الخميس، 23 فبراير، 2017

رسَالة إلى صَديقيَ الأجنَبيّ الفَاسِد


عائشة السيفي

صَديقِي الأجنَبيّ الفَاسد
تحيَّة طيّبة وبعد ..
سأحدّثكَ عن بلدٍ جَميل في مكانٍ ما من العَالم .. شعبهُ أطيَب شعُوب الأرض .. سماؤُهُ وأرضهُ وجبَالهُ وهوَاؤهُ وبحرهُ هيَ جنَّة ربَّانيَّة لا يقدّرها أهلُها ولكنَّكَ ستقدرُها لأنّكَ جبتَ العَالم وتعرفُ ما يملِكهُ البلدُ هذا من كُنوزٍ لا يعرفُ قيمتَها أهلُ البلد..
غيرَ أنَّ أهمّ شيءٍ هوَ أنَّك ستحصلُ على راتِب مضاعَفٍ لا تحلمُ بهِ في تلكَ البلدِ.. دونَ أن تحتاجَ حتّى شهادةً جامعيَّة لأنَّك أجنبي .. عيناكَ زرقَاوان، بشرتُكَ بيضَاء ولأنّك لا تتحدثُ لغَة البلَد ..
ولأنَّكَ "قيمَة ثمينَة" لا تعوَّض.. فعلى الأرجَح ستعيَّنُ في منصبِكَ حتّى قبلَ أن تصدرَ الموافقَة الأمنيَّة التي تمشِّطُ عادةً ماضيْ كلّ موظف حكُوميّ "من أبناءِ البلد" لكنّها قد لا تنطبقُ بالضرُورة عليكَ لأنَّك "حاجَة ما حصلتش".
ستصبحُ رئيساً تنفيذياً لواحدَة من أكبَر شركَات البلد التي تمسكُ بعصبِ الاقتصادِ الوطنيّ–وليذهَب ماضيكَ المشبوه إلى غيَاهبِ الجبّ- ولن تضطرَّ لتدفعَ بيسةً من راتبكَ الشهريّ الذي يتخطّى العشرينَ ألف ريالٍ للضرَائب.. تصدَّق؟! أن تدفع 40% من راتبكَ لمصلحَة الضرائب وأنت تعمَل في بلدك ولكنَّك لن تدفعَ بيسَة واحدَة في هذا البلد. بالإضافَة إلى حزمَة امتيازَات ملكيَّة بين السّفر في درجَة رجال الأعمَال إلى آخره.
الآنَ حانَ وقتُك .. تعسَّفْ في الموظّفين .. موظفِيك من أبناءِ البلد طبعاً .. عيِّنْ زبانيتكَ وجوَاسِيسكَ بالجُملة في الشركَة التي تسمحُ لك بتعيينِ من تشَاءُ وفقَ نظَام –التعيين خارجَ سياسَات الشركَة- وإذا حدَثَ أن رغبتَ بتعيين صديقكَ وزوجتهِ في حيَّ الله منصب في الشركَة فأهلاً وسهلاً .. إنّهما أيضاً يمتلكان عينانِ زرقَاوان وشعر أشقر. أمورهمَا ماشيَة والحمدلله ..
تلاعَب بالمناقصَات وأحضِر شركَات وهميَّة ودرجَة ثالثَة ممن عملتَ معها سابقاً في ماضيكَ المشبوه وأسنِد لهَا أثمَن مشاريعِ البلد في أثمَن بقعَة في البلد ..
إذا لم يعجبكَ التقييمُ الفنيّ للمناقصَات وأردتَ ترجِيح كفّة شركَة (أعجبتكَ) على أخرى .. عَادِي جداً .. غيِّر فريقَ التقييم (على كيفك).
الذي يقفُ في طريقكَ من الأجَانب .. اطردهُ في نفسِ اليَوم .. بثَّ الرعبَ في نفُوسهم حتّى يصمتُوا .. والعُمانيُون الذين يقفُون في طريقكَ همِّشْهُم .. أو عيِّن عمَانيينَ فوقهُم ليترأسُوهم ممن يقُولونَ لأوامركَ: سمعاً وطاعَة ..
ضلِّلِ الرأيَ العَام .. قُل لهُم أنّ المستثمرِين على مشاريعنَا بالطوَابير .. ما لاحقِين على الطلبَات يا جمَاعة. اعمِل مؤتمراتٍ صحفيَّة .. تحدَّث لوسائل الإعلام بالجُملة .. ادعُ صحفيي العَالم ليغطّوا إنجازاتكَ الوهميَّة وأسكنهُم في فنادِق خمسَة نجُوم ليكتبُوا عنكَ (أخباراً حُلوة)
ولا تنسَ عمل احتفال ضَخم خمس نجُوم لتدشين مشرُوعكَ لتغطِي على فوحَان رائحتهِ ولا بأسَ أن تصرفَ كم مئة ألف من ميزانيَّة الشركَة على حاجَات مالها طعمَة في الحَفل.. والأهمّ على شركَات ليسَت من البلَد بلْ من مدينَة عالميّة مجاورَة تبدأ بحرفِ الدّال :).
أسنِد ما تشَاءُ من المناقصَات مباشرةً دونَ العودَة لدائرةِ المناقصَاتِ في شركتكَ .. خاصّة تلكَ المناقصَات التي تقعُ تحتَ إطارِ سلطتكَ ممن تقلّ قيمَتُها عن الخمسَة والعشرين ألف.
وفي حالِ ضاقَ الوطنيّون من موظفيكَ ذرعاً وقررُوا شكواكَ لدَى مجلسِ الإدارَة ، قُل عنهُم: غيُورون .. دلّوعين ما عاجِبهم رئيس صارِم .. ما يحبّوني لأنّي أجنبي عيُوني زرقَاء وسحنتي بيضَاء .. وسيصدّقكَ مجلسُ الإدارَة ..
لو قرروا اللجُوء لصحفيٍ من أجلِ كسبِ مساندَة الرأيِ العَام .. حاوِلِ استمالَة الصحفيّ فإن رفضَ .. عادِي .. سيكتبُ الصحفيّ ولكنّ الرأي العَام سيتجاهله.. فالرأيُ العُام مشغُول بأزمَة الوقُود ، وبنعِيمة وبقضَايا أهمّ من فسَاد مسؤُول أجنبيّ.
وحينَ يقررُ موظفُوكَ اللجوءَ للسلطاتِ الأمنيَّة والجهَات العليَا في البلد ومجلسَ الشورَى لتخليصِ البلدِ من الضررِ الفادحِ الذي أحدثتهُ ويبدأ الضغطُ عليكَ ويبدَأ المخلُصُونَ في المؤسساتِ الأمنيَّةِ بمحاصَرتك بمخالفَاتك.. اذهَبْ إلى محاميكِ واخرُج بقائمَة من الشرُوط ليسَ أقلّها ملء كرشكَ بتعويضِكَ بكم راتبِ إضافيّ والخرُوج من منصبكَ على اعتبَار أنَّك استَقلتَ لا أُقِلتَ حفاظاً على "صَفحَتكَ البيضَاء" ..
تصدَّق يا صدِيقيَ الأجنبيّ؟! تصدَّق؟
سيُستجَابُ لطلبك .. وعوضَ أن تدخلَ السّجنَ على فسَادِكَ البيِّنِ والأضرَارِ الفادحَة التي ألحقتَها بسمعَة البلدِ واقتصادِها فإنّهُ سيحدثُ أن تنشرَ الصحفُ في اليَومِ التالي خبرَ طلبَك استقالَتكَ (لأسبابٍ شخصيّة) .. وستخرجُ من البلدِ برأسٍ مرفُوعٍ وحسابٍ بنكيٍ متخم .. تاركَاً خلفكَ المشاريعَ الثّمينة التي ذهبَت ظلماً وجوراً  في قبضَة الشركَات الوهميّة التي تركتَها بعدك.. تاركاً خلفَكَ من عيَّنتهُم دونَ وجهِ حقّ يسرَحُونَ ويمرحُونَ وتاركاً خلفكَ ضرراً فادحاً ورائحَةً نتنة لن يضعَ على إثرِها مستثمرٌ ديناراً من مالهِ للاستثمارِ.. القصَّة لم تنتهِ بعدُ يا صدِيقي والذنبُ ليس ذنبكَ وحدَك .. 
نعَم يا صدِيقي الأجنبيّ .. في بلادٍ ما ، حدثَ ويحدثُ هذا السيناريُو .. عندمَا تنعزلُ مجالسُ الإدارَة عنْ التواصلِ مع ما يدورُ في أروقةِ الشركاتِ ، وينشغلُون بعشرَات المهمّات والمناصب الموكلَة إليهم ممن تشغلهُم عن متابعةِ غيِّك ، وعندمَا يثقُون في الأجنبيّ أكثر من العُمانيّ ، وعندمَا لا يحسنونَ اختيارَ الكفاءاتِ الفنيّة والمخلصينَ من مهندسي البلَد ولا تطبقَ قوانينُ المناقصَات والحوكمَة الصّارمة سيتكررُ السيناريُو ..
 قلْ لأصدِقَائكَ الفاسِدينَ الآخرين أن يأتُوا .. ولا يقلقوا .. أمورهم طيّبة يا صدِيقي .. أمورهُم طيّبة ..
***
هَامِش أخِير:
نحبُّ البلادَ كمَا لا يحبُّ البلادَ أحدْ
صَباحاً مَساءً
وبعدَ الصّباحِ
وقبلَ المساءِ
ويومَ الأحَدْ
سلامٌ
سلامٌ
 عَلى من صَمَدْ
نحبُّ البلادَ
لكَي لا يُحبَّ البلادَ أحدْ*


*بتصرّف للشاعرِ التونسيّ أولاد أحمَد

الأحد، 12 فبراير، 2017

ما لم يقُلهُ لنا عدنان ابراهِيم







ليسَت هذهِ الصورةُ لحفلِ تخرّجٍ بالجامعَة كمَا أنّها ليسَت لفعاليَة ترفيهيّة أو ضَيف يقدّم محتوى فنياً بل إنّ هؤلاء الآلاف الذين حضرُوا من كلّ أنحاء السلطنة جاؤوا ليستمعُوا للمفكّر إسلامي أو الداعيَة عدنان ابراهيم .. لا تهمّ الألقاب ولكنْ من المهمّ ألا نغفل أنّ هذهِ الجمُوع الغفيرَة حضرَت لسببٍ ما وقاسمٍ مشترك هو اهتمامها بالرّسالة التي يقدّمها هذا الرّجل.
لا أذكرُ متى كانت آخرُ مرّة اجتذبت شخصيّة ذات طابع ديني ، سياسيّ أو اجتماعيّ هذا الثقل والإقبال ولكنّ من الضروريّ بمكان أن نشير إلى أنّ السواد الأعظم من الحضُور كانُوا من الشباب أو كمَا أشارَ المحاضرُ نفسهُ من طلاّب الجامعَات وهذِهِ دلالَة تحملُ بعدَين أو إشارتين لا ينبغي علينَا إغفالها ..
الذي لا يعرفهُ الكثيرون أنّ المجتمعَ العمانيّ واحدٌ من أكثر مجتمعات العالمِ شباباً .. إذ يشكّل السّكان ممن تقلّ أعمارهم عن 34 عاماً قرابة 75% من التعداد الكلي للسكان و85% من مجموع السكّان هم في الأربعين وأقلّ .. نحنُ نتحدّث عن شبابٍ يشكّلون الآن بذرَة وعيهم الأولى للحيَاة .. طاقَات هائلة ، أسئلة متوثبَة .. أفكَار متمرّدة وعقول لا تنطلي عليهَا الخطابات المنقولة والخطَب المعلّبة ..
بالتّالي فإن إقبالاً بهذا الحجم من قبل هذه الفئة على مفكّر كعدنان ابراهيم يطرحُ أسئلة جوهريّة عن قدرَة الخطاب الدينيّ اليَوم في عمان على الاتصالِ بأفكار هؤلاء الشباب وزمنهم ومدَى قدرتهِ على الإجابَة على استفهَاماتهم ومواكبتهِ لرؤاهم ومسَاحات اهتمامهم ..
في الوَقت الذي تواجهُ المسَاجد فيه حالة انفصال كبيرَة بين هُموم الشّارع ومشاكله وبين الخطَابات التي توجّه أسبوعياً يوم الجمعة أو الدّور الذي تلعبهِ المساجد في إدارَة العمليّة التنويريّة لشباب المجتمع.
الوقت الذي أصبحَت فيهِ خطب يوم الجُمعة عبئاً على آذان المصلّين ووقتهِم .. بل وأصبحَت مصدرَ تندّر ونكتة اعتدنَا متابعتها في مناشير المصلّين بعد صلاة الجمعة على حسَاباتهم وتغريداتها .. هذَا العُزوف الذي جعل أعداداً تتزايد اليَوم بين المصلين تنسحبُ حتّى من تلك الفرصَة الأسبوعيّة الوحيدة للوعي.
لماذا لا نرَى خبرَاء اقتصاديين يعتلُون المنبر ويحاضرُون أمام تلك الجموع الغفيرة عن تقلّبات الاقتصاد وأحواله وعن مؤشرات الأداء الاقتصاديّ للبلد وخبرَاء اجتماعيين وأسريين يستعرضُون أهمّ التحديات التي تواجهُ الشباب والأسر والأطفال.. أطباء نفسيين ينشرُون ثقافة الوعي النفسيّ بين المصلين .. لماذا تحتكرُ خطبة الجمعة على الخطَاب الديني الكلاسيكيّ الذي لم يعد بالإمكان "بلعه" من قبلِ هؤلاء الشباب المندفعين الذي يحتاجُون في الأسبوع الذي قفزت فيه تسعيرات الوقود إلى سمَاع خطبةٍ يلقيها خبيرٌ في اقتصاد الوقود عوضَ أن يسمعُوا خطبَة معلّبة عن ثقافة الاعتذار؟!
خطبَة يوم الجمعَة هي نافذة وعي تنويريّ للمصلّين وليست عظَة دينيّة أسبوعيّة .. ولو كانت على هذا الطّراز لما كنّا سمعنَا بعدنان ابراهيم الذي ما كانَ لينتشر لولا خطَاب الوعي التنويريّ المختلف والمتمازج الذي كان يطرحهُ وهو يخطبُ في النّاس يومَ الجمعَة.
هذَا الرّجل الذي لا يسوقَ لك رأياً دونَ أن يقدّم معه باقةً من الاسترشادات التي تخاطبُ عقلكَ ومنطقك .. وهيَ ليست استرشادات على الطريقة التقليديّة التي نسمعها من رجال الدين وإنّما يقتبسُ لك تارةً من شاعرٍ جدليّ وتارةً من مفكّر وآخرَ من فيلسوف .. إنّه يقدّم باقَة معرفيّة هائلة يشعرُ فيها المرءُ بأنّ الرّجل لا يقدّم لك اقتباساً تلقينياً بقدرِ ما يقدّم لك فرصَة للتفكِير في الزّمن الذي اعتدنا فيهِ على خطاباتٍ تلقينيّة بأدواتٍ جاهزَة آخر همّها أن تقولَ لنا: فكّروا ، تدبّروا ، جادلوا وعارضُوا ..
اليَوم أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى يبدُو الخطَابُ الدينيّ في عُمان شديدَ الهُزال في أدوَاتهِ وطريقَة طرحهِ .. لا يحضُر اليَوم اسمٌ شابٌ في عُمان يقدّم فكراً تنويرياً جريئاً ومعتزاً بنفسهِ .. لا يملكُ الشباب –رغم ضرورَة حاجتهِم إلى قدوَة- وجهاً شاباً يخاطبُ فيهم العقل والمنطق ويكسرُ التابُوهات التي استطاع عدنان ابراهيم بجرأةٍ أن يكسرها ..
أيّ رجلٍ دينٍ عمانيٍ اليوم قادر بصرَاحة كما فعلَ عدنان ابراهيم أن يحلّ الموسيقا ويصفها بأنّها غذاء الرّوح .. من القادر على أن يقولَ أنّه يعلّق في بيتهِ لوحاتٍ فنيّة ومنحُوتات كما يعلنُها عدنان ابراهيم صراحَة؟ رغمَ أنني أعرفُ شخصياً أئمة مساجِد يفعلونَ ما أعلنهُ الرّجل خفيةً خوفاً من الصّدام والتكفير.
من القادِر أن يقولَ للنّاس لا مشكلَة لدينا في أن يعيشَ بيننا الملاحِدَة طالما احتفظوا بفكرهِم لنفسهم ورغمَ أننا في عُمان نمتلك هذا التعايش وإن "بشكلٍ صامت" .. من القادِر أن يقولَ كما قالها عدنان ابراهيم في خطبةٍ لهُ قبلَ عام أنّ مشكلتنا الحقيقيّة أننا نريدُ أن يعتنقَ كلّ أحدٍ ما نعتنقهِ ثمّ يكمل قائلاً (يا أخي أنا ملحد أنا كافِر أنا أعبد الشيطان .. يا أخي كيفي!! انت مالك؟ )
نعَم إنّ من قالها عدنان ابراهِيم الذي حضرَ الآلاف من الشباب من كلّ عُمان ليستمعُوا لفكرِهِ ويحضرُوا محاضرتهُ! في الوقتِ الذي انصرفَ هؤلاء الشبابِ عن المساجِد وأحجموا عن خطبِ يوم الجمعَة! أليسَ هذا مدعاةً للتساؤل عن المختلفِ الذي يقدّمه هذا الرّجل عمّا اعتدنا سماعَه من الخطَاب المعتاد؟
قد يختلفُ النّاس أو يتفقون على مصادِر الأخلاق للشعُوب اليَوم .. أهيَ الدين أم التشريعات؟! في ظلّ شيُوع مكارم الأخلاق في دُولٍ تراجعَت فيها سلطَة الدين واستعانت عوضاً عنهُ بتشريعَات وقوانين تسنّ للشعُوب مالها وما عليهَا من واجباتٍ وحقوق ولعلّ التجربة النمساويّة التي كفلت لعدنان ابراهِيم مساحَة أن يخطب في النّاس في مسجدٍ بقلبِ فيينا العاصمَة التي خرجَت منها جيُوش المسيحيّة إلى العالم كلّه قبل قرون مثالاً واضحاً على قدرَة هذه الدول على سنّ تشريعَات تكفلُ مناخاً آمناً للعبادَة والعقيدَة طالما التزم المؤمنون بما لهم وما عليهم تجاهَ الدولةِ وقوانينها..
لكنّ الأزمَة عندما تتراجَع سلطَة الدين وتأثيره وتفترُ أدواتهُ وتنسحبُ العقولُ المؤثرةُ فيه وتتواصلُ الخطابات التلقينيّة في بلدانٍ لا تزالُ القوانين فيها هلاميّة والتشريعات التي تنظّم للنّاس قواعدَ حياتها ومنهج تعاملاتهم هشةً فإنّ الخوفَ على هؤلاء الشبابِ يبدُو أكبر والقلقَ على توجّهاتهم أعمق وهوَ كما يصفهُ محمد راتِب النابلسي مصيرٌ ذو نهايتين متطرفتين فإمّا الخواء الروحي والفرَاغ النفسي الذي يفتقدُ الدوافع الانسانيّة العميقة أو التطرّف الدينيّ واللجوء إلى التياراتِ الدينيّة المتشددة.
لقد جاءَ عدنان ابراهِيم بصخبهِ .. شاغلاً الناسَ ومالئاً مجالسهم بينَ مؤيدٍ ومعارض غيرَ أنّ هذا الاحتدام في نقاشِ طرحهِ يبرزُ مقدار وعي الشبابِ وميلهِم إلى خطاباتٍ مجددة مختلفة عن السائد تخاطِب عقولهم وتقتبسُ لرأي الشاعرِ والفيلسوف تماماً كما تقتبس من سيرَة النبيّ صلى الله عليهِ وسلم وأحاديثهِ ويقدّم إشاراتٍ جادّة إلى ضرورةِ مراجعَة نمط االخطاب الدينيّ الذي يقدّم للشباب اليَوم .. والذي أصبحَ -تزيدهُ القبضَة الأمنيّة عزلةً - يسبحُ في عالمٍ مختلفٍ لا يشبهُ عالمنا ولا مجتمعنا الذي لا يملكُ أدواتٍ ناضجَة بعد في مواجهة مشاكلِه المتزايدة بين إدمان المخدّرات ، اغتصاب الأطفال ، الرشَاوى ، ترهّل النظام القضائي وقضايا عصريّة كثيرة تتزايد وطأتها دون حلّ ولا يبدُو أن الخطابَ الدينيّ لدينا قادرٌ حتى الآن على احتوائها وتقديم خطابٍ يشبهُ الشباب ومشاكلهم المعاصرَة.

الأربعاء، 7 ديسمبر، 2016

ما الذي نعرفهُ عن اقتصَاد المدرسَة؟


 
عائشة السيفي


 


صدرَ قبلَ شهرين ، تقرير التنافسيّة الاقتصاديّة عن المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2016 و 2017 القائم على عدد من المقومات الرئيسية التي تحدد مؤشر التنافسية منها مؤشرات الفساد وقوة الرقابة ، أداء مؤسسات القطاع العام، الأمن القومي ، التعليم العالي ، التدريب الوظيفي ، الصحة إلى آخره .. لكنّ أهمّ من ذلك كلّه هو مؤشر التنافسية في جودة التعليم الابتدائي الذي يعدّ مقوّماً أساسياً لاستشراف مستقبل أي دولة وجديّتها في الاستثمار الحقيقي في الاقتصاد .. الاستثمار الحقيقي الذي يعني التالي: أن نبدأ من التعليم الأساسي!

لم نسمعِ الكثير عن التقرير لأنّ أغلب المؤشرات التي حصدَتها السلطنة غير مطمئنة وبالتالي فقد اعتَاد إعلامنا أن يلملم إخفاقاتنا بالسّكوت عوض طرحها على طاولةِ النّقاش وتحليلها تحليلاً جاداً .. ورغم أننا حصدنا المركز 66 عامّةً في التنافسيَة الاقتصاديّة فإنّ وضعنَا كان أكثر سوءاً إذا ما بدأنا من الأساس: التعليم الابتدائي.

لم يكُن طبعاً من المدهش أن نرى عُمان في المركز الـ78 حاصدةً 3.9 من أصل 6.7 المؤشر الأعلى الذي تصدّرته فنلندا .. الدولة الحلم في التعليم الأساسي. وكان ترتيبهَا السابع عربياً بعد قطر والامارات العربيّة المتحدة ، لبنان والبحرين والسّعوديّة.

حصدت عُمان هذا المركز بعدَ دولٍ مثل كينيا والفلبين واندونيسيَا وجامبيا، الهند وسيرلانكا التي يفصلنا عنها 46 مرتبة! دول يصل متوسطُ دخلِ الفرد فيها إلى 20% من متوسطِ دخل الفردِ العُمانيّ .. دول لا تزال تكافح الأمراض التي تخطيناها منذ زمن مثلَ الكوليرا والملاريا ، دول لا تزال تكافح في توفير الاحتياجاتِ الأساسيّة مثل الكهرباء و ماء الشرب النظيف .. دوَل نستقدمُ منها عاملاتِ منازلنا .. لكنّها على شحّ مواردها حصدَت مراتب متقدمَة في القائمَة. لأنّها تعرف أنّ بالإمكان للمعادلة أن تتغير وأنّ اقتصَاد الغد يقوم على معادلَة بسيطَة للغاية ولكن أساسيَة: اقتصاد المدرسَة.

هنالكَ الكثير من المراجعة التي نحتاجُها اليَوم .. الكثير من المراجعَة الضروريّة إذا كنا نرغبُ في استشراف الغدِ الذي سيحملُ لنا تحديّات جديدة لا يبدُو أنني نعيهَا بعدُ.

الآخرُون يتقدّمون .. الدوَل تعمَل.. جيرَاننا يستثمرُون الموارد النفطيّة اليوم  لغَايات مستدَامة هدفها تسليح الأجيَال في اليَوم الذي تجفّ فيه برك النفط بالتعلِيم والمعرفة الحقيقيّة. الكثيرُ نحتاجُ أن يقالَ اليَوم ولكنّ الأهمّ هو أن نتعلّم بصدق من تجارُب الآخرين. لن نتحدّث اليَوم عن الشأن العمانيّ ففيهِ يطولُ الحديث. ولكنّ استعراض تجاربِ الدول التي تصدّرت قائمة جودَة التعليم الأساسيّ ضروريّة لتصحيح الأخطاء ومعرفَة ما ينقصنَا. يستعرضُ أوسكَار ويليام خرُوت في مقالهِ الذي سأترجمهُ لكم في القادمِ من المقال والذي نشرهُ مؤخراً في Business Insider مقتطفَات من أهمّ ما يلفت في تجارب الدول التسعِ المتقدّمة في التعليم والتي من المدهش ألا نرى في قائمةِ أفضل الأنظمة التعليميّة بريطانيا أو الولاياتِ المتّحدة التي في واقع الحال بدأت مؤخراً في التواصل مع دول أخرى ناجحَة تعليمياً مثل فنلندا لاستجلاب تجاربهم في التعليم وتطبيقها في المدارِس الأمريكيّة.

في اليَابان مثلاً التي تحتلّ المرتبَة التاسعة في التعليم يتاحُ للطالب في المرحلَة المتوسطة أن يقرّر إكمال دراستهِ النظاميّة حتى الثانويّة أو الالتحاق مباشرةً بالجامعة بعد دخولِ سلسلة تقييمات وتحديات لفرزِ نخبَة النخبة والسّماح لهُم بالالتحاقِ بالجامعَة في سنّ الرابعَة عشرَة.

ورغمَ ثراءِ التجربَة اليابانيّة إلا أنّه كان من المدهش أن نرَى هذا العام دولَة أوروبيَة ناميَة جديدة في القائمة هي أستونيا. هذه الدولة الصغيرة التي تستثمر سنوياً 800 مليون يورو في نظامهَا التعليميّ. بدأت هذه الدولة قبل سنوَات قانوناً يلزم بتعليم ما قبل المدرسَة الذي يبدأ من عمر 18 شهراً للطفل حتى عمر السبع سنوَات ويهدفُ البرنامج إلى التركيز على بناء شخصيّة الطفل ومعرفتهِ الانسانيّة في سنٍ مبكرَة تهيئهُ لمرحلَة المدرسة. كمَا تتيحُ الخيار للطالبِ بعد تخرّجه من المرحلَة المتوسطة للالتحاق بمدارس التعليم المهنيّ أو المدارس ذات النظام التعليمي الاعتياديّ.

تصدّرت قطر المركزَ الأوّل عربياً وكانت الدولَة العربيّة الوحيدة التي تحصدُ مركزاً متقدماً ضمنَ الأنظمَة التعليميّة العشر الأفضل على مستوى العَالم. وقد استثمرت هذه الدولَة النفطيّة بقوّة في تعليمهَا ضمنَ تنفيذها لاستراتيجيّة قطر 2030 التي تركّز بشكلٍ رئيسي على إعداد أجيال قطريّة متعلّمة قادرَة على أن تعتمدَ على نفسها دونَ الحاجة للاستثمار النفطيّ ويبدُو أنّها تسيرُ على الطريقِ الصحيح.

وفي المركزِ الخَامسِ تصدّرت هولندَا التي تقدّم نظاماً تعليمياً مبتكراً قائماً على ضمَان سعَادَة طلابِها. إذ اعتبر الأطفال الهولنديُون الأكثر سعَادة عالمياً في 2013 ويعُود ذلك إلى أنّ نظام المدارس الهولنديّة يلزم المعلمين بعدمِ إعطاء واجبات على الإطلاق لطلابِ الابتدائي والقليل فقط في المرحلَة المتوسطَة للطلاب الأكثر ذكاءٍ بين أقرانهم وتبدأ المدارس الهولنديّة في تقديم حزمة واجبات منزليّة مخففة للغاية للطلاب في المرحلَة الثانويّة. كما تنقسمُ المدارسُ الهولنديّة إلى قسمين مدارس لا تقدّم المادّة الدينيّة ضمنَ موادها الدراسيّة وأخرى تطرحها ضمنَ منهجها المدرسي وذلك على اعتبَار أنّ الديانة خيار شخصيّ يخصّ الطفل وأبويه وحريّة معتقداتهم.

أمّا سنغافورة فقد حصدَت المركز الرابع عالمياً وهي من أبرز الدول المتقدّمة في نظامها التعليمي في الرياضيات والإحصاء. تتعاملُ سنغافورة بتنافسيّة عالية لمقارنةِ أداء طلابها مع دول أخرى متقدمَة وتخضعهم لبرامجِ تقييمٍ مستمرّة لمتابعَة أدائهم المدرسي ومقارنتهِ عالمياً. بالإضافة إلى ذلك فإنّ سنغافورة تتعاملُ مع الرياضيّات على اعتبارها أبعد من مجرّد أرقام وحسابات وتحرصُ على تقديم حزمٍ تعليميّة تذهب بالطلاب إلى فلسفَة الأرقام وزرعها زرعاً في نشأتهم المبكرَة. كما تقوم هذه الدولة الصناعيّة بتقديمِ حزمٍ مغريَة للغاية للمعلمين والمنخرطين في السلكِ التعليميّ على اعتبارهِ أحد أهم القطاعات التي تجتذبُ أفضل المواردِ البشريّة.

أما بلجيكَا فتتصدر المركز الثاني عالمياً وهي تؤسس لنظامٍ تعليميّ قائم على الاستثمار المبكّر في المواهب فمن عمرٍ صغيرٍ يمكن للطالب أن يقرّر الانخراط في مدارس تركّز على الفنون ويتابع نشأتهُ التعليميّة فيها أو مدارس الصنَاعات المهنيّة والحرفيّة التي تستقبلُ الأطفال جنباً إلى جنبٍ مع المدارسِ الحكوميّة كما تخصّص الحكومة البلجيكيّة ميزانيّة ضخمة للغايَة للاستثمار في القطاع التعليمي.

والحالُ لا يختلفُ عن سويسرَا التي تتصدّر قائمة أقوى الاقتصادَات العالميّة ولكنّ 5% فقط من طلابها يذهبُون إلى المدارس الخاصّة وينخرط الـ95% الباقون في مدَارس حكوميّة. تقدّم سويسرا خمسَ مناهج لغَات مختلفة لطلابها وتفرزهم بعدَ المرحلَة المتوسطَة بناءً على قدراتهم واتجاهاتها إلى صفوف ومدارس مختلفَة.

ويختتم ويليام خروت مقالهُ بفنلندا التي لم يكُن من الغريبِ أن تتصدّر المركزَ الأول بشكل متكرّر فالدولة الاسكندنافيّة لا تؤمن بنظام تقسيم الفصول الدراسيّة مما حقق أقلّ فرق عالمياً بين أضعف طالبٍ في الفصلِ الفنلندي والأكثر تفوقاً. وبالكَاد تفرضُ فنلندا أيّ واجبات منزليّة على طلاّبها كما لا تفرضُ عليهم أي امتحاناتٍ حتّى سنّ السادسَة عشرة.
هنالكَ الكثير حتماً مما يقالُ حين نغُوصُ في تجربَة كلّ دولة. كلّ دولة من هذهِ الدولة تمتلك تبايناً هائلاً جغرافياً ولغوياً واقتصادياً وانسانيّا ولكنّ ما يجمعها هوَ إدراكها بأنّ الانسانَ يأتي أوّلاً وأنّ كلّ موارد الطاقة والطبيعَة زائلة وما يبقَى في النهَاية هوَ الاستثمار في العقلِ البشريّ القادر على خلقِ المعجزات إذا استثمرنا فيه بشكلٍ صحيح. وحتماً لم تكن تجربتها قائمة على وزارة واحدَة أو مؤسسة تعليميّة ولكنّها حصَاد ليالٍ طويلَة من العمَل المضنِي بين مؤسسات التعليم والتخطيط والمجتمَع ومواردهِ البشريّة ولابدّ أنّها أدركَت أنّ اقتصادَات العالم تصعدُ وتهبط، تنجحُ وتفشل ولكنّ الحل الوحيد لحمَاية شعبها هو توفير تعليم قويّ لهم يسلحهُم بالمعرفَة ويهيئهم لرياحِ التقلبات الاقتصاديّة العاتية.

الاثنين، 15 أغسطس، 2016

متضامنُون!

http://ayshaalsaifi.blogspot.com/2016/08/blog-post.html


قبلَ أيّامٍ أغلقتِ الحكُومة جريدَة الزّمن بل وَمنعت تداولها الالكترونيّ حتى بينَ المواطنين بعدهَا قضَى النّاسُ أيّامهم مؤخراً في المناظرَات بشأنِ وطنيّة مظاهِر التاجرِ من عدمِها وأجندتهِ الخارجيّة أو الشخصيّة وهوَ الذي عادَ مؤخراً مع قضيّة الزّمن مساهماً في تشويش أهدافِ القضيّة وإفقادها جديّتها قبل أن يُخترقَ حسابهُ على تويتر قبلَ أيّام وعليهِ فإنّ من الحكمَة التساؤلَ عنِ الظرُوف التي هيأت لظهُور مظاهِر ورواجِ صيتهِ وما الذي جعلَ النّاسَ من اليأسِ والإحباطِ والتشكيك للجوءِ إلى مظاهِر والنظرِ إليهِ كبطلٍ يلوذونَ إليهِ ويستمعُون له؟

الذي نتفقُ عليهِ أكثر مما مضى أنهُ ما لم تعمَل الحكُومة على ترسيخِ مبدأ العدلِ والمواساةِ وزرعهِ زرعاً داخلِ إيمان الفردِ ووعيهِ فسيظهرُ ألف حسابٍ يتاجرُ بهمُوم الشعبِ وألفُ منبرٍ .. ولن يُجدِي منعُ هذه الصحيفَة وتلك ما لم تقتلعِ الأسبابُ الرئيسَة من جذورها.

لقد قلتُها سابقاً وأعيدُ بأنّ ... الصحافَة المشاغبَة وغير المحايدَة هيَ مظهَر صحيّ في عالمِ الصحافَة راقنا أم لم يرقنَا .. والنظُم الشفافَة غير القلقة من ثغرَاتها تتعاملُ معها بالردّ المهني القائم على الأدلّة والتفنيد ، تحريك الدعاوَى ، أو حتّى التجاهل حتماً لا على الاعتقال .. إنّ الأمر يزيدُ الصُورة قتامةً أكثر مما هي عليهِ ويوصلُ رسالةً للعامّةِ بأنّ هنالكَ "إنّ" في الأمر حتّى لو كانَ الأمرُ مجرّد فقاعةٍ في الهواء ويتركُ المساحَة مفتوحةً للمتصيدينِ في الماءِ العكرِ من القفزِ مجدداً في المشهَد (مظاهِر التاجر نموذجاً) ..

لقد أكِلنَا يومَ أكِلَ الثّور الأبيضُ عندمَا لاكتِ الألسنِ وحامَت النمائمُ على أسماءٍ بعينها على رأسِ أكثرِ المؤسساتِ حساسيّة في البلاد ولكنّها استمرّت تمارسُ مهامَها وحذّرنا قبلها أنّ استمرارها يهزّ هيبةَ هذه المؤسساتِ أمام المواطِن ويكسرُ ميثاق الثقة الذي لا نملكُ إلاّها في مواجَهةِ ريَاح الفتنِ الذي تحيطُ بنا من كلّ صوب .. هذهِ المؤسساتُ التي يرى فيها المواطنُ العُماني كينونتهُ ووجودهُ على هذه الأرض .. المؤسسات التي يرَاها جداراً لهُ وحصناً حصيناً ينبغي أن تُحمى بإزالةِ كلّ اسمٍ تلوكه الألسن سواءً كانَ متورطاً أو بريئاً بل وفي دُوَل المؤسساتِ تعمدُ هذه الأسماء إلى تقديمِ استقالَتها مقدمّة مصلحَة المؤسسة واستمراريّة هيبتها على مصالحها الشخصيّة وباعثةً برسالةٍ مهمّة هيَ أنّ المؤسسة أكبَر من الاسم .. المؤسسة تبقَى والأسماءُ تزول ... وما ينبغي الحفاظُ عليهِ ليسَ اسماً على كرسيٍ ولكن ما ينبغي أن يضحَى بالغالي والثّمين من أجلهِ هوَ احترام المواطن وثقتهُ العمياء التي لا تشوبُها شائبة بأنّ هذهِ المؤسسة هي مستقبلهُ وحاميهِ وملاذهُ ووجُوده وعضُده وكلّ ما تمثّله معاني الوطنيّة له .. لكنْ هل رأى المواطنَ العُماني هذا يحدث على الوَاقع؟

هُنالكَ ممن لا يزَالُ يملكُ قليلاً من الإيمان في حالةِ الحَيرةِ هذهِ بأنّ قراراتٍ لابدّ أن تتخذَ بإزالةِ الأطرافِ الأقوى في القضيّة وأنها تحظَى بمتابعةٍ عن كثب ولكنّ ذلك لن يحدثَ فوراً حتّى لا تُبعثَ رسالة ٌ بأنّ الصحيفَة كانت على حقٍ بطريقةِ إثارتها للموضوعِ وتقديمها له وذلكَ يقودُ لسؤالينِ مهمّين: أوّلهما هوَ ما المشكلَة في أن تشعِر السّلطةُ شعبَها أنّ له يداً في التغيير وإعادة ترتيبِ القوَى؟ ما المشكلَة أن يشعرَ الشّعب أنهُ ذراعٌ يمينٌ للسلطَة إذا نزلَ بكاملِ ثقلهِ في هذهِ القضيّة التي لم تعُد قضيّة الزّمن ومؤسسةِ القضاءِ والإدعاءِ العامّ ولكنّها أصبحت قضيّة رأي عام؟ ما المشكلَة في أن يرَى الشّعب تغييراً صارماً يراهُ رأي العَين في أشدّ حالاتِ الحيرَة التي عشنَاها اليَوم منذ سنوَات؟

ثانِيها: أنّ الأمرَ أبعدُ من تغيير اسمَين أو ثلاثة أو عشرَة فنحنُ اليَوم نعيشُ أزمَة الدّولة العَميقة التي تحتاجُ إلى هزّة حقيقيّة من الحكُومة ترمِي إلى تغييراتٍ جذريّة جوهريّة داخلَ جسَد المؤسسة وإعمَال حقيقيّ للقوانينِ وأهدَاف ورؤيَة دولَة المؤسساتِ التي طمحَ لها المؤسسونَ على رأسِهم صاحِب الجلالَة؟

في اليَوم الذي أغلقت فيهِ جريدَة الزّمن - وهوَ يومٌ حزينٌ في تاريخِ أيّ دولَة ذلكَ الذي تغلقٌ فيهِ صحيفةٌ بسببِ تغطيَة صحفيّة - بكَت صاحِبتي وهي تندُب المشقّة والسّنواتِ التي قضَاها صاحبُ الجلالة ووطنيّون آخرُون في بناءِ هذه الدّولة التي تنسفهَا اليَوم سنوَاتٌ أخيرةٌ تخلخلَ جسدُ مؤسساتهَا وترهّل –بشهَادةِ أهلهَا- بشكلٍ مخيفٍ وسَريع حتّى لم يعُد الأمرُ اليَوم منوطاً بتغيير اسمٍ هنا أو هناكَ ما دامت الممارسَاتُ هي ذاتُها والقوانين غير فاعلَة التطبيق.

يشعرُ المرء أنّه لكثرَة ما نالَ جسدَ هذا الشّعبِ من طعنَات فإنّه لم يعُد يكترثُ للمزيدِ منهَا .. عندمَا تغلقُ قضيّة رأيٍ عامٍ أثارتهَا صحيفة ٌ بتغطيةٍ صحفيّة –اختلفنَا معهَا أو اتفقنا- بإغلاقِ الصحيفَة نفسها واعتقالِ صحفييهَا ثمّ تقديمهم للمحاكمَة في أقلّ من أسبُوع دونَ أن يلمحَ المواطِن أيّة ردّة فعلٍ ولو تطمينيّة حيال أطرافِ القضيّة (الأقويَاء منهم وذوي النفُوذ) فإنّ هذا الأمر ليسَ إلا طعنَة في وجُود وكيَان المواطِن ..

وحسبُنا وسطَ ما حدَث من خذلانٍ هيَ ردّة الفعلِ الواعيَة التي قوبلَ بها بيانُ "المصدر المسؤولِ" من قبلِ شرائحِ المجتمعِ على اختلافهَا وردُود الأفعَال المستنكِرة التي لم تعدِ الخطَاباتُ الرنّانةُ تنطلي على وعيِها.

وكالذي يقطعُ أوصالهُ وريداً وريداً .. تبدُو السلطة الأمنيّة وهي تستدعِي اخوَةً لنا ولهم لا يقلّون عن أجهزةِ الأمنِ قلقاً على أمنِ البلادِ واستقرارهِ وإن اختلفتِ الأدوَات ..

الاعتقالاتُ لا تأتي إلا بمزيدٍ من الخَوف والحنقِ والإحبَاط .. شعبٌ محبطٌٌ لا يعوّلُ عليه .. شعبٌ يشعرُ بالخذلانِ وغيابِ القدوَات الحسنَة والشّخصيات المؤثرة على رأسِ حكُومتهِ لا يمكِن أن يكونَ شعباً منتجاً وخلاّقاً .. شعباً يذهب إلى آخر الدّنيا مدافعاً عن وطنهِ أمام العالم .. الممارساتُ التي تحدثُ اليَوم .. لن تصنعَ من هذا الشّعب ، شعباً متفجراً بالإيمانِ بوعيِ حكومتهِ وقلقهَا عليه، على أمنهِ وعلى مستقبلِ أطفالهِ .. لن تجعَلَ منهُ العَين والأذن واليَد التي تبطِش بالفسادِ ، تكرههُ تنبذهُ .. تحتقرُ فاعليه بل ترسّخ منطقَ: "حلالٌ على كبرائِنا ، إذن حلالٌ علينا"

اليَوم ، يمثلُ صحفيّو الزّمن الثلاثَة أمام المحكمَة .. وهي لعمرِي أسرَع محَاكمة نشهَدها .. وأمامَ ذلكَ لا نملكُ اليَوم إلا أن نستجِيرُ بما تبقّى من الإيمانِ في قلوبنَا بأن يحدثَ تغييرٌ آخر في المشهدِ غيرَ المحاكمَات وسلسلةِ الاحتجازَات .. نستجِير بوعيِ المسؤولينِ وحكمَتهِم وإيمَانهِم بأنّ على قدرِ ما يزرعُون اليَوم ، يحصُدونَ غداً .. وأنّ هنالكَ الكثير من الأخطاء التي حدَثت وأنّ "الجانبَ المملوء من الكأسِ" في هذه القضيّة أن ندركَ أنّ تصحيحَ هذهِ الأخطَاءِ تصحيحاً يطالُ الجَميع وإن متأخراً خيرٌ من تركهَا.. وأنّ في هذهِ البلادِ الخير ولابدّ من استثمارِه .. وأنّها عُمان أطفالنَا وغدنَا ومستقبلنَا .. وعُمان وعُمان وعُمان..

إلى مجلِسِ الدّولة والشّورى: باسمِ ميثاقِ الشّرفِ الذي تمثّلون بهِ شرائَح هذا الشّعبِ وكلّ صوتٍ حملكُم إلى كراسيّكم ، هذهِ القضيّة هي قضيّتكم وعليهِ فأنتُم مطالبُون بأن تكُونوا طرفاً أميناً وناصحاً فيها وأن تكُونوا محركاً لإعدادِ استراتيجيّة عمَل وطنيّ تضمن تفعيلِ تطبيق القوانينِ والأنظمَة ومبادئ  النّزاهة وتعارض المصلحَة داخل مؤسساتِ الدّولة..

إلى كلّ مسؤولٍ حكوميٍ " قلقُنـَا هوَ قلقهُ" :
ولابدّ من شكوَى إلى ذي مروءةٍ
يواسِيكَ أو يُسلِيكَ أو يتوجّعُ


إلى هذَا الشّعب العُمانيّ:
يا ربّنا ..
احفَظ لنَا جلالَة السّلطَان ..
والشَّعب .....
والشَّعب ..........
والشّعب ...............

الأربعاء، 22 يونيو، 2016

سفينَة الحكُومة أم سفينَة المواطن؟

http://ayshaalsaifi.blogspot.com/2016/06/blog-post_22.html
 

عائشَة السيفيّ

منَ الطبيعيّ جداً أن تجدَ محاولاتُ الحكومَة الأخيرة مقاومةً من الشعبِ في التحوّل من دولَة اقتصادٍ ريعيّ تقدّم خدماتهَا مجاناً إلى دولَة يدفعُ فيها المواطنُ مقابل الخدماتِ الأساسيّة التيْ تقدَّمُ له .. أقولُ ذلك رغمَ أنّ الحكومَة لم تبدأ بعدُ ذلك ولكنّها بدأت العملَ بـ"استراتيجيّة التواصل الاجتماعيّ" التيْ أشرتُ إليها سابقاً في مقالي عن الشَاورما النفطيّة .. الاستراتيجيّة التي حثّ صندوق النقدِ الدولي الحكومَة على اتباعهَا نحو مشاركَة أكثر شفافيّة للشعبِ في وضعِ البلد واقتصادهِ وضرورةِ تهيئة الشعبِ لتغيّرات قادمَة لن تروقهُ في ظلّ الدخول إلى عهدِ ما بعد النفط ..

من الطبيعيّ أن يحدثَ ذلك لسببين: أوّلهما أزمَة الثقة التي كرّستها أحداث كثيرة سابقة قبل الدخول في هذه الأزمة .. أزمة الثقة التي حذّرتُ في 2014 و2013 في مقالاتٍ عدّة من نتائجها .. إنّ الشعبَ اليوم ينظر إلى أيّ محاولة من الحكومة لوضعهِ في المشهدِ التقشفيّ هو حالَة تآمر عليه .. إنّهُ لا يقرأ في الورقَة التي توضّح التكلفة التي تغطيها الحكومة لعلاج المريض محاولةً لوضعهِ في الصورة ورفعِ وعيهِ باستخدام المرافق العلاجيّة "حين اقتضاء الحاجة" ولكنّه يقرأ فيها مؤامرة من مسؤولي الحكومَة ضدّه ومحاولَة لإفقاره.. وهوَ لا يأخذ أيّ خطواتٍ من الحكومَة لزيادة الشفافيّة في الإنفاق العامّ على محملٍ حسنٍ بل بنيّة تفترضُ أنّ الحكومة تخبّئ لهُ الأسوأ ..

ومردّ ذلك إلى سنوَاتٍ من البحبوحة الحكوميّة "النزقَة" التي رأى فيها المواطنُ اتّساع هوّة الدخل بينهُ وبين أثرياء البلد .. رأى بحبوحة الامتيازات التي تمنحُ للمسؤولين الحكوميين الذين يديرُون خارطَة الحكومة .. بدءاً من الامتيازات العينية كالبشوت والمصارّ والساعات الثمينة مروراً بالرواتب العاليَة والسفرَات المجانيّة وعلاوَات السفر اليوميّة "الخياليّة حد الضحك" .. والخدم والحشم ، والسوّاق والمزارعِين ..

ورأى قضايَا هزّت البلد مسّت شخصيّات رفيعة في الحكومة (هل تذكرُون قضيّة مظاهر التاجر؟) التي لم ير فيها المواطنُ الدولَةَ تتخذ أيّ اجراءاتٍ تجاه هذه الشخصيّات بل استمرّت بيننا اليوم تمارس مهامّها وتنالً التكريمَات أيضاً ..

لقد رأى وزارةً كوزارة الإسكان تتصرّف كيفما شاءت في أراضي البلد .. دزّينة فضائح وتسريبات تخرج بشكلٍ سنويّ دونَ أن تهزّ شعرةً من وزيرها..  ملكيّات عامّة تتحول إلى خاصّة ومسؤولين حكوميين رفيعين يبسطًون أياديهم على مساحاتٍ شاسعَة من البلد لاستخداماتهم التجاريّة والصناعيّة والسكنيّة ..

لقد رأى قطَاعاتٍ تخصخص إلى شركاتٍ حكوميّة ولكنّ ذلك لم يوقف محسوبيّات التوظيف فيها ولم يمنع قضايا الفساد من أن تطالها .. رأى موظفين حكوميين ينتقلُون بعقليّاتهم المتحجرة إلى هذه الشّركات لينالُوا حسنيي القطاعين الحكوميّ والخاصّ .. شركَات حكوميّة تقدم رواتب خياليّة لا تتناسب مع وضعِ البلد لموظفيها وامتيازات لعائلاتهم من التأمين الصحيّ وتغطيَة مصاريف دراسة أبنائهم الخاصّة وغيرها دونَ أن يلمس المواطن تحسناً طردياً في خدماتِ هذه القطاعات ..

المواطِنُ الذي رأي مشاريعَ خدميّة يبالغُ في الصّرفِ عليها بينما لا تقدّم أيّ قيمة مضافَة لاقتصادِ البلد فمثلاً ما هذه المبالغة في تشييد مجمّع محاكِم يخالهُ الناظرُ قصراً من قصُور السلاطِين لا مبنى حكومياً يلتجئ الناسُ إليهِ لقضاءِ حوائجهم ومرافعاتهم؟ أهذا ما يُراد لبلدٍ غير قادرٍ على صرفِ ترقياتٍ مستحقة لمواطنيه فيما يضخّ المال على المباني والحجر عوضاً عن البشر؟

 لقد رأى المواطنُ حكومةً تشبههُ تماماً .. إنّها تشبهُ الانسانَ الذي "يبحبح" الانفاقَ إذا نزلَ راتبهُ .. حتّى إذا جاء آخر الشهرِ وجدَ نفسهُ مفلساً .. فلماذا عليهِ أن يكترثَ ويتحمّل المسؤوليَة مع حكومةٍ هذا ديدَنُها ..

نعم .. لقد ضخّت الحكومةُ أموالها في زمنِ الـ 120 دولار للبرميل في مشاريعَ حيويّة وذات مردود اقتصاديّ عالٍ لكنّها في الوقتِ نفسهِ أسرفت الإنفاق غير المبررِ وفي ضخّ الكثير من الأموالِ على فئة منتفعَة من المجتمعَ دونَ غيرها..

كلّ ذلك ساهمَ في زعزعة ثقة الشّعب بأمانةِ مسؤوليهِ في التعاطي مع الأزمَة .. هذه هي أزمَة الثقة التي حذّرنا منها قبل عامين وها هيَ اليوم تعودُ وبالاً على محاولاتِ الحكومة الجادّة في مواجهةِ الأزمة ..

بلْ إنّ حالة التردد الحكوميّة في قرارتها تعكسُ عدم قدرَة الحكومَة على إدارة "ردود الأفعال" فمثلاً ستقررُ الحكومَة اليوم طرح ورقَة لتكاليف العلاج لتعودَ لسحبها بعدَ يومين .. تصدرُ وزارة الإسكان جدولاً بتسعيرة قيمة الأراضي ثمّ توقفهُ لاحقاً بعد ردود الأفعال الغاضبَة .. حالة الإرباك هذهِ تزيدُ القلق الشعبي وتقللُ من احترامهِ وثقتهِ بأنّ المسؤولين يعرفُون ما يفعلون!!

السؤالُ الآن: هل منَ المفيد أنْ تطلعَ الحكومَة المواطنَ على مساهمَتها في تقديم الخدمات له؟

أقولُ نعم ، إنّ من المهمّ أن يعرفَ المواطنُ أنّ فاتورَة الكهرباء الشهريّة التي تصلهُ هي ليستْ مصاريفه الواقعيّة وأنّ الحكومَة ساهمَت بنسبَة 70% من سدادِ فاتورتهِ .. فكرَة المساهمة هذه تجعلُ المواطنَ أكثر وعياً في استخدامهِ اليوميّ في بيتهِ وأكثر ترشيداً لاستهلاكهِ المنزليّ .. إذ أنّ القاعدَة هي أنّ تقدير النّعم ضروريٌ لدوامهَا وأن خطواتٍ كهذهِ اتّخذتها الحكومة ليست سيئة بالضرورَة وليسَ هدفها التآمر على الشّعب ولكن لأنّ تراكُم سنوَات طويلة من الأداء الحكوميّ غير المسؤول جعلَت ردّة الفعل الشعبيّة عنيفَة تجاه هذه التهيئة الانتقاليّة مستبقاً الأحداث إلى أنّ وراء أكمّة الحكومة ما وراءها..

هذا الأمرُ أدّى بالمواطنينَ أيضاً إلى الغليان على أيّ أصواتٍ شعبيّة تخرجُ منهم لتطالبَ بأنْ يتحمّل الجميع تبعاتِ الأزمة كما حدثَ مع محمّد الحارثيّ الذي تعرّض "لسحلٍ شعبيٍ" بعدَ مطالبتهِ بتخفيض الرواتب أو لنقل إعادتها كما كانت إبان 2011.

ما قالهُ الحارثيّ ليسَ خطأ بالمجملِ بل إنّ لهُ ما يبررهُ في ظلّ تدهور قادم للأزمة وإنهاك أكبر للميزانيّة .. مشاريع ضرورية للعمود الفقري الاقتصاديّ للبلد تتوقف .. شركات كبرى مهددة بالإفلاس في ظلّ عجز حكوميٍ عن سداد مستحقاتها في مشاريع نفّذتها تلك الشركات .. واستمرار في ارتفاع الدين العامّ .. كلّ ذلك يضعنا أمام خيارين: تخفيض الرواتب الحكوميّة أو الوصول لحالة تعجز فيها البلد فجأةً عن صرف الرواتب .. هل هذا سيناريُو مستبعد؟ لا.. ولكنّه لن يحدثَ ما لم تسبقهُ إجراءات حكوميّة صارمة في نزع الامتيازات عن مؤسساتٍ خاصّة وترشيد حقيقيّ وشفافيّة هائلة مع المواطِن في جديّة الحكومَة في إدارة الأزمة ..

***

يُرادُ لهذهِ البلد أن تعبرَ الأزمَة بسَلام .. نريدُ لها ذلك شعباً وشعباً (لا شعباً ومسؤولين فنحنُ كلنا شعبٌ واحد) .. لكنّ ذلك لن يحدثَ إذا لم يكن بتفهّم شعبيٍ .. ووعيٍ وطنيٍ .. الكثير من الأخطاء حدثت .. الكثير من القضايا والتصرفات الفاشلة .. ولو أردنا الحديثَ عنها لقضينا عاماً ويزيدُ في الحديث عنها .. لكن أن تُرتَكب الأخطاء هذا وارد .. ولكن خيرٌ من الاستمرار فيها: تدَاركها ولو متأخرين ..

للحكومةِ أقولُ: أنّه عوضَ هذا الارتجَال في قراراتكم فإنّه ينبغي أن تغوصوا في عمق المشهدِ .. إعادة هيكلة شاملة للنظام .. ليسَ الحلّ منح الجميع الامتيازات على قدمٍ واحدة .. ثمّ نزعها عنهم جميعاً ..

أنتم تدفعُون 70% من فاتورة الكهرباء للمواطنِ الذي دخلهُ 350 ريالاً وتدفعونَ 70% من الكهرباء لمواطنٍ دخلهُ 5آلاف ريال في الشّهر

أنتُم تدفعُون 70% من الكهرباء للمواطنِ والمقيم .. العُماني والأجنبيّ على السواء ..

أنتم تضعون تسعيرة الوقود لسائق الباص المهترئ الذي يعيلُ عائلة من 10 أفراد وتضعُون نفس التسعيرة لسائق الفيراري والرانج روفر الذي يمتلكُ رصيداً بنكياً بخمسة أصفار ..

المواطنُ المستحقّ لمساعدَة الشؤون الاجتماعيّة يدفعُ نفس المبلغ لاستخراجِ بطاقة العلاج الذي يدفعهُ مليُونير في مركزٍ صحيّ..

ابدؤوا في بناء نظام دخل شامل للمواطن ووضع هرميّة في الحصول على الخدمَات .. ابدؤوا في هيكلةِ حقيقيّة تسطّح قمة هرم الدخل الذي تحتلهُ فئة صغيرة من المجتمع وتحمِيلهم مزيداً من الأعباء الماديّة تجاه ما يملكون .. إنّهم يتقاسمُون ذات الامتيازات التي يمتلكها الجميع وهذا ليسَ عدلاً .. نحنُ اليوم بحاجة إلى هرميّة الخدمات فكلّما ارتفع الدخلُ ، قلّت المساهمة الحكوميّة في دعمِ المواطن وكلّما كان دخلهُ أقل كانَ أولى من غيرهِ بالدعمِ الحكوميّ ومجانيّة الخدمات..

على الحكومَة أن تعملَ على العملِ وفق الأبجديّات الأساسيّة لبناء دولَ عادلة ومسؤولَة .. عوضَ أن تتصرّف مع الشعب بهذا الارتجال في القراراتِ .. وعليهِم أن يطلعُوا المواطن أكثر على الامتيازات المسحوبة من الفئات العليا فقرارُ سحبِ المكافآت السنويّة للمسؤولين قوبلَ بترحيبٍ شعبيٍ واسع ولذا فإنّ شفافيّة هذه الإجراءات التي تطالُ المسؤولين وكبارهم تخفف الاحتقان الشعبيّ بأنّ الفئة المستهدفة من التقشف هي الفئة الشعبيّة فحسب..


وللشعبِ أقول: أننا قادمُون على تغيّرات هي قادمة لا محالة وهي تغيّرات ليست سيئة بالضرورة فدول العالم التي نشيرُ إليها بأصابعنا دائماً على اعتبار أنّها في أعلى هرم التحضّر الاقتصاديّ والانسانيّ هي دولٌ يتشارك فيها المواطن حكومتهُ المسؤوليّة تجاهَ ما يُقدّم إليه من خدمات وهو يفعلُ ذلك مدركاً أنّ ذلك ضرورَة لا اعتباط ..

للجميعِ أقولُ أننا جميعاً على سفينةٍ واحدة فلنعبر بها إلى الشطّ بأقلّ الخسائر ..

الجمعة، 13 مايو، 2016

دُمى البلاستِيك ..



عندمَا كنّا أطفالاً وسمعنَا قصصَ الدّجل والشعوذَة ، تخيّلنا أصحابهَا بأشكالٍ مخيفَة .. أنوفٌ معقوفة ، شعرٌ منكوشٌ رماديّ .. عصَا تتحوّل إلى مكنسةٍ طائرَة .. شامَة قبيحة تعلُو أنوف الدّجالات .. وحينَ كبرنا اكتشفنَا أنّ الدّجل يأتي على شكلِ هؤلاء النّساء المقلّمات من أطراف شعرهنّ حتى أصابع القدمَين..

الدّجل اليوم يأتي على صفَاتٍ كالتي في الصّور .. النساءُ البلاستيك اللواتيْ أصبحنَ يروّجن لحلاقة الوجه بالموس كما يفعل الرّجال بلحاهم .. في هذا الزّمن الأهبل أصبحتْ هذهِ موضَة ..
الدّجل في تقنيّات الكونتور التي لم تقف عند الوجه بل أخمص القدمين .. الأرجل تُنحت بالمكياج ، والصّدور تنفخ بالكونتور .. كلّ شيء بالإمكان تزييفه.. حتّى حملنا المسطرَة لا من أجلِ استخدامهَا في الرّسم الهندسيّ بل لمساواة الكونتور.. والأشرطة اللاصقة التي استخدمتِ الآنَ لتضبيط خطّ الكحل للعينَين

لنصبحَ جميلاتٍ أقنعتنا الدّجالات بحشرِ شفاهنا في عنقِ زحاجة ونفخهَا حتّى تتورّم .. البراطِم المتورّمة الآن أصبحت صرعَة ..
المشدّات العجيبة التيْ صممت لتكبير المؤخرَة بشكلٍ مقرف ومسفّ سوّقت على أنّها مثيرة و"سكسي"

البوارِيك العجيبَة ولون الشّعر الرّمادي الذيْ كانتْ جدّاتنا يخفينهِ بالحنّاء سوّق على أنّه صرعَة .. وهكذا دوالَيك انطلَت على الفتيَات حمَلات الدّجل هذهِ..

حسناً يا عزيزتي.. دعيني أقول لك انك أكثر من كونتور.. أنت أكبر من شفاه متورّمة ومؤخرة مزمومة ..

إذا كنتِ تعتقدين أن هذا سيحببكِ إلى زوجك أكثر فأنت مخطئة أو أن هذا سيجلبُ لك حبيباً أو عريساً تتقاسمين معه حياتكِ فأنت أيضاً مخطئة ..

الرّجل يحبّ عقلكِ الجميل وقلبك .. الرّجلُ يحبّك بماكياجٍ كاملٍ أو دونه .. ربّما يروقهُ ذلك وهوَ ينظرُ إليك خلفَ الشاشة أو يتعرّف إليك في البدء لكنّه لن يحبّك كوجهٍ جميل ما لم يُلامسهُ داخلكِ ويشغفَ قلبَه ..

من الجيّد أن يكتمل جمالُ الداخلِ مع جمال الخَارج لكنّ جمالَ الخارج لا يُمكن .. لا يمكِنُ أن يعوّض جمال الداخلِ إذا فقِد ..

الرّجلُ إذا أحبّك فسيحبّك وأنت شابة وجميلة أو وأنت تستقبلينَ تجاعيدكِ في سير الحياة الطبيعيّة

إنّه يحبّك في أضعف حالاتِك .. في اللحظة التي يخرجُ فيها طفلهُ منك .. اللحظة التي تكونين فيها بشعرٍ منكوش .. بعينينِ ذابلتين .. بوجهٍ شاحب .. بلا كونتور أو اكستنشن أو أظافر مقلّمة .. كلّ ذلك لن ينقص من حبّه لك ..

إنّه لن يتوقّف عن حبّك وأنت تستيقظين صباحاً بوجهٍ متورّم .. لن يتوقّف عن حبّك وأنت تغادرينَ المطبخَ برائحةٍ لا تحبّينها أو تدخلينَ البيت متعرّقةً بعد ساعةٍ في النادي الرياضيّ

الجمالُ الخارجيّ مهمّ ليكملَ جمالكِ الداخليّ ولكنّه إذا ما أصبح همّك انشغلتِ به عن جمالِ روحك وعقلكِ فالاتّزان هو سنّة الخلق وَإذا ما طغى جانبٌ على آخر فقدتِ توازُنك ..

بالنّسبةِ لهذهِ المشعوِذات وتاجِراتِ الوَهم أنتِ لست أكثر من رقمٍ يرفع أرصدتهنّ لدى تجّار الإعلانَات والمنتجَات وأنتِ لستِ سوى دُولار يملأنَ به جيوبهنّ ببيعكِ منتجاتِهنّ وخطوط مكياجهنّ وموضتهنّ .. لقد تكاثَرن حتّى تشابهنَ علينا وما عُدنا نفرّق .. 

أنتِ موهومةٌ حقاً إنِ اعتقدتِ أنّ الجمَال يأتي بمعاييرَ قياسيّة .. لقد أحببنا جوليَا روبرتس باعوِجاجِ سنِّها الأماميّة..

ديمي مور بشفافِها الدقيقَة وعيونهَا الضيّقة ، ليبوبيتا نيونجو بسوَادها الفاحِم وصلعَتها اللامِعة ..

بثينَة الرّئيسي بشامتهَا التي تحتلّ جزءاً كبيراً من عنقها

وأنتِ موهومةٌ إن اعتقدت أنّ من الصوَاب أن تكوني نسخةً منهنّ لأنّ هذَا العالمُ الافتراضيّ هو مصدرُ دخلهنّ .. إنّ عليهنّ أن يتنافسنَ على تصديرِ الجمال الخارجيّ فهو مصدرُ عيشهنّ .. عليهنّ أن يبدونَ هكذا: جَميلات، مقلّمات، منتعشَات ليحصلنَ على متابعاتٍ أكثر .. وسيواصلنَ ذلكَ ما دمنَ يجدنَ جمهوراً عريضاً يعتقدُ أنّ البراطمَ الكبيرة، الرّموش الكبيرَة، المؤخرَات والصّدور الكبيرة هوَ جوهرُ الجمال.. هذهِ هي تجارَة الوهمِ والتّسطيح التيْ حوّلتنا إلى دُمى منَ البلاستِيك..

الجمعة، 6 مايو، 2016

فيْ ذكرَى الإسراء والمعرَاج .. ثورَة المفاهيم والمعطيَات

فيْ ذكرَى الإسراء والمعرَاج نحنُ بحاجَة ماسّة إلى قراءَة قصّة هذه المعجزَة الإلهيّة بطريقة مختلفَة عن تلكَ التي سوّقت لنا في المناهجِ الدراسيّة وخطبِ المنابرِ والوّعاظ ..
وعوضَ مرورهَا كإجازَة حكوميّة نقضيهَا في التسوّق والرّحلات فإننا بحاجَة إلى تسويقِها وترسيخها في وعي أطفالنَا إلى ما هوَ أبعَد من قشُور نختلفُ حولها على شكلِ دابّة البراق أو سرعتهَا بالكيلومترات في السّاعة أو تلكَ التفاصيل التيْ تسلبُ القصّة جوهرهَا وعمقهَا الانسانيّ والدلاليّ ..

نحنُ بحاجَة إلى قراءَة معطيَات المرحلَة التيْ كانتْ تؤسس إلى ثورَة اجتماعيّة وانسانيّة كبرى ستغيّر مسار التّاريخ منطلقةً من واحدَة من أكبر المناطقِ الجغرافيّة صعوبَة والتجمّعات السكانيّة والقبليّة الأكثر تعقيداً والتيْ -بهذهِ المعجزة الإلهيّة- ستحدِثُ هزّة حقيقيّة في حياةِ الرّجل الذيْ سيناطُ إليه لاحقاً أصعب مهمّة هي قيادَة هذهِ الثورة منْ تلك البقعة من الأرض إلى العالم أجمع حتّى قيام السّاعة والذيْ سيقود بعد حدوث هذهِ المعجزة بعامٍ انقلاباً سياسياً وسيسيولوجياً محكماً اسمهُ الهجرَة النبويّة ..

واحدَة من أبرز المعطيَات التي ينبغي تسليطُ الضوء عليها هي أنّ  رحلَة الإسراء والمعراج هذهِ كانتْ ضروريّة للغاية لإحداث هزّة إيمانيّة قويّة وجرعَة تحفيزيّة لرجلٍ كان في عمقِ انهياراتهِ الانسانيّة وأمامَ مهمّة عسيرَة للغايَة ..

كانَ محمّد صلى الله عليهِ وسلّم يتعافَى مع قومهِ من بني مناف من حصارٍ طالَ ثلاث سنواتٍ أقدمتْ عليه قبائل قريش بتواطؤ مع قبائل العربِ اقتصادياً بعدم البيع والشّراء منهم واجتماعياً بعدم التزاوج منهِم ونفسياً بمقاطعتهِم في الحديث معهم أو التداخُل بهم حتّى انتشرتِ المجاعَة بين بني مناف المساندَة لرسالةِ ابنِهم محمّد حتّى سمع صراخُ الأطفال جوعا واشتدّ أنين النساء .. وما كانَ لتلكَ المحاصرَة أن تستمرّ لولا اللحمَة الأخلاقيّة والتعاضد الانسانيّ الذيْ ضربهُ بنو مناف يقودهم أبو طالب درساً تاريخياً لحمايَة محمّد الذي كانت رقبتهُ شرطاً أساسياً لإنهاء الحصار وانتصاراً لإيمانٍ راسخ بصدق الرسالةِ التي تستحقّ التضحيّة ..
كانَ محمّد يتعافَى من أثر ذلكَ وما أن انتهى الحصار حتّى قبضَ الله روح أبي طالب، العضد الاجتماعيَّ الذي كانَ صوناً وحمايةً لنبيّ البشريّة الذي كان حينها يؤسس لدين البشريّة من المربّع الأول .. لكنّ محمّد كان حينهَا على موعدٍ مع أكبر خساراتهِ العاطفيّة برحيلِ حبيبتهِ وأمّ أولاده التي كانتْ أول من آمنَ به .. هذا الانكسَار المؤلم يقدّم درساً حقيقياً يمكنُ أن نملأ بهِ الصفحاتِ والكتب حولَ قيمة المرأة ودورها في توفير الأمان النفسيّ والعاطفيّ لأعظم قادَة البشريّة.. المرأة الملهمَة التي معها وبرفقتها وبتشجيعٍ منها أعلن النبيّ وضع حجرِ الأساس لرسالَة تؤسس في أوج ازدهار وتمجيد دين الأصنام وعبادتها .. هذا الدافع الحسيّ القويّ الذي برحيلهِ كانَ محمّد في أقصى درجاتِ ضعفهِ الاجتماعيّ برحيل أبي طالب وتفنّن قريش بعدها في التنكيل به وأقصى درجاتِ ضعفهِ العاطفيّ برحيل الحبيبَة والملهمَة .. في ذلكَ الوقتِ أكثر من أيّ وقتٍ مضى كان محمّد بحاجَة إلى هزّة إيمانيّة كبرى وإعادة تركيب وتعزيز نفسيّ هائل ليخرجَ من مرحلة الضحيّة والضعف إلى مساحَة المقاومَة وإعادة ترتيب الأولويّات والأهداف .. هذهِ الهزّة التي احتاجهَا تاريخياً كلّ العظماء ليعيدُوا ترتيب أفكارهم وأولويّاتهم من أجل نجاح الرسالة التي ستغير معهُم شكلَ العالم ..
حكايَة الإسرَاء والمعراج بتجليّاتها وإضاءاتها لا ينبغي أن تسرَد لأطفالنا من تلكَ الليلَة التيْ سيهمزُ فيها جبريل قدمَ محمّد النائم في حجر الكعبَة فينتفض مرتينِ دون أن يبصرهُ وفي الثالثَة يحملُ جبريل محمّد من عضدهِ ليبدأ معهُ أعظم رحلةٍ عرفها التاريخ .. كمَا أنّها لا تمرّ مرور الكرام بوصولهِ إلى المسجد الأقصى ولكنْ بتعزيزنَا للحضور الانسانيّ والتاريخيّ العظيم الذي يمثّله الأقصى في عقليّة ووعي أطفالنَا وأجيال اليَوم الذينَ فقدوا تواصلهَم الإيمانيّ وتقديرهم للأقصى باعتبارهِ البقعَة الطاهرَة التيْ شكّلت الفاصل الزمكَانيّ لرحلَة لا يمكن للخيالِ البشريّ استيعابهَا
وأكثر من ذلكَ فإن صلاةَ محمّد مع من سبقهُ من الأنبياء هوَ رسالة كبرى إلى أنّ هذا الدين هو عبارَة عن تراكم أخلاقيّ وقيميّ ومعرفيّ وتاريخيّ لكلّ هذهِ الرسالاتِ التي لا ينبغي إلا أن تعامَل وَإن طالها التحريف -معَ أتباعِها ومعتنقيهَا- بكلّ المحبّة والتبجيل  التي نعاملَ بها ديننا الإسلاميّ ..
إنّ صلاة محمّد مع الرّسل هيَ صلاةُ قائدٍ مبتدئٍ يُهيّأ لحمل رسالةٍ مع قادةٍ متمرّسين .. ورغمَ أنّهم كانُوا على رأسِ رسالاتهِم السّماويّة إلا أنّ قبةً إلهيةً واحدةً جمعتهم وانشغلَ أتباعهم عقوداً وقروناً في التقاتلِ والتناحر مع أنّ قادتهم أسلموا معاً في أقصى درجاتِ الأبّهة وفخامَة التلاحم في صلاةٍ واحدَة أمام ربٍ واحدٍ هوَ مصدر هذهِ الرسالاتِ التي حرّفت أهدافُها وغاياتُها وأصبح لا همّ لأتباعها إلا كسرَ إيمانيّات أتباع الرسالاتِ الأخرى والنيلِ منهم..

اليومَ أكثرَ من أيّ يومٍ آخر نحتاجُ لتسويقِ حكايَات محمّد ومن سبقهُ منَ الأنبياء الذينَ قادُوا ثوراتِ ضدّ الوعيِ الجمعيّ وأنماط التفكير الواحدَة والقالبِ الواحد ليحدثُوا التغيير..

بحاجةٍ اليوم نحنُ إلى أن نسأل أنفسنَا عن أصالة فكرَة القيم والثوابتِ التي نصرّ عليها اليوم فهؤلاء الأنبياء لم يكونُوا ليغيّروا مسارات أممهم لو استسلمُوا لثوابِتهم وعادَات أقوامهم ..
لو استسلمَ نوحٌ لوعيِ قومهِ الجمعيّ لما بنى أكبر سفينةٍ في التاريخِ بيدي رجلٍ واحد .. لوِ استسلمَ موسى لوعيِ قومهِ الجمعيّ لما هزّ عرش أكبر طغاةِ التاريخ .. لو استسلم ابراهيمُ لثوابتِ أبيهِ وقومهِ لما كسرَ الأصنامَ وخرجَ وحيداً في الصّحراء تاركاً زوجتهُ التي ستسعى أقوامٌ حتى قيام السّاعة بشعائرَ تحذو حذوهَا بينَ الصفا والمروَة وتدور أقوامٌ حولَ الكعبَة التي لو لم يثُر ابراهيم على أفكارِ قومهِ لما كانتْ ..

احتفلُوا اليوم بذكرى الإسراء والمعراجِ اليوم معَ أطفالكم بطريقَة مغايرَة وفكّروا معهم في القيمِ التي تسوّقها القصّة واندهشُوا معهُم في استكشَاف ما غابَ عنكم من المعاني الساميَة التيْ تضمّنتها أعظم هديّة يمكنُ أن يُكافَئ بها بشريّ .. هديّة تليقُ بمنْ لولاهُ لما نجحَت أعظمُ ثوراتِ البشريّة وأكثرها إلهاماً ..

اللهمّ بلغنَا تحريرَ مسجدكَ المكرّم من أيدي المحتلّين وحرّرنا من عبوديّة الفكرَة الواحدَة والأنماط الواحدَة والأسماء الواحدَة إلى حريّة الاجتهاد والتقصي والتفكّر في ملكوتِ رحمتك ..

الصّلاةُ والسّلام عليكَ يا حبيبي محمّد .. يا إمام المستضعفِين ويا سيّد الملهمِين .. ويا أجمَل معلّمي الاختلاف بالحبّ والحكمَة التي ما أحوجنَا .. ما أحوجنَا إليها اليَوم.

http://ayshaalsaifi.blogspot.com/2016/05/blog-post.html?m=1