الاثنين، 6 نوفمبر 2017

امرأة سريَّة..


مرَّتْ عليّ هذا العَام أكثرَ من أيّ عامٍ مضى حَالات خيَانة زوجيّة لنسَاءٍ أعرفهنّ بشكلٍ مباشر وغير مبَاشر سوَاءً كنّ طرفاً في الخيَانَة أو كنّ ضحيّة خيَانة أزواجهنّ.. هل هذَهِ مصَادفَة بحتَة أم أنّها أزمَة مجتمعيّة "خفيّة" يعيشهَا المجتمع؟ لا أعرف..

غير أنني بنَاءً على تكرّر الحَالات أحببتُ أن أضَعَ وجهَة نظرٍ شخصيّة لا أدّعي من خلالهَا خبرتي في فهمِ العلاقات الزوجيّة والأسريّة ولكنّها تقدّم رُؤيتي لمفهُوم العَلاقَة الجسديَّة وتقدِيري للجَسد.. كمَا أنّها تحمِلُ رسالةً لتلك المرأة التي تدخلُ في علاقَة جسديّة مع رجلٍ متزوّج.. أنا لا أفهَم كيفَ يفكّر الرّجل عندما يُقدِمُ على الخيَانة لكن وجهَة نظري التاليَة قد تفهمهَا المرأة أكثَر من الرّجل ومن أجلِ ذلك فإنني سأتوجّه بخطابي مباشرَةً إلى المرأة.

الجَسَد قيمَة انسَانيَّة كُبرى عكسَ ما يسوّق له كثِيرون.. عندمَا تمنَحُ المرأةً جسَدها فهيَ تمنحُ روحهَا معهُ ..

الكَثيرون مثلاً ينظرُون إلى الأعرَاس وحفلاتِ الزَفاف على اعتبَار أنّها مظهَر مبَالغ فيه وفي حقيقَة الأمر فإنّ الحَفلة الجَماعيَّة تلك هيَ احتفَال بالتقَاء جسَدين في تلك الليلة يجمعهمَا سقفٌ وَاحد.. إنّها حفلَة زَفاف ذلك الجسَد الأنثويّ الثَمين الذي ستنذرهُ تلك المرأةُ "حصرياً" لذلكَ الرّجل.. ذلك الجسَد الذي يُدفع له الغَالي والثّمين والذي يليقُ الاحتفَاءُ بمنحهِ لذلكَ الرّجل..

ورغمَ الابتذال الهائل في تسويقِ الجِنس عالمياً إلا أنني أرَاه أقصَى درجَات التجليّ الرّوحي بتوحّد هذين الجَسدين وتعبيرهمَا عن أقصَى درَجات القربِ والحميميّة وابتذالهِ في مسَاحَات أخرى هوَ تحييد عن الهَدف الفطريّ الذي جُعِلَ له.

الجِنس هوَ المحدّد الوحيد الذي يجعَلُ العلاقَة الزوجيّة مختلفَة عن أيّ علاقَة أخرى.. إذ أنّ هذا العنصر لا يحضُر في أيّ علاقَة أخرى نرتبطُ بها بمن حولنا: أشقاءنا أمهاتنا ، زملاءنا وأقَاربنا في العَمل ..

وحصريّته تلك هي ما تجعلُهُ ممارسَة مميّزة ينبغِي أن نحمِيها ونحَافظ ما استطعنَا على "حصريّتها" (monogamy (

جسَدكِ يا صَديقتي لا يليقُ أن يتقاسمهُ رجُلان في ذاتِ الوقتِ.. وإذا حدَثَ ذلك فهو لا يعبّر عن احترامكِ لذاتكِ ولقيمَة ذلك الجَسد.. الجَسد السرّ الذي لا ينكشفُ إلا لرجلٍ واحدٍ يليقُ بهِ..

كمَا أنّه لا يليقُ بكِ أن تكُوني امرأةَ الظلّ .. امرَأة في الظّلام..

عندمَا تمنَحين جسَدَكِ لرَجلٍ فأنتِ حَقيقةٌ بأن تكُوني كائناً حقيقياً لا يتقَاسمُ معكِ وقتهُ في الفِراش فحَسب أو امرأةً ينتهِي وجُودها بعد قضَاءِ وطرهِ..

ولكِن في شَاي الكَرك الذي تذهبَان سوياً لاحتسائهِ .. في الحَاجيّات اليوميّة التي تتسوّقانها معاً في السُوبرماركت.. في صَالة المستشفَى عندمَا تصابين بوعكةٍ صحيّة ويمسكُ بيدكِ أمام الجَميع. في جلسَات الشّواء الجمَاعيّة معَ عائلَتهِ .. في المشيِ المسائي على الشَاطئ ، في نزولكِ العلنيّ من سيّارتهِ في مقرّ عملكِ .. في التّفاصيل الصّغيرة والشؤون اليوميّة التي تجعلُ منكِ امرأةً حقيقيّة .. لا امرأة ظلّ .. لا عشِيقة .. لا "اسماً مستعاراً" على هَاتفهِ..

وُجودكِ العلنيّ هوَ ما يُخبركِ بأنّك كائنٌ أساسيّ لا هَامشي..

وأنتِ عندمَا تقررينَ دخولَ علاقةٍ كهذهِ فكّري في أطفَالك .. فأن تكُوني في علاقَة شيء وأنْ تدخلي في نفَقِ العَلاقَة الجنسيّة هو طريقٌ لا رجعة فيهِ لأنّ الأمر لا يرتبطُ فقط بكِ ولكنّك تضعِينَ على المحكّ حيَاتَين أسّريتين بأكملهما لا ذنبَ لأطرَافها في قرَارك..

نحنُ حتماً نملكُ حريّة أجسَادنَا وحريّة قرَاراتنا .. لكنّ القرَارات المرتبطَة بمصَائر آخرين هيَ ليسَت قرَارات شخصيّة تتعلّق بنا فحَسب.

قبلَ سنوَات حضَرتُ مع صديقةٍ كانت تخونُ زوجَها جلسَة استشَارة أسريّة مع خبيرَة علاقَات زوجيّة أجنبيّة وأذكُر آخر جملةٍ ختَمتْ بها تلك الاستشَاريّة حديثها.. لقد نظَرت إلى عيني صَديقتي تماماً وقالت لها: في يومٍ مَا عندمَا تنظرين إلى المرآةِ وأنتِ ممتلئة بالتجاعِيد وتتذكرِين كلّ ما قدّمتهِ في حيَاتك ، فكّري جيداً إن كنتِ ستكُونين فخورةً بما تفعلينهُ اليَوم. إنّ رجلاً لا يُريدكِ في الضّوءِ لا يستحقّك وإنّ مواصلتكِ في هذهِ العَلاقة هوَ المسمَار الأخير في نعشِ علاقتكِ الزوجيّة.

لقَد وَاصلتْ صَديقتيْ علاقَتها "السريّة" تلك .. لكنّها تطلّقت بعدَ سنوَات .. غيرَ أنّ شيئاً لم يتغيّرهوَ أنّها ظلّت "امرأةً سريّة" في حيَاةِ عشِيقها الذيْ لا يبدُو أنّه رآها تليقُ بعلنيَّةِ وجُودها في حيَاتهِ طالمَا قررتْ هيَ السّماحَ لهُ بأن تكونَ "امرأةَ الظلّ" ..

الجَسَد قيمَة انسانيَّة كُبرى ، متّى ما فرّطنا بهِ فإننا نفرِّطُ بقدسيَّةِ قيمٍ كثيرة مرتبطةِ به.. ومنْ يَهُن يسهُل عليهِ الهوَانُ عليه!

الأحد، 1 أكتوبر 2017

خمسَة أسباب رئيسيّة لرفعِ الحكُومَة الدّعم عن الوقود

 
عائشة السيفيّ
 
 
لا أعرِفُ ما سرُّ هذهِ الضجّة المثَارة على أسعَار الوقودِ المعلنَة في السّلطنة لشهرِ أكتُوبر. ما المشكِلة لو قفزَ سعرُ اللترِ منذ قرارِ رفع الدّعم من 120 بيسة إلى 205 بيسَة؟ ما المُشكِلة لو أصبَحت قيمة تعبئة سيّارة الهيُونداي أكسنت 9 ريَالات؟ عَادي جداً .. الفرقيّة بينها قبلَ رفع الدعمِ وبعدهُ لا تأتيك بأكثر من قيمَة دَجاج مسحّب من المطعم التُركي!
إذا كنتَ تعتقدُ أنّ الحكومَة غير عَادلَة في استمرَارها في رفع الدّعم فدعُوني أستعرضُ عليكم أهمّ الاجراءات الاستباقيّة التي اتّخذتها حكُومتنا الرشيدة لتوفِير بدائل مريحَة وفعّالة للشّعب.
 
نوصّلك من البيت للبيت
بعدَ أنْ قامَت وزَارة النّقل والاتصالات بالإعلان عن تأسيس شركة موَاصلات المعنيّة بتشغيل خطّ باصات النّقل العامّة بين مدن السلطنَة والأخرى داخل مسقَط من المعبِيلة حتّى مسقَط القديمَة، قامتِ الوزارة بربطِ محطّات توقف باصاتِ خطّ النقل الرئيسي بشبكة باصاتٍ تربطها بالأحياء السكنيّة داخلَ مسقط بالإضافَة لتوفِير مواقِف سيّارات ودرّاجات لأصحَاب المركبات الراغبين في استخدَام شبكَة المواصلات الرئيسيّة. وذلك لإدراكِ الوزارة التامّ ضرورة توفير وسائل نقل للمستخدِم من عتبَة الباب حتّى عتبَة الباب الآخر ومن ثمّ فإنّهُ لا عذرَ للمواطنِ في عزوفهِ عن استخدَام شبكَة النقلِ العامّ. يشيلُوك من البيت للبيت.
 
الشعبُ يستغني عن سيّارات الوقود
بعدَ سنوَاتٍ منَ السّماح بسيّارات الهايبرد (التي تعمَلُ بالوقودِ والكهرباء معاً) للاستخدام المتَاح في سوقِ السّلطنة ها هيَ شرطَة عمان السلطانيّة بالتعاونِ مع وزارةِ التجارة والصّناعة تفتحُ المجال لاستِيراد السيّارات الكهربائية التي توفّر كلفَة الوقود وها هيَ معارضُ السيّاراتِ الكهربائية تنتشرُ عبرَ محافظات السّلطنة وسيّارات التيسلا Tesla تغزُو الطرقَات. كالعَادَة ، هل هنالِكَ أيّ دولَة خليجيّة تسبقنَا حينَ يتعلّق الأمرُ بآخر ما تنتجهُ تكنولوجيَا السيّارات؟
 
وقّفْ سيَّارتَك ولا تسأل
وبالنّظر إلى الميزَة الاستثنائية التي تمتلكهَا السّلطنة من كثافَة استقبال الإشعاعات الشمسيّة وامتلاكِ أعلى درجَات نقاوَة للسّماء فإنّ قدرَة خليّة شمسيّة في السلطنَة بمسَاحة متر مربّع واحد تتيحُ لها استقبال ما يزيدُ عن 3000 واط في الساعة الواحدَة وبالتالي فإنّ مبَادرات تنويع مصَادر الطاقة المختلفة في عُمان لا تعدّ ولا تحصَى. خذُوا مثلاُ المبادرة الأخيرة التي أطلقتها هيئة الكهرباء والميَاه بالتعَاون مع جامعَة السلطان القابُوس في تحوِيل مظلات السيّارات إلى مزرعَة خلايا شمسيّة قادرَة على توليد الطاقَة وتعبئة السيّارات المظللة تحتها بالطاقَة الكافيَة لتشغيلها. ما يعني أنّ مستخدمها لن يدفعَ لا للوقودِ ولا للكهرباء. عاشَت شمسنا الجَميلة وهي تمدّنا بفيتامين د وسيّاراتنا بالطَاقة.
 
اركَب سيكلك واتبَعني
الأمرُ لم ينتهِ عندَ هذا فلعلّ كثيراً منكُم سمعَ بتدشين حَارة خاصّة لقيادَة السيَاكل (الدراجات الهوائيّة). بعدَ أن كانت قيادَتها مهمّة انتحاريّة أصبَح بإمكان أصحَاب الدخل المحدود والفئة العمّالية أو أولئك المقيمين قريباً من أماكن عملهم الاستمتاع بمسَار قيَادة خاصّ للدراجات خاصّة في الأشهر بين سبتمبر وإبريل حيث تتزن درجات الحرَارة.
الأجمَل من ذلكَ كلّه هو تدشين مجلس الوزرَاء مبَادرة بعنوان: اركَب سيكلك واتبعني. والتي قامَ خلالها الوزراء بقيادَة درّاجات هوائيّة حتى مقر عملهم من أجلِ نقل صورَة مشرّفة يحتذى بها أمام العَامّة.
 
نجيك لين بيتَك
كمَا حرصَتِ الحكُومة على تقدِيم خيَارات نقلٍ ذكيّة ومنخفِضة التكلفَة كخدمَة أوبر التي تكسِر الحظر عن احتكَار سوق النقلِ لأصحَاب التكاسي وتتيحُ الفرصة لكلّ قائد سيّارة ليشَارك سيّارته أحداً آخر عبر تطبيق أوبر العَالميّ وبأسعَارٍ في متناولِ اليَد. ولسنَا ببعيدين عن تدشِين خطّ الترام الجديد الذي سيربط شمَال عُمان بجنوبها.
 ولعلّ لديكم أمثلَة إضافيَّة لمبادرَات الحكُومة في توفير كافّة الخيارات الممكنة غير الأمثلةِ القليلةِ التي أوردتُها أعلاه.
 إذَن علامَ التذمّر حيالَ ارتفاعِ أسعار الوقودِ ولدينَا هذا النّظام الناضج الذي تحسِدنا عليهِ شعوبٌ أخرى؟

نتوجّه بكلّ الشكر والتقدير ليسَ إلى وزارَة النفطِ والغاز فحسب ولكنْ إلى كلّ الوزَارات ، والهيئات الحكُوميّة والشرطَة التي قامتْ دونَ كللٍ أو ملل بالسّهر على رَاحة الموَاطن وبنَاء نظَام نقل متكامِل يهيّئ الشّعب لمرحلَة رفع الدعم عن الوقُود.  
 
الآنَ وبعدَ اكتمَال منظومَة النقل العامّة في عُمان وتضامُن كافّة الوزارات المعنيّة وشركَات الطاقَة والمشرّعين على توفير بدائل آمنَة للتنقل وأخرى لتوفِير مصادِر طاقة متجددة للمركبَات غير الوَقودِ، فإنّ من حقّ حكومتنا الرشِيدة رفع الدعم عن الوقودِ وترك الخيَار للشعبِ لاستخدَام الـ .............. الـ .................... .
 
 
.
.
ما رأيكم في هذهِ القصّة الجَميلة التي أتمنّى أن تكونَ قد نالت على إعجَابِكم؟ هل أكمِل أحلام اليقظة أم أسكُت؟ طيّب خلاص باسكِت .. توتة توتة، خلصَت الحدّوتة :).
 
 
** كلّ الأحداث الوَاردة أعلاه هي من نسجِ خيال الكاتبَة ولا تمت للحقيقَة :) ويالله ارجَعُوا للوَاقع أبرَك لكُم.

الجمعة، 30 يونيو 2017

إجازة رسميّة


عائشَة السيفِيّ

.

 

انتَهَى العيدِ بالنّسبةِ لي يومَ الأربعاء .. استيقظتُ اليومَ وحضرتُ ثلاثَ اجتمَاعاتِ عمل بدأ أوّلها في العاشرةِ صباحاً وانتهَى آخرها في الخامسَة عصراً ..

فعلتُ ذلكَ ليسَ لأنّي (غاويَة مكدّة) كما وصفَتني شقيقَتي ولا لأنّي مستمتعَة بالعمَل والنّاس إجازَة ولكنّني أدركُ تكلفَة يوم إجازَة على الشّركةِ التي أديرُها ..

 

أخبَرتنا مدربّة السباحَة أنّهم سيتوقفُون عن التدريبِ في اليومِ الأوّل من العيد فقط ثمّ سيواصلون الحصصَ كالمعتادِ بعدها.. قلتُ لها محتجةً: لماذا؟ فغمزتْ لي بعينها: لأننا نحتاجُ المال ..

مدرّبة السباحة تعرفُ أن كلّ مشتركة تدفعُ ل٣٥ حصّة ثابتة وتأجيلُ حصّة يعني خسارَتها لمبلغٍ كبيرٍ إذا ما ضربَ على ٥ أيّام ل٣٠ متدرّبة ..

 

حينَ تديرُ عملكَ الخاصّ أو تكونُ رأسَ الهرمِ في مؤسسةٍ خاصّة تعرفُ كلفَة الإجازَاتِ على الدّخل الكليّ لشركتك فمَا بالكَ بتكلفَة ذلكَ على اقتِصادِ دولةٍ بأكمَلها..

 

حسناً .. دعونِي أهرفُ بما أعرفُ وأتحدّث عن قطَاع الاستشارات الهندسيّة العالميّة الذي أعملُ بهِ .. يقومُ نموذج الدخلِ للاستشاريّ على بيع سَاعات خبرَاته .. هو يعرفُ مسبقاً أنّ المشروع الفلانيّ سيكلّف كذا من الساعاتِ على المهندس البيئي، كذا من السَاعات على مهندسِ الانشاءات ، سيستهلكُ كذا من السّاعات من مدير المشروع ..

عندمَا يأخذُ هؤلاء إجازة رسميّة فإنّ تكلفة ساعاتِ غيابهم تحجز على رصيدِ الإجازات الرسميّة التي لا تغطّيها سيولةُ مشروعٍ ما ..

مثلاً تكلّفني يوميّة مهندس أجنبيّ ذي ١٥سنة خبرَة ٧٦٠ يورو في المتوسّط أي ٣٨٠٠ يورو خلال ٥ أيّام .. ولكم أن تتخيّلوا تكلفَة إجازة ١٥ موظفاً لخمسة أيّام .. قد تصلُ إلى ٥٠ألف يورو في المتوسّط .. وهذهِ تكلفَة شركة صغيرة قائمة على بيعِ ساعاتِ خبرات موظفيها فقط .. وقيسُوا على ذلكَ تكلفَة عمّال المصانع التي لا يدفعُ أصحابها فقط لإجازة العمّال ولكن للتكلفَة التشغيليّة..

الأمرُ ينسحبُ على تقليصِ ساعاتِ العمل من ٨ إلى ٦ ساعاتٍ في اليوم للمهندسينَ المسلمين في رمضَان .. سيحجزُ المهندسون المسلمون تكلفة ٦ ساعات على المشاريع التي يعملونَ بها وسيحجزون الساعتين اللتينِ أعفوا منها على الإجازاتِ الرسميّة التي تغطّي الشركة تكلفتها لا عملاؤها أصحاب المشاريع.. كم ستكونُ فاتورَة ذلك لشهرٍ كامل؟ ٢٠٠٠يورو عن كلّ مهندس .. كثرَة الإجازاتِ الرسميّة هي عاملٌ تضعهُ الشركاتُ الكبرى في الحسبان حينَ تختار بلداً ما  ليتوسّع فريق عملها.

أو الشركات الاستثماريّة حين تقرر ضخّ  أموالها في اقتصاد بلدٍ ما

 

في رمضَان .. خرجتُ في الثانيَة ظهراً لثلاثِ أيّامٍ فقط وعملتُ في بقيّة الأيّام حتّى الرابعة أو الخامسَة لأنّني ببساطَة مدير الشركَة وساعاتي (تطلع من ظهري) علَى قولَة أهل نزوَى .. ولم أكنِ الوحيدة طبعاً فلكم حضرتُ اجتماعاتٍ مع عملاء للشّركة ممن يديرونَ شركَاتهم الخاصّة في ساعاتِ العصرِ المتأخرَة ..

 

هذهِ شركات صغيرة بعددٍ محدودٍ من الموظفين غير أننا عندمَا نتحدّث عن تكلفَة الإجازاتِ الرسميّة على اقتصادِ بلد فنحنُ نتحدّث عن رصيدٍ ب٧أصفار .. مثلاً تبلغ خسائر إجازة يوم واحد على اقتصادِ دولَة صغيرة كالبحرين ما يقدّر ب٣٥ مليُون ريال عُمانيّ.

 

وهذَا الأمرُ ليسَ مردّهُ إجازات القطاع الخاصّ بل إنّ إجازاتِ القطاعِ الحكوميّ مرتبطة ارتباطاً مباشراً بهذهِ الكلفة ..

 

سألتُ قريبيَ الذي يعملُ في دولَة خليجيّة منحتْ موظفيهَا الحكوميين إجازةً من ثلاث أيّام. قلتُ له من الغريب أن يشملَ ذلك موظفي القطاعِ الحكوميّ أيضاً فردّ علي محرّكاً اصبعه في إشارةٍ إلى المال: عارفين كيف يجيبوا الفلوس. وما معنى تعطّل المعاملات الحكوميّة على انتاجيّة القطاع الخاصّ. أخبرني أنّ تعميماً وصلهم نهايَة رمضَان يحذّرهم من مغبّة التغيّب وأنّ من يتغيّب فلا يلومنَّ إلا نفسه.

إنّهم يعرفُون ما الذي يعنيهِ كلفَة توقّف مستشفى حكوميّ عن أداء مهامّه الاعتياديّة لمدّة خمسة أيّام. توقّف الوزاراتِ الخدميّة عن معاملاتها لخمسَة أيّام .. وارتباطُ ذلكَ المباشرِ على حيويّة القطاعِ الخاصّ وديناميكيّتهِ وقس على ذلك.

 

أعرفُ طبعاً أنّ الحديثَ عن تقليصِ الإجازاتِ الرسميّة هوَ محاولَة خطرَة للدّخول إلى عشِّ الدبابير واستفزازِ عامّة الشعبِ والحلولَ محلّ الأخ المطاعني فيْ استقبالِ شتّى أصنافِ الشّتائم. وأنا هنا لستُ معنيّة بالمطالبَة بتقليصِ حصّة كعكة الإجازاتِ من فمِ المواطنين فلهذهِ البلدِ ربٌ يحميها وللاقتصادِ وزراءٌ يرعونَ مصالحَه .. ولكنني أردتُ فقط أن أقولَ أنّنا إذا كنّا نحنُ المسؤولين عن أعمالنا الصّغيرة ندركُ حجمَ ما تلحقهُ الإجازاتُ على أعمالنا ونحرصُ على تفاديهَا بدءاً من موظّفة الصالون التي تفتح أبواب الصالونِ لاستقبالِ الزبائنِ ثالثَ يومٍ في العيد حرصاً على مبيعاتِ صالونهَا مروراً بمدربَة السباحةِ وانتهاءً بالشركاتِ الاستشاريّة والمصانع والبنوك التي تتعطّل كافّة تحويلاتها الداخليّة والخارجيّة أثناء الإجازاتِ البنكيّة فما بالكَ بفاتُورةِ هذهِ الإجازاتِ على اقتصادٍ متردٍ 
أساساً (باغِي دفرَة وبيطيح).

 

.

 

الخميس، 23 فبراير 2017

رسَالة إلى صَديقيَ الأجنَبيّ الفَاسِد


عائشة السيفي

صَديقِي الأجنَبيّ الفَاسد
تحيَّة طيّبة وبعد ..
سأحدّثكَ عن بلدٍ جَميل في مكانٍ ما من العَالم .. شعبهُ أطيَب شعُوب الأرض .. سماؤُهُ وأرضهُ وجبَالهُ وهوَاؤهُ وبحرهُ هيَ جنَّة ربَّانيَّة لا يقدّرها أهلُها ولكنَّكَ ستقدرُها لأنّكَ جبتَ العَالم وتعرفُ ما يملِكهُ البلدُ هذا من كُنوزٍ لا يعرفُ قيمتَها أهلُ البلد..
غيرَ أنَّ أهمّ شيءٍ هوَ أنَّك ستحصلُ على راتِب مضاعَفٍ لا تحلمُ بهِ في تلكَ البلدِ.. دونَ أن تحتاجَ حتّى شهادةً جامعيَّة لأنَّك أجنبي .. عيناكَ زرقَاوان، بشرتُكَ بيضَاء ولأنّك لا تتحدثُ لغَة البلَد ..
ولأنَّكَ "قيمَة ثمينَة" لا تعوَّض.. فعلى الأرجَح ستعيَّنُ في منصبِكَ حتّى قبلَ أن تصدرَ الموافقَة الأمنيَّة التي تمشِّطُ عادةً ماضيْ كلّ موظف حكُوميّ "من أبناءِ البلد" لكنّها قد لا تنطبقُ بالضرُورة عليكَ لأنَّك "حاجَة ما حصلتش".
ستصبحُ رئيساً تنفيذياً لواحدَة من أكبَر شركَات البلد التي تمسكُ بعصبِ الاقتصادِ الوطنيّ–وليذهَب ماضيكَ المشبوه إلى غيَاهبِ الجبّ- ولن تضطرَّ لتدفعَ بيسةً من راتبكَ الشهريّ الذي يتخطّى العشرينَ ألف ريالٍ للضرَائب.. تصدَّق؟! أن تدفع 40% من راتبكَ لمصلحَة الضرائب وأنت تعمَل في بلدك ولكنَّك لن تدفعَ بيسَة واحدَة في هذا البلد. بالإضافَة إلى حزمَة امتيازَات ملكيَّة بين السّفر في درجَة رجال الأعمَال إلى آخره.
الآنَ حانَ وقتُك .. تعسَّفْ في الموظّفين .. موظفِيك من أبناءِ البلد طبعاً .. عيِّنْ زبانيتكَ وجوَاسِيسكَ بالجُملة في الشركَة التي تسمحُ لك بتعيينِ من تشَاءُ وفقَ نظَام –التعيين خارجَ سياسَات الشركَة- وإذا حدَثَ أن رغبتَ بتعيين صديقكَ وزوجتهِ في حيَّ الله منصب في الشركَة فأهلاً وسهلاً .. إنّهما أيضاً يمتلكان عينانِ زرقَاوان وشعر أشقر. أمورهمَا ماشيَة والحمدلله ..
تلاعَب بالمناقصَات وأحضِر شركَات وهميَّة ودرجَة ثالثَة ممن عملتَ معها سابقاً في ماضيكَ المشبوه وأسنِد لهَا أثمَن مشاريعِ البلد في أثمَن بقعَة في البلد ..
إذا لم يعجبكَ التقييمُ الفنيّ للمناقصَات وأردتَ ترجِيح كفّة شركَة (أعجبتكَ) على أخرى .. عَادِي جداً .. غيِّر فريقَ التقييم (على كيفك).
الذي يقفُ في طريقكَ من الأجَانب .. اطردهُ في نفسِ اليَوم .. بثَّ الرعبَ في نفُوسهم حتّى يصمتُوا .. والعُمانيُون الذين يقفُون في طريقكَ همِّشْهُم .. أو عيِّن عمَانيينَ فوقهُم ليترأسُوهم ممن يقُولونَ لأوامركَ: سمعاً وطاعَة ..
ضلِّلِ الرأيَ العَام .. قُل لهُم أنّ المستثمرِين على مشاريعنَا بالطوَابير .. ما لاحقِين على الطلبَات يا جمَاعة. اعمِل مؤتمراتٍ صحفيَّة .. تحدَّث لوسائل الإعلام بالجُملة .. ادعُ صحفيي العَالم ليغطّوا إنجازاتكَ الوهميَّة وأسكنهُم في فنادِق خمسَة نجُوم ليكتبُوا عنكَ (أخباراً حُلوة)
ولا تنسَ عمل احتفال ضَخم خمس نجُوم لتدشين مشرُوعكَ لتغطِي على فوحَان رائحتهِ ولا بأسَ أن تصرفَ كم مئة ألف من ميزانيَّة الشركَة على حاجَات مالها طعمَة في الحَفل.. والأهمّ على شركَات ليسَت من البلَد بلْ من مدينَة عالميّة مجاورَة تبدأ بحرفِ الدّال :).
أسنِد ما تشَاءُ من المناقصَات مباشرةً دونَ العودَة لدائرةِ المناقصَاتِ في شركتكَ .. خاصّة تلكَ المناقصَات التي تقعُ تحتَ إطارِ سلطتكَ ممن تقلّ قيمَتُها عن الخمسَة والعشرين ألف.
وفي حالِ ضاقَ الوطنيّون من موظفيكَ ذرعاً وقررُوا شكواكَ لدَى مجلسِ الإدارَة ، قُل عنهُم: غيُورون .. دلّوعين ما عاجِبهم رئيس صارِم .. ما يحبّوني لأنّي أجنبي عيُوني زرقَاء وسحنتي بيضَاء .. وسيصدّقكَ مجلسُ الإدارَة ..
لو قرروا اللجُوء لصحفيٍ من أجلِ كسبِ مساندَة الرأيِ العَام .. حاوِلِ استمالَة الصحفيّ فإن رفضَ .. عادِي .. سيكتبُ الصحفيّ ولكنّ الرأي العَام سيتجاهله.. فالرأيُ العُام مشغُول بأزمَة الوقُود ، وبنعِيمة وبقضَايا أهمّ من فسَاد مسؤُول أجنبيّ.
وحينَ يقررُ موظفُوكَ اللجوءَ للسلطاتِ الأمنيَّة والجهَات العليَا في البلد ومجلسَ الشورَى لتخليصِ البلدِ من الضررِ الفادحِ الذي أحدثتهُ ويبدأ الضغطُ عليكَ ويبدَأ المخلُصُونَ في المؤسساتِ الأمنيَّةِ بمحاصَرتك بمخالفَاتك.. اذهَبْ إلى محاميكِ واخرُج بقائمَة من الشرُوط ليسَ أقلّها ملء كرشكَ بتعويضِكَ بكم راتبِ إضافيّ والخرُوج من منصبكَ على اعتبَار أنَّك استَقلتَ لا أُقِلتَ حفاظاً على "صَفحَتكَ البيضَاء" ..
تصدَّق يا صدِيقيَ الأجنبيّ؟! تصدَّق؟
سيُستجَابُ لطلبك .. وعوضَ أن تدخلَ السّجنَ على فسَادِكَ البيِّنِ والأضرَارِ الفادحَة التي ألحقتَها بسمعَة البلدِ واقتصادِها فإنّهُ سيحدثُ أن تنشرَ الصحفُ في اليَومِ التالي خبرَ طلبَك استقالَتكَ (لأسبابٍ شخصيّة) .. وستخرجُ من البلدِ برأسٍ مرفُوعٍ وحسابٍ بنكيٍ متخم .. تاركَاً خلفكَ المشاريعَ الثّمينة التي ذهبَت ظلماً وجوراً  في قبضَة الشركَات الوهميّة التي تركتَها بعدك.. تاركاً خلفَكَ من عيَّنتهُم دونَ وجهِ حقّ يسرَحُونَ ويمرحُونَ وتاركاً خلفكَ ضرراً فادحاً ورائحَةً نتنة لن يضعَ على إثرِها مستثمرٌ ديناراً من مالهِ للاستثمارِ.. القصَّة لم تنتهِ بعدُ يا صدِيقي والذنبُ ليس ذنبكَ وحدَك .. 
نعَم يا صدِيقي الأجنبيّ .. في بلادٍ ما ، حدثَ ويحدثُ هذا السيناريُو .. عندمَا تنعزلُ مجالسُ الإدارَة عنْ التواصلِ مع ما يدورُ في أروقةِ الشركاتِ ، وينشغلُون بعشرَات المهمّات والمناصب الموكلَة إليهم ممن تشغلهُم عن متابعةِ غيِّك ، وعندمَا يثقُون في الأجنبيّ أكثر من العُمانيّ ، وعندمَا لا يحسنونَ اختيارَ الكفاءاتِ الفنيّة والمخلصينَ من مهندسي البلَد ولا تطبقَ قوانينُ المناقصَات والحوكمَة الصّارمة سيتكررُ السيناريُو ..
 قلْ لأصدِقَائكَ الفاسِدينَ الآخرين أن يأتُوا .. ولا يقلقوا .. أمورهم طيّبة يا صدِيقي .. أمورهُم طيّبة ..
***
هَامِش أخِير:
نحبُّ البلادَ كمَا لا يحبُّ البلادَ أحدْ
صَباحاً مَساءً
وبعدَ الصّباحِ
وقبلَ المساءِ
ويومَ الأحَدْ
سلامٌ
سلامٌ
 عَلى من صَمَدْ
نحبُّ البلادَ
لكَي لا يُحبَّ البلادَ أحدْ*


*بتصرّف للشاعرِ التونسيّ أولاد أحمَد

الأحد، 12 فبراير 2017

ما لم يقُلهُ لنا عدنان ابراهِيم







ليسَت هذهِ الصورةُ لحفلِ تخرّجٍ بالجامعَة كمَا أنّها ليسَت لفعاليَة ترفيهيّة أو ضَيف يقدّم محتوى فنياً بل إنّ هؤلاء الآلاف الذين حضرُوا من كلّ أنحاء السلطنة جاؤوا ليستمعُوا للمفكّر إسلامي أو الداعيَة عدنان ابراهيم .. لا تهمّ الألقاب ولكنْ من المهمّ ألا نغفل أنّ هذهِ الجمُوع الغفيرَة حضرَت لسببٍ ما وقاسمٍ مشترك هو اهتمامها بالرّسالة التي يقدّمها هذا الرّجل.
لا أذكرُ متى كانت آخرُ مرّة اجتذبت شخصيّة ذات طابع ديني ، سياسيّ أو اجتماعيّ هذا الثقل والإقبال ولكنّ من الضروريّ بمكان أن نشير إلى أنّ السواد الأعظم من الحضُور كانُوا من الشباب أو كمَا أشارَ المحاضرُ نفسهُ من طلاّب الجامعَات وهذِهِ دلالَة تحملُ بعدَين أو إشارتين لا ينبغي علينَا إغفالها ..
الذي لا يعرفهُ الكثيرون أنّ المجتمعَ العمانيّ واحدٌ من أكثر مجتمعات العالمِ شباباً .. إذ يشكّل السّكان ممن تقلّ أعمارهم عن 34 عاماً قرابة 75% من التعداد الكلي للسكان و85% من مجموع السكّان هم في الأربعين وأقلّ .. نحنُ نتحدّث عن شبابٍ يشكّلون الآن بذرَة وعيهم الأولى للحيَاة .. طاقَات هائلة ، أسئلة متوثبَة .. أفكَار متمرّدة وعقول لا تنطلي عليهَا الخطابات المنقولة والخطَب المعلّبة ..
بالتّالي فإن إقبالاً بهذا الحجم من قبل هذه الفئة على مفكّر كعدنان ابراهيم يطرحُ أسئلة جوهريّة عن قدرَة الخطاب الدينيّ اليَوم في عمان على الاتصالِ بأفكار هؤلاء الشباب وزمنهم ومدَى قدرتهِ على الإجابَة على استفهَاماتهم ومواكبتهِ لرؤاهم ومسَاحات اهتمامهم ..
في الوَقت الذي تواجهُ المسَاجد فيه حالة انفصال كبيرَة بين هُموم الشّارع ومشاكله وبين الخطَابات التي توجّه أسبوعياً يوم الجمعة أو الدّور الذي تلعبهِ المساجد في إدارَة العمليّة التنويريّة لشباب المجتمع.
الوقت الذي أصبحَت فيهِ خطب يوم الجُمعة عبئاً على آذان المصلّين ووقتهِم .. بل وأصبحَت مصدرَ تندّر ونكتة اعتدنَا متابعتها في مناشير المصلّين بعد صلاة الجمعة على حسَاباتهم وتغريداتها .. هذَا العُزوف الذي جعل أعداداً تتزايد اليَوم بين المصلين تنسحبُ حتّى من تلك الفرصَة الأسبوعيّة الوحيدة للوعي.
لماذا لا نرَى خبرَاء اقتصاديين يعتلُون المنبر ويحاضرُون أمام تلك الجموع الغفيرة عن تقلّبات الاقتصاد وأحواله وعن مؤشرات الأداء الاقتصاديّ للبلد وخبرَاء اجتماعيين وأسريين يستعرضُون أهمّ التحديات التي تواجهُ الشباب والأسر والأطفال.. أطباء نفسيين ينشرُون ثقافة الوعي النفسيّ بين المصلين .. لماذا تحتكرُ خطبة الجمعة على الخطَاب الديني الكلاسيكيّ الذي لم يعد بالإمكان "بلعه" من قبلِ هؤلاء الشباب المندفعين الذي يحتاجُون في الأسبوع الذي قفزت فيه تسعيرات الوقود إلى سمَاع خطبةٍ يلقيها خبيرٌ في اقتصاد الوقود عوضَ أن يسمعُوا خطبَة معلّبة عن ثقافة الاعتذار؟!
خطبَة يوم الجمعَة هي نافذة وعي تنويريّ للمصلّين وليست عظَة دينيّة أسبوعيّة .. ولو كانت على هذا الطّراز لما كنّا سمعنَا بعدنان ابراهيم الذي ما كانَ لينتشر لولا خطَاب الوعي التنويريّ المختلف والمتمازج الذي كان يطرحهُ وهو يخطبُ في النّاس يومَ الجمعَة.
هذَا الرّجل الذي لا يسوقَ لك رأياً دونَ أن يقدّم معه باقةً من الاسترشادات التي تخاطبُ عقلكَ ومنطقك .. وهيَ ليست استرشادات على الطريقة التقليديّة التي نسمعها من رجال الدين وإنّما يقتبسُ لك تارةً من شاعرٍ جدليّ وتارةً من مفكّر وآخرَ من فيلسوف .. إنّه يقدّم باقَة معرفيّة هائلة يشعرُ فيها المرءُ بأنّ الرّجل لا يقدّم لك اقتباساً تلقينياً بقدرِ ما يقدّم لك فرصَة للتفكِير في الزّمن الذي اعتدنا فيهِ على خطاباتٍ تلقينيّة بأدواتٍ جاهزَة آخر همّها أن تقولَ لنا: فكّروا ، تدبّروا ، جادلوا وعارضُوا ..
اليَوم أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى يبدُو الخطَابُ الدينيّ في عُمان شديدَ الهُزال في أدوَاتهِ وطريقَة طرحهِ .. لا يحضُر اليَوم اسمٌ شابٌ في عُمان يقدّم فكراً تنويرياً جريئاً ومعتزاً بنفسهِ .. لا يملكُ الشباب –رغم ضرورَة حاجتهِم إلى قدوَة- وجهاً شاباً يخاطبُ فيهم العقل والمنطق ويكسرُ التابُوهات التي استطاع عدنان ابراهيم بجرأةٍ أن يكسرها ..
أيّ رجلٍ دينٍ عمانيٍ اليوم قادر بصرَاحة كما فعلَ عدنان ابراهيم أن يحلّ الموسيقا ويصفها بأنّها غذاء الرّوح .. من القادر على أن يقولَ أنّه يعلّق في بيتهِ لوحاتٍ فنيّة ومنحُوتات كما يعلنُها عدنان ابراهيم صراحَة؟ رغمَ أنني أعرفُ شخصياً أئمة مساجِد يفعلونَ ما أعلنهُ الرّجل خفيةً خوفاً من الصّدام والتكفير.
من القادِر أن يقولَ للنّاس لا مشكلَة لدينا في أن يعيشَ بيننا الملاحِدَة طالما احتفظوا بفكرهِم لنفسهم ورغمَ أننا في عُمان نمتلك هذا التعايش وإن "بشكلٍ صامت" .. من القادِر أن يقولَ كما قالها عدنان ابراهيم في خطبةٍ لهُ قبلَ عام أنّ مشكلتنا الحقيقيّة أننا نريدُ أن يعتنقَ كلّ أحدٍ ما نعتنقهِ ثمّ يكمل قائلاً (يا أخي أنا ملحد أنا كافِر أنا أعبد الشيطان .. يا أخي كيفي!! انت مالك؟ )
نعَم إنّ من قالها عدنان ابراهِيم الذي حضرَ الآلاف من الشباب من كلّ عُمان ليستمعُوا لفكرِهِ ويحضرُوا محاضرتهُ! في الوقتِ الذي انصرفَ هؤلاء الشبابِ عن المساجِد وأحجموا عن خطبِ يوم الجمعَة! أليسَ هذا مدعاةً للتساؤل عن المختلفِ الذي يقدّمه هذا الرّجل عمّا اعتدنا سماعَه من الخطَاب المعتاد؟
قد يختلفُ النّاس أو يتفقون على مصادِر الأخلاق للشعُوب اليَوم .. أهيَ الدين أم التشريعات؟! في ظلّ شيُوع مكارم الأخلاق في دُولٍ تراجعَت فيها سلطَة الدين واستعانت عوضاً عنهُ بتشريعَات وقوانين تسنّ للشعُوب مالها وما عليهَا من واجباتٍ وحقوق ولعلّ التجربة النمساويّة التي كفلت لعدنان ابراهِيم مساحَة أن يخطب في النّاس في مسجدٍ بقلبِ فيينا العاصمَة التي خرجَت منها جيُوش المسيحيّة إلى العالم كلّه قبل قرون مثالاً واضحاً على قدرَة هذه الدول على سنّ تشريعَات تكفلُ مناخاً آمناً للعبادَة والعقيدَة طالما التزم المؤمنون بما لهم وما عليهم تجاهَ الدولةِ وقوانينها..
لكنّ الأزمَة عندما تتراجَع سلطَة الدين وتأثيره وتفترُ أدواتهُ وتنسحبُ العقولُ المؤثرةُ فيه وتتواصلُ الخطابات التلقينيّة في بلدانٍ لا تزالُ القوانين فيها هلاميّة والتشريعات التي تنظّم للنّاس قواعدَ حياتها ومنهج تعاملاتهم هشةً فإنّ الخوفَ على هؤلاء الشبابِ يبدُو أكبر والقلقَ على توجّهاتهم أعمق وهوَ كما يصفهُ محمد راتِب النابلسي مصيرٌ ذو نهايتين متطرفتين فإمّا الخواء الروحي والفرَاغ النفسي الذي يفتقدُ الدوافع الانسانيّة العميقة أو التطرّف الدينيّ واللجوء إلى التياراتِ الدينيّة المتشددة.
لقد جاءَ عدنان ابراهِيم بصخبهِ .. شاغلاً الناسَ ومالئاً مجالسهم بينَ مؤيدٍ ومعارض غيرَ أنّ هذا الاحتدام في نقاشِ طرحهِ يبرزُ مقدار وعي الشبابِ وميلهِم إلى خطاباتٍ مجددة مختلفة عن السائد تخاطِب عقولهم وتقتبسُ لرأي الشاعرِ والفيلسوف تماماً كما تقتبس من سيرَة النبيّ صلى الله عليهِ وسلم وأحاديثهِ ويقدّم إشاراتٍ جادّة إلى ضرورةِ مراجعَة نمط االخطاب الدينيّ الذي يقدّم للشباب اليَوم .. والذي أصبحَ -تزيدهُ القبضَة الأمنيّة عزلةً - يسبحُ في عالمٍ مختلفٍ لا يشبهُ عالمنا ولا مجتمعنا الذي لا يملكُ أدواتٍ ناضجَة بعد في مواجهة مشاكلِه المتزايدة بين إدمان المخدّرات ، اغتصاب الأطفال ، الرشَاوى ، ترهّل النظام القضائي وقضايا عصريّة كثيرة تتزايد وطأتها دون حلّ ولا يبدُو أن الخطابَ الدينيّ لدينا قادرٌ حتى الآن على احتوائها وتقديم خطابٍ يشبهُ الشباب ومشاكلهم المعاصرَة.

الأربعاء، 7 ديسمبر 2016

ما الذي نعرفهُ عن اقتصَاد المدرسَة؟


 
عائشة السيفي


 


صدرَ قبلَ شهرين ، تقرير التنافسيّة الاقتصاديّة عن المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2016 و 2017 القائم على عدد من المقومات الرئيسية التي تحدد مؤشر التنافسية منها مؤشرات الفساد وقوة الرقابة ، أداء مؤسسات القطاع العام، الأمن القومي ، التعليم العالي ، التدريب الوظيفي ، الصحة إلى آخره .. لكنّ أهمّ من ذلك كلّه هو مؤشر التنافسية في جودة التعليم الابتدائي الذي يعدّ مقوّماً أساسياً لاستشراف مستقبل أي دولة وجديّتها في الاستثمار الحقيقي في الاقتصاد .. الاستثمار الحقيقي الذي يعني التالي: أن نبدأ من التعليم الأساسي!

لم نسمعِ الكثير عن التقرير لأنّ أغلب المؤشرات التي حصدَتها السلطنة غير مطمئنة وبالتالي فقد اعتَاد إعلامنا أن يلملم إخفاقاتنا بالسّكوت عوض طرحها على طاولةِ النّقاش وتحليلها تحليلاً جاداً .. ورغم أننا حصدنا المركز 66 عامّةً في التنافسيَة الاقتصاديّة فإنّ وضعنَا كان أكثر سوءاً إذا ما بدأنا من الأساس: التعليم الابتدائي.

لم يكُن طبعاً من المدهش أن نرى عُمان في المركز الـ78 حاصدةً 3.9 من أصل 6.7 المؤشر الأعلى الذي تصدّرته فنلندا .. الدولة الحلم في التعليم الأساسي. وكان ترتيبهَا السابع عربياً بعد قطر والامارات العربيّة المتحدة ، لبنان والبحرين والسّعوديّة.

حصدت عُمان هذا المركز بعدَ دولٍ مثل كينيا والفلبين واندونيسيَا وجامبيا، الهند وسيرلانكا التي يفصلنا عنها 46 مرتبة! دول يصل متوسطُ دخلِ الفرد فيها إلى 20% من متوسطِ دخل الفردِ العُمانيّ .. دول لا تزال تكافح الأمراض التي تخطيناها منذ زمن مثلَ الكوليرا والملاريا ، دول لا تزال تكافح في توفير الاحتياجاتِ الأساسيّة مثل الكهرباء و ماء الشرب النظيف .. دوَل نستقدمُ منها عاملاتِ منازلنا .. لكنّها على شحّ مواردها حصدَت مراتب متقدمَة في القائمَة. لأنّها تعرف أنّ بالإمكان للمعادلة أن تتغير وأنّ اقتصَاد الغد يقوم على معادلَة بسيطَة للغاية ولكن أساسيَة: اقتصاد المدرسَة.

هنالكَ الكثير من المراجعة التي نحتاجُها اليَوم .. الكثير من المراجعَة الضروريّة إذا كنا نرغبُ في استشراف الغدِ الذي سيحملُ لنا تحديّات جديدة لا يبدُو أنني نعيهَا بعدُ.

الآخرُون يتقدّمون .. الدوَل تعمَل.. جيرَاننا يستثمرُون الموارد النفطيّة اليوم  لغَايات مستدَامة هدفها تسليح الأجيَال في اليَوم الذي تجفّ فيه برك النفط بالتعلِيم والمعرفة الحقيقيّة. الكثيرُ نحتاجُ أن يقالَ اليَوم ولكنّ الأهمّ هو أن نتعلّم بصدق من تجارُب الآخرين. لن نتحدّث اليَوم عن الشأن العمانيّ ففيهِ يطولُ الحديث. ولكنّ استعراض تجاربِ الدول التي تصدّرت قائمة جودَة التعليم الأساسيّ ضروريّة لتصحيح الأخطاء ومعرفَة ما ينقصنَا. يستعرضُ أوسكَار ويليام خرُوت في مقالهِ الذي سأترجمهُ لكم في القادمِ من المقال والذي نشرهُ مؤخراً في Business Insider مقتطفَات من أهمّ ما يلفت في تجارب الدول التسعِ المتقدّمة في التعليم والتي من المدهش ألا نرى في قائمةِ أفضل الأنظمة التعليميّة بريطانيا أو الولاياتِ المتّحدة التي في واقع الحال بدأت مؤخراً في التواصل مع دول أخرى ناجحَة تعليمياً مثل فنلندا لاستجلاب تجاربهم في التعليم وتطبيقها في المدارِس الأمريكيّة.

في اليَابان مثلاً التي تحتلّ المرتبَة التاسعة في التعليم يتاحُ للطالب في المرحلَة المتوسطة أن يقرّر إكمال دراستهِ النظاميّة حتى الثانويّة أو الالتحاق مباشرةً بالجامعة بعد دخولِ سلسلة تقييمات وتحديات لفرزِ نخبَة النخبة والسّماح لهُم بالالتحاقِ بالجامعَة في سنّ الرابعَة عشرَة.

ورغمَ ثراءِ التجربَة اليابانيّة إلا أنّه كان من المدهش أن نرَى هذا العام دولَة أوروبيَة ناميَة جديدة في القائمة هي أستونيا. هذه الدولة الصغيرة التي تستثمر سنوياً 800 مليون يورو في نظامهَا التعليميّ. بدأت هذه الدولة قبل سنوَات قانوناً يلزم بتعليم ما قبل المدرسَة الذي يبدأ من عمر 18 شهراً للطفل حتى عمر السبع سنوَات ويهدفُ البرنامج إلى التركيز على بناء شخصيّة الطفل ومعرفتهِ الانسانيّة في سنٍ مبكرَة تهيئهُ لمرحلَة المدرسة. كمَا تتيحُ الخيار للطالبِ بعد تخرّجه من المرحلَة المتوسطة للالتحاق بمدارس التعليم المهنيّ أو المدارس ذات النظام التعليمي الاعتياديّ.

تصدّرت قطر المركزَ الأوّل عربياً وكانت الدولَة العربيّة الوحيدة التي تحصدُ مركزاً متقدماً ضمنَ الأنظمَة التعليميّة العشر الأفضل على مستوى العَالم. وقد استثمرت هذه الدولَة النفطيّة بقوّة في تعليمهَا ضمنَ تنفيذها لاستراتيجيّة قطر 2030 التي تركّز بشكلٍ رئيسي على إعداد أجيال قطريّة متعلّمة قادرَة على أن تعتمدَ على نفسها دونَ الحاجة للاستثمار النفطيّ ويبدُو أنّها تسيرُ على الطريقِ الصحيح.

وفي المركزِ الخَامسِ تصدّرت هولندَا التي تقدّم نظاماً تعليمياً مبتكراً قائماً على ضمَان سعَادَة طلابِها. إذ اعتبر الأطفال الهولنديُون الأكثر سعَادة عالمياً في 2013 ويعُود ذلك إلى أنّ نظام المدارس الهولنديّة يلزم المعلمين بعدمِ إعطاء واجبات على الإطلاق لطلابِ الابتدائي والقليل فقط في المرحلَة المتوسطَة للطلاب الأكثر ذكاءٍ بين أقرانهم وتبدأ المدارس الهولنديّة في تقديم حزمة واجبات منزليّة مخففة للغاية للطلاب في المرحلَة الثانويّة. كما تنقسمُ المدارسُ الهولنديّة إلى قسمين مدارس لا تقدّم المادّة الدينيّة ضمنَ موادها الدراسيّة وأخرى تطرحها ضمنَ منهجها المدرسي وذلك على اعتبَار أنّ الديانة خيار شخصيّ يخصّ الطفل وأبويه وحريّة معتقداتهم.

أمّا سنغافورة فقد حصدَت المركز الرابع عالمياً وهي من أبرز الدول المتقدّمة في نظامها التعليمي في الرياضيات والإحصاء. تتعاملُ سنغافورة بتنافسيّة عالية لمقارنةِ أداء طلابها مع دول أخرى متقدمَة وتخضعهم لبرامجِ تقييمٍ مستمرّة لمتابعَة أدائهم المدرسي ومقارنتهِ عالمياً. بالإضافة إلى ذلك فإنّ سنغافورة تتعاملُ مع الرياضيّات على اعتبارها أبعد من مجرّد أرقام وحسابات وتحرصُ على تقديم حزمٍ تعليميّة تذهب بالطلاب إلى فلسفَة الأرقام وزرعها زرعاً في نشأتهم المبكرَة. كما تقوم هذه الدولة الصناعيّة بتقديمِ حزمٍ مغريَة للغاية للمعلمين والمنخرطين في السلكِ التعليميّ على اعتبارهِ أحد أهم القطاعات التي تجتذبُ أفضل المواردِ البشريّة.

أما بلجيكَا فتتصدر المركز الثاني عالمياً وهي تؤسس لنظامٍ تعليميّ قائم على الاستثمار المبكّر في المواهب فمن عمرٍ صغيرٍ يمكن للطالب أن يقرّر الانخراط في مدارس تركّز على الفنون ويتابع نشأتهُ التعليميّة فيها أو مدارس الصنَاعات المهنيّة والحرفيّة التي تستقبلُ الأطفال جنباً إلى جنبٍ مع المدارسِ الحكوميّة كما تخصّص الحكومة البلجيكيّة ميزانيّة ضخمة للغايَة للاستثمار في القطاع التعليمي.

والحالُ لا يختلفُ عن سويسرَا التي تتصدّر قائمة أقوى الاقتصادَات العالميّة ولكنّ 5% فقط من طلابها يذهبُون إلى المدارس الخاصّة وينخرط الـ95% الباقون في مدَارس حكوميّة. تقدّم سويسرا خمسَ مناهج لغَات مختلفة لطلابها وتفرزهم بعدَ المرحلَة المتوسطَة بناءً على قدراتهم واتجاهاتها إلى صفوف ومدارس مختلفَة.

ويختتم ويليام خروت مقالهُ بفنلندا التي لم يكُن من الغريبِ أن تتصدّر المركزَ الأول بشكل متكرّر فالدولة الاسكندنافيّة لا تؤمن بنظام تقسيم الفصول الدراسيّة مما حقق أقلّ فرق عالمياً بين أضعف طالبٍ في الفصلِ الفنلندي والأكثر تفوقاً. وبالكَاد تفرضُ فنلندا أيّ واجبات منزليّة على طلاّبها كما لا تفرضُ عليهم أي امتحاناتٍ حتّى سنّ السادسَة عشرة.
هنالكَ الكثير حتماً مما يقالُ حين نغُوصُ في تجربَة كلّ دولة. كلّ دولة من هذهِ الدولة تمتلك تبايناً هائلاً جغرافياً ولغوياً واقتصادياً وانسانيّا ولكنّ ما يجمعها هوَ إدراكها بأنّ الانسانَ يأتي أوّلاً وأنّ كلّ موارد الطاقة والطبيعَة زائلة وما يبقَى في النهَاية هوَ الاستثمار في العقلِ البشريّ القادر على خلقِ المعجزات إذا استثمرنا فيه بشكلٍ صحيح. وحتماً لم تكن تجربتها قائمة على وزارة واحدَة أو مؤسسة تعليميّة ولكنّها حصَاد ليالٍ طويلَة من العمَل المضنِي بين مؤسسات التعليم والتخطيط والمجتمَع ومواردهِ البشريّة ولابدّ أنّها أدركَت أنّ اقتصادَات العالم تصعدُ وتهبط، تنجحُ وتفشل ولكنّ الحل الوحيد لحمَاية شعبها هو توفير تعليم قويّ لهم يسلحهُم بالمعرفَة ويهيئهم لرياحِ التقلبات الاقتصاديّة العاتية.

الاثنين، 15 أغسطس 2016

متضامنُون!

http://ayshaalsaifi.blogspot.com/2016/08/blog-post.html


قبلَ أيّامٍ أغلقتِ الحكُومة جريدَة الزّمن بل وَمنعت تداولها الالكترونيّ حتى بينَ المواطنين بعدهَا قضَى النّاسُ أيّامهم مؤخراً في المناظرَات بشأنِ وطنيّة مظاهِر التاجرِ من عدمِها وأجندتهِ الخارجيّة أو الشخصيّة وهوَ الذي عادَ مؤخراً مع قضيّة الزّمن مساهماً في تشويش أهدافِ القضيّة وإفقادها جديّتها قبل أن يُخترقَ حسابهُ على تويتر قبلَ أيّام وعليهِ فإنّ من الحكمَة التساؤلَ عنِ الظرُوف التي هيأت لظهُور مظاهِر ورواجِ صيتهِ وما الذي جعلَ النّاسَ من اليأسِ والإحباطِ والتشكيك للجوءِ إلى مظاهِر والنظرِ إليهِ كبطلٍ يلوذونَ إليهِ ويستمعُون له؟

الذي نتفقُ عليهِ أكثر مما مضى أنهُ ما لم تعمَل الحكُومة على ترسيخِ مبدأ العدلِ والمواساةِ وزرعهِ زرعاً داخلِ إيمان الفردِ ووعيهِ فسيظهرُ ألف حسابٍ يتاجرُ بهمُوم الشعبِ وألفُ منبرٍ .. ولن يُجدِي منعُ هذه الصحيفَة وتلك ما لم تقتلعِ الأسبابُ الرئيسَة من جذورها.

لقد قلتُها سابقاً وأعيدُ بأنّ ... الصحافَة المشاغبَة وغير المحايدَة هيَ مظهَر صحيّ في عالمِ الصحافَة راقنا أم لم يرقنَا .. والنظُم الشفافَة غير القلقة من ثغرَاتها تتعاملُ معها بالردّ المهني القائم على الأدلّة والتفنيد ، تحريك الدعاوَى ، أو حتّى التجاهل حتماً لا على الاعتقال .. إنّ الأمر يزيدُ الصُورة قتامةً أكثر مما هي عليهِ ويوصلُ رسالةً للعامّةِ بأنّ هنالكَ "إنّ" في الأمر حتّى لو كانَ الأمرُ مجرّد فقاعةٍ في الهواء ويتركُ المساحَة مفتوحةً للمتصيدينِ في الماءِ العكرِ من القفزِ مجدداً في المشهَد (مظاهِر التاجر نموذجاً) ..

لقد أكِلنَا يومَ أكِلَ الثّور الأبيضُ عندمَا لاكتِ الألسنِ وحامَت النمائمُ على أسماءٍ بعينها على رأسِ أكثرِ المؤسساتِ حساسيّة في البلاد ولكنّها استمرّت تمارسُ مهامَها وحذّرنا قبلها أنّ استمرارها يهزّ هيبةَ هذه المؤسساتِ أمام المواطِن ويكسرُ ميثاق الثقة الذي لا نملكُ إلاّها في مواجَهةِ ريَاح الفتنِ الذي تحيطُ بنا من كلّ صوب .. هذهِ المؤسساتُ التي يرى فيها المواطنُ العُماني كينونتهُ ووجودهُ على هذه الأرض .. المؤسسات التي يرَاها جداراً لهُ وحصناً حصيناً ينبغي أن تُحمى بإزالةِ كلّ اسمٍ تلوكه الألسن سواءً كانَ متورطاً أو بريئاً بل وفي دُوَل المؤسساتِ تعمدُ هذه الأسماء إلى تقديمِ استقالَتها مقدمّة مصلحَة المؤسسة واستمراريّة هيبتها على مصالحها الشخصيّة وباعثةً برسالةٍ مهمّة هيَ أنّ المؤسسة أكبَر من الاسم .. المؤسسة تبقَى والأسماءُ تزول ... وما ينبغي الحفاظُ عليهِ ليسَ اسماً على كرسيٍ ولكن ما ينبغي أن يضحَى بالغالي والثّمين من أجلهِ هوَ احترام المواطن وثقتهُ العمياء التي لا تشوبُها شائبة بأنّ هذهِ المؤسسة هي مستقبلهُ وحاميهِ وملاذهُ ووجُوده وعضُده وكلّ ما تمثّله معاني الوطنيّة له .. لكنْ هل رأى المواطنَ العُماني هذا يحدث على الوَاقع؟

هُنالكَ ممن لا يزَالُ يملكُ قليلاً من الإيمان في حالةِ الحَيرةِ هذهِ بأنّ قراراتٍ لابدّ أن تتخذَ بإزالةِ الأطرافِ الأقوى في القضيّة وأنها تحظَى بمتابعةٍ عن كثب ولكنّ ذلك لن يحدثَ فوراً حتّى لا تُبعثَ رسالة ٌ بأنّ الصحيفَة كانت على حقٍ بطريقةِ إثارتها للموضوعِ وتقديمها له وذلكَ يقودُ لسؤالينِ مهمّين: أوّلهما هوَ ما المشكلَة في أن تشعِر السّلطةُ شعبَها أنّ له يداً في التغيير وإعادة ترتيبِ القوَى؟ ما المشكلَة أن يشعرَ الشّعب أنهُ ذراعٌ يمينٌ للسلطَة إذا نزلَ بكاملِ ثقلهِ في هذهِ القضيّة التي لم تعُد قضيّة الزّمن ومؤسسةِ القضاءِ والإدعاءِ العامّ ولكنّها أصبحت قضيّة رأي عام؟ ما المشكلَة في أن يرَى الشّعب تغييراً صارماً يراهُ رأي العَين في أشدّ حالاتِ الحيرَة التي عشنَاها اليَوم منذ سنوَات؟

ثانِيها: أنّ الأمرَ أبعدُ من تغيير اسمَين أو ثلاثة أو عشرَة فنحنُ اليَوم نعيشُ أزمَة الدّولة العَميقة التي تحتاجُ إلى هزّة حقيقيّة من الحكُومة ترمِي إلى تغييراتٍ جذريّة جوهريّة داخلَ جسَد المؤسسة وإعمَال حقيقيّ للقوانينِ وأهدَاف ورؤيَة دولَة المؤسساتِ التي طمحَ لها المؤسسونَ على رأسِهم صاحِب الجلالَة؟

في اليَوم الذي أغلقت فيهِ جريدَة الزّمن - وهوَ يومٌ حزينٌ في تاريخِ أيّ دولَة ذلكَ الذي تغلقٌ فيهِ صحيفةٌ بسببِ تغطيَة صحفيّة - بكَت صاحِبتي وهي تندُب المشقّة والسّنواتِ التي قضَاها صاحبُ الجلالة ووطنيّون آخرُون في بناءِ هذه الدّولة التي تنسفهَا اليَوم سنوَاتٌ أخيرةٌ تخلخلَ جسدُ مؤسساتهَا وترهّل –بشهَادةِ أهلهَا- بشكلٍ مخيفٍ وسَريع حتّى لم يعُد الأمرُ اليَوم منوطاً بتغيير اسمٍ هنا أو هناكَ ما دامت الممارسَاتُ هي ذاتُها والقوانين غير فاعلَة التطبيق.

يشعرُ المرء أنّه لكثرَة ما نالَ جسدَ هذا الشّعبِ من طعنَات فإنّه لم يعُد يكترثُ للمزيدِ منهَا .. عندمَا تغلقُ قضيّة رأيٍ عامٍ أثارتهَا صحيفة ٌ بتغطيةٍ صحفيّة –اختلفنَا معهَا أو اتفقنا- بإغلاقِ الصحيفَة نفسها واعتقالِ صحفييهَا ثمّ تقديمهم للمحاكمَة في أقلّ من أسبُوع دونَ أن يلمحَ المواطِن أيّة ردّة فعلٍ ولو تطمينيّة حيال أطرافِ القضيّة (الأقويَاء منهم وذوي النفُوذ) فإنّ هذا الأمر ليسَ إلا طعنَة في وجُود وكيَان المواطِن ..

وحسبُنا وسطَ ما حدَث من خذلانٍ هيَ ردّة الفعلِ الواعيَة التي قوبلَ بها بيانُ "المصدر المسؤولِ" من قبلِ شرائحِ المجتمعِ على اختلافهَا وردُود الأفعَال المستنكِرة التي لم تعدِ الخطَاباتُ الرنّانةُ تنطلي على وعيِها.

وكالذي يقطعُ أوصالهُ وريداً وريداً .. تبدُو السلطة الأمنيّة وهي تستدعِي اخوَةً لنا ولهم لا يقلّون عن أجهزةِ الأمنِ قلقاً على أمنِ البلادِ واستقرارهِ وإن اختلفتِ الأدوَات ..

الاعتقالاتُ لا تأتي إلا بمزيدٍ من الخَوف والحنقِ والإحبَاط .. شعبٌ محبطٌٌ لا يعوّلُ عليه .. شعبٌ يشعرُ بالخذلانِ وغيابِ القدوَات الحسنَة والشّخصيات المؤثرة على رأسِ حكُومتهِ لا يمكِن أن يكونَ شعباً منتجاً وخلاّقاً .. شعباً يذهب إلى آخر الدّنيا مدافعاً عن وطنهِ أمام العالم .. الممارساتُ التي تحدثُ اليَوم .. لن تصنعَ من هذا الشّعب ، شعباً متفجراً بالإيمانِ بوعيِ حكومتهِ وقلقهَا عليه، على أمنهِ وعلى مستقبلِ أطفالهِ .. لن تجعَلَ منهُ العَين والأذن واليَد التي تبطِش بالفسادِ ، تكرههُ تنبذهُ .. تحتقرُ فاعليه بل ترسّخ منطقَ: "حلالٌ على كبرائِنا ، إذن حلالٌ علينا"

اليَوم ، يمثلُ صحفيّو الزّمن الثلاثَة أمام المحكمَة .. وهي لعمرِي أسرَع محَاكمة نشهَدها .. وأمامَ ذلكَ لا نملكُ اليَوم إلا أن نستجِيرُ بما تبقّى من الإيمانِ في قلوبنَا بأن يحدثَ تغييرٌ آخر في المشهدِ غيرَ المحاكمَات وسلسلةِ الاحتجازَات .. نستجِير بوعيِ المسؤولينِ وحكمَتهِم وإيمَانهِم بأنّ على قدرِ ما يزرعُون اليَوم ، يحصُدونَ غداً .. وأنّ هنالكَ الكثير من الأخطاء التي حدَثت وأنّ "الجانبَ المملوء من الكأسِ" في هذه القضيّة أن ندركَ أنّ تصحيحَ هذهِ الأخطَاءِ تصحيحاً يطالُ الجَميع وإن متأخراً خيرٌ من تركهَا.. وأنّ في هذهِ البلادِ الخير ولابدّ من استثمارِه .. وأنّها عُمان أطفالنَا وغدنَا ومستقبلنَا .. وعُمان وعُمان وعُمان..

إلى مجلِسِ الدّولة والشّورى: باسمِ ميثاقِ الشّرفِ الذي تمثّلون بهِ شرائَح هذا الشّعبِ وكلّ صوتٍ حملكُم إلى كراسيّكم ، هذهِ القضيّة هي قضيّتكم وعليهِ فأنتُم مطالبُون بأن تكُونوا طرفاً أميناً وناصحاً فيها وأن تكُونوا محركاً لإعدادِ استراتيجيّة عمَل وطنيّ تضمن تفعيلِ تطبيق القوانينِ والأنظمَة ومبادئ  النّزاهة وتعارض المصلحَة داخل مؤسساتِ الدّولة..

إلى كلّ مسؤولٍ حكوميٍ " قلقُنـَا هوَ قلقهُ" :
ولابدّ من شكوَى إلى ذي مروءةٍ
يواسِيكَ أو يُسلِيكَ أو يتوجّعُ


إلى هذَا الشّعب العُمانيّ:
يا ربّنا ..
احفَظ لنَا جلالَة السّلطَان ..
والشَّعب .....
والشَّعب ..........
والشّعب ...............