السبت، 2 يونيو 2012

هلْ أنفقَ "قابُوس بن سعِيد" 64 مليُون دولار على منظمَاتٍ بريطانيّة؟





"قابُوس بن سعِيد يكرّم هيئة حقوق الانسان البريطاني 21 مليون دولار ومساعدَة للمنظمة المالية البريطانية 43 مليون دولار"

هكذا وصلتنيْ رسالة تناقلهَا الناسُ مؤخراً عبر أجهزة البلاك بيري وبرنامج الوتسأب ومواقع التواصل الاجتماعي .. تناقلَ الناسُ الخبر "المُصَاغ بركاكة لغويّة" بحالة من الغليان حول تبرع السلطان قابوس لمنظمات بريطانية بـ64 مليون دولار. وصلتنيْ الرسالة من أشخاصٍ مختلفين ولم يستطع أيٌ منهم أن يجيبني على سؤالي حولَ مصدر الخبر .. كان جميعهم يتناقل الخبر دون أن يكلّف نفسه بالعودة إلى المصدر ..


بحثتُ عبر الانترنت عن أيّ موقع أو تقرير يتحدث عن الهبةِ السلطانيّة "السخيّة" ولم أستطع الوصول إلى أيّ موقع إخباري أو رسميّ يتحدث عن التبرع. وحينَ حاولتُ البحث عن المؤسستين البريطانيتين المذكورتين أعلاهُ لم أجد لهما ذكراً على أخبار الانترنت إطلاقاً سوى مواضيع طرحها أعضاء منتديات وضعوا الخبر هذا في منتدياتهم وأشاروا إلى المؤسستين بهذا الاسم.


حينهَا قرّرتُ أن أصلَ بنفسي إلى مصادر تؤكدُ لي –على الأقل- صحّة المعلومة من عدمها. حاولتُ البحثَ باللغتين عن مواقع للمؤسستين المذكورتين فظهرت لي مؤسسة بريطانيّة تدعي British Institute of Human Rights المؤسسة البريطانيّة لحقوق الانسان


قمتُ بالاتصال بمكتبهم في انجلترا واتضح أنهم في عطلة نهاية الأسبوع وقمتُ بتحرير بريد الكتروني لسؤالهم حولَ صحّة التبرع .. قمتُ ببحثٍ موسّع عبر موقعهم عن آخر أخبارهم ومقالاتهم ولم أجد أيّ خبر يشير من قريبٍ أو بعيد إلى تبرع "سلطانيّ" بهذه الضخَامة..


وأما ما يسمّى بالمنظمة المالية البريطانية فقد قلبتُ الانترنت رأساً على عقب لأتوصّل إليها ولم أجد ما يشيرُ إلى وجودها من قريبٍ أو بعيد .. باللغتين: العربيّة والانجليزيّة.


ولكونِي أعمل في شركَة بريطانيّة فقد سألتُ زملائي البريطانيينَ عن المؤسستينِ سالفتي الذكر ولم يتعرّف أيٌ منهُم إليهما أو يؤكّد أنه سبق وسمع بهما من قبل.


قمتُ بعدَ ذلك بالاتصالِ بالسفارة البريطانيّة في مسقَط ليقيني أنها لابدّ أن تكون على معرفةٍ أو سمعت بخبر تبرعٍ كهذا يتجاوزُ سقفهُ الستين مليون دولار .. وتحدّثت إلى المسؤول الإعلاميّ بالسفارة طالبة ً منه تأكيد صحّة خبر التبرعين "السخيين" فأوضح أن السفارة البريطانية لم تسمع بهذا التبرع وأنها لا تستطيعُ تأكيدَ صحة خبر تبرعٍ كهذا.


وأضافَ أنهُ –شخصياً- لم يسمع بهاتين المنظمتينِ من قبل .. وحينَ سألتهُ إلى من أتوجه أو من يعتقدُ أنه قد يفيدني لمعرفة حقيقةِ هذا التبرع فأوضح أنه –شخصياً أيضاً- يعتقدُ أن السلطان نفسهُ أو الديوَان السلطاني يستطيعان تأكيدَ الخبر أو نفيه. وأتمنّى أن يصدر ردٌ رسميّ من مكتبِ القصرِ في حالةِ اطلاعهِم على تدوينتيْ لتعذّر وصوليْ إليهم.


وبانتهاءِ اتصاليْ بالسفارة البريطانيّة انتهَى بحثيْ .. وربّما تكونُ الأمُور أكثر اتضاحاً بتأكيد منظمة حقوق الانسان البريطانيّة صحّة التبرع من عدمه. وإن أسعفني الوقتُ قدّمتُ طلباً لمكتَب مفوضيّة المعلومات التابع لمكتب رئيس الوزرَاء البريطانيّ الذي يمنح الحق لأيّ شخصٍ بالاطلاع على وضع التبرّعات والوضع الماليّ لأيّ مؤسسة بريطانيّة والتحويلات البنكيّة الموجّهة إليها. المكتب الذي استحدثَ في عهد توني بلير لضمَان أكبر قدر من الشفافيّة للطلاعِ على الوضعِ الماليّ لأيّ مؤسسة بريطانيّة.






حسناً الآنَ عليّ أن أطرحَ سؤالاً مهماً .. من يقفُ وراءَ هذه الحملة؟ ومن يقفُ وراءَ خبرٍ "محرِّضٍ" ضدّ الحاكم و"مثيرٍ للحفيظة" و لسخطِ الرأي العامّ العُمانيّ الذي استقبلَ –وأنا منهُ- بسخطٍ واستياء "فاتُورةِ التبرع الضخمة" التي يزعمهَا الخبر؟

مؤخراً .. وصلتنيْ رسائل مختلفة على هذه الشاكلة لعلّ من "ابتكرها" مصدر واحدٌ أو مصادر مختلفة .. ولكنّي بدأتُ أشعرُ أنّ ثمّة "فئة" يرُوق لها -بمنهجيّة- ترويج أخبارٍ مستفزّة عن شخص السلطان -أخبار قد تكُون صحيحة وقد تكُون ملفقة-. ولكنّ من الواضح أن من يبتكرها يجيدُ اختيارَ التوقيت المناسب لترويجها ونبش الملفات القديمة.


من "اخترعَ" هذا الخبر .. يعرفُ جيداً أبعادَ ما سيحدثه من ردّة فعلٍ لدى العامّة ويعرفُ أكثر أننا –في عُمان- اعتدنَا "ثقافة الإشاعة" وتداول المعلومة دون أن نكلف أنفسنا ببحثٍ بسيطٍ جداً عبر الانترنت أو تكليف أنفسنا –نفسَ عناء عناء الضغطِ على الأزرار لقصّ ولصق الخبر- بالضغط على بضعة أرقام للاتصال بمصادر تؤكّد لنا صحّة المعلومة .. نحنُ في عُمان لا نعرفُ ذلك ولا نكلّف أنفسنا بفعلِ ذلك ..


حملَة تشويه ينتهجها البعض للنيل من شخص السلطان .. النيلُ منه شخصياً وتحريض الرأي العامّ ضده مستغلينَ عفويّة الناس في استقبال المعلومة وتداولها .. شخصياً لديّ مآخذي الخاصّة على تبرّعاتٍ قام بها صاحبُ الجلالة وثبتت صحّتها ولديّ مآخذي الخاصّة على سياساتٍ معيّنة ولا أرى أيّ أحدٍ في عُمان –كاملاً ومنزّهاً عن الخطأ- وبمنأى عن النقد حتّى السلطان نفسه .. لكنني أحتقرُ من يبتكرُ –بهذهِ المنهجيّة- أخباراً خياليّة هدفها واضحٌ لا غير: الإساءة لشخصِ السلطان وزعزعة ثقةِ الشعب في حاكمه .. ولا أشدّ بغضاً إلى قلبي ممن يدسّ السمّ في العسل عبر أخبارٍ –مجهولة المصدر- لا تكلّفه أكثر من دقائق ليبتكرها ولكنّها قد تقودُ إلى تبعاتٍ خطيرةً جداً لن ينزفَ دمَها إلا هذا الوطَن .. وطنكم أمَانة .. وسمعَة حاكمكم أمانة ٌ أيضاً .. لا تطبّلوا له ولا تنزّهوه عن كلّ خطأ .. ولكن لا تكذبُوا عنهُ وعليه.. أحسنُوا إلى الحريّة ولا تسيئوا إلَيها .. وقولوا الحقّ وحاربُوا الباطل وتأكدُوا أنّه لا شيء أجمَل من البحث عن الحقيقة –بأنفسكم- ولا شيءَ أسوأ من أن نفتري على مواطن .. فكيفَ إذا كانَ هذا المواطنُ حاكِمَ وطنكم!