الأحد، 29 ديسمبر 2013

كان يَا ما كَان : الوَاقع الغَائب عن مُؤسساتنا في عُمان!


الإدارَة بالتمكين..  

كان يَا ما كَان : الوَاقع الغَائب عن مُؤسساتنا في عُمان


عائشَة السيفيّ

http://ayshaalsaifi.blogspot.com/


في كتابِ "التمكين يحتاجُ أكثر من دقيقة" كسرَ المؤلفونَ الثلاثة كين بلانشارد ، آلان راندولف وجون كارلُوس القواعد الرئيسيّة المتعارف عليهَا لمفهُوم التمكين مؤسسينَ لثقافةٍ جديدَة قوامها أنّ التمكِين ليسَ في إعطاء مزيد من الصّلاحيّات والسلطة –كالنمُوذج العُماني جداً- ولكن في أخذ الصلاحيّات والسلطة من الأشخاص الذينَ يملكونها من الأساسِ وتوزيعها على الآخرين ..

ويؤسس المؤلفُون الثلاثة لثلاث قواعِد رئيسيّة للإدارَة بالتمكين هيَ  تشاركُ المعلومات ، كسر حدود السلطة المركزيّة، تحوِيل الإدارة العليا المركزيّة إلى مجموعة من الفرق.

ويتضمّن الكتَاب قصصاً كثيرَة من واقع الإدارة ترسّخ لمبدأ الثقة بين المدير وفريقهِ ، وبينَ تعزيز الموظفين بذكرِ محاسنهم حينَ ينجحُونَ والتركيز على الأسبابِ التي أدّت للخطأ لا "من أخطأ" حينَ يخطئونَ ،

وكيفَ أنّ الإدارَة بالتمكين أصبحَت هي الحلّ لصنَاعة العمَل المؤسسي النّاجح.

عندمَا قرأتُ هذا الكتَاب استحضرتُ مباشرَة التصرِيح الذي خرجَ به وزير الدولة للشؤون الخارجيّة يوسف بن علوي في وصفهِ للمؤسساتِ الحكوميّة بأنّها مؤسسات مترهلَة وكيفَ أنّ هذا التصريح جاء بعد فترةٍ من محاولة الحكُومة وضعَ "الأشخاص أصحاب المؤهلاتِ المناسبة" على رأس المؤسسات الحكوميّة المناسبَة ورغمَ ذلك فإنّ النظام الحكوميّ ظلّ "بترهلهِ" كما هوَ دونَ أن يستطيعَ هؤلاء رفعَ كفاءة أنظمتهم أو على الأقل تسخِير القوى العاملة التي ضخّت بالآلاف في المؤسساتِ الحكوميّة دون خطّة عمل واضحة أو رؤية تدرِيب ورفع كفاءة مدروسة فيمَا ينفع مؤسساتهم ويفرّغ طاقاتهم .. فأينَ كانَ موقع الإدارة بالتمكِين؟

لعبَت عوامِل كثيرَة أثرَها في فشل رفع كفاءة المؤسسات الحكوميّة أبرزها أنّ رأس الهرم تغيّر ولكنّ من أسفلهُ ظلّوا كما هم وفق المواصفات القدِيمة والأفكَار المترهلة محتفظِين بـ"إرث" سلطاتهم وصلاحيّاتهم لا يساومهم فيهَا أحد.


القليل من المسؤولين والمدراء .. والكثير من "العُمال"


لنبدأ بالقواعدِ الرئيسيّة الثلاث وأبرزهَا تحوِيل الإدارة المركزيّة إلى مجموعة من الفرق فما معناها أن تكُون صلاحيّة إصدار القرار مسندَة إلى فئة معيّنة فقط. لماذا لا توزّع سلطات القرار إلى مجموعة فرَق صغيرَة. الأمر أشبه بنظام خليّة النحل، ملكَة واحدة والبقيَة يشتغلون.

إنّ إسناد الصلاحيّات واحتكارها على فئة صغيرة من طاقم المؤسسة أدّى بكثيرين إلى "تفرعُنهم" وإلى الآخرين ممن لا يملكُون صلاحيّاتهم إلى البحث "عمّن يتفرعنون عليهِ" وهو "المرَاجِع المسكين" في أغلب الأحيان ..

هذا يذكّرني بموقفٍ حدثَ لي إذ تأخّرت وزارة الاسكان –كعَادتها- في إحدى إجراءاتها التي وعدَت بإتمامه في أسبوعين إلى 11 أسبوعاً. فما كانَ منّي إلا أن ذهبتُ إلى مديريّة خدمات المراجعين بالوزارة للشّكوى وهناكَ رأيتُ المضحكَ المبكي. إذ أقفلَ مدير الخدمَة المراجعين بابه "بالقفل من الدّاخل" عن المراجعِين. فذهبتُ إلى النّائب فوجدتُ "بابه مقفلاً من الداخلِ أيضاً" .. ورأيتُ النّاسَ وقد تكدسّوا على مكتب مشرفِ متابعةٍ ، فتحَ لهم الباب فلا يعرفُ الرّجل –من كثرتهم- بمن يبدأ ومن ينتهي! هل سمعتُم بدائرة خدمة مراجعين يقفلُ مديرها ونائبه أبوَابهم عن "المراجعين" .. نعَم هذا يحدثُ في مؤسساتنا الحكوميّة.

أتيحَت لي قبلَ فترة فرصَة اللقاء برجل أعمال عُماني كبير تقلّد مناصب رفيعة من الحكومة ثمّ غادرها ليؤسس مشاريعهُ الخاصّة. قالَ لي أنّ العمل الحكوميّ سيظلّ متخبطاً ما لم يدركِ كلّ موظف حكوميّ أنّه "خَادم" للشعبِ والوطن. وأنّه لا يسدِي خدمَة إلى النّاس بل يؤدّي عملاً يقبضُ عليهِ أجرَة. إذن المزيد من العمّال والقليل من المدرَاء ما نحتاجهُ.


الكلمَة الطيبَة .. "ليست" صدقَة

هنالكَ "طريقَة سخيفَة" في الإدارة العمانيّة .. لا أعرفُ من اخترعها!


"لا تمدَح موظّفك ، عشان ما ينتفخ ويصير ما يشتغل زين ..

"لا تعطيه وجه في أي إنجاز وخلك حازم معاه وإياك تحسسه أنك راضي عن شغله عشان يظل دايماً مجتهد ويحاول ينال رضاك"

"تراك يُوم تمدحه ما عاد يركز على شغله وبيصدق عمره"

"أنا أقولك أنهم ما يمشوا إلا بالعين الحمرا"

المسؤولون في مؤسساتنا يعتقدُونَ أنّ الثناءَ على نجاحات "موظفيهم" هيَ صدقَة يتفضّلون بها عليهم وليستْ حقاً مكتسباً وطريقَة سهلَة جداً لرفع كفاءة فريق العمَل وتحبيبه في عملهِ .. حقيقة ً الله لا يوفقه اللي اخترع لنا هالطريقَة!


الهيئة العامّة لحمَاية المستهلك وميثاق الشّرف

خلقُ مؤسسات حكوميّة ناجحة ليست مهمّة مستحيلَة فقد فعلهَا الدّكتور سعيد الكعبيّ حينَ أسّس مؤسسة نُفاخر بها عالمياً وليسَ عُمانياً فحسب. حينَ أتيحتْ لي فرصَة الجلُوس مع هذا الرّجل سألتهُ ما الذي يجعلكَ تثق أنّ مفتشيك الذينَ يجوبون المحلاّت والمؤسسات التجاريّة وغيرها لن يخُونوك فأجَاب أنّه يقولُ لهم حينَ يقسمُون قسم المهنة أنّه يملكُ الشّجاعة الكافيَة ليقدّم استقالتهُ لو خانَ أحدهم ضميرهُ وشرفَ مهنتهِ ولكنني حينَ أستقيل سأمرّ من كانَ سبب استقالتي على مكتَب كلّ موظف في مؤسستيْ وأقول لهُ هذا من خانَ شرفَنا لأنّ ميثاقَ الشرف بيني بينَ كلّ موظفيّ هوَ الثقة فإن انعدمت فلا مكانَ لي بينهم. هذا رَجلٌ يزرعُ في نفُوس موظَفيهِ الولاء للمؤسَسة باعتبارها شرَفهم وعرضهم.

ولأنّ شخصاً كالكعبيّ استطاعَ خلق هذه المؤسسة الناجحة التي وقّع معها مجلسُ الوحدَة الاقتصاديّة التابع لجامعَة الدول العربيّة مذكرَة تفاهُم ليكونَ بروتُوكول عملها خارطَة طريق لعمل جمعيات حمَاية المستهلك العربيّة ووصفَها رئيس المنظمَة العالميّة للمستهلكينَ جيمس جست بأنّها تجربَة مبهرة ومن أنجحِ التجاربِ العالميّة ولذا فإنّه ليسَ من المستحيل خلق مؤسسَات حكوميّة جادّة إذا استطاعت تغيير نظام العمل إلى نظامٍ يصنعُ "عُمالا" ، لا مسؤولينَ ومدراء.

ثقافة السرّ وتشاركُ المعلومَة

كانَ يحلُو لأحد الزملاءِ تسميَة مؤسساتنا الحكوميّة بالصنَاديق التي لا تعرف مديريّة فيها ما ينجزُ في المديريّة الأخرى ولا المعلومات التي يمتلكها قسمٌ دونَ آخر .. بل إنّك حينَ تعملُ في مجالِ جمع المعلومات لأيّ غرضٍ بحثيٍ أو غيره لن تعجَب حينَ تحتاج لتقسِيم رسالة واحدة إلى خمسِ رسائل ليقبلَ رئيس كلّ قسمٍ استقبالها بما يُناسب اختصاصه. مؤسساتنا الحكوميّة تعمَل دون جسُور مشتركة. المعلُومات فيها غارقَة في نظَام الأرشفة الورقيّة العتيق الذي استبدلته الأنظمة الحديثة بأنظمة أرشفة الكترونيّة ناجحة تعيدُك في ظرفِ دقائق إلى ملفات مقفلة منذ عشرات السنوَات فيما يذهبُ التاريخ –في مؤسساتنا الحكومية- مع الأشخاص فلو أنّ شخصاً كان موكلاً بالعمل في مشروعٍ ما وغادرَ المؤسسة بلا عودَة فلا يوجد نظام يكفلُ تشارك المعلومة وتوثيقها مع أشخاصٍ آخرين ضمن المؤسسة. مؤسساتنا تعملُ فعلاً كصناديق معزولة عن الصناديق الأخرى ولأجلِ ذلك فإنّ المبادرَات البحثيّة تعاني بشدّة في هذا الصدد من هذا التشتت المؤسسي. وزارات تتوالد وهيئات تتوالد ففي موضوع المياه وحده هناكَ وزارة الزراعة والثروة السمكيّة المعنيّة بالثروة المائيّة فوق سطح الأرض ووزارة البلديّات وموارد المياه المعنيّة بما يتعلّق بالماء تحت سطح الأرض وهناكَ الهيئة العامة للكهرباء والمياه والمعنيّة بتوزيع مياه الشرب إلى المستخدمين. كلّ مؤسسة تغنّي على ليلاهَا.

في مؤسساتنا الحكوميّة يتم التعامُل مع المعلومة كأنّها سرّ. وكلمَة "سري جداً" حاضرَة بغزارة في ملفّات المؤسسات الحكوميّة وهوَ ما يرسّخ لغيَاب الثقة بينَ المؤسسّة وطاقمها أو المدير وموظفّيه. أذكرُ بشأنِ هذا الصّدد أنّ موضوعاً ما أثير في إحدى المشاريع بينَ مدير المشروع ومسؤولٍ برتبةِ رفيعَة. وحينَ ردّ مدير المشرُوع أضافَ العناوين البريديّة لفريقه الرئيسيّ ليطّلعوا على الحوار فسألَ ممثّل المؤسسة الحكوميّة المديرَ: لماذا أضفتَ فريقكَ في هذا الحوَار الموجّه إلى المسؤول ذي الشخصيّة الرفيعة فردّ عليه المدير: لأنّه لا توجد أسرار بيني وبين فريقي ولا يوجد ما يستدعي إخفاء شيءٍ عنهم. الثقَة هي المفتاح الرئيسي الذي كان يشيرُ إليهِ المدير والثقة هيَ الحلقَة المفقودة في تشاركِ المعلومة بمؤسساتنا الحكوميّة.


أصغَر مهندِس في الشركَة بوزِير في الحكومة

وحينَ نذهبُ إلى السلطة المركزيّة فإنّ قصص الواقع تصيبكَ بالدهشَة. فإذا ذهبَ المدير في إجازة أو سفر تعطّل كل ما على طاولتهِ ، تذهب لموظفيهِ فيقالُ لك لا نبتّ في الموضوع حتّى عودته. يُعهد بملفٍ معينٍ في مشروعٍ معيّن إلى موظّف بعينهِ فإذا ذهب في سفرٍ أو مهمّة عملٍ قصرت لأيّام أو طالت لأسابيع فلن تجد إجابة ً للموضوع إذ عليك أن تنتظر حتى عودة الموظف.

ويزداد الموضوع حدّة في الوزارات التي تقدّم خدمات للمراجعين فما أن تذهب لخدمةٍ ما وتجد الموظّف المعنيّ غائباً فلا تتوقّع أن يحلّها لك غيره. اذهب وعُد حين يعُود. لا قيمَة تُحتسب لوقتكَ كمراجع أخذ ربّما إجازةً من عملهِ للمجيء أو ربّما انتقل من ولايتهِ إلى المدينة المركزيّة من أجل تلك المعاملة. ظرُوف النّاس لا قيمَة لها في عُرف خدمَات المراجعين في المؤسساتِ الحكوميّة على الأغلب.

بل إنّ قراراتٍ تافهة جداً أو النظر في مواضيع معيّنة تصعَد إلى أعلى المؤسسة الحكوميّة للبتّ فيها ولعلّ ما يحضرني في ذلك أنّ مؤسسة ً حكوميّة ً رفعَت رسُومات لفرعِ مكتب لها لوزيرها ليدرسها ويعتمدها فإذن ما وظيفة قسم الهندسَة المضطلع بمراجعة هذه الرسُومات إذا كان على الوزير الذي لا شأنَ له بالهندسة أو غيرها أن يعطيهِم الإشارة الخضراء من عدمها. ما هذه المركزيّة في إدارة السلطات وإصدار القرارات الذي بلغتهُ مؤسساتنا الحكوميّة. موضوع كهذا يعتمدهُ أصغر مهندس في شركَة هندسيّة يُوكَل إلى مسؤول برتبَة وزير في وزارة حكوميّة. أيّ تمركُز في السلطَة وصلت إليهِ مؤسساتنا الحكوميّة.

السلطَة المركزيّة هذهِ أصبحتْ هيَ المتعارَف عليه وخلافهَا هو الشاذّ فليسَ غريباً مثلاً أن تبعثَ إلى مؤسسة حكوميّة وتبلغهم قبلهَا أنك تحتاج ليحضر خبراء في هذا المجال وذاك في الاجتماع وعندمَا تحضرُ الاجتمَاعَ تفاجئ بـ"المدير العُود" يتحدّث لساعتَين إلا عشر دقايق وينـَظِّر في كافّة الإجابات ثمّ يعقّب أخيراً: "عشَان ما أطوّل عليكم" ويترك مجالاً لـ"خبرائه الصامتين لـ110 دقائق" ليتحدّثوا في العشر دقائق الباقية. أصبحَ هذا البرستيج "معتاداً" جداً في مؤسساتنا الحكوميّة.


النظَام هوَ النظام

سننتظرُ لأعوامٍ لنسمعَ تصريحاً "شبيهاً" بتصريحِ بن علويّ حتّى لو تغيّرت أسماء المسؤولين في المؤسسات وازدادَت أعداد الموظفين وارتفعتِ الرواتب وظلّ النظَام الإداريّ هو النّظام لم يتغيّر وظلّ الموظّف الحكوميّ يستلم إخطار قبوله بالوظيفة ويستلم الإخطار التالي بمباشرَة العمل دونَ أن يُدرَّب أو يُهيّأ أو حتّى ليعرفَ حقوقهُ وواجباتهِ ويصبحَ فرداً منتجاً لا رقماً يضَافُ إلى أرقام موظفي المؤسسات الحكوميّة.

بودّي لو أنّ كلّ موظّف حكوميّ ومسؤول معيّن حديثاً يُمنح نسخَة شبيهَة من هذا الكتاب ويُمتحنَ عليهَا علّنا بذلك نحمِي مؤُسساتنا الحكوميّة من "السقُوط الكَبير".

الاثنين، 25 نوفمبر 2013

لا تفتنا في سوريَا يا شيخ!


حسناً .. لا أفهم لماذا استاءَ البعضُ من امتلاءِ ردود الشّيخ الخليلي في ظهورهِ التلفزيونيّ الأخير بالآياتِ القرآنيّة والاستدلالاتِ النبويّة وندرَة أو ربّما "خلوّه" من الآرَاء الشخصيّة والاجتهادَات الفرديّة في قضَايا واقعة بين سندان المذهبيّة ومطرقة السياسَة .. ألم يكفهِم انقسَام أغلبيَة رجالات الدّين في العالم العربيّ إلى "خطباء منابِر" .. وَ"منظّرين سياسيين"؟

هل علَى القلة القليلة أو ربّما الوحيدَة التيْ لم تنخرط في معمعَة الصّراع السوريّ السوريّ القطريّ السعوديّ العربيّ الصهيونيّ العالميّ إلخ إلخ إلخ؟ حتَى أصبح المفتون يصنّفون وفق موقفهم تجاه الصّراع السوريّ؟ وجرّت القلّة "الصامتة" جراً إلى المشهَد حتّى دفعَ البعضُ حياتهَ ثمناً لذلك كما حدثَ للبوطِي!

 لماذا على المفتي أن يكونَ سياسياً؟ لماذا على المفتي أن يعطي رأيه في سوريَا والاخوَان وإيرَان وعبدالفتاح الجريني؟
نريدَ مفتين يعلّموننا أمور ديننا وعباداتهِ وفقهه وصلّى الله وبارك. ديننا الذي أصبح الانسانُ القابضُ فيهِ على فرائضهِ في هذا الزّمان كالقابضِ على الجَمر. ديننا الذي يجاهد فيه النّاس اليَوم ليصلّوا فمنهم تاركٌ ومنهم مؤخرٌ للصلاةَ عن أوقاتها ويزكّوا ويحجّوا ويحافظُوا على أوطانهم كأنّها أعراضهم وشرفهُم.. لماذا نحتَاج إلى مفتين سياسيين وقد أفسدَت السيَاسة إعلامنا! وقد أفسدت ثقافتنا! وقد أفسدَت أدبنَا! وقد أفسدَت حواراتنا ولم يبقَ إلا رجَال ديننا ليطالهم عفنهَا.
السيَاسة التي كانت سبباً في أكبر الانقسَامات في التاريخ منذ حادثة مقتل عُثمان ثمّ مقتَل الحُسين. أرجُوكم أبقوا على ما تبقّى لنا من العقلاء!

نريدُ مفتين لا مرجِع لهم سوَى القرآن والسنّة ، يعلّموننا كيفَ نفهَم ديننا أكثر من فهم صراعاتٍ لسنَا أطرافاً وليسُوا أطرافاً فيها.. صراعاتٍ أصبحَ كلّ أحدٍ طرفاً فيها سوَى نحن! نريدُ مفتين غير مشغُولين بالآراء السياسيّة ولكنّهم مشغُولون أكثر بترسيخ أركان هذا الدين فينا ..أركان الدين في مجتمعات أصبح غايَة همّها "دينياً" أن تفهم "فرُوضها" عوضاً عن سننها.. فلو التفتَ أحدكم إلى من حولهُ وسألهُم عن أصول سجُود السهو وأسبابها وقواعدها لما عرفُوا. ولو سألهم عن قوَاعد واشتراطات صلاة السّفر لحصلَ على إجابات يرتفعُ لها الحاجب! لو سأل عن أركان الإيمان والإسلام لتأتأ كثيرونَ في جوابهم وخلطُوا بينها.

 من احتَاج إلى "دزّينة" تنظيرَات سياسيّة فليذهَب إلى الجزيرة والعربيّة. ومن احتاجَ إلى قنوَات تكرّس المذهبيّة فليمرّر جهاز التحكّم على قنوات نايل سات ولن يمضِي أكثر من ربع ساعَة دونَ أن يمرّ "عليهِ" كُوكتيل من القنوَات التي لا همّ لها سوَى تكريس المذهبيّة.

الأصوَات المتحمّسة التي تعالَت "تتأسّف" و"تندُب" على عدمِ وجُود قنوَات " إباضيّة" تروّج للمذهب أتمنّى أن تذهَب سريعاً "وبدُون أضرار" كما ذهبَ المنخفض الجويّ الأخير.

 لا نريدُ قنوَات تكرّس للمذهبيّة لأنّ احترَام النّاس للمذهبِ الأباضيّ قائمٌ على أنّه لا يملي على أحد ولا يكرّس لنفسه. والمذهَب الذي ينتقِصُ من الآخر ويعتقدُ أنّه الأفضل سيأتي من ينتقصُ منه من المذاهب الأخرى. نريدُ أجيالاً غير مشغُولة بالحوَارات الطائفيّة و"المناظرَات المذهبيّة" ..

 أجيالاً مشغُولة ببناء أوطانها واللحاق بهذا العالم الذي يتطوّر ضوئياً ويبتعد ويبتعد ويبتعد عنّا فيما نحنُ منشغلُين بالقدحِ في هذا المذهبِ وذاك والغيبيّات والجدَل حول "خلقِ القرآن" و"رؤية الله" ..

 نريدُ حوَارات لا يبدؤها الفردُ على أنّه أفضل من الآخر وأنّ على الآخر أن يتبنّى فكرتهُ لأنّ أي انسانٍ لن يخرجَ بنتيجَة إذا بدأ حوارهُ بكرسيّ مرتفعٍ عن محاورهِ ولكننا بحاجَة إلى حواراتٍ ندركُ فيها أننا قد نخرجُ مقتنعينَ بفكر الآخر. نريدُ أجيالاً لم "ينحَت" فيهَا لعشرَات السّنوات منذ ولدَت بأنّها أفضل من غيرهَا وأنّها على الحقّ والآخرُون على باطل.

 نريدُ أجيالاً تفهم حكمَة العقلاء، حكمَة تشبهُ حكمة هذا الرّجل .. المفتِي الذي استمدّ احترامهُ لا بانشغالهِ بالترويج لمذهبهِ بقدرِ انشغالهِ بنشرِ مفاهِيم التسامُح والتآلف بينَ المسلمين على اختلافِ مذاهبهم.

هذا الرّجل الذي اكتسَب احترام الشيعيّ والسنيّ قبل الاباضيّ لأنّه لم يكن معنياً في يومٍ ما بهذهِ النّعرات المذهبيّة. أتحدّث وأنا التي ما آمنتُ يوماً بالمذاهبِ بقدرِ إيماني بأنني مسلمَة من "الدرجَة الأولى والثانيَة والثالثة" تريدُون تكريساً مذهبياً ؟ افتحُوا "دستَة القنوَات" المذهبيّة وامتلؤوا بفقَاعات الكرَاهيّة السّوداء التي تبثها هذهِ القنوَات حتّى وصلَ الحالُ بأحدها بأنّ تشرّع اغتصَاب أصحاب مذهبها لأصحاب مذهبٍ آخر.

لا نريدُ مفتِين يفتُون بتكفِير من يحبّ "الأسَد" ولا آخرِين يفصّلون لهُ أحكاماً جاهزةً للقتل . لا نريدُ رجالَ دينٍ يعتبرُون مقتلَ شيخٍ "كالبوطي" حدثاً يستحق الاحتفال ولا "أزهريين" يفتُون بجوَاز قتلِ متظاهري رابعة.

هؤلاءِ المفتُون الذين تطلّخوا بالطين سوفَ يجفّون سريعاً ويتكسّرون عندمَا يجفّ ماءُ أنظمتهم السياسيّة عنهم.

ولذا فلتصُونوا ما تبقّى من الفقهاء الذينَ أدركُوا أنّ كلاً مسخرٌ لما خلقَ لهُ ، وما خلقُوا له.

أدّوا فرضَ ربّكم كما شرّعه الله عليكم وصلّوا وصومُوا وزكّوا و"لا تسرقُوا" .. وستكُون أمور دينكم ودنياكُم "طيبَة" بإذن الله! 

الثلاثاء، 15 أكتوبر 2013

الدرس المستخلَص .. احترَام عقُول النّاس




.

إلَى صنّاعِ القرار ..
هذهِ كلمَة .. خذُوها إن شِئتم أو دعُوها ..

في صَلاة العيد اليَوم حضرَ من حضرَ بنيّة صلاة العيد أو صلاة الضّحى ومنهم من غابَ وفي نيتهِ أن يصليهَا في بيته غداً

اخوَة اجتمعُوا على "عجل" واحد وتفرقوا على يومِ ذبحه فذاكَ يريد الثلاثاء وذاكَ يريدُ الأربعاء ..

أناسٌ أحجمُوا عن التبرع لجمعيّات خيريّة بقيمة الأضاحي خوفاً من ألا يقبلَ الله تضحيتهم بذبحِ تلك الجمعيّات الأضاحي للفقراء بالثلاثاء .. النتيجة أنّ بسطاء القوم وفقراءهم دفعُوا ثمَن هذهِ البلبلة من قوتِ يومهم ..

أناسٌ صامَت يوم عرفَة بالاثنين وآخرون أصبحُوا صياماً اليوم الثلاثَاء فيما الناس يبدؤون صباحهم بالعرسيّة والهريس .. وجاء صفٌ ثالثٌ أقل حذراً فلا صامَ الأمس ولا اليومَ  بحجّة أنّ اليومين مشكوكٌ فيهما...

خطباء الجمعَة انقسموا صفين فهناك من يدعُو إلى أن يعيّد الناس بالثلاثاء "طاعةً لولي الأمر" وباعتبار أنه من سيحمل وزر النّاس وآخرون دعوا لصيام الثلاثاء و"التعييد" بالأربعاء..

شيوخٌ التزموا الصّمت درءاً للفتنة ومزيدٍ من البلبلة وآخرون كانُوا أكثر "تشدداً" في إبداء آرائهم ومواقفهِم باعتبَار أنهم مسؤولين أمام الله في هدايَة الناس أو تضليلهم..

جدَل كبير وانقسَام هائل لم نعتَد عليه في الصف العماني .. مقال يأتي ومقالٌ آخر للرد عليه يأتينا فوراً والنّاس كقاربٍ يتأرجحُ في البحر يسرةً ويمنة لا يدرون أيّ موجةٍ تسيّرهم..

حتّى الأجانب المقيمون شعروا بحجم الفجوَة هذه المرة ورأينا تغريداتهم تتنوع بينَ متهكمٍ وحائر!

الدرس الواجب تعلّمه: احترمُوا عقول النّاس..

الاختلافُ ليس عيباً حينَ يقومُ على منهجٍ علمي ومنذ ولدنَا ونحن معتادين على الاختلاف في مواقيت مناسباتنا الدينيّة ، ليسَ بغرض الاختلاف نفسهِ ولكن لأن الدولة كانت دائما تحترمُ عقولنا وتتخذُ العلمَ والمنطق في تحديد مناسباتنا الدينيّة لا "أهوَاء السياسة" وأمزجَتها ..
اختلافنَا عن دولَة آل سعُود لم يكنْ دليلَ ضعفٍ بل دليل قوّة .. كانَ دائماً مصدَر احترامٍ لمنهجنا العلميّ الرصين ومصدَر مقارنَة بيننا وبينَ دولٍ طغتْ فيها آراء المشيخة على آراء أهل العلم والفلك .. بل وأكثر من ذلكَ ، كان مصدَر اعتزازٍ داخليٍ بأنفسنا ..

ومهمَا كانَ هنالك من يتذمر بيننا داخلَ المجتمع .. إلا أن أصواتهم كانت ضعيفة.. وواهنة؛ لأنّ منهجَ العلم كانَ كفيلاً بدحض أي حجةٍ أخرى.. العلمُ دائماً ينتصر .. العلمُ دائما من يقولُ كلمته،  ولا مجَال للفتنة حينَ يقول كلمته سواءً صادف اتفاقنا فيهِ مع أهل السعوديّة أو اختلف ..

 دول عربية أخرى كالمغرب وغير عربية كباكستان التزموا بمنهجهم العلمي وكانوا أكثر رصانةً منا هذه المرة.. وأعلنُوا أن عيدهم غداً الأربعاء لم يضيرهم ما أعلنته حكومَة السعوديّة ولا أن حجاجهُم -في السعوديّة- عيّدوا قبلهم ، فالجغرافيا ليست واحدَة والفلكيّون هم من قالوا كلمتهم في النهايَة والتي توحّد عليها مشايخهم ..

أتمنّى أن يكونَ ما حدثَ هذا العيد درساً لاتخاذ العلم دائماً وسيلةً ومنهجاً .. حتَى نغلق المجَال على متقصدِي إثارَة البلبلة بينَ الناس..

ووالله إن كثيراً من الناس كانَ كالقابض على الجَمر خائفاً من أن تكونَ هذه البلبلة باباً لفتنةٍ أكبر على وشكِ أن تشتعل ..

مرّة أخرى: الحلّ دائماً هو احترام عقُول النّاس ..
وكلّ عام وعُمان "حكومةً وشعباً" بألفِ خيرٍ وأمان.

عائشة السيفيّ

الجمعة، 27 سبتمبر 2013

خواطر امرأة



تمضي ساعات تطبخ ما يحبه ، وحين يأتي يأكلُ في خمس دقائق ويغادر

تمضي ساعات في البحث عن لبسة جديدة تلفت نظره، تتزين لقدومه ولكنه يلتفت عنها لمشاهدة التلفزيون

يدعو عائلته على العشاء فتستهلك اليوم بطوله لإعداد ما يجب لحسن ضيافتهم وحين يغادر الجميع لا يكلف نفسه ليقول لها "شكراً"

مسؤولية المذاكرة للأطفال عليها والواجبات طوال العام الدراسي وحين ينجحون لا يتذكر أن يجلب ولو هدية صغيرة لزوجة ومعلمة عظيمة وقفت وراء نجاحهم في كل المواد

هوَ أب مع وقف التنفيذ ليومين في الأسبوع وعازب لخمسة أيام أثناء عمله في العاصمة وهي أم وأب لخمسة أيام .. وأم ليومين!


تستشير صديقاتها وأخواتها للإعداد لمناسباته المميزة. تقضي ساعات على الانترنت باحثة: كيف تسعدين زوجك؟ عشر طرق للوصول لقلب الرجل؟ أعدي مفاجآت جميلة لزوجك، تتباهى  بأي هدية صغيرة منه وتضعها صورة في الوتسأب والانستجرام وغيره ، وأما هو فيخجل من ذكرها أمام أصدقائه فهي أمامهم ليست "زوجته" ولكنها "الأهل"! 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
( اتقوا الله في النساء , فإنكم أخذتموهنّ بأمان الله , واستحللتم فروجهن بكلمة الله )

الاثنين، 2 سبتمبر 2013

الحاضرُ وأزمَة التاريخ.. أيّهما أولى بنا؟

عائشَة السيفيّ


متَى تنتهِي هذهِ الحساسيّات التاريخيّة بين شعبين شقيقين ينطبقُ عليهِما قولهُ صلى الله عليه وسلّم حديث الجسَد الواحد .. .. " إذا اشتكَى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسدِ بالسّهر والحمّى" .. شعبَان على كلّ واحدٍ منهما أن يدافعَ عن الشّعبِ الآخر وتاريخهِ وحاضرهِ وشعبهِ كأنّه يدافعُ عن شرفهِ وعن أبنائِهِ وزوجتهِ وأمّه وأبيه؟ .. أينَ عقلاءُ البلدَين ليغلقُوا باب الفتنَة والحساسيّة التيْ يصطادُ فيهَا الدخلاء.. ثمّة ما ينبغي أن يقالَ اليَوم ، ربّما تجدُون فيه بعض القسوَة لكنّ القسوَة من القريبِ خيرٌ من الغريب .. والصّدق –مهمَا كانَ قاسياً- خيرٌ من الكذب ، ودرءُ الفتنَة خيرٌ من إطفائهَا بعدَ وقوعها ..

إخوتي أهل الامارات..
الذي ينشغلُ بتدليس التاريخ والبحثِ عن جذُور وهميةٍ هوَ شخصٌ مأزومٌ يعيشَ حالَة إنكارٍ لواقعهِ وينشغلُ بماضيهِ .. هؤلاء الذينَ تدفعُون لهم اليَوم لصناعَة تاريخ وهميّ سيضرُونكم أكثر من نفعهِم فهم كالذباب .. ينتقلُ لمائدةٍ أخرى أكثر إغراءً فورَ أن ينتهوا من لعقِ بقايا طعام مائدةٍ أخرى.. ومن ارتزقَ البارحَة وعضّ اليدَ التي استضافتهُ وأحسنت إليه ليدلّس في تاريخها .. سيغادركم غداً إلى من يدفعُ أكثر ويسدّ جشعَ نفسهِ التي لا تشبع!

هؤلاءِ "خيّاطُون" .. يفصّلون لكم التاريخ مثل الثَوب والدشداشة .. على مقياسكُم كيفما تشتهون .. لا يتحرّجُون من تخييط "الجغرافيا" ليتحوّل مسقط رأسِ المهلّب بن أبي صفرَة من أدَم إلى دبا .. ولا عنترة بن أبي شدّاد إلى "ليوَا" .. وهم كذلك لن يتحرّجوا من تفصيل "ثوب التاريخ" على مقاسِ "دفّيعة" آخرين ..

لماذا تنشغلُون بالتاريخ ولكم الحاضر؟ لكم أن تفخرُوا بمنجزكم اليَوم .. بالدولةِ العصريّة التي بناها لكم زايد خلال ثلاثين عاماً.. افخروا بواقعكم اليَوم وابنُوا عليه تاريخكم .. لا عيب في ذلك ولا ضير .. إنّما تكتبُ الأممُ بما تقدّم الآن لا بما كانت قبل ألفِ عام .. إن كان لكم تاريخٌ فأحبّوه .. لكن لا تدلّسوه ولا تنتحلوا تاريخَ غيركم.. احترَمُوا تاريخ الآخرين ليحترمُوا حاضركُم .. حافظوا على تاريخ الآخرين حتّى لا يأتي غيركم ويسرقَ تاريخكُم بعد حين..

افخرُوا بما تحقّق اليَوم لكم .. صدّقوني .. ما أنجَزه زايد لكم هوَ علامة ٌ فارقة ٌ في التاريخ .. والحلم الذي عاشَ هذا الرّجل حياتهُ لأجله يجبُ أن يستمرّ وهذا الحلم لم يستمرّ إذا انشغلتُم بتاريخٍ لا يسمن ولا يغني من جوع .. انشغلُوا بما صنعهُ هذا الرّجل وابنوا عليه مستقبلكم فحاضركُم هوَ مصدر قوّتكم .. لا تاريخكم .. كونُوا أنتم اليَوم لا ما كنتُم عليهِ قبلَ ألفِ عام ..

أيّها العمانيّون..

احذرُوا من أن تعلَقوا في التاريخ .. فليسَ الفتى من قال كانَ أبي .. إنّ الفتى من قالَ ها أنذا .. دعُوا حاضركُم يتحدّث عنكم .. وحمّلوا أنفسكم تجرّؤ الآخرين على تاريخكم لأننا أهملناه .. لأننا لم ندرّس أطفالنا تاريخهُم معَ أوّل ألفباءٍ لقنّاها لهم .. كما زرَع المصريّون حضارة الفراعنَة في دمَاء أطفالهم ، كمَا أرضعُوهم حضارَة آبائهِم مع حلِيبهم .. أحبّوا تاريخكم ولكن لا تعلقُوا فيه ولا تنشغلُوا بالجدَالات المطوّلة التي لا تثير سوَى حساسياتٍ كامنةٍ بينَ شعبين تربطهم رابطَة الدَمِ قبلَ الجيرَة ..
ابدؤوا بأنفسكم واحفظُوا التاريخ .. التاريخ الذي تنقطعُ علاقتنا بهِ فور خرُوجنا من المدرسَة أو فورَ دراستنا لمقرّر التاريخ في عامِ دراستنا الجامعيّ الأوّل .. ولأجلِ ذلك يتجرَأ من تجرَأ .. فكلّما زادت "هشاشة" معلوماتنا التاريخيّة بوطننا ، زادَ المدلّسون وما أكثرهُم هذهِ الأيّام ..

تذكّروا دائماً أنّ تاريخَ اليُونان الضاربَ لألفي عامٍ قبل الميلاد لم يدفع ديُونها البالغَة 600 مليَار دُولار اليَوم .. ولم يساعدهَا تاريخهَا في تقبِيل أقدَام دولٍ مستحدثَة لتحسنَ عليهَا بهذا القرضِ وذاك لإنقاذ اقتصادهَا المنهَار .. وأنّ دولة ً هجيناً بلا تاريخٍ كالولايات المتّحدة لم يضرّها أن تكونَ بلا تاريخ لتحكَم العالمَ وتتسيّده وتقرّر كيفمَا شاءت لتقصفَ هذهِ الدولة وتلك مهمَا كانَ عمر تاريخها الحضاريّ آلافَ الأعوام!

لا ألُوم من لدِيه مالٌ كثيرٌ لا يعرفُ أن يصرّفه من أن ينفقهُ على س و ص  ليصنعُوا له تاريخَاً.. ولكنّ الأولى  ببلادِي –بموَارد دخلهَا المحدُودة- أن تنفقَ مالها على حاضرِي ومستقبلِ أطفالي .. على الطرُق والموانئ والجسُور والصّرف الصحيّ والبنيَة الأساسيّة لنا .. أن تنفقهُ على تعليمنا وصناعَة عقُولنا ورفع مداركها .. أريدُ لبلادِي أن تنشغلَ بمالها على توفير مستوى حيَاة كريمَة لي ولأطفالي وإن زادَ دخلها بأن تنشيء لنا الحدائق العلميّة والمتاحفَ التكنولوجيَة لأنّها تمثّل حاضري اليَوم ومستقبلي غداً ..انشغلُوا بجمَال الحاضر الذي آمنَ السلطان قابُوس بكم لتحقيقه وآمنَ أنكُم أهلٌ له وأنكم على قدرِ الرّهان لتكملُوه ..

احمُوا تاريخكم ولكن احذروا من أن تعلقُوا فيه ومن أن تعيشُوا في مظلّته .. ومن أن تنشغلُوا بالصرَاع عليه فحاضركم أولى بكم .. ليسصحيحاً أنّه من كانَ بلا ماضٍ لم يكن له حاضرٌ أو مستقبل .. فالأمثلة اليَوم كثيرَة ٌ في العالم ..


ونحنُ كانَ لنا ماضٍ يرفعُ الرأس .. فلنكمله بحاضرٍ مشرفٍ وغدٍ أشرَف .. ارفعُوا هذا البلد بإيمانكم وبقدرتكم على أن تكُونوا أفضَل من المهلّب بن أبي صفرَة .. فالبلد التي أنجبت المهلّب بن أبي صفرَة هي بلدٌ ولودٌ أنجبَت وستنجبُ أفضَل من المهلب وخيراً منه .. إيّاكم أن تفقدُوا الأمل بأنّ هذا الوطن ولاّد .. ولاّدٌ بأبنائهِ ومواردهِ البشريّة لا بنفطهِ ولا غازهِ الذي سينفدُ يوماً!

الأربعاء، 21 أغسطس 2013

عامِيـَّات (1)


عائشة السيفي
بخصُوص الاحصائيّات الأخيرة التي أوردهَا د.حافظ الشحي في إحدى مقالاتهِ حول تدنّي مستوَى مخرجات التعليم النظامِي ونسبَة الطلبة والطالبَات الحاصلين على معدّل 70% أو أكثر التي لا تتجاوَز 30% من العدد الكلي للطلبَة والطالبَات .. يا مصيبَة!!!
بس الواحد لمّا يفكّر شوي لا يجدُ الأمرَ مستغرباً  إطلاقاً بالنّظر إلى أنّ أي شخص منّا لا يحتاج أن يذهب للسّوق لقضَاء حوائجه ولا يحتَاج أكثر من التوجّه لأقرب مدرسَة ذكُور ليجد سماسرَة العقَارات ومقاوِلي البنَاء ووكلاء مكاتِب السّفر و"كُوكتيل" مميّز من القطاعات التجاريّة المختلفة. وفي حال رغبت المرأة بالتبضّع والتجهّز للعيد فليس عليها سوَى التوجه لأقرب مدرسَة إناث وشرَاء آخر تشكِيلات "الوِيل" وأنوَاع البخُور ، وقمصَان النّوم وكلّ الكماليّات التي تخطُر في البال! ألا تنذرُ هذه الاحصائيّات بتدنّي مستوى الكادِر التدريسي مثلاً؟ يعنيْ الوَاحد من باب فِعل الخير يقترِح أن يوضَع على لافتة المدرسَة .. "المدرسَة الفلانيّة (للتجارَة)" ..

***

العُماني كلّما قرأ خبراً عن الهنُود "لعنهم" عن بكرَة أبيهم .. هم السّبب في غشّ الحلويّات ، هم الفاعلُون في قضيّة تبديل الإطارات الجديدة بالقديمة ، غشّوا الطّحين ، غشّوا القَمح ، غشّوا ألعاب الأطفال ، وباعُوا لنا لحُوم "الجِيَف" ، ولمّوا "جواني البطَاطا" من مكَاب النفايات وأعادوا بيعها .. هُم السبب في كلّ مصائب البلد والحكُومة الله ينتقم منهَا هي التيْ تقفُ وراءهم ، بينمَا الواحد منّا جايب له عاملين ومسرّحهم ويستلم عمُولته نهايَة كل شهَر. والثاني فاتِح له سجل تجَاري لمواد البناء وهوَ لا يعرف منها أكثر من الطابُوقة والبلاطة فالأخ مجرّد واجهة صوريّة ل"بزنس" يديره الهنديّ والهندِي من يعطيه الرَاتب نهاية كلّ شهر .. والثَالث جَايب له هندي برخصَة حدّاد ، بينما الهندِي مشتغِل متسول  ويحصّل آخر الشّهر كما راتب كفِيله وأكثر ..وفي النهَاية فالهندِي هوَ المصيبَة والحكُومة هي السبب!
 على قُولة عادِل إمام : في نَاس بتلعن البتَاعة وهي بتبتع أبتع منها بألف مرّة!

***

يعنِي الوَاحد بيفتكِر نفسه في المدِينة الفاضلة ، وبيشعر ب"رفرفة الأجنحَة الملائكيّة" تصِل لمسامعهِ وهو يمرّ على المنتديَات ويرى النّاس تشتم الوزير الفلانيّ ، وتتحدّث عن الفساد في المؤسسة الفلانيّة. بيحسّ الانسان أنّه لازم يحطّ كلّ واحد منهم وزير لأسبُوع ويشُوف "الهباب" اللي بيهببوه .. لما يجِيني واحد يوعظنِي عنْ سرقَة أرباح النفط وتقاسمهِ والشارخَة "تتلعبط" ذيك الساعة في دبّة سيارته لأنّ الأخ اشترَاها لتوّه بشكل غير شرعي من صيّاد يصيدها في غير موسمها ، على أساس الرجل أحسن من الشعب العماني كلّه اللي ممنوع عليه يصيد الشارخة ذاك الوقت .. وتجِدُ الآخر يشتم في الفساد والدولة وهوَ توّه طارد عايلة عمانيّة من غرفة مأجرها لهم في الخريف لأنّه وجَد عائلة خليجيّة تدفع له الضّعف، ويشتم الآخر ويلعن في سرقة أموال الدولة والواسطة وغيَاب الرقَابة وهوَ "متقاول" مع صاحب محل يبيع لهُ مكيف سعرهُ ب200ريال ، ب300ريال للوزارة ويوقع له الفاتورة والربح 50/50! على قولة اخوانا السويقاويين "بنتجاسمهي"! .. علمَاء الأخلاق يصنّفون الفساد إلى ثلاث أصناف أخطرهُ Grand Corruption أو فساد المنظومة الكليّ .. أي بالمختصر فسادِي وفسادكَ وفساد الجميع .. يا جمَاعة حاسبُوا أنفسكَم لتُحاسِبُوا!


***

عجيبَة هذه الحيَاة ، كيف تغيّر الناس بالمال والمنَاصب. الواحد بمجرّد ما يشمّ رائحة السُلطة "السُلطَة وليسَ السَلـَطة" يستيقظ ذاك الدكتَاتُور "الصغيرُون" .. الدكتاتُور الكتكُوت اللي نايم في داخله ليتحوّل إلى شيطان أهوَج لاهث وراء السلطة والمال والمنصِب ، نقتُل ونسلِب ونشرّد بمجرّد أن نمسكهَا ونخاف هروبها .. وإن لم نحصُل عليها قدّسناها لصاحب السعَادة والفخامة .. والنَاس! آه من الناس.. هي من تصنَع الأصنام والعبيد ..

***

بخصُوص المسلسل الفلكِي اللي بيطلع لنا مع اقترَاب كلّ عيد .. يعنيْ ما رح نخلص منّه؟
فجأة يتحوّل نصف الشّعب إلى "علمَاء أهلّة" .. والنصف الآخر إلى وكالَة أنبَاء مختصّة فقط في نشر أخبَار الهلال .. تظهرُ موَاهب عجيبَة! وأحلى شيء لما يبلغ الاحترَاف بالشّعب الصحفي إلى تأليف خبَر مختوماً بـ"  سس /العمانية/ سس سسسسسسسسسسسسسسسسسس" يا شِيخ! بتحسّ أنه طالع سيدَة من غرفَة الأخبَار لغرفَة الوتسأب! شعَب عجِيب!

***

حضرتُ مرّة عزاء لإحدى صديقاتي .. فوجدتُ أنّ النساء وضعن في غرفٍ ووضعت شلّة معيّنة في غرف أخرى .. وحين سألتُ قيل لي "هناك جالسة الوزيرة وشلّتها" .. قلت لهم عرفُوني مين الوزيرة؟ طلعت الحُرمة زوجَة وزير مـُقال! يا ساتِر! الآن زوجة الوزير تصبح "وزيرَة" حتّى بعد إقالتهِ ..
أو ذاك الوزير الذي يدخل على النّاس في مناسباتهم .. فلا يسلّم على الجميع وإنّما يتخذُ مكانه .. وإذا ذبح للناس ثَور ، ذُبح له غنَم .. وإذا أكل النّاس على صحون بلاستِيك ، أحضروا له "غُوزيه" على صحنٍ من خزَف ..
نشتُم الأصنَام ولكنّا نسجدُ لها ، نشتُم الدكتاتُوريّة وفي داخلنا مسلسل دكتَاتُور نائم! رحمَ الله القائل: لا تسألِ الطغاة كيفَ طغوا ولكِن اسأل العبيد كيفَ ركعُوا!

***

لمن لم يرقهُ ما كتبَ أعلاه .. ربّما يروقهُ شيءٌ من رائحَة مصر .. سلّمها الله من كلّ شر!

"ما ينفعشيْ .. أشوف الحق
وأخاف واسكت ومنطقشيْ
واحس كيانيْ متزلزل واقول عادِي ومنطقشيْ
وعاوزينيْ أغور وأمشيْ ..
وموتْ يا حمَار وما بيموتشيْ
مينفعشيْ .. مينفعشيْ .."

إيمان بكرِيْ

الأحد، 7 يوليو 2013

روائحُ الجنّة .. على أرصفةِ طرقَاتنا!






http://ayshaalsaifi.blogspot.com/2013/07/blog-post.html?m=1

كنتُ في طرِيقي برفقَة صديقَةٍ إلى إحدى الوزارات .. حينَ مررتُ على شيخٍ كانَ يقفُ على جانبِ الطريق بجسدهِ الناحلِ ويدهِ المتجعدة يستجدِي السيّارات وسائقِيها ليقفُوا له .. حدثَ ذلكَ اليَوم 7/7/2013 في عزّ النهَار القائظ حيثُ كانت الساعة تشيرُ إلى الثانية عشرة والربع وقيظ الصيف وشمسه في أشدهمَا والشّارعُ يخلُو من المارّة سوَى ذلك الشيخ.. ولأنّهُ لا شيء ينهكنيْ كرؤية شيخ يستجدِي من يعطفُ عليهِ ب"توصيلَة سريعَة" فقد تخطيتهُ بينما قلبي يستعرُ .. ولم تمضِ ثوانٍ إلا وقد عقدت عزمِي على العودَة وأنا أفكّر أنني لن أتمكّن من العودَة إذ سيسبقني أحدهُم إلى العطف عليهِ .. ولكنّ أملي خاب .. فحين ترجّلت من سيارتي واقتربتُ من الرّجلِ سألته: وين تريد تروح الوالد؟ فقال لي: أريد أروح ديوان السلطان!


قلت لهُ: هل تعرفُ أين هوَ؟ قال لي: ما أعرف.. سمحتُ لنفسي أن أسأله: مو تريد الوالد من ديوان السلطان؟

والله إنّي رأيتُ الرجلَ يتفصّد حياءً وهو يطرقُ برأسهِ لا يعرفُ ما يجيبنيْ ثمّ يقولُ لي: أنا أريد أروح ديوان السلطان "أطلبه" مساعدَة!

كنتُ مترددة ً فلا أنا أعرفُ أين هوَ ديوان السلطان الذي تطلبُ منهُ المساعدَات ولا أنا أعرفُ أألحقُ موعدي الذي يحينُ خلال عشرِ دقائق

أشفقتُ على الشيخِ الذي كانَ يتصببُ عرقاُ وهوَ يتكِئ على عصاه .. قلتُ له يا والدي ادخل سيارتي المكيفة لحين أجري اتصالاً أسأل معارفي أين يقدمُون طلبات مساعدة ديوان السلطَان .. فرفضَ الرجلُ بلباقةٍ عجيبَة .. يا ابنتي لا تجهدي نفسك بي .. أنا مرتاح هنا .. ألححتُ عليهِ ورجوتهُ فرفض ..

كانَت الشمسُ حارقة ً والجوّ خانقٌ وشديد الرطوبة فبدأتُ أشيرُ على السيّارات ليقف أحدهُم لنا ويوصلَ الرجلَ .. ووالله إني ظننتُ أنّ أوّل سيارةٍ أو ثانيها نشيرُ إليها ستقفُ لنا .. ولكنني مكثتُ بجانبهِ حتّى تعبت .. أشيرُ للسيّارات فيتجاهلني أصحابها .. حتّى سمعتُ الشيخ يقولُ لي: يا بنتي ماحد راضي يساعدنا ولا حد راضي حتى يوقف لنا ..

أقسم بالله أنني ما شعرتُ بالخجل والحياء كما قصمت حيَائي وخجلي تلكَ العبارة .. وفيما نحنُ على حالنا ذلك .. خرجَ شابٌ بدويٌ من وزارة مجاورَة فرآني على حالي تلك مع ذلك الشيخ فسألنَا إن كنّا بحاجة لمساعدة .. قلتُ له: تكون تجمّلت يا أخي وحكيتُ لهُ أمر الشيخ..

قالَ لي الرجل: لديّ اجتماع الآن في الوزارة الفلانيّة ولا أعرفُ أيّ ديوانٍ يقصد .. وإذ بالرجِل يخرجُ بعضَ النقود ويمدّ بها ليد الشيخ فرفض الشيخ بشدّة ورغم إلحاح الرّجل إلا أنّ الشيخ أبى أن يأخذ شيئاً منه .. ظلّ الشيخ يرجونا بعزّة نفس ملفتة بألا "نتكلّف بهِ" وأن نمضي إلى أعمالنا ولكنني لم أستطع أن أتركهُ على حالهِ ذاكَ .. فاتصلتُ بمن أعرفُ فعرفتُ منهم أين تقدّم طلبات المساعدة للديوان.. اقتربَ منّي الشاب وأخبرني أنّ طلبات الديوان تمّ إيقافها حتّى حين.. قلتُ له: وهل يغلقُ باب المساعدَة عن الشعبِ حيناً ويفتح حيناً آخر؟ سألنا الشيخ: إن كان صندوق التقاعد يقدم مساعداتٍ "للعاملين المتقاعدين من البلدية" فقلنا له: ما سمعنا أنهم يقدمون المساعدات.

ذهبَ الشابُ بالرجلِ إلى ديوَان السلطانِ وأخبركم الآن بالتفاصيل على لسان الرجلِ البدويّ الطيب الذي طلبَ من موظفي الديوان أن يقابلَ الشيخُ أحد المسؤولينَ ليحكي لهُم حالهُ وظروفه غيرَ أنّ الحرّاس رفضُوا معللين بأنّ الطلباتِ تمّ إيقافها وأنّهم يستقبلون الاستفسارات وفقط .. حاولَ الرجل إقناعهم بأنّ الرجلَ جاءَ عانياً من الجبلِ الأخضر طلباً لمساعدَة السلطان ورجَاهم أن يقابلَ الشيخُ أحداً فرفضوا ، تدخّلُ رجلٌ آخر وقال لهم: ارحمُوا هذا الشيخَ الكبير وساعدُوه .. فقالوا: أنّ طلباتِ المساعدَة أوقفَت عن "الجمِيع" .. وهنا لم يكن بالمقدُور سوى أن يغادرُ الشابّ وهو لا يعرفُ أين يوصلُ الشيخ الذي نالَ التعبُ والإجهادُ منه ، حمل الشاب الشيخَ إلى مطعمٍ واشترى له غداءً ثمّ أخذه إلى بيتهِ ليستريح .. يسأله الشيخ: من هين يساعدونا يا ولدي؟ يقول له: والله يا والدي لا أعلم .. يعتذرُ الشيخ له تارةً ويشكرهُ تارة أخرى وطوال الطريق لم يكفّ عن شكرنا والدعاء لنا: يقولُ لنا والله أولادي لم يخدمُوني كما فعلتم ..

عادَ الرجل أدراجه إلى قريته في الجبلِ الأخضر بعد أن استأجر له الشابُ سيارَة أجرةٍ لإيصاله و ......

انتهتِ القصّة!

لا حول ولا قوّة إلا بالله ..
ماذا أقولُ؟

هل أتحدّث عن الاحصائيّات العالميّة التي سجّلت ارتفاع دخل الفرد العُمانيّ في السنوَات الأخيرة! وأسأل إن كانت هنالك احصائيّات ترصُد أخلاق المجتمع ومسؤوليّته ورحمَته وإحسانَه؟

رجُل شيخ في عزّ الظّهر يستجدي الناس ولا يقفُ له أحد؟ ثمّ شيخٌ وامرأة يشيران على الناس فيمضُون عنهم!

رجُل شيخ هانَ على أولادهِ وهوَ "يتشحطط" في الشّوارع لا يعرفُ يسَارهُ عن يمينه؟

يا نَاس .. تعبنَا من مشاهِد هؤلاء الشيوبة المصطفين على شوارعنا! تعبنا من تحمِيلهم تعَب هذهِ الدنيَا!

هؤلاء الشيبَان الذينَ أكلَ الدّهر من عمرهم وشرِب ليسَ مكانهم الشوارِع و أبواب دوَاوين الدولة! ليسَت مسؤوليتهم أن يطلبُوا المساعدَة! هؤلاء مكانهم بيوتهم معززينَ فيها ومكرمين .. يخدمهم أولادهم ويكرمونهم! هؤلاء لا يجبُ أن يقلقوا حتّى على أنفسهم لأنّ أبناءهم وشبابهم هم من يجبُ أن يقلقوا عليهم ..

أين مسؤوليتنا الأخلاقية يا نَاس؟ أينَ التزامنا الاجتماعيّ بشيباننا؟

أينَ توقيرنا لهم؟ واحترامنا؟ ورأفتنا بشيبتهم؟

إن كانَت مساعدَات الدولَة تفتح "بالموَاسم" فإنّ كلّ فرد عُماني يجبُ أن يكُون مسؤولاً أخلاقياً واجتماعياً عن هؤلاء ..

لو أنّنا جميعاً الأثرياء منّا ومتوسطي الدخل لا نتصدّق ولا نتبرع ولكننا نخرجُ زكاة مالنا فقط .. لمَا رأينَا هؤلاء الذينَ أشاحت الدنيَا عنهُم يقفُون على جوانب الشوارع يستجدُون الناسَ "توصيلَة" لبابِ مساعدَةٍ مغلق ..

لو أننا جميعاً نشعرُ بالتزامنا بكفالتهم.. لو أننا نعتقد أننا مسؤولون عنهم قبلَ أن تكونَ الحكومَة مسؤولة ً عنهم .. لو أننا نعتقدُ أننا كلّنا راعٍ لما رأيتُ هذا الرجلَ اليوم الذي ما رأيتُ له مثيلاً في عفّةِ نفسهِ ونزاهتها..

أيّها النَاس.. ارحُموا شيوخكُم وعجائزكم ، أعفوهم من صخَب هذهِ الدنيَا و"وساختها" ، لنا نحنُ أن نطلب لآبائنا من يساعدهم ، لنا نحنُ أن نقلقَ عليهم ، لنا نحنُ أن نقلقَ على ما يأكلون ، وما يلبسون وما يطلبُون وليسَ عليهم ذلك ..

أيّها الناس.. شيوخكم وعجائزكم هم روائحُ الجنّة على الأرض .. احتمُوا بزهدهم ، تمسّحوا بنقاءِ أرواحهم ، تبرّكوا بأدعيتهِم ، ارتووا من حكمتهم .. في تجاعيد وجوههم وجلدهم المتغضّن قصص كفاحٍ تدمعُ لها العين ويذوبُ لها القلب ..

تفاصيلُ الرجلِ عندي لمن أرادَ مساعدته .. رغمَ ظنّي أن عفّة نفسه ستمنعهُ من قبُول أيّ مساعدَة سوَى من ديوان السلطان المُرادِ له وللشّعب كله ..

إن كانَ من أذنٍ تسمعُ لهم في الديوان ومن بابٍ لم يوصد بعدُ عنهم فافتحُوه لهم واستمعوا لألمهم .. هم لا يعرفُون قلماً ليحكوا لكم مآسيهم "مكتوبة في أوراق الطلبات" .. ولكنّهم صادقُون ونزيهُون .. ولا يوازي عفّتهم وكبرياءهم إلا حاجَتهم لعطفِ السلطان وكرمهِ ..

اتقُوا الله في شيباتهم ... اتقوا الله!