغالاةُ الشوفينيّة لديهم بتقسيم حكُوميّ رسميّ لمجتمع جنُوب أفريقيَا إلى تجمّعات يتم تقسيمهَا بناءٍ على تصنيفات كَـ أسود ، هنديّ وغيرهِ .. إلى حين فوز التجمّع الوطنيّ بقيادَة مانديلا ..

وإنِ اختفتْ مظَاهرُ الإفصاح عن سيَادة العرق إلا أنّها ظلت بارزَة حتّى في مجتمعاتنا العربيّة والخليجيّة تحديداً ، فهناكَ النظام القبليّ الذي يرَى باعتبَار أفرادهِ مميّزين عن بقيّة أفراد التجمعاتِ القبليّة الأخرى ولماذا نذهبُ بعيداً .. ففيما نتخطّى العقد الأول من الألفيَة الجديدَة لا تزال بعضُ القبائل ترفضَ زوَاج أفرادها من خارجها أو بناء علاقات اجتماعيّة مع التجمعَات الأخرَى بدُون أيّ فرضيّة علميّة منطقيّة .. ليسَ هذا فحسب بلْ إنّ هواتفنا لا تخلُو من النوَادر والنكَات التي تستهدفُ نطاقاً معيناً من الخلفيَات العرقيّة العمانيّة بحجّة الضّحك والفكاهَة رغم أنّها تكون مؤذيَة وجارحَة ..

الشوفينيّة هذهِ تدفع بالمقابل هذهِ الخلفيات العرقيّة إلى التعصّب لبعضهَا البعض .. ففيْ الشركات والمؤسساتِ تجدُ العمانيّ القادم من أصولٍ ما يتعصّب للقادمين من نفسِ أصولهِ الأصليّة .. وتجدُ مع مرُور الوقت تجمّعات قائمَة على العرق الأصليّ الذي قدمَ منهُ ذلكَ العمانيّ ..

لقد شهدتُ ذلك بنفسيْ في شركةٍ عملتُ بها في الصّيف في الصحرَاء .. فكنتُ ألمح هذا التعصّب في الوجبَات حيثُ يتجمّعُ كلّ فردٍ مع العرق الأصليّ الذي ينتمي إليهِ .. وكانَ في الوحدَة السكنيّة التي نقيم بهَا مطعمٌ لا يذهبُ إليهِ سوَى مجمُوعة معيّنة تجمعهَا وحدَة العرق الأصليّ واللغَة التي يتحدّث بها أفرادها ولا أحدَ آخر من خارجِ تجمّعهم يأتي معهُم ..

الشوفينيّة كتعصّبٍ ليسَت قائمةً على فكرَة السيَادة العرقيّة فحسب .. وإنّما المذهبيّة الدينيّة أيضاً .. فنحنُ مثلاً لا نقبل بأيّ شكلٍ من الأشكال انتقاد المذهب الدينيّ الذي ننتمي إليهِ ونتعصّب لأفرادهِ ولشيوخهِ ونثُور لتوجيهِ أيّ نقدٍ بحقّه .. بل إنّ مبلغ الشوفينيّة أن يرفضَ أفرَادُ مذهبٍ صلاةَ أفرادِ مذهبٍ آخر معهُ وخروج فتاوَى من رجالات مذاهبهِم بعدم جواز صلاةٍ يؤمهّا رجلٌ من مذهبٍ دينيّ آخر ..

وَليسَ ببعيدٍ عن عُمان فحينَ خرجَ كتابٌ لمؤلّفٍ عُمانيّ يفنّد وينتقد بشكلٍ موضوعيّ فكرة ً معيّنة ينادي بها رمزٌ من رموز الدينِ لدينا ثارتِ الدنيا ولم تقعد .. بلْ إنني أذكرُ أنّ صديقة ً لي كانت توزّع كتاباً كتبهُ ذلك الرمز الدينيّ للردّ على الكتابِ الأوّل مجاناً وحينَ سألتُها: هل قرأتِ الكتاب؟ قالت: لا ، لكنّ والدي قرأه وأعطانيْ هذهِ النسخ لأوزّعها مجاناً للطالبات معي..

الثقَافَة ليستْ بمعزلٍ عن هكذا تعصّب وتطرّف ليسَ أبرز منهُ ما تمارسهُ القنوَات الفضائيّة من تسييسٍ لقيم الشعب والقبيلَة بشكلٍ جاهليّ عبر برامجها الشعريّة التي تفتحُ أبواقها لشعرَاء يمتدحُ كلٌ منهُم قبيلتهُ ودولتهُ وعرقهُ .. ويصَابُ المتابعُ بالغثيانِ وهوَ يتابعُ تعليقات المشاهدينَ أسفل الشاشة التي تمثّل انحداراً لقيم الموضوعيّة وتكريساً لتعصّب التصويت ليسَ للنصّ الجميل والفكر المثقّف وإنما لفكرِ ابن القبيلة الذي يصوّتُ لشاعرِ القبيلَة ..

ومنْ ثمّ امتدت شوفينيّة الثقافَة لتضربَ صناعَة النشر لدينَا فالشّاعر الفلانيّ الكبير لا ينشرُ في دار النشر الفلانيّة لأنّ صاحبها وهوَ مثقفٌ آخر يتصادمُ فكرياً مع الشاعر ذاك .. وبناءً عليهِ يتحوّل ممجدُو وتابعُو ذلك الشاعر أيضاً لنفس توجّهاتهِ دونَ أساسٍ منطقيّ ..

شوفينيّة كهذهِ أصبحتْ مقزّزة ونحنُ نرَى الشعب والصحَافة والإعلام يكرّس لها بعد مباراة عابرَة مع دولَة شقيقَة تفوزُ فيها دولَة على الأخرى وتبدأ بقليلٍ من المناوشات وتنتهيْ بإحراق أعلام كلّ دولة في الدولة التيْ تنافسهَا ومنْ ثمّ تمتد لتحصدَ وفيّاتٍ وقتلَى من الطرفين وجيلاً بعد جيلٍ تكرّس تلك الفكرة وتترسّخ دونَ أن تكونَ قائمَة على أساسٍ غيرَ ترسّبات قديمَة صنَعتها لعبَة الكرَة والريَاضة .. ولسنَا في عُمان ببعيدينَ عن هكذا أجوَاء كانتْ حاضرَة جداً فيْ آخر خليجيّ كرويّ قبلَ عام ..

قبلَ أيّام وفيما كنّا في البحرين لنشاركَ في مهرجَان الشّعراء الشبابِ العرب كانَ بعضُ الشعراء القادمين من دولَة عربيّة اشتدتْ وطأة الخلاف بينها ودولَة أخرى إثر مباراة ممهّدة للتأهل لمونديال العالم .. كان شعرَاء إحدى الدولتينِ يحضرُون الأمسياتِ الشعريّة وقدْ حزمُوا رؤوسهم بأعلامِ بلادهم وكأنُهم داخلُون في معركَة قتاليّة وليسَ في تجمّع شعريّ يترفّع عن هكذا تفاهات .. ليسَ هذا فحسب بلْ إنّ أحد شعرَاءِ الدولتينِ أحرجَ المجتمعين وهوَ يمرّ بكاميرتهِ الفيديُو ليسألَ الشّعراء.. ما الذي تريدُون قولهُ للشعبِ الـ......؟ كلمَة توجّهونها لشعبِ ..... المجيد؟

بهذَا الشكلِ نتعصّب لمفاهيمنا دونَ أساسٍ واضح .. لا نقتنعُ بأيّ فكرَة سوَى أفكارنا ولو ناقشنَا لقرنٍ كاملٍ من الزّمان في صحّتها أو خطئها الطرفُ الآخر .. لا نقبلُ بالمسّ بأفكارنا ونعدّها مقدساتنا التيْ لا تطالها يدٌ ولا ينقِصُ منها الخطأ .. في حواراتنا شوفينيّون .. وفي منتدياتنا الانترنتيّة شوفينيّون .. وحتّى في نكاتنا التيْ نتبادلها ..

ليسَ صحيحاً أن الشوفينيّة انتهتْ بعد سقُوط هتلر الذي يمجّد لعرقهِ وأبناء شعبهِ أو بعدَ انتهاءِ فاشيّة موسوليني .. بل إنّ الشوفينيّة أصبحت فضفاضة ً أكبر واتّسع جناحاها لتشملَ تفاصيل حياة الانسانِ المعاصر الذي يجهلُ أن كثيراً من المفاهيم التيْ يعيشها في حياتهِ قائمَة على تعصّبه لفكرتهِ / مذهبهِ / عرقهِ / توجّهه السياسيّ أو مكانَة قبيلتهِ الاجتماعيّة .. ثمّة أزمَة شوفينيّة لمْ تستطع ثورَة التكنُولوجيا والعصريّة إخفَاء بقعهَا بالماكيَاج !

25 نوفمبر, 2009

بينَ ازدواجيّة التديّن واللاتديّن..

http://www.alwatan.com/dailyhtml/culture.html#5

عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com

باستطاعتيْ أنْ أسمّيهِ "مقَالَ العام" بالنسبَة لما نشرتهُ هذا العام منْ موادّ ردهاتيّة .. مقاليَ الأخير الذيْ نشرتهُ قبلَ أسبوعينِ بعنوانِ "أن أكونَ متديّنة وصُورتيْ على الفيس بُوك" .. وأصدقكمُ القولَ أنّي كنتُ قد جهزتُ حينها مادّة أخرى كاستكمَالٍ للمادَةِ الأولى لتخمينيْ أنّ المقالَ سيثيرُ من الهجُوم الكثير لكنني صدمتُ فعلاً لردودِ الفعل الإيجابيّة التي أبدَاها القرّاء المجهولونَ خاصّة .. في بريديْ وفي حسابيْ على الفيس بُوك وفي مدوّنتي أسعدتني الردُود كثيراً وشعرتُ أنّ هنالك العشرَات ممن يفكّرون بنفسِ الطريقَة لكنّهم غير قادرين على تلخيصِ أفكَارهم وتقدِيمها علانيَة ..

قبلَ أيّام .. استضَافت جماعَة الخليلِ للأدبِ مجمُوعة من الكتّاب السرديينَ كان منهُم عبدالله حبيب وقد لفتتنيْ جملَة مؤثّرة قالها هي أنّ مجتمعنَا لا زالَ جديداً على النقد .. والنقد الصحيّ خاصّة .. النقد الموضوعيّ الذي لا يجرّح فيْ شخصِ كاتبِ النصّ وإنّما "يهزّق النصّ" نفسهُ ..

قال عبدالله حبيب: "نحنُ نخرجُ إلى الحيَاة وثقافَة النقد غائبَة عنّا .. لا نستطيعُ نقد المجتمعِ ، ولا السُلطة ، ولا الثقافَة .. لا نستطيعُ انتقَادَ أبوينَا ولا زملائنا ولا معلّمينا.. ولذا فإننا نخرجُ متشربينَ فكرَة رفض النقد حتّى وإنْ كانَ علمياً وغير عاطفيّ .."

لأجلِ ذلكَ كانَ من الطبيعيّ جداً أنْ يثيرَ ما ذكرتُ ردودَ فعلٍ معارضَة جداً .. معَ أنّ كثيراً من الكتّاب العرب كتبُوا عنِ "ازدواجيّة التدين" خاصّة ً في الوطن العربيّ لدينا ، رغمَ عدمِ انتشَار كتاباتٍ كهذهِ فيْ عُمان .. ونحنُ حينَ نمسّ هذهِ الخطُوط نقابلُ في الجهَة الأخرَى بردود أفعالٍ غريبَة بعيدَة عن الوسطيّة ..

لعلّها كانت قليلَة .. لكنّها فعلاً تستحقُ تسليطَ الضّوء .. بعضهُم بعثَ يقولُ ليْ أنتِ العضوُ فلان وفلان اللذينِ يدافعانِ عن أفكارك في مقالكِ المنقولِ بمنتدَى الانترنت الفلانيّ والحقيقَة لم أستغرِب أن أتّهم بالتخفّي تحت اسم مستعارٍ رغم أنّي لم أفعلها في حياتي كلّها سوَى بمعرّف واحد أتسوّق بهِ في إحدى منتدياتِ الانترنت ولا أحبّ أن ينتهكَ أحدٌ خصوصيّتي

الإشكاليّة الحقيقيّة أن ظنّ الكثيرين في أنّ الكاتبِ يدافعُ عن نفسهِ باسم مستعَار لأنهم غير قادرينَ على التفكيرِ أنّ هنالكَ آخرين ممن يفكّرون بنفسِ تفكيرهِ .. أنا لا أعرف على الإطلاقِ أيّ كاتبٍ منتدياتيّ باسمٍ مستعار .. لكنّ ما أدهشنيْ هوَ غيَاب الوسطيّة في التعاطيْ مع أيّ فكرَة حوَار .. وتحسّس كل أحدٍ البطحَة على رأسهِ خاصّة في المنتديات وكأنني من أقصدهُ شخصياً في قاليْ فهذا يقولُ هي كتبتْ بناءً على نقدي السّابق لها.. وأنا يا جماعَة لم أكتبْ لا عن مداخلَة فلان الانترنتيّ ولا عن علان..

أكثر ما أدهشنيْ يا أصدقاء هو تلقيَّ رسائل منْ مجهولينَ يشكروننيْ على المقالِ وخاتمينَ رسائلهم بِ "تيّار اللادينيين العمانيين" ، وكأننيْ كرّستُ لمفاهيمِ إبعادِ الدينِ عن تصرفَاتنا في الحياة .. وهوَ ما لم أعنهِ على الإطلاق.. ثمّة تطرّف في التعاطي وفهم أفكَار المقالاتِ الناقدَة لتصرفاتٍ تربطُ بالدين وقد لا تمثلهُ بشكلٍ من الأشكالِ..

مقاليْ الطويل جداً لخّصهُ أحدُ القرّاء المثقفين في مداخلةٍ صغيرَة للغايَة أجدنيْ لا أستطيعُ تفويتها أمامكُم وهيَ لمثقّف انترنتيّ اسمهُ ناصر العميريّ قالَ في تعليقهِ:

(الفهم الخاطئ للدين والانتقائية (Selectivity) في تطبيق الممارسات الدينية... كل هذا يقود إلى الأفكار المريضة وازدواجية المعايير(Double Standards)... الانتقائية مثل حمل الفتاة للعطر حرام وعيب... أما سرقة واجب زميل فشئ عادي...
ازدواجية المعايير مثل: شيء طبيعي أن تكون صوري في الفيس بوك لأنني رجل بينما يعتبر عيبا و عارا أن تضع عائشة السيفي صورتها المحتشمة في مدونتها...
أيضا هناك مسافة هائلة بين ما نؤمن به وبين ما نطبقه في حياتنا اليومية... هذا يؤدي إلى التعارض، مثل الغيبة والنميمة حرام... لكن شاعرنا-في المقال- لا يتورع عن اغتياب زميلته وتلويث سمعتها... وأراهن لو سألناه لقال أنه لن يغتاب أحدا أبدا...لأنّ الغيبة حرام)

أوْ ظنّ بعضهم أنّي أرمي باللمزِ إلى الملتحينَ في المجتمعِ وكأننيْ أحتكرُ ازدواجيّة استخدام الدين عليهم فقط وهوَ ليسَ صحيحاً على الإطلاق

بلْ أغلب الفئات التيْ ذكرتها في موضوعيْ من الرجالِ خاصّة هم أشخاصٌ غير ملتحين يحضرُون الدين فقط حينَ "يدقّ" في مزاجهم .. ويقصُونه وقتما شعرُوا أنه يتنافى مع ما يودّون فعلهُ ..

يظنّ كثيرُونَ أنّ الازدواجيّة مرتبطَة فقط في استخدامِ الدين لكنّ هذا ليسَ صحيحاً على الإطلاق .. فالآخرينَ الذينَ يعارضُون استخدامَ الدين كطريقَة حياة نادراً ما نجدُ منهُم المعتدل .. وهوَ ما ألمحهُ في كتاباتِ كثيرٍ من المدوّنين ..

مؤخراً سادتْ موضَة الانتقاص من الدين بين المدوّنين الخليجيين .. وقد كنتُ أقرأ في كثيرٍ من الأحيان مواضيعَ متطرّفة للغايَة لا مبرّر لأصحابها سوَى رغبتهم في الانتقاصِ من فكرَة الدّين .. ومن يطبّقه ..

وأصبحتْ على الجانبِ الآخر تدارُ "قهاوي" المقالات والحكَايات عن فئات "المطاوعَة" المتعارفُ على تسميتهم بهذا الاسم في مجتمعاتنا رغمَ تحفظيْ على ذلك ..

ومنْ ثمّ شهدَ العامانِ الأخيرَان نشر عددٍ من الرواياتِ الخليجيّة تتركّز حولَ نفسِ النقطة ..

سأقولُ لكم أنيْ أستغربُ من مدوّنين ينادُون بقيم الحريّة والانفتاح على الآخر ويهاجمُون فئات كهذهِ من المتدينين بصيغَة الجمعيّة وهوَ أبعد ما يكُون عن مهنيّة الطرح ..

أذكرُ مرة ً على الفيس بوك كانَ هنالك شاعر خليجيّ علاقتيْ جيّدة معه لكننيْ كنتُ في كلّ مرة أراهُ يلطّش في الكلام.. وآخر ما وصلنيْ منهُ على صفحَة الفيس بُوك كانَ في عيد الفطر وقد علّق قائلاً : (كيف حال إلهِ الذبح والدم لديكم .. هل شبع من ذبائحكم؟) أوْ قبلها وهوَ يسخر من اختلاف أوّل أيام العيد من دولَة لأخرى حسب رؤيَة القمر .. وهوَ يقول ( هل أذن ربّ القمر في عاصمَة الدولة فلانيّة بالعيد ورفض ربّ القمر فيْ الدولة الأخرى ببدءِ عيدِ عبادهِ؟) وكانتْ كلّ ردودهِ على هذا المنوَال ..

فرددتُ عليهِ قائلة ً : (أيها الأخ الكريم .. تنادي باحترامِ آرائك وحريّة مبادئك وتدّعي الليبراليّة وأنت غيرُ قادرٍ على تطبيقِ أبسطِ معتقدَات ما تنادي بهِ وهوَ احترام مقدّسات الناس وأنتَ تلطّش عليها برماحكَ يميناً وشمالاً .. أهذا ما علّمتكَ إيّاهُ حياةُ الحريّة التيْ تعلكُ بها طوالَ الوقتِ؟)

نفسُ الفكرَةِ كرّرها رجلٌ آخر يدعيْ ما يدعيهِ سابقهُ .. وكنّا في جلسَة على هامشِ مهرجَان الشارقة قبلَ عامين .. كنّا نتحدّثُ عنْ ازدواجيّة تطبيقِ المفاهِيم لدَى كثيرٍ من المتزوّجين .. فالزوجُ يحلّ لهُ أن يفعلَ كذا وكذا بينما لا يحلّ للزوجَةِ ذلك رغمَ عدم رفض الدينِ لفعلها ..

فعلّق أحد الحاضرين بطريقَة ملفتَة جداً قائلاً أنهُ يؤمنُ بالمسَاواةِ ولذلكَ فإنّه حلفَ على زوجتهِ في أوّل يومِ زواج وهما في الطريق للمطار قائلاً : (والله ما تطلعين للمطار إلا وانتِ خالعَة زي ما أنا خالع ) .. ألقاها وكأنهُ يلقي نكتَة ظريفَة ثمّ أكمل: ومن يومهَا تعوّدت زوجتي على الخروجِ دونَ حجاب..

كنتُ أديرهَا في رأسيْ وأقولُ لعلّ تفكيريْ قاصرٌ في فهمِ ما قالهُ وفيْ فهمِ نكتتهِ التيْ أضحكَتِ الجميع ..لكنْ بأيّ منطقٍ يعتبرُ أنّ إجبار الزوجِ امرأتهُ على تطبيقِ مفاهيم لا يمارسهَا باسمِ الدّين هوَ ازدواجيّة لكنهُ لا يعتقدُ أنّ إجبارهُ امرأتهُ على خلعِ حجابهَا هوَ أيضاً انتهاك لمفاهيم حريّة الفكر والمعتقد التيْ ينادي بها !

حياتنَا مليئة بهكذَا مفاهيم .. الفصل بينَ ما نؤمنُ بهِ وما نمارسهُ .. تقولُ الأمّ لطفلها لا تكذب بطّيح النار.. لكنّه في جلسَة واحدَة برفقتهَا وهي مع جاراتهَا يكتشفُ أنّ أمّه "بطّيح النار كثيراً" ..

ويسمعُ معلّم التربيَة الاسلاميّة وهوَ يقدّم درساً في الأمانَة وإخلاص العَمل ومراقبةِ اللهِ لنا في كلّ ما نفعل .. لكنّ الطالب يلمحُ المعلّم وهو يتغاضَى عن طلابهِ وهم يغشُون في الامتحان ..

نماذجُ كهذهِ صادفتُها ولابدّ أن كثيراً منكُم صادفهَا .. كلّ هذا يميّع مفهُوم حضُور الدين لدينا ونبدأ شيئاً فشيئاً بالإيمان أننا نحنُ السلطة المخوّلة ونحنُ المرجعيّة العليا في انتقاء الدين واختيَار وقتِ إسقاطهِ على تصرفاتنا ووقتِ إقصائهِ ، وحتّى حينَ ندعيْ الحريّة والليبراليّة وننادي باللاتدين فإننا بطريقَة وبأخرى ننافي أبسط قيم ما بنينا عليهِ ادعاءاتنا وهوَ الموضوعيّة في رفضِ ما لا نؤمن بهِ دون الانتقاص أو التجريح غير الموضوعيْ ودونَ أن نكونَ متطرفين في آرائنا .. لأنهُ صحيحٌ جداً أن الحريّة كذلك قد تكونُ متطرّفة ومزدوجَة حين ننادي بها ولا نستطيعُ جعلها وسيلَة لاحترام شعائر وإيمانيات الآخرين .. المتدينين تحديداً ..

نعم لدينا ازدواجيّة في التدين ، شئنا أم أبينا وأراهن أن أحداً منكُم صادفها ولو مرّة في حياتهِ .. ازدواجيّة كهذهِ كانتْ سبباً في تنفير الكثيرين من حضُور الدين في حياتهِم ..

ازدواجيّة كهذهِ .. تنبّأ بها القرآنُ قبلَ 15 قرناً حينَ تنزّل عزّ وجلّ قولهُ .. ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾

21 نوفمبر, 2009




وَ .. لعلّيْ !


حينَ تكتظّ مسَاءاتيْ أصلّيْ ..


لحبيبٍ وقعهُ فيْ القلبِ .. من وقعِ التجـلّيْ !
.
.
عائشَة

20 نوفمبر, 2009

كفَى مَوتيْ بأنّ دميْ حزين ٌ
وكيفَ يموتُ منْ دَمـُهُ حزينُ ؟!
.
.

عائشَة

18 نوفمبر, 2009

عن ندوَة المرأة.. وهذيانات "حريميّة" جداً !

لم تتم إجازَة المقال للنشربالجريدَة
.
.
عائشَة السيفيّ
أراجعُ مع رئيسيْ في العملِ بعضَ الحساباتِ فيدخلُ مهندسٌ من دائرَة أخرى ليقدّم ورقَة لرئيسي قائلاً : خذ ، هذا قرار جديد صادر مطلوب توقيعك .. أطالعُ القرار بفضول فيقدّمه ُ رئيسي في العملِ لي فأقرأ في القرار ..أقر أنا الزوج( ..... ) بعدم ممانعتي لخروجِ زوجتي ( ....)من البيت في الساعة (..) وذلك يوم ( ..) متوجهة ً إلى (.... ) مع عودتها في الساعة (.... ) فيما انفجرَ المهندس ضاحكاً بالقول : هذا القرار من إفرازات ندوة المرأة !يغادر المهندس فيدخل آخر ويقرأ القرار "المفتعَل" ضاحكاً ويقول : هذا بو تستاهلنه ، الدخول والخروج من البيت بتصرِيح .. عب نحن الرجال من يسوي لنا مؤتمرات؟ حينَ عدتُ إلى طاولتيْ سألني زميلي في المكتب المجاور: عائشَة ، يعني بشو طلعتن من هالمؤتمر؟ ، ظللتُ طويلاً أفكر ثمّ أجبت : يا ود الحلال لا تستعجل ، القادمُ أجمل !
(***)
بعد انقضَاءِ الندوَةِ بأيام اتصل بي زميلٌ صحفي ليسألني ما رأيي في ندوة المرأة وهل أدّت دورها المعوّل عليه؟ فأقولُ لهُ : والله ما المسؤولُ بأعلم من السائل ! بعدَ مقالي الذي كتبتُ فيه عن صديقاتي المجهُولات بعث لي أحدُ الكتّاب العمانيين قائلاً : ( مقالك جميل يا عائشة لكن قولك في المقالِ أنّ الندوة تعقدُ على جانبٍ عال من المستوَى والحرفيّة .. هذا عليهِ كلام! ) .. قلت له : (لماذا؟ هل تريدني أن أشتم بها وهي بعدُ لم تبدأ؟ ) فردّ قائلاً : ( لم يطلب منكِ أحدٌ أن تشتميها لكن أحداً أيضاً لم يطلب منكِ أن تتملقيها ! ) ..
(***)
مضَى أسبوع وأسبوعان وآخران غيره بعدَ الندوَة .. وأنا أفكّر .. ما الذي قدمتهُ لي الندوَة كفتاة عمانيّة؟ ما الذي استفدتُ أنا منهُ كمواطنة عمانيّة بعيداً عن كل المسميَات الثقافية التي قد تحضر معي.. ما الذي من الممكنِ أن تغيرهُ هذه الندوة في حياتيْ أنا كفتاة عمانيّة تعيش على هذه الأرض كأيّ امرأة أخرى هي إيمان أو فاطمة أو علياء !وما الذيْ خرجتْ منهُ نساؤنا المدعوّات للندوة .. بملابسهن المكويّة النظيفة وعباءاتهنّ المزركشة .. وحقائبهن غالية الثمن .. وبأناقتهنّ التي تشدُ المشاهد وهوَ يطالعهنّ في شاشة التلفزيون التي تنقلُ تفاصيل الندوة أولاً بأول.. من حضر من النساءِ العمانياتِ للندوةِ! ومن غاب أو غُيِّبَ عنها؟

حسناً .. ظالمٌ جداً القول أن الندوة لم تخرج بتوصيات جيّدة جدا..ومن الظلمِ بمكان أن نحكم بفشل الندوة من نجاحها .. لأن نجاحها يقاسُ على المدى البعيد .. وأي نعَم ، الحَاجة موجودَة لهكذا ندوات .. وهي كأوّل ندوة تعدّ بداية موفّقة لاستصدار قوانين وحقوق جديدة تخصّ المرأة ودورها في المجتمعِ سياسياً واقتصاديا إلخ..

لا أودّ أن أكون متطرفَة في آرائي .. مستعجلَة في أحكاميْ .. وهجوميّة .. لكننيْ حزينَة .. حزينَة لأنّ ليس باستطاعتي أن أقدّم لنسائنا العمانيّات المهمشات أكثر من كلمة في جريدَة أو مدونة .. وحزينة أكثر لأن المرأة نسيَتِ المرأة.. ولأن الندوة أقيمت بنسائها المدعوّات "بالبطاقات" فقط !
حزينَة .. لأنّ "وطني حزينٌ أكثر مما يجب" .. ونساؤهُ كذلك ..
ثمة كلام ينبغي أن يقال.. لعلهُ هذيان .. لعلهُ أدخنة مجنونَة صعدت في الهواءِ واختفت.. هنا هذيانُ امرأةٍ عن ندوَة المرأة ..

(***)
يحدثنيْ أخي القاطن في إحدى بيوت الخوض المستأجرة التي يقصدها طلابُ الجامعة عن المرأة القاطنة جوارهُم .. التي كثيراً ما يسمعُ صراخها وزوجها ينهالُ بالضرب عليها .. ترى هل عرفتْ تلك المرأة بأنّ ثمة ندوة في الجوار تقام لتكريس حقوق المرأةِ العمانيّة؟ ترى لو عرفت هل كانتْ وقفت وسألت: أيها المجتمعون؟ أينَ حقوقي أنا؟
ليت الندوَة خرجتْ ولو استناداً على أرشيف قضايا العنف في المحاكم بقراراتٍ تخدم المرأة العمانيّة المعنفة.. مثلاً خط ٌ للتبليغ عن حالاتِ العنفِ والاعتداء الجسدي والجنسي .. خطٌ ساخنٌ يستطيعُ من خلاله أي فردٍ أن يؤدي دورهُ في حمايةِ امرأة مستضعفة يعتدي عليها زوجها أو أخوها أو أيّ شخصٍ آخر ..سألتُ قبل أن أكتبَ هذا المقال الكثيرين إن كانَ ثمة وجود لمثل هذا الخط فنفى الاغلبية..
فإن كان هذا الخط موجوداً .. ألا يستحق أن يروّج له في الشوارع والمحلات والواجهات التجاريّة؟إن كانت هؤلاء النساء المُعتدى على حقوقهنّ مجبرات على السكوت أو عاجزاتٍ عن كسر خوفهنّ فلماذا لا نترك للآخرين المجهولين فرصَة التبليغ عن حالاتهنّ الانسانيّة دونَ أن يعرفَ أحدٌ بهويّة المبلّغ؟
ولماذا لم تكلّف أي من نساء المجتمع البارزات نفسها بتكوين جمعيّة حقوقيّة للدفاعِ عنهنّ مجاناً؟ مجموعة محاميّات أو قانونيّات مثلاً ! أو تشكيل لجان توعيَة للنسَاء اللاتي يجهلنَ حقوقهنّ في ضمان معاملة كريمَة لهنّ..
(***)
قبلَ عامٍ من الآن.. لم يكنْ حديث النساء الشاغل في مدينتنا سوى عن المرأة العجوز التيْ استنكرتها جاراتها صباحاً وحين ذهبن إلى بيتها وجدن العجوزَ غارقة في دمائها بسبب اقتحام أحدهم لمنزلها واغتصابهَا .. العجوز العمياء تعدّت التسعين من العمر.. حملتها جاراتها بجسدها المليء بآثار العنف والكدمات التي أحدثها ذلك الحيوان البشري وغطينَ آثار الدماء وحملنها للمستشفى ليخبرنَ الأطباء أنها سقطت ودونَ أن يكلفَ الأطباء نفسهم بتفحصِ صدق تلك النساء من كذبهنّ منحوها سقايَة وانتهَى الأمر ..
أذهب مع أمي لزيارة إحدى قريباتنا فأسمع امرأة تقول لأخرى: سمعتِ ما حدث للعجوزِ فلانة؟ فتجيبُ الأخرى: نعم سمعت بس تراها ما أول مرة تصير لها!امرأة في التسعين من العمر .. لا ابن لها ولا ولد.. سوى أخٍ كان يسمحُ لها بالنوم ليلا في بيتهِ إلا أن تبوّلها اللا إراديّ جعلهُ يرفض استقبالها حتى لترفِ قضاء الليل في حمايةِ بيتهِ ..من يحميْ هذه المرأة؟ ومن يؤمن لها حياة كريمة في مشيبها؟
لماذا لا تؤجد ملاجئ لمثل هذهِ النساء الوحيدات.. كنتُ سألتُ قبل ذلكَ إن كانَ ثمة وجود لها فسمعتُ أن ثمّة ملجأ لكبار السنّ لكنهُ غير معلن حتى لا يشجّع الأبناء على عقوق آبائهم وأن استقبال نزلائه يتم بقرار وزاريّ شخصي ..والسؤال.. هل سيفكّر ابنٌ على وضعِ أبيه في ملجأ إن لم يكن عاقاً بالفعل؟ ، فلماذا لا نضمنُ لهم على الأقل أدنى مستويات العيش الكريم في آخر سنين عمرهم؟
لماذا ننكل بهم تحت رحمة ابنٍ عاق!وهذهِ المرأة المقطوعة من لها؟ ومن يتكلّم باسمها؟ هل ترى فكّرت أي من النساءِ الجميلات المتأنقاتِ وهن يحضرنَ تلك الندوة ويناقشنَ وضع المرأة اجتماعياً أن حالاتٍ كثيرة كهذه المرأة موجودة في مجتمعنا تحتاجُ أصواتهنّ ومساعدتهنّ؟
(***)
بعد الندوةِ بأيّام اتصلتْ بي معلمَة وهي تكادُ تبكي محتجة على قرارٍ وزاري صادر بإلغاء إجازة مرافق مريض وبدلا منها تحديد 5 أيام كإجازة طارئة كحدٍ أقصى..المعلمَة التي يعاني اثنان من أطفالها من فقر الدم الحادّ ودعتني بسؤالٍ متعبٍ جدا وهي تقول: "أولادنا يا عائشة شو نسوي بهم؟ كيف تطالبني وزارة التربية والتعليم أن أخلص في عملي وأذهب للمدرسة وأدرّس طالباتي حصّة ولا أروع .. ولدي طفل صغير يرقدُ في المستشفى يتلوّى ألماً؟"
كنتُ أفكرُ أن القرار لم يخرج إلا لأن كثيرين أساؤوا استخدامَ إجازة مرافق مريض ، لكن يا جماعة.. امرأة عاملة لديها ثلاث أو 4 أطفال.. ألا تعتقدونَ أن 5 أيام إجازة طارئة هو قرارٌ مجحف لكل أمٍ لا يمرُ العام دونَ أن يمرض أطفالها مرتين أو ثلاث في السنة ..
أليسَ هذا محاربَة لأمومَة المرأة العاملة؟ ترى ما الذي استفادت منهُ عشرات الأمهات المعلمات من ندوة المرأة التيْ خرجَ القرار بعد انتهائِها بأيام؟ما الذي قدمتهُ ندوة المرأة للأم العمانية العاملَة التي لا تملكُ ساعَة رضاعة يوميّة كالتي تملكها نظيراتها الخليجيّات وأقربها البحرينيّة مثلاً؟
(***)
قطعَ علي كتابة هذا المقال اتصالٌ من صحفيّ .. سألني هل أنتِ مشغولة؟ قلتُ له أكتب ردهات عن ندوَة المرأة! فقالَ لي: لديك تحفّظات؟ .. قلت له نعم.. فقال لي: يا ستي لا تكتبي .. أنت أكبر مستفيدَة.. كل 17 أكتوبر من كلّ عام سيقيمون أمسية شعريّة وسيدعونك لإحيائها وستربحينَ من خلفها نقوداً ! ما الذي تريدينهُ أكثر من ذلك؟
(***)
جميلةٌ تلك الندوة .. ظهرتْ فيها نساؤنا العمانيّات مبتهجات.. سعيدات بالنقاشات فيها.. ظهرت الطاولاتُ أنيقة ومهندمَة والأضواء هادئة والديكور جميلٌ للغاية.. كانَ كل شيءٍ جميلاً جداً ومشجعاً على التقاط الصور ونقلها في التلفزيُون .. لكنّ فاطمَة التي تحمل بطاقة شخصيّة غير مختلفة عن المدعوّات وتحمل جواز سفر عمانيّ ككل المشاركاتِ في الندوة ..
كانت لا تزالُ تتعرضُ للضرب من زوجهَا.. والعجوز التيْ اغتُصِبت .. عادت إلى بيتها الطينيّ بينما مغتصبها يسيرُ ربما أمام البيت يومياً دون أن يعرف أحدٌ أنه من اعتدى عليها.. والمعلمَة تلك واصلت طريقها إلى مدرستها وطفلها الصغير راقدٌ في المستشفى .. والندوَة انتهتْ وعادت المدعوّات كلٌ إلى حياتها.. حضرَ كلّ شيءٍ في تلك الندوة.. وغابتِ المرأة العمانيّة التي لا يعرفها أحد .. تلك المخفية في حواري القرى .. وأزقّة المدن.. تلك التي لا تملكُ عباءة مكويّة لتظهر بها أمام عدساتِ الكاميرَا !

لأنـّهُ وطنٌ ..






وها أنَا طفلة ٌ في البحرِ سابحة ٌ
يقبّل الموجُ أضلاعيْ ويحتضنُ

أقولُ للبحرِ سلّمْ ليْ على وطنٍ
خبّئتهُ فيْ فمٍ قيثَارهُ الشجنُ

أغمضتُ عينيَ حتّى ملّ من وسنيْ
ظلّيْ وأشغلنيْ عنْ فقدِهِ الوسنُ

وفي فميْ الزمنُ المطعُونُ يصلبنيْ
وقدْ يموتُ على فرطِ الأسَى الزّمنُ

ها الرّيح ، هالليلُ .. ها صوتيْ يعمّدنيْ
سجّادة ً فيْ ثراها نائم ٌ وطنُ .

.مضيتُ دونَ دميْ .. أشكُو إليهِ دميْ
كالرّوحِ إنْ خَانها في حزنهَا البدَنُ

وها أنَا الرّيحُ تذرونيْ وتجمعنيْ
وليسِ ليْ من نجاةِ الرّيحِ مؤتمَنُ

يا صاحبَ السّجنِ نزّهنيْ .. أنا لغة ٌ
عذرَاءُ يعبُدنيْ .. شِعريْ ويفتتنُ

واكتُب على الرّمل .. لا يفنَى المكان بها
ولا تشيخُ وإنْ شاختْ بها المدنُ

ولا تموتُ وإنْ يعرَى الرّجالُ بها
ولا تضيقُ ولو فيْ جوفِها دفنُوا

وسوفَ تحيَا حيَاة َ الصّمتِ يمنحهُ
الغيابُ قبلتهُ الكبرَى ويحتضنُ

نذرتنيْ أنْ أكونَ البحرَ فيْ جسدٍ
لا تمتطيْ قِفرَهُ الأفلاكُ والسّفنُ

وها أنا فيْ دميْ أغرقتنيْ جسداً
كقاربٍ ملّ منْ أسفارهُ الوَهَنُ

لكنّهُ لنْ يوَارَى لوْ بهِ غرقَ الموتَى
ونامتْ على أجداثهِ المحنُ

لأنّهُ وطنٌ مستوطنٌ وطنا ً
وكيفَ فيْ البحرِ يلقَى حتفَهُ الوطنُ؟

.
.
عائشَة السيفيّ

10 نوفمبر, 2009

أنْ أكونَ متديّنة وصورتيْ على الفيس بُوك !

عائشَة السيفيّ
ufuq4ever@yahoo.com



أتلقَى عادة ً بين الحين والآخر تعقيباً على مقالاتي رسائلَ غاضبَة من أشخاص مجهولين يتهمونني تارةً بالعلمانيّة وتارةً بالليبراليّة وتارةً بأنني متحرّرة وقد يأتي أحدهُم للقولِ أنّ أفكاري تشكلُ خطراً على "فِكر المرأة العُمانيّة المحافظَة" إلى آخرهِ من رسائل قد يتعرّض إليها أيّّ كاتبِ صحيفَة فما بالكُم بكاتبة قادمَة من بيئَة محافظَة جداً كبيئتي؟
ويهاجمنيْ آخرون لوضعِي صورتي في مدوّنتي وأنّ ذلكَ يخالف الدين رغم أني أضع صورتي بحجابي الكامل دونَ أن أخرج عن الذوق العام في الحشمَة كأيّ صورة أخرى منشورة في الصحفِ أو كصورة أيّ فتاة محجّبة تمشي في الشارع !
وتصبّ أغلبُ هذهِ الرسائل على دعوتيْ إلى "التديّن" أو كمَا قال أحدهم (العودَة الحقيقيّة للدين) وإعادة النظر في منهج الكتابَة التي أنهجُها من بَاب قولهِم أنّ الدين يكرّس ارتبَاط مفهومين همَا المرأة والستر .. والكتابَة تتنافى معَ هكذا مبادئ ..
خلاصَة القول أنّ أغلبَ هؤلاء يُقدّمون في رسائلهم بطريقَة أو بأخرى مفاهيمهم الخاصّة في فهم التديّن كأسلُوب حيَاة وكفكر .. وهوَ ما يدفعني للتساؤل: ما هي فكرتنَا عن التدين؟

مؤخراً نشرت قناةُ البي بي سي درَاسة نقلتهَا عن معهدٍ ألمانيّ أقام دراستهُ عن التدين على شريحَة واسعة من الألمان ومن المعروف أنّ ألمانيا من أكثر الدول التي تشهدُ التنوع الدينيّ وحريّة ممارسة العبادة كما أنّها تفتح المجال واسعاً للملحدين والطوائف الأخرى بإعلان أفكارها ومعايشتها جنباً مع جنبٍ مع بقيّة الأديان .. الدراسة شملت كافّة الأديان .. المسلمين اليهود والمسيحيين بطوائفهم المختلفَة وخلصت الدرَاسة إلى أنّ جميع الشرائح تشتركُ في مفهُوم واحد .. أنّ أغلب المتدينينَ يحتكرُون التدين في فكرَة ممارسَة الشعائر الدينيّة أكثر من مسألة عكسها بشكل واقعيّ على حياتهم الحقيقيّة وأنّهم بطريقة أو بأخرى في أسلوب حياتهم يخالفُون ما تنصّ عليه شعائرهم الدينيّة وأنهم إن طبقُوا تعاليم تلك الشعائر الدينيّة فإنهم يخالفونهَا في ممارسَات أخرى إن تعارضتْ مع غاياتهِم..

بالمعنَى البسيط أنّ أغلب من شملتهم الدرَاسة يأخذُون من أديانهم ما يروقهم ولا يطبقُون جزءاً منها في جوانبَ أخرى سواءً بعمدٍ أو دون عمد ..

ذكرتنيْ الدراسة بمقال جميلٍ جداً للروائيّ علاء الأسواني يتحدث فيه عن دراسَة مماثلة صنّفت بلدهُ "مصر" كأكثر البلدان تديّنا في العالم .. وتساءل علاء الأسوانيّ أنه بالرغم أنّ مصر تسجل نسب عاليَة من التحرش الجنسي مثلاً وتنشط فيها السوق السوداء أكثر من دول مجاورة وترتفع بها نسبة الجريمة فإنّ هذا لا يتنافى مع حقيقَة أنّ شعبه هوَ أكثر الشعوب تديناً؟

لتفهموني أكثَر سأحكي لكم قصّة حدثت لي مع إحدى زميلاتي التي تربطنيْ بها علاقَة سطحيّة والتيْ يحلُو لها كثيراً تبرير تصرفاتها باسمِ الدين .. حيثُ كنا سوياً في استراحة الطالبات بالكليّة وبتلقائية شديدة سألتها إن كان لديها عطر لأني نسيتُ عطري ولم أضعهُ بالحقيبة ..

فردّت علي بصورة عنيفة ومتجهّمة قائلةً : عفوا نحن ما نتعامل مع هالأشياء ولا الدين يرضاها ..
طبعاً أنا لم أكن أتوقع ردة فعلها تلكَ وتناسيتهَا مع الزمن.. لكنني عدتُ وتذكرتها في إحدى الأيام ونحن متعسرُون في حلّ مسألة بإحدى الواجبات الدراسية بمقررٍ ندرسه سوياً .. وحينها مرّ أمامنا طالب من زملائنا ووضعَ واجبه في صندوق البريد الخاصّ بدكتور المادة وهذا الصندوق يكون مفتوحاً عادةً لأي أحد .. وحين غادرَ قالت لي الفتاة : (ما رأيك أن نذهبَ ونأخذ واجب الطالب من صندوق بريد الدكتور وننقله ثمّ نعيده وكأنّ شيئا لم يحدث؟)
الحقيقة أنني أمضيتُ لحظات أحدّق إليها ثم ضحكتُ كثيرا وأنا أقولُ لها ( لا يا ابنتيْ ، "عفوا نحن ما نتعامل مع هالأشياء ولا الدين يرضاها" !

رغم أنّ موضوع العطر لو قسناه من مبدأ الحريات فهوَ حريّة شخصيّة بينما سرقة واجب دراسي ومجهود طالب آخر هو تعدٍ صريح على حريته فأيّهما أكثر ارتباطا بالدين؟

مثلُ هذه المواقف كثيرَة .. فنحنُ نأخذ من الدين ما يحلُو لنا ونتركهُ بمنطقِ الغايَة تبرّر الوسيلة .. وشخصياً تعرضت لها وزميلاتي بشكلٍ كبير .. ومن أمثلتها صديقتي غير المحجّبة التي كانَ ثمة طالب يبعث لزميلتها رسائل يدعوها لنصحها بارتداء الحجاب والاحتشام وترك السفُور .. فما كانَ من هذا الطالب سوَى أن يقوم بسرقة بريدها الالكترونيّ الذي استحوذ عليه إلى يومكُم هذا .. هذا الطالب نفسهُ أصبح يلاحقني في ردودهِ مؤخراً بمدوّنتي ناعتاً إيّاي بالمتحرّرة ومدعيَة الحريّة ومهدداً بسرقة بريدي الالكترونيّ ..

الطالب هذا تذكّر الدينَ حينَ رغب في دعوة الفتاة إلى ترك السفُور لكنهُ نسي الدينَ حينَ قام بسرقة خصوصيتها وسرقة أكثر ممتلكاتها سريّة من مبدأ أنّ الدينَ يبرر له ما فعلَ !

في الساحةِ الثقافيّة كذلك يتم إساءَة استخدام الدين أيضاً ولعلّ أبرز ما يحضرني حول ذلكَ هوَ أنّ شاعراً عمانياً عرف أخ شاعرَة عمانيّة وحين علم أنها شقيقتهُ بدأ في الحديث عنها بشكلٍ سيء قائلاً لأخيها: "ليش مفلتين أختكم بهالطريقة؟ ، وليش مخلينها ما شي شاعر إلا وتعرفه؟ ، يا أخي أين الدين؟ أين الغيرَة؟" رغم أنّ تلك الشاعرة منعزلَة جداً ونادرَة التواصل مع الوسط الثقافيّ .. لكنّ أفكاره المريضة دفعتهُ لاختلاق كلّ ذلك ما أدى لمنع أخِ تلك الفتاة منْ مشاركتها في أيّ فعاليات ثقافيّة بعد تلك المحادثة رغم توسطيْ بشكل شخصي لمشاركتها ورفض عائلتها..


الشاعر نفسهُ أعلاهُ .. كانَ يؤمّ في كثير من الملتقيات الثقافيّة المصلّين ويفعل ذلك أيضا في المسجد المجاورِ لسكنهِ .. لكنّ هذا الشاعر نفسهُ أوقع بإحدى الفتيات اللاتي أعرفهنّ بل وظلّ يهددها بالرسائل إن لم تستجِب لطلباتهِ ووصلَ الحدّ إلى تدخّل عائلتها في الموضوع بعدَ أن تجاوزَ هوسُهُ الحدّ المسموح .. نفس هذا الشاعر سمعتهُ بعد إحدى الأمسيات الشعريّة التي جمعتنا يشتمُ في شاعرٍ عمانيّ كبير بطريقَة سيئة للغاية فسألتهُ : هل سبقَ والتقيتَ به؟ فقال لي: لا .. قلتُ له: طيب لماذا تشتمهُ؟ فأجاب: لأنهُ مترفّّع ولا يخالط بقيّة الشعراء!
وبهذهِ الطريقة ظلّ هذا الشاعر يستخدم الدين ليبرّر ما يفعلهُ وينبذهُ حينَ يشعرُ بتعارضِ الدين في ذلكَ الموقف ..


الأصنافُ التي ذكرتها أعلاهُ تظنّ في قرارَة نفسها أنها متديّنة .. تمارس الشعائر الدينيّة على أكملِ وجهٍ وتزيدُ عليها .. بالإمكانِ أن يكونوا مصلّين قوامين ، صائمين لكنهُم في نقطةٍ ما ، يحضرونَ الدين وقتما يشاؤون ويغيّبونه وقتما أرادُوا ..
ولعلّ أبرز ذلك هو الفيلم المصريّ الذي طرحَ قبل عامٍ تقريباً "كباريه" ويسلّط الضوء على صاحب الكباريه ذي اللحية الطويلة التي لا تفارق المسبحَة يدهُ وَالذي يضع مكتبهُ في أعلى الكباريه ويعزل جدران مكتبهِ عن الصوت حتى لا تصلَ إليهِ أغاني الكباريه ولكنهُ يدير الكباريه ويردّ نقوده ويتصدّق بها وقبل تفجير الكباريه بيوم واحد كانَ قد حجز للذهابِ للعمرة..

كاتبُ سيناريُو الفيلم قدّم بعبقريّة مدهشَة نمط صاحبُ الكباريه هذا .. الذي هوَ نسخَة مكررة من ملايين حولنَا .. يعتبرونَ أنهُم "متدينين" بطريقتهم الخاصّة في فهم الدين والتديّن .. تماماً كتلك الراقصَة التي تعمل في الكباريه من أجلِ أن تؤمّن النقود لوالدتها لتذهبَ للحجّ !

ثمّة حديث شريف يحضرنيْ ولا أتذكر تفاصيلهُ لكننيْ أذكر فيهُ أنّ صحابيا مرّ على النبي صلى الله عليه وسلّم فقالَ النبي لأصحابه أنّ هذا من أهل الجنّة! فعجب الصحابة عن السبب وأرادَ أحدهم أن يعرف ما هوَ المميز في هذا الصحابيّ ليكون من أهل الجنّة لذا ذهب للمبيت في بيتهِ يوماً كضيف .. ليرى ما المميز في هذا الصحابي .. ومرت الليلة والصحابي الأوّل لم يلمح أيّ شيء مختلف في شعائر عبادَة المبشّر بالجنة .. وحين جاءَ النهار ذهب الصحابي للمبشر بالجنّة وأخبرهُ عن سبب مبيته وقالَ له والله ما رأيتكَ أكثر صلاةً مني ولا أكثر قياماً مني .. فما الذي حمل الرسولَ على أن يبشّرك بالجنة؟ فقال له المبشّر بالجنة : أنه لا يصوم ولا يصلي ولا يقوم الليل أكثر من بقيّة الناس ولكنّه لا يحمل نية سيئة تجاهَ أحد ولا يحمل غلاً وكرهاً تجاه أيٍ من الناس .. هذا الحديث يحاول أن يصحّح للناس فكرَة أنهُ لا يشترط لتكونَ صالحا أن تكونَ من العابدين القائمين الصائمين .. وإنما التزامك بالشعائر الدينيّة وتطبيقها بشكل عملي في حياتك هوَ السرّ في صلاح الدينِ والدنيا ..

وهوَ ما يقوله النبيّ في حديثه (ربّ صائمٍ ليسَ له من صيامهِ إلا الجوع وربّ قائم ليسَ له من قيامهِ إلا السّهر) فممارستنا للدين لا تعني بالضرورة أننا حينها أصبحنا متدينين !

وهوَ ليسَ في بلداننا العربيّة فقط ففي كتابٍ قرأتهُ ، ذكرَ مؤلّفهُ أنّّ دراسة ً شملت تجّار المخدّرات المسجونين في ولاية شيكاغُو أبرزت أنّ هؤلاء التجار ورجالات المافيَا يذهبُون بشكل دوريّ للكنيسة وللاعتراف ولقدّاس الأحد رغمَ أنّهم قد يقتلونَ في نفس اليوم أحدَ العملاء أو رجال عصابات أخرى ويوزعُون المخدرات لكنهُم في حياتهم كأيّ متدين يمارسُون الشعائر الدينيّة ولا يتخلفون عنَ جلسات الوعظ والإرشاد التي تقيمها الكنيسَة ..

خلاصَة القولِ أنّ أكثرنا يجهلُ ما معنى كلمَة التدين؟ رغم أنّنا نتكئ على الدين في تبرير أغلبِ تصرفاتنا .. وأغلبُنا انتقائيّ في ممارسَة الدين .. نحضرهُ وقتما نريد ونبعدهُ وقتما نشعرُ أنّه يتعارض مع ما نريدُ فعلهُ .. قد نصلّي ونصوم ونقرأ القرآن .. ولكننا نغشّ في عملنا .. ونرتشيْ في تمرير معاملاتنا إلخ ..

يا أصدقائي الذينَ يدعوننيْ للتديّن .. قد أكونُ "متحرّرة" وقد أضع صورتي في مدوّنتي وأنشر وأشارك في الأمسيات وقد ترفضُون أنتم ذلك لكن ليسَ بالضرورة أن تكونُوا أكثر تديّناً مني .. أو من الآخرين الذين يفعلُون ما أفعل .. نعم ، ما التعارضُ في أنْ أضعُ صورتيْ على الفيس بوك وأصلي وأصوم وأقرأ القرآن وأكتبَ عنكم وعن العمل الخيريّ والحياة الجميلَة والثقافة والفنون والشّعر والمرأة وميشيل فوكُو ومحمود دروِيش والآخرين؟ وربّما أكونُ حينهَا أكثر تديّناً منكُم ! من يدريْ؟

04 نوفمبر, 2009

لأنهُ لا مكَان للعملِ الخيريّ بيننا (2)

عائشَة السيفِيّ

ufuq4ever@yahoo.com

بعثَ لي بعضهُم يخبرنيْ أنهُ لا ينبغيْ المقارنَة بين العمل الخيري في عُمان ودول كالمملكة المتحدَة واسبانيَا وَالولايات المتّحدة لأن التعداد السكاني في تلكَ الدول يتخطّى بكثير تعدادنَا السكانيّ بعمان .. فهل هذا سببٌ فعلاً لعدمِ ظهور العمل الخيريّ الشعبي لدينا في عُمان على السّطح؟ ربّما !

رغمَ أني ركزت في مقاليَ السابق على النسبَة المئوية التي لا علاقة لها بالتعدَاد السكانيّ بل بنسبَة الكلّ من الجزء ..

لقد آلمنيْ فعلاً أنه بعد كتابَة مقالي الأخير ، لم أجد من يتفاعلُ "بشكل عملي" مع قضيَة المرأة التي ذكرتُها سوَى قارئ مثقّف اعتاد الردّ بريدياً على مقالاتي .. وهوَ كأيّ موظف في الحكُومة لديهِ التزاماتهِ الماليّة لكنه بعث مشكوراً ليقولَ لي أنه يمرّ بأزمَة وضغط ماليّ وأن أقصى ما يمكن أن يقدّمه لهذه المرأة 500ريَال وإلا لقدّم أكثر ..

آخر بعثَ لي يقولُ لي –استجابةً لحديثي بأنّ كلاً منها لا يشترط أن ينشط في العمل الخيريّ بالنقود إنما باختصَاص عملهِ- لذا أبدَى استعدادهُ على أنْ يقدّم بورشتهِ تلك أيّ مساعدة لمحتَاج ..

ثالثُ أبدى استعدادهُ لجمعِ تبرعاتٍ للمرأة لكنّه عاد في اليوم التالي يخبرني بخيبَة أمله في رفض جميع من أبلغهم بالتبرّع ولو بريَال واحد ثمّ عقب أنّ أحد مَنْ طلبَ منهُم ردّ قائلاً : ( كيف نتبرع ونحن ما محصلين ناكل تمرة ببيتنا) بينمَا يملكُ قائلُ العبارة السابقَة سيّارة بورش تتخطى قيمتها الثلاثينَ ألفاً !

أحزنني كثيراً ردود بعض من قرَؤوا المقال وهم يقولُون أنّ الشحاتة انتقلت لكتّاب المقالات وحقيقة ً شعرتُ بالإشفاق الشديد على أننا غير قادرين على فهم أنّ الكتَابة أيضاً قد تكونُ جزءاً من العمل الخيريّ ، وأنّ الكتابَة لا خيرَ فيها إن لم تكن وسيلَة للأخذ بهمُوم المجتمع ..

نحنُ نكتبُ أيها الأصدقاء لا لتستقبل حساباتنا البنكيَة تبرعات أحد ، ولا لأن يخرج ريال من جيبكُم ليدخلَ في جيبنا ، نحنُ نكتب عن فقرَاء يعيشون بعيداً عن بيوتكم الاسمنتيّة الضخمة .. ربما على بعد أمتار أو كيلُو أو أميال .. لكنهم موجودون بيننا ، يتنفسُون نفس هوائكم وإن لم يملكُوا مكيفاتٍ مركزيّة ولا سيارات رياضيّة كما تملكُون .. ينامُون تحت تشينكو أو يتكدسُون في غرفة واحدة ، وهم شئتم أن تخفُوا وجودهم موجودون ، ونعم .. منسيُون لا تطالهم "تبرعاتكم العظيمة" التي رسمتم خيالهَا في الهواء .. نحنُ نملكُ أقلاماً خلقت لتمثّل أولئك الذينَ لا يجيدونَ كتابة حياتهم المسحُوقة على الورق ..

نعم من حقنا أن نكتبَ للعمل الخيريّ وننتصرُ للعمل الخيريّ ، ولنساءٍ مهمّشات تحت خط الفقر ، وسنكتبُ لأننا من جسدِ هذا المجتمع .. نتحدثُ عنه لا عن شعُوب في المرّيخ

امرأتي المجهُولة أبلغتني باكيَة قبل يومين أنّ صاحب البيتِ أبلغها بإقلاعهِ عنْ فكرَة البيع رغم موافقتهِ المسبقَة وحقيقَة ً كنت أفكر قبل أن أعرف بهذا أن صاحب البيت لو باعهَا بيتهُ بذلك المبلغ فهوَ قدّم لها خدمة انسانيّة أعظم من خدمَة أي انسانٍ آخر بإمكانهِ المساعدة .. لكنْ الحياة دائماً "تلهُو بنا وتسخَر" !

لا أحبّ أن أفرد لكم أرقاماً في العمل الخيريّ في الدول الأخرى حتّى لا يقولَ قائلٌ: لهم أوضاعهم ولنا أوضاعنا .. مالياً واجتماعياً إلخ .. لكنيْ سأكتفيْ بعرض رسالة وصلتني من عُمر .. شاب عُماني درَس في كندَا ويعملُ حالياً في عُمان .. يتحدّث عن تجربتهِ الشخصيّة التي شهدها في العمل الخيريّ بكندا .. يقولُ عمر في رسالتهِ ..

( حينَ جئتُ إلى كندا قرأت مرة في إحدى الصحف أن الحكومة سجلت عمل 99.2% من الكنَديين في العمل الخيري في الصيف وحقيقة لم أصدق ذلك الرقم إلا حين أتاح لي الزمن فعلا العيش بين هذا المجتمع ومراقبة سلوكهِ ..

في كندا يتم تعويد الطفل على العمل التطوعي في الصيف ، ولذلك ينشأ الطفل منذ صغره وهو مبرمج على هذا العمل كل صيف .. لديهم مؤسسات لإدارة العمل الخيري وشركات ضخمة لاستيعاب المتطوعين.

في جامعتي ورغم أنها جامعة حكومية إلا أن أغلب المنشآت التي تبنى في الجامعة يتم بناؤها بتمويل مالي من شركات كبرى تخصص جزءا من ريع أرباحها للعمل الخيري

في كندا عشرات المتبرعين لتمويل دراسات الدكتوراه والماجستير مجانا للطلاب وتمويل مختبرات أبحاث ودراسات ، مثلا رجل عجوز وزوجته.. أو رجال أعمال يقدمون هذه التبرعات لآلاف الطلبة المستفيدين) ويختِمُ عمر حديثهُ بالقولِ ( لقد أحزنني فعلا أنه على كثر عدد رجال الاعمال والمستثمرين في عمان لا يوجد سوى اسم أو اسمين في الساحة فقط من الاثرياء ممن يقومون بطرح بعثات للطلاب المحتاجين ولم أسمع من قبل عن رجل أعمال عماني خصص جزءا من أرباحه لتمويل بحوث علميّة أو دراسات في الوقتِ الذي استغربت فيه من جريدة اقتصادية أجنبية ابرزت مسحا للتطور الاقتصادي في دول الشرق الأوسط أظهر أن عُمان تنمو اقتصاديا بنسبة 89% سنويا وأن هنالك 350 مليونيرا في عُمان ... هل تصدقين ذلك؟ )

انتهَت رسَالة عمر.. بعدَ رسالةِ عُمر تصادفَ أن شقيقيْ الطالب الجامعي الذي يستأجر غرفة ً في إحدَى بيوت الخوض أخبرني أنّ صاحبَ البيت قالَ لهم أنّ امرأة ً مطلقة كانت تقيم في تلك الغرفَة مع 4 من أطفالها! تخيّلوا .. امرأة تعيشُ مع أطفالها .. تطبخ ويأكلون وينامون في غرفَة واحدة مساحتها 3في 4 متر ! هذه المرأة أينَ هيَ من انتصَارنا لحقوق المرأة العُمانيّة؟ وأين هي من مساعدة شقيقاتها نساء الأعمال العُمانيّات "الثريّات"؟

لماذا لم يُخلق حتى اليوم تجمع من محامية أو اثنتين أو ثلاث أو عشر ممن يتخرجنَ سنوياً وفكرنَ في أن يخصصن جزءاً من أنشطتهنّ للعمل المجانيّ لنساء فقيرات يجهلن كيفَ يطالبنَ بحقوقهنّ؟

أو مهندسين معماريين أو مدنيين من أصحاب شركات البناء ومقاوليها يخصصونَ جزءاً من العمل الخيري لتصميم خرائط أو متابعَة بناء أملاك لأسر فقيرة تؤويهم ولو تحت سقف كرفَانة !

أمرّ معَ أمي على مزرعَة كبيرة تتعدّى مساحتها كما تظهرُ الألف متر بمئات النخيل .. تشيرُ أمي بإصبعها إليهِ وتقول لي: اسم المزرعة (بستان ديت كفن) أستفهم عن سببِ تسمية المزرعَة بهذا الاسم فتقولُ لي أنّ صاحب هذه المزرعَة الذي توفي قبلَ 30 عاماً نذر هذا البستان ليتم "طنيُ" نخيلهِ والتبرع بريعهَا لشراء الأكفان للناس .. وصرف ما يتبقَى منه للفقراء ..

اليوم .. أينَ نحنُ من ثقافة "الوقف الخيري" للتركة .. نقبض في كثير من الأحيان أوقافاً من هنا وهناك .. لأناسٍ رمّوا في التراب لكنّهم خالدُون بيدهم الطيبَة .. هؤلاء هم أجدادنا .. أميُون .. لكنهُم امتلكُوا الوعي فعلاً للأخذ بيدِ المجتمع.. ليتَ أبناءهم وأحفادهم بشهاداتهِم العلميّة ولغاتهم ودراساتهم يفعلُون مثلهم .. وليتَ حكومتنَا كما فتحتِ الباب أمام أبنائها ليستثمروا في أرضها ويرفعُوا رصيدها اقتصادياً ليتها تفتح الباب واسعاً للاستثمار في العمل الخيريّ والخروج من بوتقَة الجمعيّة الخيريّة الواحدة إلى عشرات الجمعيات التي تشتدُ المنافسَة بينها لمستفيدٍ واحدٍ هوَ المجتمع ..

لا أريدُ أن أتطرّف في آرائي وأطالب الجميع بأن يصبحَ "سوبر" في العمل الخيريّ ولا لا أريدُ أن أكتب بعاطفيّة لأستدرَ شفقَة أحد .. ونعَم ، أعرف كم يرزح شعبنا تحت طائلة الديُون وارتفاع الأسعار واللهاث خلفَ تدبير لقمَة العيش اليوميّة .. لكنْ إن لم ألتفت أنا ولم تلتفت أنتَ ولم يلتفتوا هم لفقرائنا المنكسرينَ بهمّ العَوز والفقر ، فمن يلتفتُ إليهم؟ وإن لم أكتب عن فقرَاء مجتمعي فعمّن أكتب؟ أشعلوا النور جميعاً يا أصدقاء .. لنبصر العمل الخيريّ في بلادنا وينكسَر ظلامُ هؤلاء المنسيين تحتَ شبح الفقر !

29 أكتوبر, 2009

لابدّ منْ "نزوَى" لتزهَرَ أضلعيْ
وتســـيلَ منيْ رقّــــة ُ الليــمـُونِ
وأقولَ يا وطنيْ امتحنّي كيْ أرَى
أهليْ .. منَ الفردوسِ كمْ حرمُونيْ
عائشَة
\
/
\
منْ نزوَى ..
صباحاتُ الله يا أصدقَاء ..

28 أكتوبر, 2009

أيّهـا الأصدقاء .. من يطعمُونني خبزَ مدوّنتي !

أصدقائي المجهُولين ..
أصدقائي الطيبين الذينَ يزورونَ مدوّنتي الصغيرة .. والتي تعفّنت من عدَم تحديثها إلا كلّ ثلاثَاء حيث ردهات وصلتي بهذا العالم الالكترُونيّ
.
.
أعتذر كثيراً عن عدم ردي على رسائلكم البريديّة .. أعتذرُ كثيراً على غيابي الطويل ..
أعتذرُ كثيراً أنكم تمنحُونني باقاتِ وردٍ .. فأمنحكم غياباً طويلاً وصمتاً أطول ..

:
:

دخلتُ في سنتي الخامسة والأخيرَة من درَاسة الهندسَة .. كما أنني بدأتُ أيضاً العمل جزئياً كمهندسَة مبتدئة في إحدى القطاعات العسكريّة ..
(خلاص شيّبت ! )

ذلك يخنقني ..

سأغادرُ بعد دقائقَ للعمل .. وحتّى الساعة الحاديَة عشر ظهراً حيث تبدأ محاضراتي متواصلةً للسَاعة السادسَة .. ومن ثمّ اجتماع "شبه يومي" للسَاعة السابعَة متعلّق بأنشطتنا الطلابيّة في كلية الهندسة وتحضيرات الملتقى الهندسيّ الخليجيّ .. ومن السابعَة مساءً للثالثَة فجراً أنهي وظائفي الدراسيّة ومشرُوع تخرّجي ما يوكَل إليّ في جهَة عملي ..

بودّي أن أكتب لكم .. وأن أتبادل المزاحَ الاعتياديّ مع زوار مدونتي الاعتياديين ..
بودّي أن أقفَ ساعة أمام المرآة وأحدّق كأي فتاةٍ في سنّى إلى نفسي .. بودّي أن أحضر فعاليّة في النادي الثقافي الذي لم تطأه قدمايَ منذ شهر نوفمبر العام المَاضي .. ووطأتهُ قبل أسبوعين في أمسية مملّة عن أدب نوبل ومنها دخلتُ في انشغالِ العملِ والدراسَة

لكنّه الوقت .. آهٍ من الوقت
.

بودّي أن أتسكّع في السيتي سنتر .. وأن آكل في مطعمي المفضّل تشيليز .. وأن أخرج للركضِ مع صديقاتي على الشَاطئ
بودّي أن أحلم أنني أصبحتُ يداً عاملة ً في وطني .. لا "عاطلةً عن العمل" بعد تخرّجي كحال عشرات من طالبات الهندسَة ممن سبقنني ..
ولذا فقد قررتُ العمل منذ الآن .. لأنني أؤمن أن الدراسَة ليست مانعاً عن العمل ولو بشكلٍ جزئي .. أريدُ أن أعمل منذ الآن حتى لا أتخرج فينتهي الحالُ بي في البيت أنتظرُ "زوجاً" أنشغلُ بهِ عن هموم انتظاري لوظيفةٍ أراها رؤيَة العين ولا أمسّها !
.
.

أصدقائي ..
يحزنني كثيراً أنني غائبة .. وأن هذه المدونة أصبحت مملّة .. وفي رأسي مليُون فكرة تسبب لي الأرق والصداع ليسَ لشيءٍ سوَى لأنني أريد أن أكتب ولكنني لا أستطيع

سأحاولُ قدر الإمكان أن أبقي خيط ردهات هنا في مدوّنتي ليربطني بكم .. بودّي أن أشارككم إحباطاتي وإخفاقاتي
وحزني على وطني الغَارق في الجهل والرجعيّة وتخلف أصحاب الكراسي .. وسيادة الواسطة وَندوَة المرأة وأمور كثيرَة تجعلني أحبّ وطني أكثر .. رغمَ فكرةٍ تعصف في أذني تقُولُ : (سأخُون وطني) !

.

أصدقائي ..

سأكون قريبةً هنا ما استطعت .. وستظلّون مادتي المفضلة للحديث والثرثرة .. أنتم صنّاع ما أكتب ..
هيمُوجلوبين مقالاتي ..

إنني أحبّكم .. وأعلم أن منكُم من يفعل ..

تمنّوا لي التوفيق ..

ودمتم دائماً بخير

لأنّ لا مكان للعملِ الخيريّ بيننا (1)



عائشَة السيفيّ

قبلَ أسبوعين .. نشرتُ مقالاً عنونتُهُ بـ " عنْ صديقاتي المجهُولات " .. وحقيقة ً تلقيتُ ردُود فعلٍ كثيرَة عبرَ بريدي الالكترونيّ ومدوّنتي .. راسلتنيْ نساءٌ عمانيّات نافذات في المجتمع .. بمعنَى أنهنّ يدرنَ مناصبَ مرموقَة على المستوَى المؤسّساتي وسعدتُ بتلك المبادرات لكننيْ لمْ أملك سوَى أن أحبطَ لردودهنّ الفاترة في التفاعلِ مع قضَايا النساءِ المجهولات التي طرحتُها ..

تمنيتُ أنْ تطلبَ مني إحدَى تلك النسَاء أن أساعدهنّ في الوصُول لتلك المرأة المكسُورة التي أمضت عاماً تجمع مبلغَ ألفي ريال لتشتريْ خرابة بيت من طين يؤويها ويؤوي أطفالها .. تمنيتُ أنّ إحداهنّ –بما يملكنَ من شهاداتهنّ العلميّة ومناصبهنّ المرموقة- طلبتْ منيْ أن أكونَ جسراً لتتبرع بمبلغ ألفي ريال قد يكُون راتبَ شهرٍ واحد من راتبهنّ .. أو نصف راتبهنّ الشهريّ أو ربعه..
تمنيتُ أن يراسلني قارئٌ لا أعرفهُ ليقولَ لي أنه يتكفّل بتلك المرأة .. لكنّ ذلك لم يحدث ..

سأقولُ لكم أنّني تعمدتُ لسنواتِ كتابتي أنْ أتناول قضايَا مختلفَة انسانيّة لا تحلّها سوَى بضعَة أرقام .. وبضع أوراق ماليّة وتنتهي معاناة تلك الحالات الانسانيّة .. لكنْ في كلّ مرة كنت أحبط بمستوى التفاعل .. وإن امتلأ بريدي برسائل التعاطف فإنها لا تخرج عن ذلك ..

ردودٌ عاطفيّة لا أكثر .. لكن حينَ يأتي الموضوع للغَة الأرقام والمال .. يخلو بريدي تماماً من أيّ تفاعل !
ما السبب؟ لماذا لا توجد لدينَا ثقافة العمل الخيريّ؟ هل هو سوءُ فهمٍ لمعنَى العمل الخيريّ؟ أم هو انعدام وجود ثقافَة العمل الخيري في بلادنا؟

يظنّ كثيرون منا أن العمل الخيري يعني أن نجمع مبالغَ لبناءِ مسجد .. أو علاج أحدِ المرضى ممنْ يحتاجُ علاجاً أو شرَاء عضوٍ خارجَ الوطن.. يظنّ الكثيرُون أن العمل الخيري هوَ زكاة العام .. أو صدقَة رمضان .. ولذا فعدا عما ذكرَ سابقاً يكاد ينعدم العمل الخيريّ في مجتمعنا ..
سأحكيْ لكم قصّة ً قرأتها عن خبيرِ تجميلٍ بريطانيّ .. حاولَ أن ينخرطَ في العمل الخيريّ ولكن وفق إمكانيّاته .. فهو ليسَ مليونيراً .. وهو لا يبحث عن صيغَة العمل الخيري المرادفَة للتبرع بالمال .. كان يحاولُ أن يجعلَ من تخصصهِ ومهنته وسيلَة لابتكار طريقَة جديدة للعمل الخيري وكانَ له ما أراد ..
يديرُ هذا الرجل اليوم واحدَة من أكثر المؤسسات الخيريّة فعاليّة .. فهوَ يستقبلُ مجاناً في صالونهِ عشرات النساء المصابات بالسرطان واللاتي فقدنَ شعرهنّ .. يقوم صالونهُ بتدليلهنّ .. عمل جلسات مساج لهنّ .. تنظيف لأظافرهنّ .. عمل قصّات لبواريك يلبسنها مكان شعرهنّ الذي أذهبه العلاج الكيماويّ .. يقدّم لتلك النساء المحتضرات .. خدمات تجميليّة مجانيّة تشعرهنّ أنهن لا زلن يمارسن أنوثتهن واهتمامهنّ بالجمال ..
ترى هلْ كنا سنصادف من ضمن المليُون صالون المتوزعَة في مسقط .. صاحبَة صالون واحدَة فقط تمتلك هذا الحسّ الانسانيّ في ابتكار وسائل العمل الخيريّ؟
حكىْ لي أحدُ أقاربي.. أنه في وقت أزمَة الأنواء المناخيّة بصيف 2007م.. حيث كان الناسُ منهمكُون بتجميع الملابس والأموال للتبرعات .. حكَى لي عن زميلته الأجنبيّة بالعمل .. التي كانتْ تمضي 18 ساعة من وقتها في الخارج لمساعدَة الناس .. أنها كانت تنفق أموالها في شرَاء حفّاظات الأطفال والفوط الصحيّة النسائيّة.. وحينَ كانَ زملائها يسألونها عن السّبب كانت تقول أن لا أحدا يفطن إلى حاجة آلاف العوائل في تلك الفترة لهذه الأغراض الأساسيّة .. وأن الناس منشغلون بتوفير أدوات العمل الخيري التقليديّة .. الملبس والطعام إلخ ..

لو أعطيتَ طفلكَ أو ابنك المراهق ريالاً واحداً وقلتَ له اصرفهُ وتعال لي بعد أسبوع وأخبرني فيمَ صرفته .. فإنّ طفلكَ على الأرجح سيصرفهُ على شرَاء الحلويات وغيرها ..
ماذا لو قلتُ لكم مثلاً أن الجمعيات الخيريّة في دولَة متوسطة الدخل كإسبانيا تتلقَى تبرعات من أعمار 13 سنَة فأقلّ ما يزيدُ عن 20 مليُون دولار سنوياً؟

لقدْ توسّعت دائرَة العمل الخيريّ لديهم لتبلغ مستويَات ناضجَة جداً .. للحدّ الذي أصبحَ العمل الخيريّ محط درَاسات وأطرُوحات في الماجستِير والدكتُوراه ففي كندَا قدّمت 12 ورقَة بحثيّة أكاديميّة في عام 2008م وكانَ مدَارُ دراستها هوَ العمل الخيريّ على كافّة المستويَات ..
في بريطَانيا وحدهَا ثمّة 180ألف مؤسّسة خيريّة في كلّ المجالات .. جمعيّات لدعم المصابين بالتوحّد ، جمعيّات لمكافحَة التشرّد ، جمعيّات أهليّة لمسَاعدة المكفُوفين .. جمعيّات خيريّة لتوفير وسائل نقل مجانيّة لتوصيل الأطفال الرضّع لمقار أمهاتهم في العَمل ليحصُلوا على الرضَاعة الطبيعيّة بشكلٍ يوميّ .. جمعيّات لتنزِيه المسنين والترفِيه عنهُم .. كلّ ما يخطر على البَال من حالات انسَانيّة تجدُ من ينضمّ تحت لوائها ..
يظنّ كثيرٌ منّا أنه لكي نصبحَ ضالعينَ في العَمل الخيريّ أنه يجب أن نملكَ المال لذلك .. ولكنّ هذا ليسَ صحيحاً .. ليسَ صحيحاً أننا نحتاجُ أن نكونَ أثريَاء لنشَارك بجمعيّة لرعَاية المسنين .. ليسَ صحيحاً أنهُ يجبُ أن نملكَ في أرصدتنا من المليُون فما فَوق لننظمَ فعالياتٍ مختلفَة للترفيه عنِ المعاقينَ والمكفُوفين والبكم إلخ ..
ثقافَة العمل الخيريّ .. تقليديّة لدينا .. مُحزِنَة و"تارسَة غبار"

أينَ ثقافَة "الدوَام الجزئيّ التطوعيّ" لدينا؟
هذهِ الصنَاعة التي درّت في عام 2008م فقط فيْ فرنسَا ما زادَ عن 320 مليُون دولار ..
تديرهَا منظمَات خيريّة كبيرَة .. تطرح مجموعَة من الأعمَال التي لا تحتاجُ لتخصّص ودراسَة بحيثُ يلتحقُ بها الفردُ ويتقاضَى عن كلّ ساعةٍ مبلغاً من المال يذهب إلى حسابَ تلك الجمعيّات الخيريّة ..

مثلاً يتمّ الاتفَاق بينَ فندق وجمعيّة خيريّة بأن يخصّص عمل تغسيل الصحُون للمتطوعين في تلك الجمعيّة ويداوم كلّ متطوّع عدداً معيناً من الساعات وما يدفعهُ الفندق لهم يذهبُ للتبرّع الخيريّ ..

ما الضير أن نعملَ لخمسِ ساعاتٍ كلّ أسبوع في مؤسّسة .. نقومُ بأعمال طباعيّة على الكمبيُوتر لصالح إحدى المؤسسات؟ ما الضّير أن تقومَ ربّات البيُوت غير العاملات بتأسيس شبكَة تطوعيّة لتوصيل الأطفال لمقَارّ عمل مهاتهم العاملات لرضَاعتهم؟

ما الذيْ ينقصنَا في الثقَافة العربيّة لنكونَ ضمنَ هذهِ الأرقام والاحصَائيّات التي أفردها الإعلاميّ أحمد منصُور في إحدى حلقَات برنامجه على قناةِ الجزيرَة ( بلا حدُود ) حينَ استفتحَ برنامجهُ بهذهِ المقدّمة :
(في الوقت الذي لا تشغل فيه ثقافة العمل الخيري التطوعي حيزا لدى العرب فإن الدراسات تشير إلى أن 91% من سكان كندا الذين تتجاوز أعمارهم 15 عاما مشاركون فاعلون في العمل التطوعي، وأن 45% من سكان ألمانيا في نفس الشريحة العمرية منضمون إلى منظمات العمل التطوعي المختلفة، وأن عشرة ملايين ونصف المليون فرنسي يتطوعون في نهاية الأسبوع للمشاركة في تقديم خدمات اجتماعية مختلفة تخص الحياة اليومية، أما في الولايات المتحدة الأميركية فقد أظهرت الدراسات أن نسبة الذين يشاركون في العمل التطوعي تشكل 44% من جميع البالغين حيث يقدمون ساعات تطوعية تبلغ أكثر من 15 بليون ساعة سنويا وهذا ما يقارب عمل تسعة ملايين شخص بدوام كامل)


رجالُ الأعمال لدينا والتجَار والأثريَاء مشغولونَ باللهاثِ خلفَ البيسَة والريَال .. كلّما زادَ صفرٌ في أرصدتهم البنكيّة ابتعدُوا أميالاً عن العمل الخيريّ .. تمنيتُ في ذلك اليَوم الذي تحدثتٌ فيه عن تردّي وضع النشاط الثقافيّ والعلميّ في السلطنَة بسبب غيَاب دعم الأثريَاء بالأموَال لهذهِ المشاريع .. تمنيتُ أن يراسلنيْ هامورٌ من مئات الآلاف من هواميرنا ليقول لي : 1% من عائد ثروتي الماليّة سيكُون لدعمِ ما ذكرتهِ في مقالكِ ..

لا وقتَ لديهم لقراءة المقالاتِ ربّما فهي لا تجلبُ "ريالات" لهُم .. وربّما قرؤوا المقال ونسوهُ بعد ساعَة .. فثقافَة تأثير "العَمل الخيريّ" عن طريق الكتابة لا تزالُ أيضاً غائبة ً عنّا ..

لأننا أبصرنَا النُورَ .. ونحنُ لا نعرف عن العملِ الخيريّ أكثر من كونهِ بناء مسجد يبعد عن المسجدِ المجاورِ مسافَة 200متر .. ورضعنَا فكرَة أن زكاةَ أموالنا هيَ ما يسمّى بالعمل الخيريّ ، ظللنا على حالنا غير قادرين على خلقِ حراك داخل المجتمع لزرع الوعي فيهِ .. وهكذا نشَأ جيل أطفالنا .. أمامنَا وقتٌ طويلٌ ربّما .. لليومِ الذي يختلف فيه وضعُ كاتبَة "محلية" مثلي تكتبُ في صحيفَة عن امرأة غير قادرة على شرَاء بيتٍ بألفي ريَال .. فلا تجدُ شخصاً واحداً من مليُونيّ انسَان يقطن على هذا الترَاب .. يرفع سمّاعته أو يرسل ايميلاً وهو يقول : ألفَي ريَال .. لتجدَ هذهِ المرأة سقفاً يؤويها وأطفالها !

21 أكتوبر, 2009

عن أربعَة أعوامٍ من الكتَابَة في ردُهات !


عائشَة السيفي
ufuq4ever@yahoo.com


أفتحُ بريديَ الالكترُونيّ ، فتقفزُ بي رغبَة ٌ شديدة ٌ للذهَاب لصفحَات بريديَ الأولى ، حيثُ خرجَ إلى النُور مع خرُوج عمودي .. أتصفّح تعليقاتِ القرّاء يومها وأتساءلُ أينَ أصبحُوا اليوم؟ فلمْ يعُد أيٌ منهُم حاضراً في بريدي بعدَ 4 أعوَامٍ من الكتَابة .. بعدَ 4 أعوامٍ من ردهَات .. تبدُو أسماءهُم غريبَة عليّ .. فقد غسلتْ 4 أعوَام من المقالاتِ الأسبُوعيّة ذاكرتيْ ، ولم يتبقَ منْ حضورهم سوَى ذاكرَة بريدٍ ممتلئ بالرسائل .. أتساءلُ لحظتها إنْ كنتُ فكرتُ قبلَ 4 أعوَام وأنا أخرجُ من مكتبِ رئيس التحرير الذيْ اعتمدَ عمُودي لينشرَ أسبوعياً .. إن كنتُ لحظتها فكرتُ أنني سأستمرُ ولأربعة أعوَام وإن كانَ قد ارتكَب حماقة ً بضمّي لكتّاب صحيفتهِ؟
يسألنيْ كثيرُون ما الذيْ اختلفَ من قرّاءِ عائشَة قبلَ 4 أعوَام وبعدها؟ فيحلُو لي الإجابَة .. أمّا القراء فلم يتغيّروا! لا يزالون نفسهم بمزاجيّتهم تارة وبعاطفيّتهم تارَة وبموضوعيّتهم تارة ً أخرى .. أمّا عائشَة القديمَة فربّما لم يتبقَ منها شيء .. لقد ربّاها قرّائهَا مقالاً تلوَ مقال ..
ما الذيْ اختلفَ فيَّ بعدَ أربعَة أعوامٍ من الكتَابة؟ ولماذا لا أزَالُ أجاهدُ لأستمر رغمَ آلاف الأفكَار التيْ تعصفُ بي دائماً لأتوقّف .. تلك الفكرَة الملحّة التي تقولُ لي : آنَ أن تستريحيْ..
حينَ بدأتُ كتَابَة الأعمدَة .. بدأتهَا وأنَا أحلمُ أن أكونَ منْ قرأتُ لهم .. حلمتُ أن أكونَ أنيس منصُور ، فهد الأحمديّ أو الرطيَان .. وكتبتُ بأسلُوبهم .. غير أنني لاحقاً اكتشفتُ أنّ هؤلاءِ شكّلهم قرّائهم وأنني لن أخرجَ من المنظُومة فسأصبحُ يوماً ما، مرآة َ قارئي المجهُول .. قارئي نفسهُ الذي يقرأُ له ويحتفظُ بقصاصَة المقال .. أو قارئي الذي يقرأ ليْ ويأكلُ على مقاليْ ويرميهِ في القمَامة ..
السنَة الأولَى من كتَابتي في عمُودي ردهات .. كانتِ الأصعَب ، وربّما أعترفُ أنها المرّة الأولى التيْ أعترفُ فيها أنني كنتُ أبكي كلّ يومِ أربعاء وأنا أجدُ قرّائي يوبخُونني .. كنتُ أكتبُ بلغةٍ عنيفَة .. لغَة ابنَة السابعَة عشرَة التيْ خاطرَ رئيسُ التحريرِ باعتمَاد عمودٍ لها .. ولأنني كنتُ أظنّ أن فهد الأحمدي الذي أعشقُ ما يكتبُ والذي لا يكادُ مقالٌ من مقالاتهِ يخلُو من حديثهِ عن نفسهِ / طفُولتهِ / أطفالهِ / أسفَاره/ مدرستهِ الابتدائيّة / صديقهِ الفلاني .. ظننتُ أنّ الأمرَ سيكون كذلكَ لدى القارئ العُماني .. ولذا كانَ عليّ أن أتلقّى أسبوعياً دستَة تعليقاتٍ ساخرَة تارة وموبّخة لفتاة تشَاركُ القارئ حديثهَا عن "فلاشها" الذيْ أصابته الفايرُوسات .. أو سلحفاتها التيْ تربّيها في المنزل .. كلّ مرّة كنتُ أبكيْ وأقسمُ ألا أعُود لذكرِ شيءٍ عن نفسيْ ، غيرَ أنّ المنظُومة تتكرّر وفي كثيرٍ من الأحيان كنتُ أبكي وأنا ألمحُ انزعاج عائلتي من إشراكي وإشراكهم في تفاصيل ما أكتبُ .. كنتُ أقعُ في حيرَة من انقسَامات القرّاء .. فهنالكَ قرّاء يطالبُونني بأن أكونَ حاضرَة في مقالي وأنْ أكونَ مثالاً حياً لما أكتبُ عنه .. أن أتحدّث عن أحلامي التيْ أراها في النومِ حينَ أفردُ مقالاً عن الأحلام ، وأنْ أتحدّث عنْ أثر "فلاشي المعطّل" على حيَاتيْ ..حينَ أتحدّث عن سيطرَة التكنُولوجيا عن حياة الفرد ، وأنْ أذكرَ عاداتٍ غريبَة رافقتنيْ في حياتيْ حين أتحدّث عن عاداتٍ غريبَة جداً لشخصياتٍ عالميّة .. كنتُ أفعلُ ذلك من قبيلِ إدخالِ القارئ إلى جوّ النصّ وكنتُ أصطدمُ بقرّاءٍ يطالبُونني بالتوقفِ عن حشرِ نفسي وآخرين يطلبُون منّي ذلك .. وبينَ ذلك كنتُ أغرقُ في حيرَةٍ شديدة ..
أذكرُ يومها أني اتصلتُ بصديقتي سعديّة مفرح .. وسألتها: ماذا أفعل؟
قالتْ لي: اكتبيْ بقلبك .. ودعكِ من القارئ فهوَ لن يرضَى يوماً عن كاتبهِ ..
وكنتُ أجهلُ حينها ما تعنيْ .. كيفَ يكتبُ الكاتبُ بقلبهِ؟ وهوَ لا يكتبُ لنفسهِ إنّما لقارئهِ المجهُول؟
بعدَ أربعَة أعوامٍ من الكتَابة .. عرفتُ كيفَ يكتبُ الكاتبُ بقلبهِ .. لأنّ قلبهُ يصبحُ جسداً من المجتمع .. يطُوف بأفكَار الآخرين فيلتقطها .. أن يحسّ بالآخرين فيكتبهُم .. وأن يحيلَ حياتهُم المجهُولة إلى مادّة جيّدة للكتَابة ..
علّمتني تلكَ الأعوَام أن أجيدَ كنسَ الأفكَار .. أن أكونَ "زبّالة" مُحترِفة ، تشمّ الأفكَار من على بعدِ أميال فتهرولَ نحوها لتكتبَ عنها ..
علمتنيْ أن أكونَ ابنَة الشّارع وأن تكتبَ لهُ وباسمهِ .. ألا يكونَ ثمّة مكان للنخبَة فالكتَابة للجمِيع وعنِ الجميع ..
هذهِ الكتَابة أكسبتنيْ أصدقاء كثر من القرّاء ، أتابعُ ما يكتبُون .. جعلتنيْ أتعلّم أن أستمعَ للآخر وأنْ أمنحهُ أذناً ليتكلّم .. ومساحة ً بريديّة لينتقد ..
أصدقَاء مجهُولين .. وأسمَاء تتجدد .. بعضهَا يبقَى على تواصلٍ لأسبوع أو شهر وبعضها لأعوام وبعضها يختفيْ بعدَ أول بريدٍ يبعثُ بهِ إلى بريدي ..
حينَ بدأتُ الكتَابة ، لم أكنْ أدركُ أنّ نسيجَ مجتمعيْ سيشكّل لاحقاً ما أكتبهُ .. واكتشفتُ بعدها أنّ القارئ العمانيّ صعبٌ جداً .. متحفظ ٌ .. من الصّعبِ إقناعهُ وإرضَاءهُ بالفكرة ..
أدركتُ ذلكَ حينَ بدأتُ في الكتَابة في صحفٍ أخرى خليجيّة وعربيّة ، كانتْ ردُود أفعال القرّاء من الصحفِ غير العُمانيّة تختلفُ تماماً عن ردُود أفعال القرّاء العُمانيين.. وعلمتُ حينها كمْ أن المجتمع العمانيّ خصوصيّ جداً
علّمني هؤلاء القرّاء الهدُوء .. وفيمَا كنتُ قبل ذلكَ أكتبُ بانفعال للحدّ الذي دفعَ قارئاً أن يعلّق : أشعر أنك حينَ تكتبين تكادينَ تكسرينَ لوحَة "الكيبُورد" ..
غيرَ أنّ ما علمنيْ إيّاهُ هو أنْ أصمتَ حينَ يوبّخني ذلك القارئ الذي لا أعرفُ .. وأن آخذ ما يروقنيْ .. وألا أبكيْ بعدَ اليَوم .. وأنْ أتقبّل فكرَة أنّ الكتَابة طريقَة لجلبِ الأصدقَاء والأعدَاء معاً ..
بعد 4 أعوَام من الكتَابة .. تعلّمت أن عُمان "قريَة صغيرة جداً" إذ لم أكن أذكرُ الاسمَ الأول لشخصٍ ما في موضوعٍ بمقالي حتّى أصحُو الساعة التاسعَة من يومِ الأربعاء لأجد أحداً بهاتفيْ يشيرُ إلى ذلك الشخص الذي عُرِفتْ هُويّته ..
في عُمان يكفيْ أن تحكي موقفاً وتذكر الاسم الأوّل للشخص ليعرفَ من حولكَ من يكُون .. ولذا خسرت أصدقَاء كثر .. واصطدمتُ بآخرين ، لأنني أعيشُ في مجتمعٍ مكشُوف يعرفُ كلّ شخصٍ من يجَاوره .. من يدرسُ معه .. مَن زميلهُ بالعَمل ..
كانَ ذلكَ ولا يزَال يثيرُ إزعاجي لأنّ ذلك يقيّدني .. فلم أعد أستطيعُ الإشارَة لهذا أو ذاك بسببِ مجتمعي الصّغير الذيْ لا تفُوتهُ "شاردَة ولا واردَة" ..
أنضجنيْ القارئُ بعدَ 4 أعوَام من الكتَابة .. بالعصَا وباللين .. أنضجَ مراهقة ً كتبتْ أوّل ما كتبت وهيَ في السابعَة عشر للكبَار ، لذا طالبها القارئَ أن تلتزمَ بكتاباتها للكبَار وأن تتعلّم منهجيّة الكتَابة لهُم .. بأعمَارهم المختلفَة ..
ولاحقاً اكتشفتْ أنّ هؤلاء الكبار قد يكُونونَ طلاباً في نهاية الابتدائيّة تماماً كأناسٍ في خمسينيّاتهم .. وأنّ الكتَابة للشّارع تعنيْ أن ترميَ سنوَات عمركَ خلف ظهرك .. وأن ترميَ نخبوّيتك خلف ظهرك فالقارئُ ليسَ معنياً سوَى بالعمُود المنشُور أمامه .. "يهزّقه" كيفمَا يشَاء .. فهوَ الوليّ هنالك .. وهوَ يمَارسُ أبوّيته على الكَاتِب ونصّهِ ليقرّر إن كانَ جيداً أو سيئاً ..
انفرطتْ 4 أعوَامٍ من عمرِ ردهَات .. وانفرطت معهَا مفاهيمُ كثيرَة .. حضرتْ أسمَاء وغابت أسمَاء .. سقطَت مبادئ وحضرتْ مبادئ .. وظلّ القارئ كمَا هوَ يقرأ بصمتٍ فإمّا يفتحُ الايميل ليبعثَ لي بريداً أو يكوّر ورق المقالِ بينَ يديهِ ويرميهِ بقبضةٍ سريعةٍ على أقربِ قمامة ..

14 أكتوبر, 2009

عَن صديقاتي المجهُولات/ردُهات

عائشَة السيفيّ


تعقدُ هذهِ الأيّام ندوَة المرأة العُمانيّة وذلكَ بتوجيهاتٍ ساميَة .. الندوَة كمَا سمعتُ من تحضِيرَاتها تعقدُ على جانبٍ عالٍ من المستوَى والحرفيّة متنَاولة ً أطروحَاتٍ ونقَاشاتٍ وَأورَاق عَمل إضافة ً إلى عروضٍ مرئيّةٍ تسلّط الضوءَ على المرأةِ العُمانيّة .. وقدْ حالتِ المسَافَة دونَ أن أحضرهَا غيرَ أنّي سأتابعهَا عن كثَب لأنهَا معنية ٌ بيْ .. وبهَا وبهنّ .. نسَاؤنا العُمانيّات س ، ص ، وعَ .. اللاتيْ لا يملكنَ قلماً للحديثِ عن ذواتهنّ وإنِ امتلكنَ فلا يملكنَ ترفَ الظهُور والنشرِ في الصحَافة ..
نساءٌ مقهُوراتٌ حولنَا .. اخترنَ أنْ يبقينَ تحتَ الظلّ .. خوفاً من عصَا المجتمِع والعائلَة والقبيلَة ربّما .. لا يدفعنَ ثمناً سوَى لأنّ كلمَة : أنثَى كتبتْ لتعريفهنّ في بطَاقاتهنّ الشخصيّة ..
ربّما لسنَ كثيرات .. ربّما لا يشكّلنَ 1% من نسِيج المجتمع وربّما يشكّلن أكثر .. لكنّ لهنّ الحقّ فيْ أن يُكتَب عنهنّ ، لأنّهن يمارسنَ الحيَاة ويمَارسنَ حقّها على ترَاب هذا الوطنِ الذي كفلَ لنا المسَاواة التّامة ، التيْ لا تزَالُ أطُرها مجهولة ً لدَى الكثِير من الساكنين فيْ خيمَة المرأةِ القديمَة .. التيْ لم تكنْ تملكُ حقّ الاختيَار ناهيكَ عن حقّ الاختيَار الشخصيّ في الحيَاة ..
لا أودّ أن أتحدّث بصفتيْ مدافعة ً عن المرأة .. فأنا في كثيرٍ من الأحيانِ أختلفُ مع رُؤى كثيرٍ من الناشطات في الدفاعِ عن المرأة .. وأرَى في مغالاتهنّ وسيلة ً لتقييدِ المرأةِ أكثر واعتكَافها في حجرهَا ..
لا .. لستُ مدافعة ً عن المرأة ، فالمرَأة في كثيرٍ من الأحيَان هيَ التيْ تختارُ أن تُقهَر .. وهيَ التيْ تختارُ أن ينتقصَ منها ، وحينَ تأتيْ امرأة ٌ للدفاعِ عنها والتّحدثِ باسمهَا تثُور ، وقدْ رأيتُ بنفسيْ دعواتٍ على الانترنتِ من فتياتٍ مثقفاتٍ يطلبنَ من المدافعاتِ عنهنّ في حقُوق تعدد الزوجَات والطلاق وحضَانة الأطفال إلخ.. بأن يتوقّفن ، لأنهنّ لا يردنَ أن تتحدّث أيّ امرأة باسمِ مئاتِ الآلاف من نسَاء المجتمع المتسَالمات مع حيَاتهن ..
.. لكنني امرَأة أكتُب .. ولأنني عايشتُ هؤلاءِ النسَاء بنفسيْ .. أكتبُ عنهنّ .. هؤلاءِ المقهُورات ، لأنني أنتميْ إليهنّ أكتبُ .. ولأنني لا أودّ هنا أن أكيلَ الشعاراتِ بلْ أسرد .. أنا ساردَة اليَوم لا أكثَر !
امرأتيْ المجهُولة الأولَى .. عرفتهَا عن طريقِ صديقتيْ أيامَ الثانويّة ، تخرّجت من الجامعَة وكثرَ الخاطبُون إلا أنّ أهلها كانُوا يرفضُون فيّ كلّ مرّة .. معلّمة ورغمَ ذلك لا تملكُ مائَة بيسَة فوالدهَا واخوانها المسؤُولون عن حسَابها البنكيْ .. يعتقدُون أنّ أيّ رجلٍ يتقدّم لها إنّما يتقدّم لحسابهَا البنكي قبل أن يتقدّم لها .. الخَاطب فوقَ المائة عادَ أدراجهُ من بيتها بعدَ أن طردهُ الوالدُ أيضاً .. فقررتْ أن تتزوّجه وإن رفضَت عائلتها وبعثتْ إليهِ تخبرهُ أنها موافقَة .. احتدمَ الموضوعُ ووصلتِ الأمُور إلى المحكمَة وانتهتْ بزوَاج المرأةِ من رجلهَا .. حدثَ هذا قبلَ 6 أعوَام .. واليَوم لدَى هذهِ المرأة 3 أطفَال .. لكنْ خلال الستِ أعوَام هذهِ هل اصطلحتِ الأمُور بينَ المرأةِ وعائلتها؟
6 أعوَام وهذهِ المرأة لا تستطيعُ أن تطأ عتبَة دارِ عائلتها شبراً .. ذهبتْ إليهم ، توسّلت ، توسّطت لدَى شيُوخ القبائل للمصَالحة ..
الفتاة لم تفعلْ أكثر من أنّها أرادت الزوَاج الذي أحلّه الله وحرّمته عائلتهَا ..
6 أعوام والفتاة لا تستطيع أن تدخلَ البيت وتقبّل رأسَ أمّها الممنوعة من استقبَال ابنتها ..
6 أعوَام وهذه الفتاة تلاحق "العزيَات والمربيّات" لتلتقيْ أمّها .. يدخلُ الناس للعزاء باكين وتدخلُ سعيدَة .. فهناكَ ستجدُ أمّها وستحتضنها وتدردشُ معها .. الأمُ المكسُورة ليسَ بوسعها قولُ لا ..
3 أطفَال لم يشفعُوا لأمّهم أن يسَامحها أعمامهُم وجدّهم ولمْ ترقّ قلُوبهم لهم .. ولم يشفعْ لها أن زوجهَا كان رجلاً متفهماًً وأنّ اختيارها كانَ صائباً ..
مرةً كانتْ في منزلِ أختها برفقَة أطفالها .. فجاءَ اخوانها ووالدهَا وبسرعَة شديدَة تمّ تصريفُها مع أطفالها من البَاب الخلفيّ خشيَة أن يلمحَ الأعمامُ والجدّ أبنَاء أختهم .. تعرفُون أنّ اخوتها يحملُ جميعهُم شهاداتٍ تبدَأ من البكالوريُوس وتنتهيْ بالدّال الضخمَة قبلَ أسمَائهم؟
هذهِ المرأة حتّى قبلَ شهرين من الآن لا تزَالُ كذلك .. لا تزالُ في رحلَة طويلَة مع عائلَة بليدَة .. لمْ تفعلِ الشهَاداتُ بهم أكثر من تحجيرِ عقولهم أكثر فأكثر ..
* امرأتيْ المجهُولة الأخرى هيَ عاملَة في مدرسَة .. شَاءتْ لها الأقدارُ أن يتمّ تزويجها في عُمر الرابعَة عشر منْ رجلٍ مزوَاج يبدّل النسَاء كمَا يبدّل "كميمه" .. فقِير ودمير ورغمَ ذلك فهوَ يجدُ دائماً ضالتهُ في الفتياتِ الأفقرِ منهِ .. الأدمَر منه .. يتزوّجهن لأشهر ثمّ "هنّ والشارع" سوَاء !
أنجبتْ منهُ طفلينِ وفتَاة .. وطلّقت .. لمْ تبقِ "حطَام بيت" في نزوَى إلا وتوجّهت إليهِ وانتهَى بهَا المقَام لتقطنَ في بيتِ أخِ طليقهَا .. الذيْ تعملُ زوجتهُ عاملَة كذلك ، زوجتهُ عاملَة تابعَة لوزَارة التربيَة والتعليم أمّا امرأتيْ المجهُولة .. فهيَ عاملة في شركَة خاصّة للتنظِيف.. في الأورَاق الرسميّة يكتبُ أنّها تتقاضى معاشاً بـ120ريَال وفي الوَاقع العَفن تستلمُ تارة ً 90 ريَال ، 80ريَال أو حتى نصفَ المعَاش الورقيّ .. 60ريَال حسبَ مزَاج مالكِ الشركَة الذي يستغلّ حاجَة النسَاء الشديدة للعَمل وجهلهنّ بحقُوقهنّ وابتزَازهنّ ، فالتيْ لا تريدُ العمل ثمّة 20 امرأة مقهُورة تنتظرُ مكانها وتتحرّق للعملِ مقابل 40 ريَالاً وليسَ 60 ريالاً فتصمتُ النساءُ على مضضٍ وتقبلُ بما يمنّ بهِ عليهنّ ..
آخرُ ما وصلنيْ من خبرهَا أنّها كانتْ تجمعُ النقُود وذلكَ لتخرجَ من بيتِ أخِ طليقها .. تخيّلوا.. فوقَ السنَة تحَاول أن تجمَع مبلغ ألفي ريَال لتشتريْ بهِ "خرَابة" من خرَابات نزوَى وتقيم فيهِ مع أطفَالها ..
قالتْ :( دامْ فيه سقف وفيه جدرَان ، يكفيني أنا وأولاديْ ) ..
صاحبُ المنزلِ سمحَ لها بالإقامةِ مجاناً لأنه لم يجد أساساً من يؤجّرهُ له .. قالَ لها أقيميْ فيهِ وحينَ ييسرُ اللهُ لكِ الألفينِ أعطينيْ إياهم لأبيعكِ إيّاه ..

* امرأتيْ المجهُولة الثالثَة فتَاة بعُمريْ .. صديقَة عزيزة .. راسلتهَا مؤخراً لأكتشف أنّ هاتفها مغلق .. اتصلتُ بها عشراتِ المراتِ وسألتُ الصديقات فلم يعرفْ أحدٌ عنها ، قلقتُ كثيراً وذهبتُ إلى بيتها ، ضربتُ الجرسَ .. وطلبتها فخرجتْ .. كانتْ مصدُومة لمجيئيْ لكننيْ شعرتُ أنّ ثمة َ أمراً بها..
الذيْ حدثَ أنّ هذهِ الفتَاة دخلتْ في علاقَة عاطفيّة "هاتفيّة" مع شاب .. اكتشفتها عائلتها .. وأسهلْ طريقَة ليفرّ الشاب كانَ أن أغلقَ هاتفه في وجهِ صديقتيْ بعدَ أن توسّلت إليهِ بأنْ يأتيْ ليخطبهَا .. لا داعيْ لمنَاقشَة ردّة فعل الشاب فقد أصبحتْ مكرّرة لحدّ الغثيان وليتَ فتياتنَا يتعظنَ !
أتعرفُون ما فعلتْ عائلتهَا بهَا؟
ضربَتْ صديقتيْ كمَا تضرَب "الهايشَة" ضرباً مبرحاً جعلهَا طريحَة الفرَاش لأسبُوع .. وتمّ منعهَا من الذهَاب للكليّة .. كُسِرَ هاتفها ، وقَاطعها جميعُ من في المنزِل.. فتَاة جامعيّة يصفعهَا أخوهَا على وجههَا وتقَاطعها عائلتها ويتمّ التمهيد لفصلهَا من الكليّة ..
في هذا النمُوذج أقرب ما يمكنُ أن تفعلهُ فتاة فيْ أسوَأ لحظَاتِ ضعفهَا هيَ أنْ تهربَ للشَاب الذيْ سيستغلهَا جنسياً ، أو تهربَ من البيتِ وتوَاجه أقدَار الحيَاة..
أنَا لا أعرفُ كيفَ تفكّر هذه العوائل! يعنيْ الفتَاة أخطأت ، تقُوم العائلة بمقاطعتهَا وضربَها لتصلَ الفتَاة إلى حالَة مزريَة وكأننا نقُولُ لها .. اذهبيْ في حضنِ الشَاب .. لغَة حوَار عنْ أسبابِ فراغِ هذهِ الفتاة عاطفياً .. دقيقتيْ ترهيب ، دقيقتيْ مناجاة ! لا نمتلكها .. تكلمِين شاباً؟ وهات يا عصَا !
فكرتُ كثيراً معها ولا همّ لي سوَى موضوعِ فصلهَا من الكليّة فالشهَادة اليَوم هي قيمتكَ في الحيَاة.. وخلصنَا لخطّة نستعينُ فيها بصديقَة ثالثَة تكلّم أخاها على أنها موظفَة بالخدمَات الاجتماعيّة بكليّتها تخبرهُ أن صديقات الفتاة افتقدنهَا مؤخراً وأنهنّ لجَأن لها للاتصال بأحدِ أقاربها المسجّلين في سجّلها الدرَاسيّ ..
فعلتْ صديقتنا ذلكَ وبإقنَاع وشدّ وجذب وافقَ على عودةِ أختهِ .. لكن تعرفُون ما الذيْ حدث؟
أصبحُ أخُ الفتَاة يلاحقُ صديقتها.. منعَ أختهُ منَ الدرَاسة لاكتشَافه أنّها تحدّث شاباً ، لكنّه انشغلَ بمغازلةِ وملاحقةِ صديقتها .. والحمدلله أنني كنتُ طلبتُ من صديقتنا الثالثَة أن تستخدمَ رقماً جديداً لا تستخدمهُ أبداً لأنني كنتُ أتوقّع هكذا نهَاية بالنظرِ إلى تعليق صديقتيْ المجهُولة عن أخيها الذيْ سمعتهُ كثيراً يغازلُ هذهِ الفتاة أو تلك .. بابتسَامة قهرٍ أخبرتني (شايفَة كيف يا عائشة؟ الله يعاقبُ اخوانيْ في أختهم "الخربَانة" التيْ هيَ أنا ! )
كانتْ تقول ذلكَ وأنا أفكّر.. كمْ أنّها بريئة وهيَ تجهلُ أنّ أخاها يلاحقُ صديقتهَا الآن !
تلكَ حكاياتُ صديقاتيَ المجهُولات .. لا يتّسع عمودي لأضيفَ قصصاً أخرَى عايشتهَا ورأيتهَا بأمّ عيني ..
لا يتّسع الحديثُ عن صديقتيْ التي منعهَا أخوها معلّم الريَاضيات الذي عمره 25 عاماً بعدَ حصُولها على نسبَة 90% من دخُول كليّة التقنيّة لأنها مختلطَة وبهَا شبهَة وكنتُ أفكر هل سيكُون مصيرُ بناتهِ بعد عشرين عاماً بمصير أختهِ؟
ولا عن صديقتيْ الأخرى التيْ بكتْ ونحن في الأوّل الثانوي لأنّ أخاها "المهندس" بإحدى شركَات النفط منعهَا ومن لحقتهَا من أخواتها من دخُول المجَال العلميّ خوفَ أن يحصلنَ على نسبَة تؤهلهنّ ليصبحنَ ممرضّات أو طبيبات أو مهندسَات فالمجَال الأدبي لا يتيحُ لهن مصيراً سوى أن يكنّ معلمَات وهو العمل الوحِيد "الحلال" على المرأة ..
أكرهُ المبالغة .. ولذَا فأنا لا أبالغ هنا .. نعم هؤلاء النساء المقهُورات يعشن معنَا .. بيننا .. يعبرنَ أمامنا في السوقِ أو نلتقيهنّ في مناسبَة ونتحدّث إليهن .. لكنهن لا يبحنَ لنا عن كبتهنّ وعن حياتهنّ المسخرَة تحتَ رحمَة السلطَة العليَا للرّجل ..
ثمة الكثير من الحكَايات .. ربّما سأضيفها في مدوّنتي وربّما سأكتفيْ بها داخليْ .. حتى لا أتّهم بالمبالغة .. وحتّى لا تأتيني إحداهنّ لتنهَاني عن أن أكونَ متحدّثة باسم المرأة وهيَ لا تحتاجُ إليّ ولا لدفَاعي..
هؤلاء النساء المقهُورات .. بيننا ! امنحوهنّ من يزرع فيهنّ الأمان ليقلنَ لا .. في زمنٍ أصبحَ أصعبُ ما يمكنُ أن تفعلهُ هذه النسَاء في حياتهنّ هوَ قولُ لا !

07 أكتوبر, 2009

ارحمُوا الدينَ والعُرفَ منـّا/ردهات



عائشَة السيفيّ
http://www.alwatan.com/dailyhtml/culture.html#6



أنَاولُ صديقَتي الكاميرَا وأطلبُ منهَا تصويريْ حينَ أصعدُ المسرحَ للتكرِيم .. تجهّز الكاميرا .. وأستعدُ أنا .. وما أنْ يبدَأ المقدّم بمنادَاة أسمَاءِ المكرّمات تتحوّل الأنظَار تجاهَنا في انتظَار خرُوج أيّ فتاةٍ للتكرِيم فلا تخرجُ ..
تمّ منادَاة 13 اسماً قبلَ اسميْ لتكريمهنّ ولم تخرُج أيّ فتاة .. بدأ ذلكَ بمجرّد رفضِ خرُوج أوّل فتاةٍ للمسرَح ليتمّ تكريمها.. وتبعتهَا الأخريَات ، ربّما على مضضٍ وربّما لأنهن فعلاً لا يرغبنَ بخرُوجهنّ للتكريم .. حينَ كانتْ أسمَاؤهن تتمّ مناداتها .. كنت أسألهنّ بحنقٍ ودهشَة: ليش ما تطلعُوا يكرمُوكم؟ .. ما حلوَة ! ما فينا يجلسوا يشوفونا كلهم .. أستحِي إلخ ..
وَأنا .. وفيمَا كانتْ صديقتيْ تستعدّ لتصويريْ .. وبعدَ منادَاة 13 فتاة قبليْ .. قرّرتُ ألا أصعدَ المنبرَ أيضاً .. وأنا في داخليْ أسخرُ منْ نفسي وأفكّر .. يا ترَى لو صعدتُ هلْ سأبدُو بمنظرِ الفتاة "الفلتَانة" ؟

غيرَ أنني كنتُ أكثَر جبناً من أن أخرُج .. وفعلتهَا فتَاة بعديْ .. بعبَاءتها المحتشمَة وبشيلتها السّوداء وبوقَارها خرجتْ للتكرِيم .. وتبعتهَا صديقاتٌ أخرَى محجباتٌ وغيرُ محجّبات .. حينهَا كنتُ أشعرُ بالسّوء من نفسيْ وأكادُ أبكيْ تفويتي اللحظَة التيْ لا تتكرّر إلا كلّ عام .. أن أنالَ التكريمَ من كليّتي الجميلَة .. وقسميَ الجميل ..
تمنيتُ حينها أنْ يعودُوا لمنَاداة اسميْ فأصعَد وأرفعُ رأسيْ مبتسمَة وأفكّر .. ( سحقاً لكلّ مبدأ ٍ يجعلُني أخجلُ من تكريمي ، يجعلنيْ أعتبرُ تناوليْ "ورقَة" من المكرّم "حاجَة ما حلوة" .. )
مفاهِيم غريبَة من فتيَات متعلّمات بدأت تطفُو على السّطح .. مفاهِيم غريبَة لم تقرّها عاداتنَا ولا ديننا .. ولم تكنْ سائدَة ً في الزّمن القديم ، زمنِ أمّهاتنا وآبائنا .. بدأت الشفافيّة تختفيْ ، وبدأنا ننحشرُ في سلسلَة تعقيدَات ننسبهَا للمجتمعِ والعُرف .. دونَ أنْ نملكَ تبريراتٍ مقنعة ً لذلك ..

أنتظرُ المصعدَ برفقَةِ صديقتين ِ .. ثمّ يأتيْ شابٌ ثالث .. تدخلُ ثلاثتنا المصعَد وينتظرُ الشابُ في الخارجِ .. أقولُ لهُ : تفضّل أخيْ ، فتشدّني صديقَتي من كتفيْ وتقولُ لا .. ما نريد واحد معنَا في المصعَد .. تقولُ ذلكَ هامسَة لكنّ الشابَ يسمعها فيتراجعُ بحرَج .. وأحدّقُ إليهَا مصدُومَة.. أيّ تخلّف هذا ! هلْ أصبح المصعَد شُبهَة ؟ وهلْ صعُودنا في نفسِ الصندُوق المعدنيّ لثانيتين للطابقِ الأوّل وثانيتين أخريين للطابقِ الثاني .. عَيب؟

فيْ الوقتِ الذيْ لا تمانعُ فتياتٌ كثيراتٌ صعُود أسَاتذة أجَانب وعمّال هُنود معهنّ في المصعَد .. بحقّ أنا غير قادرَة على فهمِ بأيّ منطِق نمَارسُ هذهِ التصرّفات؟ وأيّ عرفٍ هوَ المسؤُول عن إجازةِ أو منعِ مواقفَ كهذهِ؟

أتذكّر أنّي مرة ً كنتُ أنتظرُ المصعدَ .. وفتحَ لتخرجُ منهُ شابٌ وفتاة .. كانَت ثمّة مجمُوعة شباب بجانبيْ تقفُ فعلّقوا ضاحكين على ذلكَ .. "يا سلام وش عليك انت"
أفكّر مثلاً في سينَاريُو ذلك الفتَاة والشاب .. لو أنّني غيرُ قادرَة على صعُود الطابقِ الثالث بالسلّم .. ولديّ محاضرَة مهمّة .. وآتي للمصعَد فأجدُ شابا قبلي ينتظرهُ .. يفتح المصعَد ويدخلُ .. ويقُول لي .. تفضّلي .. فأدخل .. وخلال ثانيتين أكُون وصلتُ للطابق الثالث .. فهل الأمرُ شاذٌ إلى هذا الحدّ؟ وهلْ نتعَاملُ معَ ذلكَ كخلوَة غير شرعيّة؟ لا أعرفُ لماذا نجعلُ من أنفسنَا "رقبَاء اجتماعيين" باسمِ الدّين والعُرف .. ونحنُ لا نمتّ لا للدين ولا للعرفِ بصلَة ..
هؤلاءِ الشباب الذينَ علّقوا .. أعرفُ بعضهُم .. ممّن درسَ معيْ .. محترفُون فيْ الغشّ ، والنّقل ، والتخميس بسيّاراتهم والتدخين ..
هذهِ يعتبرُونها محللات .. لكنّ صعُود شاب وفتَاة في نفسِ المصعَد يعتبرُ دخيلاً وحراماً؟
أيّ نفاقٍ اجتماعيّ نعيشهُ؟

تحكيْ لي قريبتي وهيَ تسكنُ في مدينةٍ تغطّي فيها النسَاءُ وجوههنّ .. دخلتْ هيَ وزوجها إلى محلّ للتفصِيل فيما انشغلتْ فتاة زبُونة بالشّرح للآسيويّ عن الموديل الذيْ تطلبهُ ..وفيمَا دخلت قريبتيْ المحلّ برفقَة زوجها حتّى هبّت تلك الفتاة لتغطيَة وجهها .. فضحكتْ قريبتيْ وعلّقت .. "يا سلام! ترَى الهندي ما رجّال تغطيْ وجهها قدّامه" !
هلِ العُرف يصنّف الرجَال لعيّنات حسب جنسيّاتهم؟ وعلَى ذلك الأساس نمَارسُ أعرافنا الاجتماعيّة معهُم .. فإذا كانَ عمانياً غطّينا وجهنا وإن كان من جنسيّة أخرى فنحنُ وَباسم المجتمعِ نحلّ لأنفسنا أنْ نكشفَ وجهنا !
ما هوَ مبرّر هذا التناقض؟

قبلَ مدّة كنتُ أناقشُ صديقة ً في هذا الموضُوع وأبديْ استغرابيْ من مواقفَ على شاكلَة ما ذكرتُ أعلاهُ فحكتْ لي ما قصّتهُ أمّها لها .. أنّها حينَ كانتْ في الخامسَة عشرة حينَ تزوّجت والدَ صديقتيْ .. كانَ يبعثهَا مع أخيهِ لزيَارة أهلها على "حمَار" .. ضحكتْ صديقتيْ المتزوّجة وقالتْ .. تخيّلي الآن أن يبعثنيْ زوجيْ لأهليْ برفقَة أخيهِ .. كنتْ صرتْ خبز بلا ملح !

أصبحنَا نخافُ منْ كلّ شيءٍ ونرَاقبُ يميناً وشمالاً ردُود أفعال الآخرين دونَ أن نمنحَ أنفسنَا الفرصَة لنقرّر إن كنا في الداخلِ مقتنعينَ تماماُ بأنّ ما نفعلهُ صوابٌ أو خطَأ .. أصبحنَا غارقين في دوّامَة سوءِ ظنّ .. وأصبحنَا مهوّسين بتفسير تصرّفات الغير على أنّها تقُود دائماً لنهَاية سيئَة وقذرَة ..
فوجُودُ اثنين وحيدين يؤدّي لنتيجَة حتميّة هيَ وجودهما لاحقاً فيْ سريرٍ واحد !!

كلّ يومٍ تزدادُ الممنوعَات كردّةِ فعلٍ على التحدّر الاخلاقيْ الذيْ يشهدهُ المجتمع والسّبب القصص الكثيرَة والمخيفَة التيْ نسمعهَا هنا وهناك .. وخوفنَا من سقُوط القيم والفساد الذيْ أصبَحَ يُصدَّرُ لنا من كلّ صوب .. من الإعلانات ، منَ التلفزيُون والقنوات الفضائيّة ، من المراكزِ التجاريّة ..
أصبحَتْ لدَينا "فُوبيا مجتمع" وأصبحَ ما أحلّهُ الأمسُ مرفوضاً اليَوم .. ونحنُ نناقضُ أنفسنا بأنفسنا ..

فالفتياتُ اللاتيْ رفضنَ صعُود المسرحِ للتكرِيم .. كانَ بعضٌ منهنّ يرتديْ ملابس متحرّرة جداً غير متعارف عليها بينَ المجتمع ، بعضهنّ "نصفُ محجّب" وبعضهنّ ترتديْ "شبهَ عباءة" ولم يعتبرنَ أنّ ذلكَ "حاجة ما حلوة" بينمَا اعتبرنَ صعودهنّ للمنبر "حاجة ما حلوة" !

أصبحنَا بطريقةٍ وبأخرَى نفصّلُ العيبَ واللاعيبَ بمقاساتنا .. وفيمَا ندرسُ في جوّ مختلط ونعملُ في جوّ مختلط وأصبحتْ دوائرنا الحكوميّة مختلطَة وأصبحتْ مستشفياتنا مختلطَة ، ونذهبُ للسّوق في جوّ مختلط .. ورغمَ ذلكَ نستحيْ من صعُود المسرحِ لاستلام شهادَة تكريم لا للغنَاء والرّقص ، ونعتبرُ وجُود شاب وفتاة صاعدين في مصعدٍ واحِد ، شُبهَة نجرّمهم ونحاسبهُم عليها باسمِ الدّين والمجتمع؟

لا يا أصدقَاء .. ديننا وعاداتنا بريئة ٌ من كلّ سبق .. والعيبُ في عقُولُ أهلِ العيب .. والخطأ نحنُ فقط من نعتبرهُ كذلكَ لأننا لا نجيدُ سوَى إلصاق الأخطاءِ بالآخرين باسمِ الدين والعُرف .. ارحمُوا الدينَ والعُرف يا جمَاعة ..
فالدينُ خلقَ ليكُون جميلاً ومنطقياً ، يفسّر كلّ ما يحلّله ويحرّمه .. وخلقَ العُرف كذلكَ ليضعنَا في منظُومة منظّمة لا نعيشُ فيها هواجسَ من سوءِ الظنّ وتخطيءِ كلّ شيءٍ ..
ارحمُوا الدينَ والعُرف .. وارحمُوا أنفسكُم قبلَ كلّ شيءٍ !

30 سبتمبر, 2009

المَاركَة .. الصّناعَة ذاتُ الحدّين/ ردُهات


عائشَة السّيفي
ufuq4ever@yahoo.com


وَفقاً للمنظمَة العالميّة لحقُوق الملكيّة الفكريّة فإنّ العلامَة التجاريّة أو المَاركة هيَ إشَارَة مميّزة تبيّن بعض السلع أو الخدمَات باعتبَارها منتجاتٍ أنتجتهَا جهَة معيّنة سواءً كمؤسّسة أو أفرَاد وتكُون معرُوفة لدى الزبُون تمثّلها هذهِ العلامَة وتعتبرُ حقاً لتمثيلها تجارياً في بلدها ..
يعُود نشُوء العلامَة التجاريّة أو "الماركَة" إلى 3 أو 4 قرُون حيثُ شاعَ في أوروبَا استخدَام أصحَاب الحرف رموزاً معيّنة ً لتمييز ما ينتجُونه من حرفٍ فكانَ النجارُون يضعون على الأبوابِ رمزاً معيّناً ليميّزَ كلاً منهم عنِ الآخر وكذا فعلَ الحدّادونَ وسائر الحرفيين .. ومنذ ذلكَ الحين أصبحتْ ملامحُ العلامَة التجاريّة تزداد وضوحاً وبدَأتْ تسريْ بشكلٍ رسميّ وشيئاً فشيئاً غزتِ العالمَ وأصبحتْ جزءاً لا يتجزّأ من تكوينِ السّوق .. إذ لا يمكنُ خرُوج أيّ مشرُوع تجاريّ إلى النور دونَ أن يمتلكَ العلامَة التجاريّة الخاصّة بهِ ..
هذهِ العلامَة قدْ تكُون رمزاً معيّناً .. مجمُوعة حرُوف مختصرَة أو جملَة أو كلمَات .. وقد تكُون رسماً دلالياً وهيَ غير مقنّنة بالشّكل الذي تظهرُ بهِ معَ الاحتفَاظ بقوانين معيّنة في الموافقَة عليها بحيثُ لا تحملُ إيحاءً سيئاً معيّناً للقارئ ولا تخدشُ الأديَان وألا تحملَ معنَى بذيئاً في لغَةٍ أخرى كما يجبُ أن تكونَ واضحَة ومفهُومة بعيداً عن التعقِيد بحيثُ يكونُ من السّهل إشهارها في السّوق والتعاملُ معها على المستوَى التجاريّ والإعلانيّ ..
هذهِ الرمُوز قد تحملُ علاقَة بالمنتَج وبالتاليْ تحملُ أسماءَ أو رمُوز ترتبط بالمنتج كأنْ يتمّ تسميَة سلسلَة مرَاكز تجميليّة باسمِ عالم المَاكياج أوْ شركَة متخصّصة في تصنِيع الميَاه المعدنيّة بشلالات ظفَار فيُوحي لنَا الاسمُ بهويّة المنتج الذيْ تقدّمه تلك الشركَة .. وقد تقدّم الشركَة كذلك رمزا لهُ علاقَة بطبيعةِ منتجهَا مثلَ أن يقومَ محلٌ لتفصيل العباءات بوضعِ رمزِ امرأةٍ ترتديْ عباءَة .. كعلامَة تجاريّة لهُ .. ليستشفَ الزبُون ما يعنيهِ هذا الرّمز ..
وقدْ تأتيْ الكلمَات عشوَائيّة لا علاقَة لها بالمنتَج .. مثلَ لانكُوم لمستحضَرات التجميل .. أو توشيبَا لصنَاعة الحواسيب الآليّة .. أو قدْ نستخدمُ كلمَات دَارجَة كعلامَة تجاريّة لنا .. مثلَ استخدَام سلسلَة محلاّت الملابس والأزيَاء كلمَة "مَانجُو" للإشارَة لمحلاّتها بصرفِ النظر عن عدمِ ترابُط اسمِ العلامَة بنمطِ توجّه منتجات الشركَة وهوّيتها ويكُون كذلكَ اختيَار رمزٍ للشركَة أو الجهَة المنتجَة دونَ أن يكونَ ثمّة ترَابط بينَ الشيئين ..

يقُولُ خبيرُ الاقتصَاد العالميّ دايفيد إيكر في كتابهِ Building Strong Brands أنّ العلامَة التجاريّة هيَ إحدَى نتاجات العولمَة الحقيقيّة في القرنِ الجديدِ حيثُ تسيطرُ الكيَانات الكبيرة على الكيَانات الصغيرَة باسمهَا وحضُورها في السّوق .. وهوَ تماماً نتاجُ ما حدثَ مؤخراً بعدَ رفعِ شركاتٍ مصنّعة لأنظمَة الحواسيب الآليّة قضايا كثيرَة على عملاق أنظمَة الحاسُوب مايكرُوسوفت التيْ أسسها بيل جيتس بسببِ اعتبَار شركتهِ بعبعاً تجارياً يستفردُ على الأخضرِ واليابسِ من سُوق الحَاسوب العالميّ ما جعلَ مايكرُوسوفت مهدّدة ً بتقسيمها لشركَات صغيرَة وكيانات متفرّقة لإفساح المجالِ للجميع بتسويق منتجهِ بعيداً عن استفرادِ شركةٍ دونَ أخرى وصنعِ ثقَة جديدَة للزّبُون الذي لا يعرفُ سوَى مايكرُوسوفت دونَ بديلٍ ينافسها في الثقة أو يتيحُ المجالَ للمنافسَة بعدَ أن اتخذت مايكرُوسوفت سياسَة شراء العلامات التجاريّة لأي شركات منافسَة وضمّها تحتَ عباءَتها ..

وعادةً ما يتمّ تسجيلُ العلامَة التجاريّة في البلدِ الأمّ الذي تخرجُ منهُ الشركَة والنّظر في توافقها مع قوانينِ وأنظمَة هذا البلدِ فإذا أرادتِ الشركَة الخرُوج من حدُود وطنها الجغرافيّ إلى أبعادٍ عالميّة فينبغيْ أن تنالَ الترخيصَ من منظّمة العلامات التجاريّة التيْ وقّعت عليها 60 دولَة منذ إنشائها للتأكّد من أن علامة تلكَ الشركَة لا تشابهُ أو تماثلُ علامَةَ شركةٍ أخرَى موجُودة في السّوق العالميّ فيحدثُ اللّبس أو الخلط ..

اليَوم أصبحتِ العلامَة التجَاريّة بصمَة ثقَة .. فنحنُ مثلاً نعرفُ أن العلامَة التجارية نوكيَا أو سونيْ أريكسُون هيَ الأكثر رواجاً وثقة ً في السّوق وقد نجدُ هواتفَ بمواصفَات أفضَل وميزات تكنولوجيّة أكبر من هواتف نوكيا أو سونيْ أريكسُون لكننا نشتريْ الأخيرَة لثقتنا بهَا فنحنُ ندفعُ للاسم .. للمَاركة قبلَ أن ندفعَ للمنتجِ نفسهِ ..
قد نشتريْ حذاءً بسعرِ 60ريال ونشتريْ آخر لهُ نفس المميّزات وربما أكثر ب5 ريال والفارق أننا في الأول لا ندفع لمميّزات الحذاء بقدر دفعنا لثقتنا بالشركَة المنتجَة للحذاء وأصليّتها وجودَة منتجاتها وندفعُ لسمعتهَا في السّوق واسمهَا بينما في الحذاء ذي الخمسَة ريالات نحنُ لا ندفعُ سوَى للحذاء نفسهِ دونَ أن تكونَ لشركتهِ ذلك الاسم والثقَة الكبيرَة الموجودَة في السّوق ..
ويأتيْ اهتمامنا وتوافقُ المنتج معَ توجّهاتنا الحياتيّة في الأسبَاب التيْ تدفعنَا نتوجّه إلى استخدَام العلامَات التجاريّة في تعاملاتنَا .. فمثلاً قد أذهب أنا إلى أيّ شركَة سيّارات وأشتريْ سيّارة عاديّة بمواصفاتٍ عاديّةٍ لأنني لستُ من النوعِ الذيْ يلقيْ بالاً إلى عالمِ السيّارات بينمَا يأتيْ آخر مستعدّ ليدفعَ أضعافَ ما دفعتُ لسيّارة أخرى لأنّها مثلاً تمتلكُ نظام حمَايّة معيّن .. زوَائد معيّنة ، هيكَلها ، دفعهَا ، قوّة محرّكها ، استهلاكها للوقُود .. فارتبَاطه الحسيّ بالعلامَة التجاريّة لذلك المنتج أكبر من ارتبَاطي واهتماميْ بالسيّارات كمنتج ..
وتلعبُ السيَاسَة والدّين توجهاتٍ كبيرَةً لدَى الزّبُون فمثلاً كنتُ قد أوصيتُ مؤخراً أحدَ وسطَاء شركة عُطور أن يجلبَ ليْ عطراً معيّناً إلا أنهُ عاد واعتذرَ عن أنّ الشركَة أوقفتِ استجلابَ ذلكَ العطر لأنّه منتجٌ اسرائيليّ ..

ومثالٌ آخر ما حدثَ لمذيعَة خليجيّة ظهرتْ بدونِ أن تعرفَ وهي ترتديْ قميصاً يحملُ شعارَ شركَة معرُوفة بانتاجها منتجات للشواذّ جنسياً ودعمهَا لهُم وإقبَال الشواذّ عالمياً على الشرَاء منها باعتبارها تمثّلهم .. لذا لقيتْ تلك المذيعَة الكثير منَ التقرِيع .. لأنّها حينَ لبستْ ذلكَ القميص فإنّها مثّلت تلكَ الشركَة ..
وكذَا يحدثُ لدَى شركَاتٍ يقالُ أنّها تدعَم جيوشاً معيّنة في بلدانٍ معيّنة أو أنّها تقدّم دعماً مالياً كبيرَاً لشعُوبٍ ضدّ أخرَى وبهذهِ الطريقَة ترتبطُ هذهِ العلامات التجاريّة وعلاقَة الزبُون بها في بلدٍ ما أو منطقةٍ ما بالخلفياتِ السياسيّة والدينيّة التيْ ترتبطُ بها شركَة تلك العلامَة التجاريّة لذلكَ يرفعُ اقتصاديُون كثر عالمياً شعَار (لا دين لا سياسَة) كأوّل خطوَات نجاح أيّ علامَة تجاريّة يسعَى أصحابهَا للعالميّة لكيْ لا يحدثَ تعارض في توجهاتِ تلك الشركة السياسيّة أو الدينيّة مع زبائنها في بقعَة معيّنة من العالم ..

غيرَ أنّ الكثِير من الزبَائن أصبحُوا مهوّسين بالعلامَة التجاريّة وأصبحت العلامَة التجاريّة تعنيهم أكثَر من المنتج أو السلعَة نفسها .. فالنسَاء مثلاً يتباهينَ بأنّهن اشترينَ قميصاً بقيمَة 50 ريالاً من شركَة أزيَاء عالميّة لا لشيءٍ سوَى لأنّ تلك الشركَة تمثّل سوقاً للطبقَة الثريّة ..
مؤخرا وأنا أتصفّح إحدَى المجلاّت التيْ كانتْ تعرضُ خطّ ملابس كاجوَال صيفيّة طرحهُ محلّ ملابس في دبي وقد صدمتُ فعلاً لمستوَى الغلاء التيْ وصلتْ إليهِ الملابس .. ففستان شيفُون قصير لا يتخطّى الركبَة وضعَ عليهِ سعرُ 3000آلاف ريَال عُماني .. وحلق أذن بلاستيكيّة على شكلِ وردَة وضعَ عليهَا سعر 700ريَال عُمانيّ .. وشَال على الرقبَة من القطن وضعَ عليهِ سعرُ 1500ريَال عُمانيّ .. وقد كانَ مجمُوع ما ارتدتهُ العارضَة تلك من ملابس خفيفة جداً .. 13ألف ريال عُمانيّ .. وكان هذا حالُ بقيّة الصور التيْ ظهرتْ بها العارضَة .. فهلْ يعقلُ أن الترفَ وصلَ بالنّاس ليلبسُوا في مجمُوع لبسَة واحدَة ما يزيدُ عن 13 ألف ريَال عُمانيّ فيمَا يغرقُ العالم في الجُوع والفقر المدقع؟ هذا فعلاً نتاج العولمَة وضريبتهَا السّوداء ..
هذهِ الملابس لم يبلغْ سعرهَا هذا لأنّها صنعتْ من خامَة خاصّة نادرة جداً .. ولمْ تكن بذلك التميّز الذيْ يجعلُ منها هذا السّعر .. لكنّ ماركَتها واسم شركتهَا في السّوق خوّلها لذلك وصنَع لها طبقَة معيّنة من الزبائن يتوجّهون لشرَاء منتجاتهَا ..
ولتقريبِ الصُورَة أحكيْ لكُم قصّة حكَاها أحدُ أقاربيْ وهو مهندسٌ معماريّ مشهُور في السّوق لديهِ مكاتبهُ الهندسيّة للاستشاراتِ وجاءهُ زبونٌ يطلبُ منهُ أن يعدّل شيئاً ما في خريطتهِ التيْ استخلصها من مكتبٍ آخر .. وفي تلكَ اللحظَة نظرَ المهندسُ إلى الخريطَة ورسمَ خطاً ما في الخريطَة وقالَ لزبُونهِ .. خلاص مشكلتكَ حُلّت .. وحينَ سألهُ الزّبون عن السّعر قالَ لهُ 30 ريَال .. فدهشَ الزبُون وقالَ : ثلاثُون ريالاً أدفعهَا لأنّك رسمتَ خطاً في الخريطَة وفي ثانيتين؟
فأجابهُ المهندس: أنتَ لا تدفعُ لي لأنّي رسمتُ خطاً وإنّما تدفعُ ليْ لدراستيْ 5 سنوَات في كليّة الهندسَة ودرَاسة تخصّصي .. وسنتان للماجستير وتدفعُ لي السّنوات التيْ قضيتهَا في السّوق لأؤسّس اسميْ .. أنت تدفعُ لثقتكَ بي وتوجّهك إليّ دوناً عن بقية المكاتبِ والمهندسين .. أنت تدفعُ لخبرتيْ الطويلة لصنَاعة الثقَة في الزبائن وَصنَاعة جودَة ما أقدّمه للسّوق ..
هذا بالضّبط هوَ ما تعنيهِ العلامَة التجاريّة .. لكنْ هلْ يبرّر هذا المغالاة الكبيرَة التيْ وصلتْ إليها الشركَات في منتجاتها بلا مبرّر؟ وعبَادة الكثيرين منّا للتسوّق من المحلاّت الراقية والماركات المشهُورة ليسَ لشيءٍ سوَى لأغرَاض الترفِ والمبَاهاة؟
في العالمِ الفقير هذا .. لا تمثّل العلامَة التجارية شيئاً للملايين الذينَ يسحقُون تحتَ همُوم الحيَاة اليوميّة لتأمين لقمَة عيشهم وكسوَة أطفالهم ويهمّهم أن يفيْ المنتجُ بالغرض دونَ أن يلتفتُوا إن كانَ هذا المنتج عالمياً أو إن قدّم الفنان الفلانيّ دعاية ً لهذا المنتج .. لأنّ هذهِ الدعايَة إنّما خرجتْ من جيُوب الزّبائن ليحصلَ الفنان على مئات الآلاف لقاءَ تقدِيمهِ دقيقَة إعلان واحدَة أو حضُوره في حفلٍ لشركَة تلكَ المنتَج ..
هكذَا إذن يكُون للعلامات التجاريّة وجهها الأبيض والأسوَد ونظلّ بحاجةٍ لخلقِ توازنٍ حقيقيّ وألا ننجرفَ ورَاء الهوسِ بالعلامَة التجاريّة بدونِ أسبابٍ منطقيّة سوَى التباهيْ أوْ تصنيفنَا وفقَ طبقَة معيّنة نريدُ أن ينسبَنا الآخرُونَ لها .. إنّها بحقّ صنَاعة العولمَة .. الصنَاعة ذاتُ الحدّين !

21 سبتمبر, 2009

أعيَادكُم بلا فيرُوسات !

السّاعة الواحدَة صباحاً .. والآنَ أسمعُ الحلاّق المجَاور لبيتِ جدّتي وهوَ يغلقُ محلّه ..
اليَوم مررتُ عليهِ فوجدتُ الرجَال وقوفاً .. لم أمنعْ نفسيْ منَ الضّحك وأنا أطالعَ شعرَ رأسِ قريبِي وأقولُ لهُ : كأنّه غايتهُ تروح تحلق شعرَك؟
فردّ : لا لا أريد ..
- لمَ؟
- أخاف يحلق شيئاً من شعرِ اللحيَة الملاصق لشعرِ الرّاس
- وإذا حلق؟
-حرام ، يبطل صيام رمضان
- شو يعني ؟ مهُو انت متعوّد تحلق ذقنك
تصدّقوا ؟ 21 عاماً ولم أنتبه بحياتي إلى أنّ الرجالَ يتحاشونَ حلقَ ذقونهِم في رمضَان ..
حسناً .. أنا لست مطوّعة ولا تقرب ليْ الطوَاعة وكمَان شخصياً أخافُ من اللحَى الطويلَة جداً .. لذلكَ لا تعتبرُوا تدوينتي معادَاة للساميَة
عفواً معادَاة لمن يحلقُون لحاهم أو يخفّفونها
يعني حرامات يقعدُوا الحلاقين بلا شغل ولا مشغلَة برمضَان .. بتصِير بطالة ، أقصد باحثين عن العمل
خطيّ والله ما يصير يا جمَاعة تتذكّروا أنكم لم تحلقُوا لحاكم شهراً ثمّ تهبّواع الحلاقين وتخلُوهم سهرانين للسّاعة الواحدَة صباحاً مشَان شغل جزَاز اللحيَة
الحمدلله أنّه الحريم ما عندهُم لحَى .. ولو أنّه عندهُم أمُور أعظم
***
كنتُ أظنّ أنّ انفلونزَا البطِيخ ستمنَع النّساء من زحمَة الصالُونات بس الحريم هُم الحريم ..
قبلَ يومين اتّصلت بالفتَاة التي اعتادتْ على نقش الحنّاء لي .. فأجابت أنّ جدولها ممتلئ منذُ شهر .. بعيد الشّر ! ليش الحريم منتزقَات كذا ولا أنَا نايمَة بالعسل؟ وبعد شدٍ وجذب وافقت على أن تحنّيني قبل العيد بثلاثِ أيّام! يا إلهي .. والله ممنوع عليّ أمسّ الماء لحتّى ما يروح الحنّا .. هذا يعنيْ أني لن أستحمّ لثلاث أيّام ولن أغسل يدي بعد الأكل لثلاثِ أيّام .. كمَا أنني لن أطبخ لثلاثِ أيّام .. والله هذا ما صار حنّا .. المهم تحنينا وعاد لا تسألوني هل سيبقَى الحنّاء لثالث أيّام العيد أي بعدَ مضيّ 6 أيّام على الحنّا ..
الآن يا فيرُوس أتش ون أن ون .. شدّ الهمّة في ساحَات الوغى حيثُ تدوِي أصوَات ماكينَات الاستشوَار وماكينَات الفيشل وتتناضدُ النسَاء فوق بعضهنّ البعض أملاً في إصلاح ما أفسدته الأشهر التي فصلتْ بينَ هذا العيد وسابقهِ
شدّ الهمّة يا سيّد فَيروس .. عفواً نسيتُ أنّ السيد للعائلة المالكَة فقط .. شدّ الهمّة يا أستَاذ فيرُوس فأمامك مشاوير طويلَة
***
فجرَ اليَوم ومن نافذتيْ شاهدتُ الرجالَ يتقاطرُون أمماً أمام منزلنا فعرفتُ بالطبعِ أينَ يكونُ مقصدهم
ككلّ عيدٍ يتكرّر الموقفُ .. يُسَدُ الطريقُ بالسياراتِ التي تقفُ على بعدِ مئات الأمتار .. وتتصَادم الحشُود أمام مصنعِ الحلوَى الصغير القريب من بيتنا .. تختنقُ الأنفاس ويتعاركُ الرجالُ من أجلِ نيلِ مكبّة ولا مكبتين حلوَى ..
آآآتشو في وجهِ كلّ واحد وهزّ وسطَك يا فيرُوس الخنَازير ..
وهي فرصَة لنمعنَ أنظارنا بسيّارات الكباريّة بأرقامها الخاصّة الملوّنة بالأخصر والأبيض والأحمر وسيّارات أصحاب المعالي والسّعادة إضافة ً إلى لوحاتِ سيّارات الأشقّاء الخليجيين .. يا إلهي .. هل سيمُوت العمَانيُون إذا لم يأكلُوا حلوى؟
قبلَ مدّة همسَ ابنُ صاحبِ هذا المصنعِ قائلاً لقريبِي أنّهم كسبُوا من العيدِ الماضي 200ألف ريَال ..
يا سيدي نيّالهم ع قلُوبهم .. اللهُم بارك وزِد
أضحك من حالي .. كادّين كدّ بالدرَاسة لندخل الهندسَة أو حيّا الله تخصص يسترنا ونعمل ونظلنا شي عشرين وثلاثين سنَة
الواحد يشتغل وتشتغل زوجته ويا دُوب يطلّع له بحياته كلها 100 ألف ..
المضحكُ في الأمرِ أنّ أحدهُم أخبرنيْ عن قصّة صديقهِ الذي يملكُ والده مصنعَ حلوَى ويدرسُ هندسَة طيرَان فيْ الخارج ويشكُو من صعُوبات الدرَاسة .. قالَ له لم لا تعمل في مصنعِ والدك .. ألا تربحُون؟
قالَ : لو عملتُ في مصنع والديْ لربحتُ أضعافَ ما أربحهُ من تخصصي هذا
بسْ افهمها يا شَاطر .. لو تصير مليَاردير وتردّ الملايين من صنَاعة الحلوَى في النهَاية تظلّك "حلاّو" يصنع الحلوى .. هندسَة الطيرَان اسم ومكَانة ..
ضحكتُ كثيراً .. يا الله كيف نعبُد الألقاب والمظَاهر !
خلي الهندسَة تنفعنيْ .. يعنيْ لو يخلّوا بنت تشتغل معهم تعمِل حلوَى كنت عقيت الهندسَة بصُوب ورحتْ فتحت لي بعد شي سنتين مصنَع حلوَى ..
طيب .. أنا عندي فكرَة ولحّد يسرق حقُوق الملكيّة الفكريّة .. يعني على كثر ما يعبد العمَانيّون الحلوَى ،لماذا لم يصنَع أيٌ منهُم ماكينَة لصنَاعة الحلوَى؟
صارْ لي شهرين وأنَا أحنّ حنّ على رَاس أخي الطالبِ بهندسَة الكهربَاء
قلتُ لهُ أنتَ تدرس هندسَة كهربَاء .. دعنا نتعَاون لتصنِيع ماكينَة صنَاعة حلوَى .. أنتَ اهتَم بالجَانب الكهربَائي الخاصّ بتخصصّك وأنا أهتم بالجَانب الدينَاميكي الخاصّ بتخصصي ..
منْ يقنعُ أخي بجدوَى فكرتي؟ واللهِ فكرتي مش بطّالة
***
أطالعُ أخي وقدْ شدّ رأسهُ بفوطَة وحرارتهُ عالية .. يُوه .. لا يكُون؟
اليَوم راجع والنّصر حليفه بعدَ معركَة الحلوَى التيْ كادَت أن تودي بحيَاته معَ مئات الرّجال
أوهُوووو نسيت أنّ فترَة حضَانة الفيرُوس من 2-8أيّام
معلِش خيّو .. أجر وعافيَة
***
يا رجَال العَالم اتّحدوا في موَاجهة الفيرُوس ..
أتمنّى أن تكُونوا قد أعددتُم عدّتكم .. خلّوا عنكم عادَة صباب القهوَة وتوزيعهَا على الخمسِين شخص اللي حاضرين بالسَبلة وتمريرها بفنجَان قهوَة أو فنجانين يمرّان على عشرَات الأفواه التي تترك لعَابها الطاهر على الفنجَان ..
ثمّ تمتدّ الأيادي "لتغفص الحلوَى" وفجَأة يعطس أحدهم فيها ويسترِيح الفيرُوس في بحيرَة السّكر المحرُوق في الحلوَى
آهِ يا فيرُوس .. سيزدَاد وزنكَ يا رجل!!
***
البَارحَة تلقّيت نكتة مؤلمَة جداً ..
سألنيْ صديقٌ من السعوديّة .. انتُو بكرَة صايمين مثل أمّي؟
قلتُ له أيوا صايمين .. بس ليش أمّك صايمة؟ هي مش سعوديّة؟
قال لي : بلَى بس ماشيَة ع شيعَة العراق .. هم أيضاً صائمُون غداً
- وَي! بس النَاس تتبع الدولَة التي تقيمُ بها حتّى لو لم يكُونوا من أهل البلد
- وأزيدك منَ الشّعر بيتاً .. أمّي صائمَة غداً .. وأبيْ مفطِر !
- وَأنت؟
- أنَا يا ستّي أصُوم مع آخر بلد يصُوم .. وأفطر معَ أوّل بلد يفطِر
شفتُوا نكتة مثل هاي؟ امرأة تصُوم وزوجهَا يفطِر
آآآآه كم أكرهكِ أيّتها السيَاسة .. حتّى في الدِين حاشرَة نفسك
***
مقُولة جميلَة أحببتهَا في موقعِ الدكتور عبدالله الحرّاصي اقتبَسها من كاتبَة أجنبيّة تقُولُ " السفينَة تكُون آمنَة حينَ تكُون راسيَة ً على الشطّ لكنّها لم تخلق لِذلك "
نعَم أيَها الأصدقاء ، اذهبُوا لزيَارة أحبّائكم .. واقعدُوا معهم .. هنئُوهم بحبّ
ابتهجُوا وافرحُوا فمَا كتبَ لكم لمْ يكُن ليخطِئكم ..
لا تبَالغُوا في الحذَر ولا تبالغُوا في التسَاهل ..
وسيكُون جيّداً لو امتلكَ كلٌ منكُم مطهّرهُ الخاصّ ..
محبّتي لكُم .. قبلَ العيد وبعدهُ

20 سبتمبر, 2009

عُد يا رمضَان .. ولكنْ دونَ هؤلاء !

كيفَ حالكم أصدقائي؟
اشتقت لكُم كتير كتير .. وأتمنّى أن تكونُوا قد اشتقتمُوني أيضاً ..
أنهيتُ إعداد كعكِ العيد ولو أنه ما جا عليي أسوّيه .. أحسّ ضلوعي متكسّرة من المكَابس والعجن
أسمَع المفرقعَات تدويْ في أرجاء مدينتي الصّغيرة نزوَى .. صدّعونا .. خلاص عرفنَا أنه بكرَة عيد
ولو أنّي لم أسمع صوتَ مدفع القلعَة .. كونيْ جارَة القلعَة طبعاً فالمدفع أهمّ طقُوس دخُول العيد
عمُوماً .. غادرنَا العزيزُ رمضَان وقد كنتُ أبيّت النيّة لكتابة مواضيع رمضَانيّة "تغثّ الفواد" لأنها تحزّ في القلب
لكنْ ما هنتُوا عليّ أهزّ مشاعركُم الرمضَانيّة .. أعرفكُم حسَاسين بالزيَادة ، زيي يعني ! قلتْ أخرّب عليكُم العيد اعتبرُوها عيديّة العيد غير المحبّذة
***
غادرَ رمضَان وعادتْ شهرزَاد إلى الفعلِ المباح "من وجهَة نظرهَا هيَ"
في الفيس بُوك غيّرت مهندسَة أعرفها صورتها .. كانتْ تعمل في الشركَة التي تدرّبت بها وهي عُمانيّة غير محجّبة
في الفيس بُوك كانتْ أختنا تضعُ صورَة لها وهي بتسريحَة و"فُل ميك أب" وفستان .. أعتقد التقطتْ صورتها إمّا وهي ذاهبَة لزفاف أو وهي عائدَة منهُ .. وما أن حلّ رمضَان حتى تغيّرت الصُورة تلك إلى صورة لنفسِ الفتاة وهي ترتدي عباءَة وشيلَة سوداء لا يظهرُ منها إلا وجهها ..والآن أطالع صورتها القديمَة وقد عادتْ مجدداً .. يا عيني ! ما يحلّ طول العام يحرّم في رمضَان ..
***
في الجانبِ المقابل ، ومن ملاحظاتيْ في الفيس بُوك أيضاً .. شاهدتُ صورَة مهندسَة عراقيّة أيضاً كانت تعمل معي بالشّركة أيّام الصّحراء
حليوة ومكشّخة نفسها بالزيَادة .. الله يعين الشباب في الصحرَاء على وجُودها !
في الفيس بُوك وفي عزّ رمضَان وضعت الأخت صورة لها والجزءُ الأعلى من صدرهَا عارٍ تماماً .. ثمّ لاحقاً غيرت الصُورة إلى أخرى وهي ترتدي فستانا وردياً قصيراً لم أرَ في حياتي أقصر منه .. لا أعرفُ كيف لم يظهرْ سروالهَا الداخليّ من قصرهِ ..
كانتْ تركبُ دراجة ً ناريّة ..
عادةً أعتبرُ كلّ ما سبقَ أموراً شخصيّة بحتَة لا يحقّ لي التدخل بها .. لكنّها أمُورٌ مثيرةٌ للحزن
أذكرُ دكتورتي الأميركيّة التيْ كانتْ ترتدي في رمضَان "عباءَة" رغمَ أنّ ملابسها كانتْ أساساً محتشمة وفضفاضة وقالت يوماً : اللبسُ أمرٌ شخصيٌ تماماً ، لكنّني لستُ في بلدي .. وللناس في المجتمع الذي أكونُ بهِ حقٌ عليّ .. أقلّها إن علمتُ أن ما ألبسهُ يخدشُ طقوسهم الدينيّة !
هذه الفتَاة العربيّة جداً ، ولا أعرف أهي مسلمَة أم لا إنْ كانَ المسيحيّون يسمُون بناتهم زينَب .. المهمّ أنني حزنتُ كثيراً حينَ رأيتُ ما تضعهُ من صُور على الفيس بُوك في رمضَان .. حريّات يا عالَم .. حريّااااااااااات ..
***
منَ الأمُور التي تحزّ في خاطري أيضاً قصّة حكتها لي زوجَة أخي عمّا تعرّضت لهُ عاملةُ أهلها وعاملة جيرَان أهلهَا
فقبلَ 10 أيامٍ تحديداً في الثلثِ الأخير من رمضَان .. وفي السّاعة السادسَة صباحاً حيثُ كانتِ العاملتان منشغلتان بتنظِيف سيّارات الأسرَة كل واحدةٍ أمام بيتِ الأسرة التي تعمَل بها .. مرّ شابان يركبَان دراجَات ناريّة .. نزلا من الدراجتين وانهالا ضرباً على العاملتين .. ثمّ غادرا بسرعَة كأن لم يفعَلا شيئا ً ..
في الساعَة السادسَة حيثُ يخرجُ الرجالُ من المسَاجد مؤدّين صلاة الفجر ..وتستغرقُ النساء في قراءَة القرآن ببيوتهنّ ..
يطُوف هؤلاء "الشلاتيّة أولاد الحرَام" الشّوارع بحثاً عن طرائد ليفرّغوا عليهنّ عقدهم ..
عاملات فقيرَات قطعنَ آلاف الأميال لإعالة أسرهنّ الغارقَة في الفقر المدقع .. لا يعرفنَ إلى أيّ مصيرٍ يلقَين إليه ..
ما ذنبهنّ لينهَال هؤلاء السفلةَ عليهنّ بالضرب؟
قبلها بأيّام كذلك حدثَ أنّ مجموعةً من النسَاءِ عدن منْ تأديَة صلاةِ التراويح بالمسجد .. تمرّ عليهنّ سيارة شباب .. فيخرجُ أحدهم يدهُ ويضربُ بقوةٍ مؤخّرة إحدى النساء .. وحينهَا يقولُ له صاحبه في السيارة : المرَة الماضيَة كانتْ أقوى !
يالَ وجعِ البطُون التيْ أنجبتكُم أيّها الأوغاد ..
***
في نهَار رمضَان كذلكَ .. وفي السّاعة السابعَة صباحاً وفيمَا كانَ الطفلُ يلعبُ أمام بيتهِ مرّ عليهِ شابٌ بسيارتهِ .. قالَ له اركَب معيْ سأريكَ لعبَة بلاي ستيشن رَائعة ..
ركَب الطفل بكلّ هدوء .. وانطلقَ الشاب بسيارتهِ باحثاً عن مكانٍ ينفّذ فيهِ فعلتهُ المشينة .. ظلّ يطوف بسيارتهِ باحثاً عن مكانٍ منعزل .. يطُوف ويطوف .. ثمّ أدركَ الطفلُ أنّ ثمّة ما يبيّت له هذا الشّاب النيّة فبدأ في البكاء وضربِ النوافذ للخرُوج .. حتّى مرّ الشابّ بالسيَارة على أحدِ الرجالِ الذين يعرفُون الطفلَ وعائلته فاستغربَ ركوبه مع الشاب فاستوقفهُ وأخرج الطفل من السيارة .. ليحكي الطفلُ لعائلتهِ ما حدث .. ولولا سترُ الله لوقعَ الأسوَأ ..
مغتصبُو الأطفال هؤلاء لا يختلفُ رمضَان لديهم عنْ غيره ..
عبدَة شهواتهم المريضَة وحيوَانيّتهم الآثمة والله إنّ الحيوَانات لأشرف منهم فقد خلقهنّ الله هكذا وحتّى تناسلهنّ يتمّ وفق شريعَة ونظَام
هؤلاءِ يعيشونَ بيننا ويمرّون في الطرقاتِ أمامنا .. فمن يحمينَا وأطفالنا منهم؟
***
ذهبَ رمضَان .. ربّما عنى الكثير لنا ولم يعنِ شيئاً لغيرنا ..
أسألُ الله أن يعيدَ لنا رمضَان ، لكنْ بدونِ هذهِ النماذج .. النماذج التيْ لا تنتميْ لروحانيّة رمضَان ولا قداستهِ ..

19 سبتمبر, 2009

ستّر مذيعاتك يا عبّود !

اليَوم شعرتُ بالسعَادة لأنّ الله استجَاب لدعائي أن يكونَ غداً صيَام ..
لقدْ أصبحتُ ورمضَان أصدقَاء .. ومنَ الصّعب ألا تكونَ مستعداً لودَاع صديقك
أقلّها غداً سأكونَ مستعدةً لأقولَ لرمضَان وداعاً .. اذهبْ بهلالك .. بأموَاتك الذينَ كانُوا أحياءً قبلكَ
اذهبْ بروحَانيّاتك .. اذهب مشتاقينَ لك . معلّقةً أرواحنَا بك .. ربّما نلتقيْ بعد عام .. "رمضَان الحيّ" كما يقولُ أخي ..
**
كالعَادة عاودتنيْ حالة القرف من الكتَابة .. ولكنّي أكتب الآن وأنا أقول سأنهي هذا الموضوع ..
نعَم سأنهيهِ رغماً عنه وعنْ أنفِ اللي خلّفوه .. بما أنّي باشرتُ بكتَابة دستَة تدوينات توقّفت عنها في المنتصف .. السّبب ضربَة مزَاج بعِيد عنكُم .. وحديْ قايلَة لكم من زمَان أنا أكسَل من أنْ أكوَن مدوّنة .. أنا كرتُونة كسَل !
**
حسناً الآن لنبدَأ بقنَاة العربيّة .. صحيح أنني لا أحبّك ولكنني أيضاً لا أكرهكِ
نعَم أنا متعصّبة تقليديّة للجزيرة رغم أنّي توقفتُ عن مشاهدتهَا مؤخراً لأنّها صايرَة "تغثّني" بأخبارها التقليديّة التيْ لم تتطور
بس لا زلتُ أحبّها لأنها صنعتْ طفولتيْ ولأنّ بها إيمان بنّورة ولأنّ بها مذيعَة محجّبة أمُوت في "أنتكتهَا" ..
المهمّ أيتها العربيّة .. أي نعَم أحيي فيكِ برنَامج "رجال حول الرّسول" التيْ تقصيْ عنكِ لقب "العبريّة" الذي لا أحبّه بالمناسبَة
ونعَم أحيي تقاريركِ اليوميّة عن الصحّة في رمضَان فأمّي تحبّها وهذا سببٌ كافٍ لأشاهدها وأتعرّف ع موائد الاخوَة العرب في رمضَان
بس ليْ كلمَة راس مع عبدالرّحمن الراشد .. يعني يا سيدي نحاول نحبّكم بس لازم طلعُوا لنا علّة ..
إخبارياً مالي شغل بقناتك لأنّي مكتفيَة بأخبار العاشرة في الأم بي سي اللي تقاريرهَا ومقدّموها زيّ العسل .. لكنْ مع انقطاعها برمضَان اضطررتُ لمشاهدَة العربيّة التي توافقُ أخبارها المفصّلة فترتي اليوميّة لمشاهدَة التلفزيُون لساعتين منَ السّاعة 9 لـ 11م
الآن مشَان الله يا عبدالرحمن الرّاشد خلاص شبعنَا من الفرجَة على "صدُور" مذيعَاتك برمضَان ..
يا سيدي عاملين لنا حالكُم عايشين جوّ رمضان برجال حول الرّسول وصحّتك برمضَان .. ومش قادرين تخلّوا مذيعاتكم يغطّوا صدورهم .. والله عرفنَا أنهنّ Sexy !
برَامجكم الرمضَانيّة في وادٍ ومذيعاتكُم صاحبَات الصدُور المثيرَة في واد ..
مقدّمة النشرَة الاقتصاديّة شو حشرها تكشف لنا نصفَ صدرها؟ ناهيكَ عن الأخت مال الصحافَة
لا .. لم نطالبهنّ بأن يتركنَ التنانير القصيرَة ولا الأكمام العارية .. حلال عليهنّ .. لكنْ وصلتْ لهذا الحدّ وفي رمضان؟
طيّب يعني إذا صايمين بنهَار رمضَان معناه حلال علينَا أن نتلذّذ بصدورهن العاريَة في ليله؟
فالله يرضَى عليك روحْ ستّر مذيعاتك يا عبدالرحمن يا الرّاشد .. حتّى نشرة أخبار نشاهدها برَاحة وبرفقَة اخواننا الذكُور مش قادرين نطالعها
هربنَا من صدُور السليكون في مسلسلات القنوَاتِ الفضائيّة .. لاحقتنا حتّى صدُور مذيعات الأخبار .. حرام عليكُم والله تلوّعنا .. وين نهرب بعمَارنا؟
ورمضَان كريم يا عبدالرحمَن وعيد مبارك أيضاً .. لكَ ولمذيعاتك صاحبَات الصدُور "المُفَرقِعَة" !
وفيْ الزّمن الصعبِ هذا تصيرُ الصداقاتُ كالخَمرِ
نشربُ أوّل كأسٍ ونهتفُ لا .. لا مسَاسَ
ولكننا لثمَانين كأساً تليهِ من الخمرِ نقسمُ ألا نعُودَ وَ .. ننسَى
آهِ يا زمناً نخلعُ الأصدقَاءَ بهِ مثلمَا يخلعُ اليَومُ أمسَا ..
آهِ منْ زمنٍ كلّما قيلَ "يا صاحبي" قيلَ همسَا
عائشَة
.
.
بحزنٍ كثيرٍ أقولُ /
صبَاح الصدَاقات المؤقّتة

16 سبتمبر, 2009

كمَا قَال فُـوكو عَن العقـل !



http://www.alwatan.com/dailyhtml/culture.html#4


عائشَة السيفيّ
ufuq4ever@yahoo.com


حينَ سألَ أحدُ الأصدِقاء في الفيس بُوك عن الكتبِ التي غيّرت حياتنا؟ كانَ ردّ أحدهم.. تاريخ الجنُون لميشيل فوكو .. لم أكنْ حينها قد قرأتُ لفوكو بعد .. غير أنّ الكتابَ كانَ بين يديّ بعدها بأيّامٍ قلائل.. وحينَ شرعتُ في قراءَة الكتَاب وافقتُ الرأيَ أصدقاءَ الفيس بُوك تماماً !
الأسئلَة التيْ يثيرها فُوكو ثقيلَة جداً .. ما معنَى أنْ تكونَ مصاباً بالجنُون؟ ومن هوَ المسؤول عن إقرارِ ذلكَ؟ وما هوَ تاريخُ الجنون؟ وهل الجنُون نظير للا العقل؟ أو ضدّ العقل؟
أسئلَة من الحَجم الكبير يخصّص فوكُو عشراتِ الصفحاتِ والفصُول لدراستها تاريخياً ، فلسفياً وعلمياً ..
الطريقَة التيْ يبدأ بها فُوكو كتابهُ أقلّ ما يقالُ عنها أنّها صادمَة .. فهوَ يستهلّ دراستهُ العميقة تلكَ للجنُون في أوروبا متتبعاً إيّاه علَى مدَى قرُون.. بالحدِيث عن مرضَى الجذَام في أوروبا حيثُ كانَ يتمّ عزلهم عن المجتمعِ في سَاحاتٍ مسوّرة على ضوَاحي المدن .. بعيداً عن الحياة السكانيّة والاجتماعيّة .. كان المجذوم يعامَل ككائنٍ أكلَ المرضُ روحهُ وعقلهُ أيضاً وليسَ جسدهُ فحسب لكنْ بعدَ قرُون وفي نهاياتِ العصُور الوسطَى كانَ الجذَام قد اختفَى تقريباً .. وخفتت بشدّة حدّة الجذام حتّى أصبحتِ المدَن صحيحة ً تماماً وخالية ً من المجذومين .. حينها احتاجَ المجتمعُ مرة ً أخرى إلى فكرَة العزل .. إيجَاد فئة جديدَة لتُعزل ، إذ لا يمكنُ التسليم بصحّة المدن .. واختفاء فكرَة العزل بشكل أبديّ ، لمْ يكن سكّان المدن الأوروبيّة ليستسلمُوا لعدم وجُود تلك الفئة التيْ كانت يجبُ عزلها ، ولأجلِ ذلكَ وجِدَ المجَانين .. منْ هنا بدأت فكرَة ارتبَاط الجنُون والعزل ويوضّح فوكُو أكثر ذلكَ عن طرِيق أسطُورة أوروبيّة انتشرت في العصُور الوسطى عن سفينَة للمجانين .. وضعَ بها جميعُ أولئك المختلين ليسَ عقلياً فقط بل اجتماعياً .. جمّعوا جميعاً في سفينة ٍ وأرسلُوا إلى الماء .. حيثُ المجهُول تجُوب بهم السّف