الأربعاء، 7 ديسمبر، 2016

ما الذي نعرفهُ عن اقتصَاد المدرسَة؟


 
عائشة السيفي


 


صدرَ قبلَ شهرين ، تقرير التنافسيّة الاقتصاديّة عن المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2016 و 2017 القائم على عدد من المقومات الرئيسية التي تحدد مؤشر التنافسية منها مؤشرات الفساد وقوة الرقابة ، أداء مؤسسات القطاع العام، الأمن القومي ، التعليم العالي ، التدريب الوظيفي ، الصحة إلى آخره .. لكنّ أهمّ من ذلك كلّه هو مؤشر التنافسية في جودة التعليم الابتدائي الذي يعدّ مقوّماً أساسياً لاستشراف مستقبل أي دولة وجديّتها في الاستثمار الحقيقي في الاقتصاد .. الاستثمار الحقيقي الذي يعني التالي: أن نبدأ من التعليم الأساسي!

لم نسمعِ الكثير عن التقرير لأنّ أغلب المؤشرات التي حصدَتها السلطنة غير مطمئنة وبالتالي فقد اعتَاد إعلامنا أن يلملم إخفاقاتنا بالسّكوت عوض طرحها على طاولةِ النّقاش وتحليلها تحليلاً جاداً .. ورغم أننا حصدنا المركز 66 عامّةً في التنافسيَة الاقتصاديّة فإنّ وضعنَا كان أكثر سوءاً إذا ما بدأنا من الأساس: التعليم الابتدائي.

لم يكُن طبعاً من المدهش أن نرى عُمان في المركز الـ78 حاصدةً 3.9 من أصل 6.7 المؤشر الأعلى الذي تصدّرته فنلندا .. الدولة الحلم في التعليم الأساسي. وكان ترتيبهَا السابع عربياً بعد قطر والامارات العربيّة المتحدة ، لبنان والبحرين والسّعوديّة.

حصدت عُمان هذا المركز بعدَ دولٍ مثل كينيا والفلبين واندونيسيَا وجامبيا، الهند وسيرلانكا التي يفصلنا عنها 46 مرتبة! دول يصل متوسطُ دخلِ الفرد فيها إلى 20% من متوسطِ دخل الفردِ العُمانيّ .. دول لا تزال تكافح الأمراض التي تخطيناها منذ زمن مثلَ الكوليرا والملاريا ، دول لا تزال تكافح في توفير الاحتياجاتِ الأساسيّة مثل الكهرباء و ماء الشرب النظيف .. دوَل نستقدمُ منها عاملاتِ منازلنا .. لكنّها على شحّ مواردها حصدَت مراتب متقدمَة في القائمَة. لأنّها تعرف أنّ بالإمكان للمعادلة أن تتغير وأنّ اقتصَاد الغد يقوم على معادلَة بسيطَة للغاية ولكن أساسيَة: اقتصاد المدرسَة.

هنالكَ الكثير من المراجعة التي نحتاجُها اليَوم .. الكثير من المراجعَة الضروريّة إذا كنا نرغبُ في استشراف الغدِ الذي سيحملُ لنا تحديّات جديدة لا يبدُو أنني نعيهَا بعدُ.

الآخرُون يتقدّمون .. الدوَل تعمَل.. جيرَاننا يستثمرُون الموارد النفطيّة اليوم  لغَايات مستدَامة هدفها تسليح الأجيَال في اليَوم الذي تجفّ فيه برك النفط بالتعلِيم والمعرفة الحقيقيّة. الكثيرُ نحتاجُ أن يقالَ اليَوم ولكنّ الأهمّ هو أن نتعلّم بصدق من تجارُب الآخرين. لن نتحدّث اليَوم عن الشأن العمانيّ ففيهِ يطولُ الحديث. ولكنّ استعراض تجاربِ الدول التي تصدّرت قائمة جودَة التعليم الأساسيّ ضروريّة لتصحيح الأخطاء ومعرفَة ما ينقصنَا. يستعرضُ أوسكَار ويليام خرُوت في مقالهِ الذي سأترجمهُ لكم في القادمِ من المقال والذي نشرهُ مؤخراً في Business Insider مقتطفَات من أهمّ ما يلفت في تجارب الدول التسعِ المتقدّمة في التعليم والتي من المدهش ألا نرى في قائمةِ أفضل الأنظمة التعليميّة بريطانيا أو الولاياتِ المتّحدة التي في واقع الحال بدأت مؤخراً في التواصل مع دول أخرى ناجحَة تعليمياً مثل فنلندا لاستجلاب تجاربهم في التعليم وتطبيقها في المدارِس الأمريكيّة.

في اليَابان مثلاً التي تحتلّ المرتبَة التاسعة في التعليم يتاحُ للطالب في المرحلَة المتوسطة أن يقرّر إكمال دراستهِ النظاميّة حتى الثانويّة أو الالتحاق مباشرةً بالجامعة بعد دخولِ سلسلة تقييمات وتحديات لفرزِ نخبَة النخبة والسّماح لهُم بالالتحاقِ بالجامعَة في سنّ الرابعَة عشرَة.

ورغمَ ثراءِ التجربَة اليابانيّة إلا أنّه كان من المدهش أن نرَى هذا العام دولَة أوروبيَة ناميَة جديدة في القائمة هي أستونيا. هذه الدولة الصغيرة التي تستثمر سنوياً 800 مليون يورو في نظامهَا التعليميّ. بدأت هذه الدولة قبل سنوَات قانوناً يلزم بتعليم ما قبل المدرسَة الذي يبدأ من عمر 18 شهراً للطفل حتى عمر السبع سنوَات ويهدفُ البرنامج إلى التركيز على بناء شخصيّة الطفل ومعرفتهِ الانسانيّة في سنٍ مبكرَة تهيئهُ لمرحلَة المدرسة. كمَا تتيحُ الخيار للطالبِ بعد تخرّجه من المرحلَة المتوسطة للالتحاق بمدارس التعليم المهنيّ أو المدارس ذات النظام التعليمي الاعتياديّ.

تصدّرت قطر المركزَ الأوّل عربياً وكانت الدولَة العربيّة الوحيدة التي تحصدُ مركزاً متقدماً ضمنَ الأنظمَة التعليميّة العشر الأفضل على مستوى العَالم. وقد استثمرت هذه الدولَة النفطيّة بقوّة في تعليمهَا ضمنَ تنفيذها لاستراتيجيّة قطر 2030 التي تركّز بشكلٍ رئيسي على إعداد أجيال قطريّة متعلّمة قادرَة على أن تعتمدَ على نفسها دونَ الحاجة للاستثمار النفطيّ ويبدُو أنّها تسيرُ على الطريقِ الصحيح.

وفي المركزِ الخَامسِ تصدّرت هولندَا التي تقدّم نظاماً تعليمياً مبتكراً قائماً على ضمَان سعَادَة طلابِها. إذ اعتبر الأطفال الهولنديُون الأكثر سعَادة عالمياً في 2013 ويعُود ذلك إلى أنّ نظام المدارس الهولنديّة يلزم المعلمين بعدمِ إعطاء واجبات على الإطلاق لطلابِ الابتدائي والقليل فقط في المرحلَة المتوسطَة للطلاب الأكثر ذكاءٍ بين أقرانهم وتبدأ المدارس الهولنديّة في تقديم حزمة واجبات منزليّة مخففة للغاية للطلاب في المرحلَة الثانويّة. كما تنقسمُ المدارسُ الهولنديّة إلى قسمين مدارس لا تقدّم المادّة الدينيّة ضمنَ موادها الدراسيّة وأخرى تطرحها ضمنَ منهجها المدرسي وذلك على اعتبَار أنّ الديانة خيار شخصيّ يخصّ الطفل وأبويه وحريّة معتقداتهم.

أمّا سنغافورة فقد حصدَت المركز الرابع عالمياً وهي من أبرز الدول المتقدّمة في نظامها التعليمي في الرياضيات والإحصاء. تتعاملُ سنغافورة بتنافسيّة عالية لمقارنةِ أداء طلابها مع دول أخرى متقدمَة وتخضعهم لبرامجِ تقييمٍ مستمرّة لمتابعَة أدائهم المدرسي ومقارنتهِ عالمياً. بالإضافة إلى ذلك فإنّ سنغافورة تتعاملُ مع الرياضيّات على اعتبارها أبعد من مجرّد أرقام وحسابات وتحرصُ على تقديم حزمٍ تعليميّة تذهب بالطلاب إلى فلسفَة الأرقام وزرعها زرعاً في نشأتهم المبكرَة. كما تقوم هذه الدولة الصناعيّة بتقديمِ حزمٍ مغريَة للغاية للمعلمين والمنخرطين في السلكِ التعليميّ على اعتبارهِ أحد أهم القطاعات التي تجتذبُ أفضل المواردِ البشريّة.

أما بلجيكَا فتتصدر المركز الثاني عالمياً وهي تؤسس لنظامٍ تعليميّ قائم على الاستثمار المبكّر في المواهب فمن عمرٍ صغيرٍ يمكن للطالب أن يقرّر الانخراط في مدارس تركّز على الفنون ويتابع نشأتهُ التعليميّة فيها أو مدارس الصنَاعات المهنيّة والحرفيّة التي تستقبلُ الأطفال جنباً إلى جنبٍ مع المدارسِ الحكوميّة كما تخصّص الحكومة البلجيكيّة ميزانيّة ضخمة للغايَة للاستثمار في القطاع التعليمي.

والحالُ لا يختلفُ عن سويسرَا التي تتصدّر قائمة أقوى الاقتصادَات العالميّة ولكنّ 5% فقط من طلابها يذهبُون إلى المدارس الخاصّة وينخرط الـ95% الباقون في مدَارس حكوميّة. تقدّم سويسرا خمسَ مناهج لغَات مختلفة لطلابها وتفرزهم بعدَ المرحلَة المتوسطَة بناءً على قدراتهم واتجاهاتها إلى صفوف ومدارس مختلفَة.

ويختتم ويليام خروت مقالهُ بفنلندا التي لم يكُن من الغريبِ أن تتصدّر المركزَ الأول بشكل متكرّر فالدولة الاسكندنافيّة لا تؤمن بنظام تقسيم الفصول الدراسيّة مما حقق أقلّ فرق عالمياً بين أضعف طالبٍ في الفصلِ الفنلندي والأكثر تفوقاً. وبالكَاد تفرضُ فنلندا أيّ واجبات منزليّة على طلاّبها كما لا تفرضُ عليهم أي امتحاناتٍ حتّى سنّ السادسَة عشرة.
هنالكَ الكثير حتماً مما يقالُ حين نغُوصُ في تجربَة كلّ دولة. كلّ دولة من هذهِ الدولة تمتلك تبايناً هائلاً جغرافياً ولغوياً واقتصادياً وانسانيّا ولكنّ ما يجمعها هوَ إدراكها بأنّ الانسانَ يأتي أوّلاً وأنّ كلّ موارد الطاقة والطبيعَة زائلة وما يبقَى في النهَاية هوَ الاستثمار في العقلِ البشريّ القادر على خلقِ المعجزات إذا استثمرنا فيه بشكلٍ صحيح. وحتماً لم تكن تجربتها قائمة على وزارة واحدَة أو مؤسسة تعليميّة ولكنّها حصَاد ليالٍ طويلَة من العمَل المضنِي بين مؤسسات التعليم والتخطيط والمجتمَع ومواردهِ البشريّة ولابدّ أنّها أدركَت أنّ اقتصادَات العالم تصعدُ وتهبط، تنجحُ وتفشل ولكنّ الحل الوحيد لحمَاية شعبها هو توفير تعليم قويّ لهم يسلحهُم بالمعرفَة ويهيئهم لرياحِ التقلبات الاقتصاديّة العاتية.

الاثنين، 15 أغسطس، 2016

متضامنُون!

http://ayshaalsaifi.blogspot.com/2016/08/blog-post.html


قبلَ أيّامٍ أغلقتِ الحكُومة جريدَة الزّمن بل وَمنعت تداولها الالكترونيّ حتى بينَ المواطنين بعدهَا قضَى النّاسُ أيّامهم مؤخراً في المناظرَات بشأنِ وطنيّة مظاهِر التاجرِ من عدمِها وأجندتهِ الخارجيّة أو الشخصيّة وهوَ الذي عادَ مؤخراً مع قضيّة الزّمن مساهماً في تشويش أهدافِ القضيّة وإفقادها جديّتها قبل أن يُخترقَ حسابهُ على تويتر قبلَ أيّام وعليهِ فإنّ من الحكمَة التساؤلَ عنِ الظرُوف التي هيأت لظهُور مظاهِر ورواجِ صيتهِ وما الذي جعلَ النّاسَ من اليأسِ والإحباطِ والتشكيك للجوءِ إلى مظاهِر والنظرِ إليهِ كبطلٍ يلوذونَ إليهِ ويستمعُون له؟

الذي نتفقُ عليهِ أكثر مما مضى أنهُ ما لم تعمَل الحكُومة على ترسيخِ مبدأ العدلِ والمواساةِ وزرعهِ زرعاً داخلِ إيمان الفردِ ووعيهِ فسيظهرُ ألف حسابٍ يتاجرُ بهمُوم الشعبِ وألفُ منبرٍ .. ولن يُجدِي منعُ هذه الصحيفَة وتلك ما لم تقتلعِ الأسبابُ الرئيسَة من جذورها.

لقد قلتُها سابقاً وأعيدُ بأنّ ... الصحافَة المشاغبَة وغير المحايدَة هيَ مظهَر صحيّ في عالمِ الصحافَة راقنا أم لم يرقنَا .. والنظُم الشفافَة غير القلقة من ثغرَاتها تتعاملُ معها بالردّ المهني القائم على الأدلّة والتفنيد ، تحريك الدعاوَى ، أو حتّى التجاهل حتماً لا على الاعتقال .. إنّ الأمر يزيدُ الصُورة قتامةً أكثر مما هي عليهِ ويوصلُ رسالةً للعامّةِ بأنّ هنالكَ "إنّ" في الأمر حتّى لو كانَ الأمرُ مجرّد فقاعةٍ في الهواء ويتركُ المساحَة مفتوحةً للمتصيدينِ في الماءِ العكرِ من القفزِ مجدداً في المشهَد (مظاهِر التاجر نموذجاً) ..

لقد أكِلنَا يومَ أكِلَ الثّور الأبيضُ عندمَا لاكتِ الألسنِ وحامَت النمائمُ على أسماءٍ بعينها على رأسِ أكثرِ المؤسساتِ حساسيّة في البلاد ولكنّها استمرّت تمارسُ مهامَها وحذّرنا قبلها أنّ استمرارها يهزّ هيبةَ هذه المؤسساتِ أمام المواطِن ويكسرُ ميثاق الثقة الذي لا نملكُ إلاّها في مواجَهةِ ريَاح الفتنِ الذي تحيطُ بنا من كلّ صوب .. هذهِ المؤسساتُ التي يرى فيها المواطنُ العُماني كينونتهُ ووجودهُ على هذه الأرض .. المؤسسات التي يرَاها جداراً لهُ وحصناً حصيناً ينبغي أن تُحمى بإزالةِ كلّ اسمٍ تلوكه الألسن سواءً كانَ متورطاً أو بريئاً بل وفي دُوَل المؤسساتِ تعمدُ هذه الأسماء إلى تقديمِ استقالَتها مقدمّة مصلحَة المؤسسة واستمراريّة هيبتها على مصالحها الشخصيّة وباعثةً برسالةٍ مهمّة هيَ أنّ المؤسسة أكبَر من الاسم .. المؤسسة تبقَى والأسماءُ تزول ... وما ينبغي الحفاظُ عليهِ ليسَ اسماً على كرسيٍ ولكن ما ينبغي أن يضحَى بالغالي والثّمين من أجلهِ هوَ احترام المواطن وثقتهُ العمياء التي لا تشوبُها شائبة بأنّ هذهِ المؤسسة هي مستقبلهُ وحاميهِ وملاذهُ ووجُوده وعضُده وكلّ ما تمثّله معاني الوطنيّة له .. لكنْ هل رأى المواطنَ العُماني هذا يحدث على الوَاقع؟

هُنالكَ ممن لا يزَالُ يملكُ قليلاً من الإيمان في حالةِ الحَيرةِ هذهِ بأنّ قراراتٍ لابدّ أن تتخذَ بإزالةِ الأطرافِ الأقوى في القضيّة وأنها تحظَى بمتابعةٍ عن كثب ولكنّ ذلك لن يحدثَ فوراً حتّى لا تُبعثَ رسالة ٌ بأنّ الصحيفَة كانت على حقٍ بطريقةِ إثارتها للموضوعِ وتقديمها له وذلكَ يقودُ لسؤالينِ مهمّين: أوّلهما هوَ ما المشكلَة في أن تشعِر السّلطةُ شعبَها أنّ له يداً في التغيير وإعادة ترتيبِ القوَى؟ ما المشكلَة أن يشعرَ الشّعب أنهُ ذراعٌ يمينٌ للسلطَة إذا نزلَ بكاملِ ثقلهِ في هذهِ القضيّة التي لم تعُد قضيّة الزّمن ومؤسسةِ القضاءِ والإدعاءِ العامّ ولكنّها أصبحت قضيّة رأي عام؟ ما المشكلَة في أن يرَى الشّعب تغييراً صارماً يراهُ رأي العَين في أشدّ حالاتِ الحيرَة التي عشنَاها اليَوم منذ سنوَات؟

ثانِيها: أنّ الأمرَ أبعدُ من تغيير اسمَين أو ثلاثة أو عشرَة فنحنُ اليَوم نعيشُ أزمَة الدّولة العَميقة التي تحتاجُ إلى هزّة حقيقيّة من الحكُومة ترمِي إلى تغييراتٍ جذريّة جوهريّة داخلَ جسَد المؤسسة وإعمَال حقيقيّ للقوانينِ وأهدَاف ورؤيَة دولَة المؤسساتِ التي طمحَ لها المؤسسونَ على رأسِهم صاحِب الجلالَة؟

في اليَوم الذي أغلقت فيهِ جريدَة الزّمن - وهوَ يومٌ حزينٌ في تاريخِ أيّ دولَة ذلكَ الذي تغلقٌ فيهِ صحيفةٌ بسببِ تغطيَة صحفيّة - بكَت صاحِبتي وهي تندُب المشقّة والسّنواتِ التي قضَاها صاحبُ الجلالة ووطنيّون آخرُون في بناءِ هذه الدّولة التي تنسفهَا اليَوم سنوَاتٌ أخيرةٌ تخلخلَ جسدُ مؤسساتهَا وترهّل –بشهَادةِ أهلهَا- بشكلٍ مخيفٍ وسَريع حتّى لم يعُد الأمرُ اليَوم منوطاً بتغيير اسمٍ هنا أو هناكَ ما دامت الممارسَاتُ هي ذاتُها والقوانين غير فاعلَة التطبيق.

يشعرُ المرء أنّه لكثرَة ما نالَ جسدَ هذا الشّعبِ من طعنَات فإنّه لم يعُد يكترثُ للمزيدِ منهَا .. عندمَا تغلقُ قضيّة رأيٍ عامٍ أثارتهَا صحيفة ٌ بتغطيةٍ صحفيّة –اختلفنَا معهَا أو اتفقنا- بإغلاقِ الصحيفَة نفسها واعتقالِ صحفييهَا ثمّ تقديمهم للمحاكمَة في أقلّ من أسبُوع دونَ أن يلمحَ المواطِن أيّة ردّة فعلٍ ولو تطمينيّة حيال أطرافِ القضيّة (الأقويَاء منهم وذوي النفُوذ) فإنّ هذا الأمر ليسَ إلا طعنَة في وجُود وكيَان المواطِن ..

وحسبُنا وسطَ ما حدَث من خذلانٍ هيَ ردّة الفعلِ الواعيَة التي قوبلَ بها بيانُ "المصدر المسؤولِ" من قبلِ شرائحِ المجتمعِ على اختلافهَا وردُود الأفعَال المستنكِرة التي لم تعدِ الخطَاباتُ الرنّانةُ تنطلي على وعيِها.

وكالذي يقطعُ أوصالهُ وريداً وريداً .. تبدُو السلطة الأمنيّة وهي تستدعِي اخوَةً لنا ولهم لا يقلّون عن أجهزةِ الأمنِ قلقاً على أمنِ البلادِ واستقرارهِ وإن اختلفتِ الأدوَات ..

الاعتقالاتُ لا تأتي إلا بمزيدٍ من الخَوف والحنقِ والإحبَاط .. شعبٌ محبطٌٌ لا يعوّلُ عليه .. شعبٌ يشعرُ بالخذلانِ وغيابِ القدوَات الحسنَة والشّخصيات المؤثرة على رأسِ حكُومتهِ لا يمكِن أن يكونَ شعباً منتجاً وخلاّقاً .. شعباً يذهب إلى آخر الدّنيا مدافعاً عن وطنهِ أمام العالم .. الممارساتُ التي تحدثُ اليَوم .. لن تصنعَ من هذا الشّعب ، شعباً متفجراً بالإيمانِ بوعيِ حكومتهِ وقلقهَا عليه، على أمنهِ وعلى مستقبلِ أطفالهِ .. لن تجعَلَ منهُ العَين والأذن واليَد التي تبطِش بالفسادِ ، تكرههُ تنبذهُ .. تحتقرُ فاعليه بل ترسّخ منطقَ: "حلالٌ على كبرائِنا ، إذن حلالٌ علينا"

اليَوم ، يمثلُ صحفيّو الزّمن الثلاثَة أمام المحكمَة .. وهي لعمرِي أسرَع محَاكمة نشهَدها .. وأمامَ ذلكَ لا نملكُ اليَوم إلا أن نستجِيرُ بما تبقّى من الإيمانِ في قلوبنَا بأن يحدثَ تغييرٌ آخر في المشهدِ غيرَ المحاكمَات وسلسلةِ الاحتجازَات .. نستجِير بوعيِ المسؤولينِ وحكمَتهِم وإيمَانهِم بأنّ على قدرِ ما يزرعُون اليَوم ، يحصُدونَ غداً .. وأنّ هنالكَ الكثير من الأخطاء التي حدَثت وأنّ "الجانبَ المملوء من الكأسِ" في هذه القضيّة أن ندركَ أنّ تصحيحَ هذهِ الأخطَاءِ تصحيحاً يطالُ الجَميع وإن متأخراً خيرٌ من تركهَا.. وأنّ في هذهِ البلادِ الخير ولابدّ من استثمارِه .. وأنّها عُمان أطفالنَا وغدنَا ومستقبلنَا .. وعُمان وعُمان وعُمان..

إلى مجلِسِ الدّولة والشّورى: باسمِ ميثاقِ الشّرفِ الذي تمثّلون بهِ شرائَح هذا الشّعبِ وكلّ صوتٍ حملكُم إلى كراسيّكم ، هذهِ القضيّة هي قضيّتكم وعليهِ فأنتُم مطالبُون بأن تكُونوا طرفاً أميناً وناصحاً فيها وأن تكُونوا محركاً لإعدادِ استراتيجيّة عمَل وطنيّ تضمن تفعيلِ تطبيق القوانينِ والأنظمَة ومبادئ  النّزاهة وتعارض المصلحَة داخل مؤسساتِ الدّولة..

إلى كلّ مسؤولٍ حكوميٍ " قلقُنـَا هوَ قلقهُ" :
ولابدّ من شكوَى إلى ذي مروءةٍ
يواسِيكَ أو يُسلِيكَ أو يتوجّعُ


إلى هذَا الشّعب العُمانيّ:
يا ربّنا ..
احفَظ لنَا جلالَة السّلطَان ..
والشَّعب .....
والشَّعب ..........
والشّعب ...............

الأربعاء، 22 يونيو، 2016

سفينَة الحكُومة أم سفينَة المواطن؟

http://ayshaalsaifi.blogspot.com/2016/06/blog-post_22.html
 

عائشَة السيفيّ

منَ الطبيعيّ جداً أن تجدَ محاولاتُ الحكومَة الأخيرة مقاومةً من الشعبِ في التحوّل من دولَة اقتصادٍ ريعيّ تقدّم خدماتهَا مجاناً إلى دولَة يدفعُ فيها المواطنُ مقابل الخدماتِ الأساسيّة التيْ تقدَّمُ له .. أقولُ ذلك رغمَ أنّ الحكومَة لم تبدأ بعدُ ذلك ولكنّها بدأت العملَ بـ"استراتيجيّة التواصل الاجتماعيّ" التيْ أشرتُ إليها سابقاً في مقالي عن الشَاورما النفطيّة .. الاستراتيجيّة التي حثّ صندوق النقدِ الدولي الحكومَة على اتباعهَا نحو مشاركَة أكثر شفافيّة للشعبِ في وضعِ البلد واقتصادهِ وضرورةِ تهيئة الشعبِ لتغيّرات قادمَة لن تروقهُ في ظلّ الدخول إلى عهدِ ما بعد النفط ..

من الطبيعيّ أن يحدثَ ذلك لسببين: أوّلهما أزمَة الثقة التي كرّستها أحداث كثيرة سابقة قبل الدخول في هذه الأزمة .. أزمة الثقة التي حذّرتُ في 2014 و2013 في مقالاتٍ عدّة من نتائجها .. إنّ الشعبَ اليوم ينظر إلى أيّ محاولة من الحكومة لوضعهِ في المشهدِ التقشفيّ هو حالَة تآمر عليه .. إنّهُ لا يقرأ في الورقَة التي توضّح التكلفة التي تغطيها الحكومة لعلاج المريض محاولةً لوضعهِ في الصورة ورفعِ وعيهِ باستخدام المرافق العلاجيّة "حين اقتضاء الحاجة" ولكنّه يقرأ فيها مؤامرة من مسؤولي الحكومَة ضدّه ومحاولَة لإفقاره.. وهوَ لا يأخذ أيّ خطواتٍ من الحكومَة لزيادة الشفافيّة في الإنفاق العامّ على محملٍ حسنٍ بل بنيّة تفترضُ أنّ الحكومة تخبّئ لهُ الأسوأ ..

ومردّ ذلك إلى سنوَاتٍ من البحبوحة الحكوميّة "النزقَة" التي رأى فيها المواطنُ اتّساع هوّة الدخل بينهُ وبين أثرياء البلد .. رأى بحبوحة الامتيازات التي تمنحُ للمسؤولين الحكوميين الذين يديرُون خارطَة الحكومة .. بدءاً من الامتيازات العينية كالبشوت والمصارّ والساعات الثمينة مروراً بالرواتب العاليَة والسفرَات المجانيّة وعلاوَات السفر اليوميّة "الخياليّة حد الضحك" .. والخدم والحشم ، والسوّاق والمزارعِين ..

ورأى قضايَا هزّت البلد مسّت شخصيّات رفيعة في الحكومة (هل تذكرُون قضيّة مظاهر التاجر؟) التي لم ير فيها المواطنُ الدولَةَ تتخذ أيّ اجراءاتٍ تجاه هذه الشخصيّات بل استمرّت بيننا اليوم تمارس مهامّها وتنالً التكريمَات أيضاً ..

لقد رأى وزارةً كوزارة الإسكان تتصرّف كيفما شاءت في أراضي البلد .. دزّينة فضائح وتسريبات تخرج بشكلٍ سنويّ دونَ أن تهزّ شعرةً من وزيرها..  ملكيّات عامّة تتحول إلى خاصّة ومسؤولين حكوميين رفيعين يبسطًون أياديهم على مساحاتٍ شاسعَة من البلد لاستخداماتهم التجاريّة والصناعيّة والسكنيّة ..

لقد رأى قطَاعاتٍ تخصخص إلى شركاتٍ حكوميّة ولكنّ ذلك لم يوقف محسوبيّات التوظيف فيها ولم يمنع قضايا الفساد من أن تطالها .. رأى موظفين حكوميين ينتقلُون بعقليّاتهم المتحجرة إلى هذه الشّركات لينالُوا حسنيي القطاعين الحكوميّ والخاصّ .. شركَات حكوميّة تقدم رواتب خياليّة لا تتناسب مع وضعِ البلد لموظفيها وامتيازات لعائلاتهم من التأمين الصحيّ وتغطيَة مصاريف دراسة أبنائهم الخاصّة وغيرها دونَ أن يلمس المواطن تحسناً طردياً في خدماتِ هذه القطاعات ..

المواطِنُ الذي رأي مشاريعَ خدميّة يبالغُ في الصّرفِ عليها بينما لا تقدّم أيّ قيمة مضافَة لاقتصادِ البلد فمثلاً ما هذه المبالغة في تشييد مجمّع محاكِم يخالهُ الناظرُ قصراً من قصُور السلاطِين لا مبنى حكومياً يلتجئ الناسُ إليهِ لقضاءِ حوائجهم ومرافعاتهم؟ أهذا ما يُراد لبلدٍ غير قادرٍ على صرفِ ترقياتٍ مستحقة لمواطنيه فيما يضخّ المال على المباني والحجر عوضاً عن البشر؟

 لقد رأى المواطنُ حكومةً تشبههُ تماماً .. إنّها تشبهُ الانسانَ الذي "يبحبح" الانفاقَ إذا نزلَ راتبهُ .. حتّى إذا جاء آخر الشهرِ وجدَ نفسهُ مفلساً .. فلماذا عليهِ أن يكترثَ ويتحمّل المسؤوليَة مع حكومةٍ هذا ديدَنُها ..

نعم .. لقد ضخّت الحكومةُ أموالها في زمنِ الـ 120 دولار للبرميل في مشاريعَ حيويّة وذات مردود اقتصاديّ عالٍ لكنّها في الوقتِ نفسهِ أسرفت الإنفاق غير المبررِ وفي ضخّ الكثير من الأموالِ على فئة منتفعَة من المجتمعَ دونَ غيرها..

كلّ ذلك ساهمَ في زعزعة ثقة الشّعب بأمانةِ مسؤوليهِ في التعاطي مع الأزمَة .. هذه هي أزمَة الثقة التي حذّرنا منها قبل عامين وها هيَ اليوم تعودُ وبالاً على محاولاتِ الحكومة الجادّة في مواجهةِ الأزمة ..

بلْ إنّ حالة التردد الحكوميّة في قرارتها تعكسُ عدم قدرَة الحكومَة على إدارة "ردود الأفعال" فمثلاً ستقررُ الحكومَة اليوم طرح ورقَة لتكاليف العلاج لتعودَ لسحبها بعدَ يومين .. تصدرُ وزارة الإسكان جدولاً بتسعيرة قيمة الأراضي ثمّ توقفهُ لاحقاً بعد ردود الأفعال الغاضبَة .. حالة الإرباك هذهِ تزيدُ القلق الشعبي وتقللُ من احترامهِ وثقتهِ بأنّ المسؤولين يعرفُون ما يفعلون!!

السؤالُ الآن: هل منَ المفيد أنْ تطلعَ الحكومَة المواطنَ على مساهمَتها في تقديم الخدمات له؟

أقولُ نعم ، إنّ من المهمّ أن يعرفَ المواطنُ أنّ فاتورَة الكهرباء الشهريّة التي تصلهُ هي ليستْ مصاريفه الواقعيّة وأنّ الحكومَة ساهمَت بنسبَة 70% من سدادِ فاتورتهِ .. فكرَة المساهمة هذه تجعلُ المواطنَ أكثر وعياً في استخدامهِ اليوميّ في بيتهِ وأكثر ترشيداً لاستهلاكهِ المنزليّ .. إذ أنّ القاعدَة هي أنّ تقدير النّعم ضروريٌ لدوامهَا وأن خطواتٍ كهذهِ اتّخذتها الحكومة ليست سيئة بالضرورَة وليسَ هدفها التآمر على الشّعب ولكن لأنّ تراكُم سنوَات طويلة من الأداء الحكوميّ غير المسؤول جعلَت ردّة الفعل الشعبيّة عنيفَة تجاه هذه التهيئة الانتقاليّة مستبقاً الأحداث إلى أنّ وراء أكمّة الحكومة ما وراءها..

هذا الأمرُ أدّى بالمواطنينَ أيضاً إلى الغليان على أيّ أصواتٍ شعبيّة تخرجُ منهم لتطالبَ بأنْ يتحمّل الجميع تبعاتِ الأزمة كما حدثَ مع محمّد الحارثيّ الذي تعرّض "لسحلٍ شعبيٍ" بعدَ مطالبتهِ بتخفيض الرواتب أو لنقل إعادتها كما كانت إبان 2011.

ما قالهُ الحارثيّ ليسَ خطأ بالمجملِ بل إنّ لهُ ما يبررهُ في ظلّ تدهور قادم للأزمة وإنهاك أكبر للميزانيّة .. مشاريع ضرورية للعمود الفقري الاقتصاديّ للبلد تتوقف .. شركات كبرى مهددة بالإفلاس في ظلّ عجز حكوميٍ عن سداد مستحقاتها في مشاريع نفّذتها تلك الشركات .. واستمرار في ارتفاع الدين العامّ .. كلّ ذلك يضعنا أمام خيارين: تخفيض الرواتب الحكوميّة أو الوصول لحالة تعجز فيها البلد فجأةً عن صرف الرواتب .. هل هذا سيناريُو مستبعد؟ لا.. ولكنّه لن يحدثَ ما لم تسبقهُ إجراءات حكوميّة صارمة في نزع الامتيازات عن مؤسساتٍ خاصّة وترشيد حقيقيّ وشفافيّة هائلة مع المواطِن في جديّة الحكومَة في إدارة الأزمة ..

***

يُرادُ لهذهِ البلد أن تعبرَ الأزمَة بسَلام .. نريدُ لها ذلك شعباً وشعباً (لا شعباً ومسؤولين فنحنُ كلنا شعبٌ واحد) .. لكنّ ذلك لن يحدثَ إذا لم يكن بتفهّم شعبيٍ .. ووعيٍ وطنيٍ .. الكثير من الأخطاء حدثت .. الكثير من القضايا والتصرفات الفاشلة .. ولو أردنا الحديثَ عنها لقضينا عاماً ويزيدُ في الحديث عنها .. لكن أن تُرتَكب الأخطاء هذا وارد .. ولكن خيرٌ من الاستمرار فيها: تدَاركها ولو متأخرين ..

للحكومةِ أقولُ: أنّه عوضَ هذا الارتجَال في قراراتكم فإنّه ينبغي أن تغوصوا في عمق المشهدِ .. إعادة هيكلة شاملة للنظام .. ليسَ الحلّ منح الجميع الامتيازات على قدمٍ واحدة .. ثمّ نزعها عنهم جميعاً ..

أنتم تدفعُون 70% من فاتورة الكهرباء للمواطنِ الذي دخلهُ 350 ريالاً وتدفعونَ 70% من الكهرباء لمواطنٍ دخلهُ 5آلاف ريال في الشّهر

أنتُم تدفعُون 70% من الكهرباء للمواطنِ والمقيم .. العُماني والأجنبيّ على السواء ..

أنتم تضعون تسعيرة الوقود لسائق الباص المهترئ الذي يعيلُ عائلة من 10 أفراد وتضعُون نفس التسعيرة لسائق الفيراري والرانج روفر الذي يمتلكُ رصيداً بنكياً بخمسة أصفار ..

المواطنُ المستحقّ لمساعدَة الشؤون الاجتماعيّة يدفعُ نفس المبلغ لاستخراجِ بطاقة العلاج الذي يدفعهُ مليُونير في مركزٍ صحيّ..

ابدؤوا في بناء نظام دخل شامل للمواطن ووضع هرميّة في الحصول على الخدمَات .. ابدؤوا في هيكلةِ حقيقيّة تسطّح قمة هرم الدخل الذي تحتلهُ فئة صغيرة من المجتمع وتحمِيلهم مزيداً من الأعباء الماديّة تجاه ما يملكون .. إنّهم يتقاسمُون ذات الامتيازات التي يمتلكها الجميع وهذا ليسَ عدلاً .. نحنُ اليوم بحاجة إلى هرميّة الخدمات فكلّما ارتفع الدخلُ ، قلّت المساهمة الحكوميّة في دعمِ المواطن وكلّما كان دخلهُ أقل كانَ أولى من غيرهِ بالدعمِ الحكوميّ ومجانيّة الخدمات..

على الحكومَة أن تعملَ على العملِ وفق الأبجديّات الأساسيّة لبناء دولَ عادلة ومسؤولَة .. عوضَ أن تتصرّف مع الشعب بهذا الارتجال في القراراتِ .. وعليهِم أن يطلعُوا المواطن أكثر على الامتيازات المسحوبة من الفئات العليا فقرارُ سحبِ المكافآت السنويّة للمسؤولين قوبلَ بترحيبٍ شعبيٍ واسع ولذا فإنّ شفافيّة هذه الإجراءات التي تطالُ المسؤولين وكبارهم تخفف الاحتقان الشعبيّ بأنّ الفئة المستهدفة من التقشف هي الفئة الشعبيّة فحسب..


وللشعبِ أقول: أننا قادمُون على تغيّرات هي قادمة لا محالة وهي تغيّرات ليست سيئة بالضرورة فدول العالم التي نشيرُ إليها بأصابعنا دائماً على اعتبار أنّها في أعلى هرم التحضّر الاقتصاديّ والانسانيّ هي دولٌ يتشارك فيها المواطن حكومتهُ المسؤوليّة تجاهَ ما يُقدّم إليه من خدمات وهو يفعلُ ذلك مدركاً أنّ ذلك ضرورَة لا اعتباط ..

للجميعِ أقولُ أننا جميعاً على سفينةٍ واحدة فلنعبر بها إلى الشطّ بأقلّ الخسائر ..

الجمعة، 13 مايو، 2016

دُمى البلاستِيك ..



عندمَا كنّا أطفالاً وسمعنَا قصصَ الدّجل والشعوذَة ، تخيّلنا أصحابهَا بأشكالٍ مخيفَة .. أنوفٌ معقوفة ، شعرٌ منكوشٌ رماديّ .. عصَا تتحوّل إلى مكنسةٍ طائرَة .. شامَة قبيحة تعلُو أنوف الدّجالات .. وحينَ كبرنا اكتشفنَا أنّ الدّجل يأتي على شكلِ هؤلاء النّساء المقلّمات من أطراف شعرهنّ حتى أصابع القدمَين..

الدّجل اليوم يأتي على صفَاتٍ كالتي في الصّور .. النساءُ البلاستيك اللواتيْ أصبحنَ يروّجن لحلاقة الوجه بالموس كما يفعل الرّجال بلحاهم .. في هذا الزّمن الأهبل أصبحتْ هذهِ موضَة ..
الدّجل في تقنيّات الكونتور التي لم تقف عند الوجه بل أخمص القدمين .. الأرجل تُنحت بالمكياج ، والصّدور تنفخ بالكونتور .. كلّ شيء بالإمكان تزييفه.. حتّى حملنا المسطرَة لا من أجلِ استخدامهَا في الرّسم الهندسيّ بل لمساواة الكونتور.. والأشرطة اللاصقة التي استخدمتِ الآنَ لتضبيط خطّ الكحل للعينَين

لنصبحَ جميلاتٍ أقنعتنا الدّجالات بحشرِ شفاهنا في عنقِ زحاجة ونفخهَا حتّى تتورّم .. البراطِم المتورّمة الآن أصبحت صرعَة ..
المشدّات العجيبة التيْ صممت لتكبير المؤخرَة بشكلٍ مقرف ومسفّ سوّقت على أنّها مثيرة و"سكسي"

البوارِيك العجيبَة ولون الشّعر الرّمادي الذيْ كانتْ جدّاتنا يخفينهِ بالحنّاء سوّق على أنّه صرعَة .. وهكذا دوالَيك انطلَت على الفتيَات حمَلات الدّجل هذهِ..

حسناً يا عزيزتي.. دعيني أقول لك انك أكثر من كونتور.. أنت أكبر من شفاه متورّمة ومؤخرة مزمومة ..

إذا كنتِ تعتقدين أن هذا سيحببكِ إلى زوجك أكثر فأنت مخطئة أو أن هذا سيجلبُ لك حبيباً أو عريساً تتقاسمين معه حياتكِ فأنت أيضاً مخطئة ..

الرّجل يحبّ عقلكِ الجميل وقلبك .. الرّجلُ يحبّك بماكياجٍ كاملٍ أو دونه .. ربّما يروقهُ ذلك وهوَ ينظرُ إليك خلفَ الشاشة أو يتعرّف إليك في البدء لكنّه لن يحبّك كوجهٍ جميل ما لم يُلامسهُ داخلكِ ويشغفَ قلبَه ..

من الجيّد أن يكتمل جمالُ الداخلِ مع جمال الخَارج لكنّ جمالَ الخارج لا يُمكن .. لا يمكِنُ أن يعوّض جمال الداخلِ إذا فقِد ..

الرّجلُ إذا أحبّك فسيحبّك وأنت شابة وجميلة أو وأنت تستقبلينَ تجاعيدكِ في سير الحياة الطبيعيّة

إنّه يحبّك في أضعف حالاتِك .. في اللحظة التي يخرجُ فيها طفلهُ منك .. اللحظة التي تكونين فيها بشعرٍ منكوش .. بعينينِ ذابلتين .. بوجهٍ شاحب .. بلا كونتور أو اكستنشن أو أظافر مقلّمة .. كلّ ذلك لن ينقص من حبّه لك ..

إنّه لن يتوقّف عن حبّك وأنت تستيقظين صباحاً بوجهٍ متورّم .. لن يتوقّف عن حبّك وأنت تغادرينَ المطبخَ برائحةٍ لا تحبّينها أو تدخلينَ البيت متعرّقةً بعد ساعةٍ في النادي الرياضيّ

الجمالُ الخارجيّ مهمّ ليكملَ جمالكِ الداخليّ ولكنّه إذا ما أصبح همّك انشغلتِ به عن جمالِ روحك وعقلكِ فالاتّزان هو سنّة الخلق وَإذا ما طغى جانبٌ على آخر فقدتِ توازُنك ..

بالنّسبةِ لهذهِ المشعوِذات وتاجِراتِ الوَهم أنتِ لست أكثر من رقمٍ يرفع أرصدتهنّ لدى تجّار الإعلانَات والمنتجَات وأنتِ لستِ سوى دُولار يملأنَ به جيوبهنّ ببيعكِ منتجاتِهنّ وخطوط مكياجهنّ وموضتهنّ .. لقد تكاثَرن حتّى تشابهنَ علينا وما عُدنا نفرّق .. 

أنتِ موهومةٌ حقاً إنِ اعتقدتِ أنّ الجمَال يأتي بمعاييرَ قياسيّة .. لقد أحببنا جوليَا روبرتس باعوِجاجِ سنِّها الأماميّة..

ديمي مور بشفافِها الدقيقَة وعيونهَا الضيّقة ، ليبوبيتا نيونجو بسوَادها الفاحِم وصلعَتها اللامِعة ..

بثينَة الرّئيسي بشامتهَا التي تحتلّ جزءاً كبيراً من عنقها

وأنتِ موهومةٌ إن اعتقدت أنّ من الصوَاب أن تكوني نسخةً منهنّ لأنّ هذَا العالمُ الافتراضيّ هو مصدرُ دخلهنّ .. إنّ عليهنّ أن يتنافسنَ على تصديرِ الجمال الخارجيّ فهو مصدرُ عيشهنّ .. عليهنّ أن يبدونَ هكذا: جَميلات، مقلّمات، منتعشَات ليحصلنَ على متابعاتٍ أكثر .. وسيواصلنَ ذلكَ ما دمنَ يجدنَ جمهوراً عريضاً يعتقدُ أنّ البراطمَ الكبيرة، الرّموش الكبيرَة، المؤخرَات والصّدور الكبيرة هوَ جوهرُ الجمال.. هذهِ هي تجارَة الوهمِ والتّسطيح التيْ حوّلتنا إلى دُمى منَ البلاستِيك..

الجمعة، 6 مايو، 2016

فيْ ذكرَى الإسراء والمعرَاج .. ثورَة المفاهيم والمعطيَات

فيْ ذكرَى الإسراء والمعرَاج نحنُ بحاجَة ماسّة إلى قراءَة قصّة هذه المعجزَة الإلهيّة بطريقة مختلفَة عن تلكَ التي سوّقت لنا في المناهجِ الدراسيّة وخطبِ المنابرِ والوّعاظ ..
وعوضَ مرورهَا كإجازَة حكوميّة نقضيهَا في التسوّق والرّحلات فإننا بحاجَة إلى تسويقِها وترسيخها في وعي أطفالنَا إلى ما هوَ أبعَد من قشُور نختلفُ حولها على شكلِ دابّة البراق أو سرعتهَا بالكيلومترات في السّاعة أو تلكَ التفاصيل التيْ تسلبُ القصّة جوهرهَا وعمقهَا الانسانيّ والدلاليّ ..

نحنُ بحاجَة إلى قراءَة معطيَات المرحلَة التيْ كانتْ تؤسس إلى ثورَة اجتماعيّة وانسانيّة كبرى ستغيّر مسار التّاريخ منطلقةً من واحدَة من أكبر المناطقِ الجغرافيّة صعوبَة والتجمّعات السكانيّة والقبليّة الأكثر تعقيداً والتيْ -بهذهِ المعجزة الإلهيّة- ستحدِثُ هزّة حقيقيّة في حياةِ الرّجل الذيْ سيناطُ إليه لاحقاً أصعب مهمّة هي قيادَة هذهِ الثورة منْ تلك البقعة من الأرض إلى العالم أجمع حتّى قيام السّاعة والذيْ سيقود بعد حدوث هذهِ المعجزة بعامٍ انقلاباً سياسياً وسيسيولوجياً محكماً اسمهُ الهجرَة النبويّة ..

واحدَة من أبرز المعطيَات التي ينبغي تسليطُ الضوء عليها هي أنّ  رحلَة الإسراء والمعراج هذهِ كانتْ ضروريّة للغاية لإحداث هزّة إيمانيّة قويّة وجرعَة تحفيزيّة لرجلٍ كان في عمقِ انهياراتهِ الانسانيّة وأمامَ مهمّة عسيرَة للغايَة ..

كانَ محمّد صلى الله عليهِ وسلّم يتعافَى مع قومهِ من بني مناف من حصارٍ طالَ ثلاث سنواتٍ أقدمتْ عليه قبائل قريش بتواطؤ مع قبائل العربِ اقتصادياً بعدم البيع والشّراء منهم واجتماعياً بعدم التزاوج منهِم ونفسياً بمقاطعتهِم في الحديث معهم أو التداخُل بهم حتّى انتشرتِ المجاعَة بين بني مناف المساندَة لرسالةِ ابنِهم محمّد حتّى سمع صراخُ الأطفال جوعا واشتدّ أنين النساء .. وما كانَ لتلكَ المحاصرَة أن تستمرّ لولا اللحمَة الأخلاقيّة والتعاضد الانسانيّ الذيْ ضربهُ بنو مناف يقودهم أبو طالب درساً تاريخياً لحمايَة محمّد الذي كانت رقبتهُ شرطاً أساسياً لإنهاء الحصار وانتصاراً لإيمانٍ راسخ بصدق الرسالةِ التي تستحقّ التضحيّة ..
كانَ محمّد يتعافَى من أثر ذلكَ وما أن انتهى الحصار حتّى قبضَ الله روح أبي طالب، العضد الاجتماعيَّ الذي كانَ صوناً وحمايةً لنبيّ البشريّة الذي كان حينها يؤسس لدين البشريّة من المربّع الأول .. لكنّ محمّد كان حينهَا على موعدٍ مع أكبر خساراتهِ العاطفيّة برحيلِ حبيبتهِ وأمّ أولاده التي كانتْ أول من آمنَ به .. هذا الانكسَار المؤلم يقدّم درساً حقيقياً يمكنُ أن نملأ بهِ الصفحاتِ والكتب حولَ قيمة المرأة ودورها في توفير الأمان النفسيّ والعاطفيّ لأعظم قادَة البشريّة.. المرأة الملهمَة التي معها وبرفقتها وبتشجيعٍ منها أعلن النبيّ وضع حجرِ الأساس لرسالَة تؤسس في أوج ازدهار وتمجيد دين الأصنام وعبادتها .. هذا الدافع الحسيّ القويّ الذي برحيلهِ كانَ محمّد في أقصى درجاتِ ضعفهِ الاجتماعيّ برحيل أبي طالب وتفنّن قريش بعدها في التنكيل به وأقصى درجاتِ ضعفهِ العاطفيّ برحيل الحبيبَة والملهمَة .. في ذلكَ الوقتِ أكثر من أيّ وقتٍ مضى كان محمّد بحاجَة إلى هزّة إيمانيّة كبرى وإعادة تركيب وتعزيز نفسيّ هائل ليخرجَ من مرحلة الضحيّة والضعف إلى مساحَة المقاومَة وإعادة ترتيب الأولويّات والأهداف .. هذهِ الهزّة التي احتاجهَا تاريخياً كلّ العظماء ليعيدُوا ترتيب أفكارهم وأولويّاتهم من أجل نجاح الرسالة التي ستغير معهُم شكلَ العالم ..
حكايَة الإسرَاء والمعراج بتجليّاتها وإضاءاتها لا ينبغي أن تسرَد لأطفالنا من تلكَ الليلَة التيْ سيهمزُ فيها جبريل قدمَ محمّد النائم في حجر الكعبَة فينتفض مرتينِ دون أن يبصرهُ وفي الثالثَة يحملُ جبريل محمّد من عضدهِ ليبدأ معهُ أعظم رحلةٍ عرفها التاريخ .. كمَا أنّها لا تمرّ مرور الكرام بوصولهِ إلى المسجد الأقصى ولكنْ بتعزيزنَا للحضور الانسانيّ والتاريخيّ العظيم الذي يمثّله الأقصى في عقليّة ووعي أطفالنَا وأجيال اليَوم الذينَ فقدوا تواصلهَم الإيمانيّ وتقديرهم للأقصى باعتبارهِ البقعَة الطاهرَة التيْ شكّلت الفاصل الزمكَانيّ لرحلَة لا يمكن للخيالِ البشريّ استيعابهَا
وأكثر من ذلكَ فإن صلاةَ محمّد مع من سبقهُ من الأنبياء هوَ رسالة كبرى إلى أنّ هذا الدين هو عبارَة عن تراكم أخلاقيّ وقيميّ ومعرفيّ وتاريخيّ لكلّ هذهِ الرسالاتِ التي لا ينبغي إلا أن تعامَل وَإن طالها التحريف -معَ أتباعِها ومعتنقيهَا- بكلّ المحبّة والتبجيل  التي نعاملَ بها ديننا الإسلاميّ ..
إنّ صلاة محمّد مع الرّسل هيَ صلاةُ قائدٍ مبتدئٍ يُهيّأ لحمل رسالةٍ مع قادةٍ متمرّسين .. ورغمَ أنّهم كانُوا على رأسِ رسالاتهِم السّماويّة إلا أنّ قبةً إلهيةً واحدةً جمعتهم وانشغلَ أتباعهم عقوداً وقروناً في التقاتلِ والتناحر مع أنّ قادتهم أسلموا معاً في أقصى درجاتِ الأبّهة وفخامَة التلاحم في صلاةٍ واحدَة أمام ربٍ واحدٍ هوَ مصدر هذهِ الرسالاتِ التي حرّفت أهدافُها وغاياتُها وأصبح لا همّ لأتباعها إلا كسرَ إيمانيّات أتباع الرسالاتِ الأخرى والنيلِ منهم..

اليومَ أكثرَ من أيّ يومٍ آخر نحتاجُ لتسويقِ حكايَات محمّد ومن سبقهُ منَ الأنبياء الذينَ قادُوا ثوراتِ ضدّ الوعيِ الجمعيّ وأنماط التفكير الواحدَة والقالبِ الواحد ليحدثُوا التغيير..

بحاجةٍ اليوم نحنُ إلى أن نسأل أنفسنَا عن أصالة فكرَة القيم والثوابتِ التي نصرّ عليها اليوم فهؤلاء الأنبياء لم يكونُوا ليغيّروا مسارات أممهم لو استسلمُوا لثوابِتهم وعادَات أقوامهم ..
لو استسلمَ نوحٌ لوعيِ قومهِ الجمعيّ لما بنى أكبر سفينةٍ في التاريخِ بيدي رجلٍ واحد .. لوِ استسلمَ موسى لوعيِ قومهِ الجمعيّ لما هزّ عرش أكبر طغاةِ التاريخ .. لو استسلم ابراهيمُ لثوابتِ أبيهِ وقومهِ لما كسرَ الأصنامَ وخرجَ وحيداً في الصّحراء تاركاً زوجتهُ التي ستسعى أقوامٌ حتى قيام السّاعة بشعائرَ تحذو حذوهَا بينَ الصفا والمروَة وتدور أقوامٌ حولَ الكعبَة التي لو لم يثُر ابراهيم على أفكارِ قومهِ لما كانتْ ..

احتفلُوا اليوم بذكرى الإسراء والمعراجِ اليوم معَ أطفالكم بطريقَة مغايرَة وفكّروا معهم في القيمِ التي تسوّقها القصّة واندهشُوا معهُم في استكشَاف ما غابَ عنكم من المعاني الساميَة التيْ تضمّنتها أعظم هديّة يمكنُ أن يُكافَئ بها بشريّ .. هديّة تليقُ بمنْ لولاهُ لما نجحَت أعظمُ ثوراتِ البشريّة وأكثرها إلهاماً ..

اللهمّ بلغنَا تحريرَ مسجدكَ المكرّم من أيدي المحتلّين وحرّرنا من عبوديّة الفكرَة الواحدَة والأنماط الواحدَة والأسماء الواحدَة إلى حريّة الاجتهاد والتقصي والتفكّر في ملكوتِ رحمتك ..

الصّلاةُ والسّلام عليكَ يا حبيبي محمّد .. يا إمام المستضعفِين ويا سيّد الملهمِين .. ويا أجمَل معلّمي الاختلاف بالحبّ والحكمَة التي ما أحوجنَا .. ما أحوجنَا إليها اليَوم.

http://ayshaalsaifi.blogspot.com/2016/05/blog-post.html?m=1

السبت، 2 أبريل، 2016

شاوَرمَا يا معلِّم!


عائشة السيفي

هلْ هذهِ التغريدَة قبلَ أن يتناولَ سعادتهُ الغدَاء أم بعدَه؟ هكذَا فكّرتُ فورَ أن وصلتنيْ صورَة تنقلُ تغريدَة وكيل وزارَة النفط والغازِ حولَ أنّ فرقَ إجمالي سعرِ البترول لسيارَة سعَة 80 لترَ بينَ شهرِ مارس وإبريل هو ريال واحد فقَط ، قيمَة شاورمَا على حدّ تعبيره  وأنّ هذا الارتفاع لا يحتاجُ كلّ هذا الزّحام..

تغريدَة الوكيلِ ذكّرتنيْ بتقريرِ صندُوق النقدِ الدولي الذي أعدّ مطلعَ عام 2015 حاثاً الحكومة على سرعَة اتخاذ إجراءات جذريّة في إدارَة سياسَاتها الاقتصاديّة في ظلّ تدهور متوقّع لأسعارِ النفط وإعداد استراتيجيّة عالية الدّقة للتواصل الاجتماعي والجماهيريّ مع الشّعب لاستيعاب المتغيّرات الجذريّة القادمَة والتيْ ستمسّ بشكلٍ كبير نمط حياتهِ وأسلُوبها فهل عملت الحكومَة بالنصيحة؟!

تصريحُ سعادَتهِ الذي يعدّ –على حدّ علمي – شخصيّة مجتهدَة ومحبّبة كشفَ ثلاثة أبعاد أوّلها أنّ سعادته وقد أخذته الحميَة في تلكَ اللحظة تحدّث بصفَة .. (المغرّد التويتريّ ) وليسَ بصفتهِ كمسؤول وشتّان بينَ الأمرين .. الثّاني أنّ سعادتهُ نسي أن هذا الارتفاع هو خلال شهرٍ واحد فقط وبالتّالي فإن الريال الذي استصغره سعادتهُ يمثل ارتفاعاً بنسبة 9% في إنفاق الفرد على تعبئة سيارتهِ خلال شهر واحد فقط ، ثالثاً أنّ الريال الذي يعادلُ قيمة شاورما كما وصفهُ الوكيل قد يكُون قيمة عشاء أسرة عُمانيّة أو محصّلة ما يجنيهِ بائع الخضار الواقف بشاحنتهِ على الطّريق أو الرّجل الذي "يشكّ النعلان" على بسطتهِ المفرُوشة في سوقِ نزوى .. 
يا رَجُل .. أنا أكتُب مقاليْ هذا وأتذكّر الأرملَة بنتُ الخمسة وثلاثينَ عامَاً والأمّ لستَّة أطفال وهيَ تحكِي لزميلَتها أنّه لمْ يكُن فيْ منزلهَا غيرَ ٣ريَالات ليلَة وفَاة زوجهَا..

يعنيْ إن لم يكُن سعادتهُ قادراً على التعاطفِ أو تقديرِ أثر هذا الارتفاعِ على مصرُوف الفردِ –وهذا نظرياً من حقّهِ- فقد كان أولى بهِ السكُوت عوض الدخُول في مقارنَات سوفسطائيّة كهذه .. القَليل منَ الدبلومَاسيّة لا تضِير!

واحدَة من أبرَز مظاهِر الإدراكِ الشعبيّ للأزمَة هو حالة التقبل التي قوبلَ بها قرارُ رفع الدّعم وهو وإن استصغرهُ بعضُ المسؤولين فإنّه نجاحٌ كبير يسجّل لصالحِ وعي المواطِن وإدراكهِ أنّ رفعَ الدعم عن البترُول خيار صحيحٌ وقادمٌ لا محالة في ظلّ الأزمة وتداركِ سيناريُوهات حدوثهَا مستقبلاً ..

لكنْ من الواضحِ أنّ بعض المسؤولين لا يحتمِل قلبهم حتّى تحمّل تذمرٍ عابرٍ في تويتر .. فالمطلُوب من المواطن أن يتجاوبَ مع الحكومة والمطلُوب منه كذلك أن يفعلَ ذلك بصَمتْ .. معلش يا جماعَة .. احتملُوا القليل من التذمّر ووسعُوا صدوركم للمواطِن ودعُوه "يفضفض" قليلاً .. معلشْ خلّونا نغيّر شوي عن وضعِ #الأمور_طيبة و #خليكم_واقعيين .. احتملوا كلمتِين تخرجُان من مواطِن .. أم أن أيّام العيش والتنقل داخلَ مرسيدِس الحكومَة مدفُوعة التكاليف والبترُول والسّائق الخاصّ أنستكُم ما يعنيهِ الريالُ الذي يساوي لدَى المواطن أربعَة سندوتشات شاورمَا وقوطي ديُو؟

معلشْ تحمّلوا "الزحام" يا جمَاعة وإن كانَ ينهككم فأغلقُوا حساباتكُم الاجتماعيّة التي فتحتمُوها للعلن: للمادحِين والمبغضينَ والمنتقدِين ..

هذا الرّجاءُ يوجّه أيضاً للأجهزَة الأمنيّة في البلد والتيْ لا تزالُ سيناريُوهات استدعاء واعتقال مغرّدين وناشطِين في مواقع التّواصل مستمرّة .. القليلَ من مساحَات الحريّة هيَ فسحَة يحتاجهَا الموَاطن ليعبّر عن أيّ ضغط نفسي طارئ ولا ضغطَ أكبر من الخوفِ على لقمَة عيشهِ وغلاءِ معيشتهِ .. كلّنا على قاربٍ واحد والأزمَة أزمَة الجمِيع وحلّها بوعيِ الجميعِ وجعلهِم يتنفَّسون لا إسكَاتهم .. 

الكلام .. الكلام فقط من أجلِ تجاوز المواطنِ لإحباطه بسببِ عجزهِ عن إيجاد وظيفة ، أو تسريحهِ من العمَل ، أو إيقاف ترقيتهِ المستحقّة منذ أعوام وهيَ سيناريُوهات تعبّر عن مئات الآلافِ من المواطنينَ اليَوم!

جُوع وخوفٌ وصَمت لا يجُوز يا جمَاعَة أن تجتمعَ في ظلّ هذه الأوضَاع ..

التغريدَة يُردّ عليها بتغريدَة عوضَ أن يُردّ عليها باعتقالٍ أو استجواب.. هكذا قالَت أمل كلونيْ قبل أيّام في مؤتمر الاتصال الجماهيريّ في الشّارقة .. اسمَعوا يا جمَاعة وعُوا علّها تجدُ أذناً صاغية ً .. دوّنوا ذلكَ في استراتيجيتكُم الاجتماعيّة التي لا نعرفُ إن كانتْ صيغَت أم لا وابعثُوا بمسؤوليكُم لدورَة سريعَة في فنُون الاتصالِ الجماهيريّ كتلكَ التي تبعثُون إليها عضوَ مجلسِ الشّورى المنتخَب .. مسؤوليكُم الذينَ أمطرُونا بسيلٍ من التصريحَات العجائبيّة في العَامين الأخيرين وسآتي عليهَا في مقالٍ لاحق.. 

أفسحُوا صدُوركم لنا .. تغريدَة واحدَة والله لن تُؤذي ولنْ تهزّ حكُومة إن كانَ قوَامها العَدل والشفافيّة ..

.. وشاااااااورمَا يا معلّم!                                                                                                                  





الثلاثاء، 16 فبراير، 2016

عن أبِي .. الذيْ ليسَ من زماننا

 
"شهرٌ من الموتِ يا أبي .. شهرٌ من صحبَة التراب"
 
زرتُكَ قبلَ أيامٍ يا أبي مع اخوَتي سليمَان وماجد .. سووا قبرَك ورتّبوا حجارته .. لم أتمكّن من البكاء ولم أجرُؤ على مغادرةِ السيارة حتى أشار عليّ سليمان بأن آتي .. لا يزالُ الفقدُ طرياً .. نظرتُ إلى قبرٍ حفر بجانبك وقد أعدّ لاستقبال جثّة مؤجلة .. قلتُ لهم إذن هذه هي مساحة حياتنا حتّى قيامتنا .. قالا لي: لا .. بل تلك هي مساحتك .. نظرتُ إلى أدنى القبر فوجدتُ مساحة ضيّقة لا تقاس إلا بالسنتيمترات.. قالوا لي: هي تلك حجرة القبر .. دهشتُ وتداعى إليَّ حديثُ الناس عن صغرِ مساحات غرف بيتي الجديد.. أربع أمتار في أربع أمتار .. يقول الناس لي: أوه غرفة صغيرة!
سنعيشُ فيها عشرين أو ثلاثين عاماً .. ولكننا سنعيش قروناً ودهوراً إلى قيامتنا هنا .. نعم! لم أتمكن من البكاء .. استغرق سليمَان في الحديث عن الرّوح ومكامنها وأنها سرّ الجسد وعوالم الأرواح.. وعن تجلي الرّوح وتجربة مغادرة الجسد والعودَة إليه .. قال كلاماً كثيراً .. ولكنني كنتُ أفكر: هل متَّ حقاً؟
 
***
هل تعرفُون كيف يحضرُ الألم؟ إنه ليسَ اللحظة التي تودّع فيها ميّتك إلى الأبد .. إنها اللحظات التي يحدّثك فيها أحدهم عن أبيك وينهي حديثه بـ: الله يرحمه .. الدهشة التي تنتابك فورَ سماعك الجملة!
إنها اللحظة التي تستيقظ فيها وسط العتمة في منتصف الليلِ وتشعرُ برغبةٍ شديدة في الارتماء في حضن أبيك
إنها اللحظة التي تدخلُ فيها إلى المنزل قاصداً غرفته بفعلِ العادة .. وتتذكر لحظتها أنه غادرَ إلى الأبد ..
إنها اللحظات التي تستعيدُ فيها موقفاً ما وتتساءل: لماذا لم أفعل كذا؟ لمَ لمْ أسألهُ عن كذا؟ ليتني قلتُ لهُ أنني ....
اللحظاتُ الأكثر ألماً هي تلك التي تحاولُ فيها استيعاب فكرَة الرحيل الكبير .. اللحظة التي يهيّأ لك أنه سيدخل عليكَ من الباب .. اللحظة التي يطعنكَ أحدهم بقولهِ: المرحوم أبوك .. (أبوي مات؟) تحدثّ نفسك
اللحظة التي تتلعثمُ فيها حين يفاجئك أحدهم بتعزيتك ولا تعرفُ كيف تردّ عليهم
***
أعترفُ أنني لم أعرف أبي كثيراً .. وربما اقتربتُ منه أكثر عندما بدأ يتخلّى عن قناع صرامته ويعُود إلى أصلهِ: ذاتهِ الرقيقة اللينة .. كانَ أبي رقيقاً كثيرَ البكاء في السنوَات الأخيرة ..
أقرأ عليهِ كتاب إحياء علوم الدين للغزالي فيجهش بالبكاءِ لمقطعٍ عابر .. أخبرهُ أن ذلك اليوم هو يومِ هجرَة النبي مع حبيبهِ أبي بكر إلى المدينَة فيبكي .. أقولُ لهُ أني ذهبتُ إلى العمرة وحمَلتُ عنهُ سلاماً إلى نبيهِ محمّد فيبكي ..
أقولُ لهُ: أبي ، أتعرفُ كم بنتاً لديك؟ يردّ علي: لا .. أقولُ لهُ: عشرُ بناتٍ يا أبي .. فيبكِي ..
أقولُ له: وأنا دلّوعة البنات أصغرهنّ! فيضحَك ..
***
قبلَ رمضانَين لم يعد بمقدرَة والدِي الصيام لاعتلالِ صحّته .. حاولَ الصيامَ أوّل رمضان فازداد حالهُ سوءاً وحذّرنا الأطباءُ من تداعيَات صيامهِ ..
قلنا لهُ: لا تصُم يا أبي .. أنت معذُور ..
فيبكِي وهو يقول: ولكنَّ الجنّة غالية .. ترى الجنّة غالية يا أولادي!
***
 
لقد كتبتُ عن كلّ أحد ولم أستطِع الكتابَة عن أبي.. لم يكُن بمقدوري ذلك لخوفِي منْ أن أخدشَ عزلتهُ التي اختارهَا لنفسه في حياتهِ .. أو يقال عنهُ سخّر ابنتَه لمديحه وهوَ الأبعد ما يكُون عن السعي ورَاء المديح .. أما وقد استغنى اليَوم عن الدنيا وجاهها وسلطانها وريائِها فقد آن أن أحكي لكم القليل عنه .. كان ببساطةٍ رجلاً من غير زماننا ..
***
أريدُ أن أخبركم عن أبي أحمَد ، الرّجل الذي كثيراً ما كتبت عنهُ في مقالاتي .. كثير التصدّق حتى قالَ النّاس أنهُ يأخذ من "أموال الديوان" ليوزعها على الناس وما ذلك لسخاءٍ منه بل أعطيةٍ من الحكومة .. ذلكَ كانَ أبي ..
في السنوَات الأخيرة ازدادَ عددهم حتّى كان جرسُ بيتنا لا ينام طوالَ أيّام رمضان.. وبلغَ الأمرُ بهِ ذات رمضان أن ازداد عدد المحتاجين عما لديهِ من المَال .. فاقترضَ من أحد اخوتي لكي لا يحرم أحداً من صدقتهِ .. نعم ، كانَ يقترضُ ليتصدّق .. ذلكَ هو أبي
***
 
من المصَادفاتِ المؤلمة التي حدثَت يومَ وفاتهِ كانت حينَ كتبت أختي في مجمُوعة العائلة أنها سجّلت ابنتها في مدرسَة القرآن التي بناها جدّها..
كلّ مرةٍ تلتقيها معلّمة القرآن لابدّ أن تقول ذات العبارة: كان تراب السيارات يعفرنا إلين جا محمد بن ماجد وحسن علينَا .. عساه بجنة عرضها السماوات والأرض ..
***
سأحدّثكم عن أبي .. أبي الذي كانَ إذا وجد طريقاً ضيقاً ذهب إلى ما جاورهُ من أراضٍ واشترى من أصحابهَا أمتاراً للسبيلِ لتوسعَة الطريقِ للنّاس .. أبي الذيْ كانَ يجمعُ ماله طوال العام لينفقهُ في رمضَان .. أبي الذي كانَ الناس يأتونهُ لتمويلِ مشاريع خيريّة مرةً في عمان وافريقيا وماليزيا .. لم يفكّر يوماً في حضورِ أيّ افتتاحٍ لها.. كانُوا يجلبُون لهُ صورَ تنفيذها وافتتاحها وكنّا في كثيرٍ من الأحيان نشكّك بصدقهَا فيردّ بهدوء: إن كانَت أموالي بلغتهم فالحمدلله وإن لم تبلغهم فقد بلغَ أجرها عندَ الله ..
 
***
كنتُ أعدّ ملابسهُ للعيد .. أكويها وأبخّرها ، كانَ لديه مصرّ واحد للأعياد لا أذكرُ أنه تغيّر منذ عهدتهُ قطّ وفي كثيرٍ من الأحيانِ لا أجدُ دشداشةً له.. لم يكن يكترثُ يوماً لذلك ولذا فقد كانَ أحد إخوتي يتولى خياطَة دشداشة له من أجل هذه المناسبات .. أبي الذي عبرَ إحسانهُ القارات لم يكنْ يكترثُ ليقتني دشداشة واحدَة جديدَة للعيد! هكذا كانَ أبي
 
***
 
سأخبركُم عن أبي الذي قضيتُ 12 عاماً من عُمري وأنا أجلسُ خلفَ بابِ مجلس العلم الذي كانَ يقيمهُ مع طلابهِ كلّ ليلة .. كل يومٍ أضعُ حقيبتِي عند باب المجلس وأنهمكُ في حلّ دروسي وواجباتي وأنا أستمعُ بينَ الحينِ والآخر لأحاديثه وشروحاتهِ ..  لم تكن الكثيرُ من الكتبِ التي يقرؤُونها تستهويني لكنني أزعُم أنّ حصيلتي اللغويَة لم تكن لتتشكّل دونها .. حينَ بلغتُ السابعَة بدأ معي دروسَ تعلّم القرآن رفقَة أشقائي.. لم يمرّ يومٌ واحدٌ دونَ أن نقيمَ الدرسَ .. كنّا نتململُ أحياناً فيقرأ علينا هذهِ الآية: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ" .. الآن أكثر من أيّ وقتٍ مضَى يتداعَى إليّ صوتهُ وهو يقرأ هذهِ الآية .. فأجهشُ بالبكاء!
 
***
كانَ أبي شديد الصرَامة ، لكنّه لم يضربنِي قط .. نظرةٌ واحدةٌ منه كانت كافيَة لكسري .. أنا لم أعرفِ اليتم قطّ .. ولكنني أعرفُ اليَومَ ما يعنيهِ عبدالله حبيب حينَ يقولُ أنّ اليتمَ لا يعرفُ عمراً .. لقد كبرتُ ولكنّ اليتم في قلبي هوَ يتمُ ابنةِ الثالثة التي لا تعرفُ في الحياةِ من سندٍ إلا أبويها .. لقد ذهبَ أبي
 
***
في آخرِ أيّامهِ بدأ والدي يفقدُ ذاكرتهُ وعوضَ ذلكَ تعُود إليهِ الذاكرة القديمة ..
دخلنَا عليهِ فوجدناه يبكي وحينَ سألنَاهُ ما الذي يبكِيهِ قال: أريدُ أمّي
قلنا له: أمّك متوفاة
فاشتدّ نحيبه وهو يقول: كارثة! مصيبة..
ابنُ الثمانين يبكِي أمّه التي ماتت قبل نصفِ قرن .. إنهُ اليتم الذي لا يعرفُ عمراً
***
لا أريدُ أن أحزنَ عليك يا أبي .. لأنني أعرفُ في داخلي أنكَ بخيرٍ وفي نعمةٍ من الله .. وأعرفُ أنكَ أخذت من الحياة قسطاً كبيراً وأنك أنتَ وحدكَ من اخترتَ طريقتكَ هذه الحياة حتّى لقيت ربّك.. لا أريدُ أن أحزنَ وعوضَ ذلك أريدُ أن أحتفي بحياتك .. كنتَ عابراً سريعاً على الحياةِ .. زاهداً عنها .. سيكبرُ أبنائي ولن يعرفُوك ، ولكنني سأحدّثهم عنكَ كثيراً وأكثر من ذلك فسأكملُ ما استطعتُ رحلَة الإحسانِ والعطاءِ التي كانتْ عنوان حياتِك .. في رحيلكَ لازمنا طوالَ فترةِ العزاء أشخاصٌ لم نعرفهم يوماً .. لكنّهم كانوا يعرفونك .. يعرفُون إحسانك ..
لا أريدُ أن أحزنَ يا أبي .. ولكنْ أن أعلّم أبنائي قيمَ العطاءِ التي علّمتنا إيّاها في زمنِ الشحّ والطمعِ هذا ..
 
***
عساكَ يا أبي في دارٍ خيرٍ من دارِك .. دار الأنبياء الذينَ رأيتَهُم في مناماتك وحدثتنا سعيداً عنهُم .. لقدِ استغنيتَ اليَوم عن كلّ شيء .. تاركاً لنا ليالي الأرقِ الطويلة ، تداعي الذكريَات المضنِي ، اللهاثَ وراءَ تفاصيل الحيَاة الصّغيرة
أستودعكَ الله يا أبي .. أستودعكَ الله يا حبيبي ..