الأحد، 3 أغسطس 2014

خافيير باردِيم في رسالَة مفتُوحة للعالم عن غزّة: أنا غاضب ومتأثّر وأشعر بالعار من كلّ هذا الظلم وقتل البشر. هؤلاء الأطفال هُم أطفالنا



عائشة السيفي

كانسَانة –قبلَ أن أكونَ مواطنةً عربيّة مسلمَة- أشعرُ بالمسؤُوليّة الانسانيّة والاخلاقيّة تجَاه ما يحدثُ في غزّة. وأعرفُ أنّ واجبي مساندَة القضيّة الفلسطينيّة ليسَ على مستوَى الدعمِ المالي فقط –كما يفعلُ عُمانيُون كثر هذهِ الأيّام- ولكن عبرَ تنوِير المجتمع العربيّ بالموقفِ الدّولي من مجازر غزّة الذي شهدَ مساندَة عاليَة المستوَى هذه المرّة. لا يُمكن للباطِل أن يحجبَ شمسَ الحقيقةِ وإن طال! أكثرُ ما يُؤلمني هوَ الصّمت العربيّ المعيب ليسَ من قبل الحكّام العرَب ولكن من قبلَ شخصيّات عربيّة اعتقدنَا أنّها صاحبَة موقف واتّضح أنّها كائنَات محترقَة بلا انسانيّة. محترقَة بصمتها المُخزي الذي اشترتهُ حكوماتها. ولأجلِ ذلك فأنا أحملُ على عاتقي هنَا همّ تنوِير الانسان العربيّ والعُمانيّ بالشخصيّاتٍ العالميّة التي لا تجمعها معنا لا روَابط العرُوبة ولا الجغرافيَا ولا الدّين ولا المذهب والتي تقُود اليَوم مبادراتٍ رائعَة لدعمِ غزّة .. فقط الانسانيّة وحدها هي التي تجعلها تقفُ موقفاً مشرّفاً أشرَف بألف مرّة من ملايين العَرب الذينَ خبؤوا رؤوسهم فيمَا تتواصلُ المجَازر الوحشيّة بمباركَة عربيّة في غزّة.
ولأنني من عشّاق فنّ هذا الممثّل العظيم الحائِز على الأوسكَار وجوائِز كثيرة عالميّة ، أنقلُ لكُم ترجَمتي لرسَالة خافيير بارديم المفتوحة للعالم .. إنّها ليستْ رسَالة من مواطنٍ عربيٍ .. إنّها رسالَة من مواطنٍ إسبانيٍ يعيشُ في الولاياتِ المتّحدة.. أرجُوكم اقرؤوها بتمعّن.

"" لم يَعد ثمة مكان للحيَاد والاعتدال فيمَا يتواصَل مسلسلُ الرّعب في غزّة. إنّها حربُ احتلال وتصفية لأناس بلا موارد أو وسائل دفاع ، محصُورون في بقعة أرض صغيرة بلا ماء ولا مستشفيات ولا إغاثة. وفيما يُستهدف الأطفال و"الإرهابيون المزعومون"
فإنّ من الصعب التصديق ومن المستحيل تبرير ما يحدث. كما أن موقف المجتمع الدولي بالسّماح لهذه "الإبادة الجماعية" بالحدوث هوَ أمرٌ محرج!

أنا لا أفهم هذه البربرية فتاريخُ اليهود المرعِب يجعلُ ما يحدث مبهماً بطريقَة وحشيّة.
وحدهَا التحالفات السياسيّة ، والنفاق الذي تتقنع بهِ مصالح الاستثمارات كالتذرّع التجاري تبرّر فقط الموقف المُعِيب للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإسبانيا.

 أعرفُ أنّ بعضَ الأشخاص سيُصادرُون –كما يحدثُ دائماً- حقيَ الشرعي في إبداء رأيي ولأجل ذلك أودّ أن أوضح التالي:

نعَم ، لقد ولد ابني في مستشفى يهوديّ ، وذلك لأنني محَاط بأشخاص يهُود أحبهم ، ولأنّ كونكَ يهودياً لا يعني تبرير هذه المجزرة! تماماً كما أن كونكَ عِبرياً لا يعني أنّك صهيونيّ وأنّ كونك فلسطينياً لا يعني أنّك إرهابيٌ حمساوي. سيكُون هذا غير منطقيٍ تماماً كالربط بينَ كونكَ ألمانياً ونازياً!

نعم .. أنا أعمل في الولايات المتحدَة ولديّ من الأصدقاء والمعارف الذين يرفضُون التدخّلات والسياسَات المتعسفة. قالَ لي أحدهُم البارحة عبر الهاتِف: "لا يُمكن لأحد أن يدّعي الدّفاع عن النفس ويقتل الأطفال في نفس الوقت". وهنالكَ آخرون أناقشهم بانفتاح حولَ نقاط اختلاف رؤيتنا.

نعَم إنني أوروبي وأشعرُ بالعار من مجتمعٍ يُقال أنه يمثّلني بصمتهِ المُخزي.
نعَم .. إنني أعيشُ في إسبانيا وأدفع ضرائبي ولا أرغبُ أن تموّل أموالي السياسات المساندَة للبربريّة والتبادل التجاري مع دوَلٍ تزدادُ ثراءً بقتل الأطفال الأبرياء.
نعَم .. أنا غاضب ومتأثّر وأشعر بالعار من كلّ هذا الظلم وقتل البشر. هؤلاء الأطفال هُم أطفالنا.. إنّ هذا رعبٌ بحدّ ذاته. إنني أتمنّى أن يجد العطف طريقهُ إلى قلوب هؤلاء الذين يقتلونَ وأن يتلاشى منهم سمّ الإجرام الذي لا يخلقُ إلا مزيداً من الكراهية والعنف.

وأتمنّى للاسرائيليين والفلسطينيين الذينَ لا يحلمون إلا بالسلام والتعايش بأن يستطيعُوا في يومٍ ما أن يتقاسمُوا الحلّ.

إنني أدعُوكم جميعاً لتتصفحوا الروابط التالية:



خافيير بارديم
25 – يُوليو – 2014
صحيفة إلديارو الاسبانيّة ""




الثلاثاء، 17 يونيو 2014

السيّد نائب رَئيسِ مجلسِ الوزراء ... الخُبز أم الكَعك؟

السيّد نائبُ رئيس الوزراء ... الخُبز أم الكعك؟

نسخَة من الرّسالة إلى وزيرَي التجارَة والصنّاعة والمَكتبِ السّلطاني.


صاحب السموّ السيّد فهد بن محمُود نائبَ رئيسِ الوزراء.. تحيّة طيبة وبعد:

دعني قبلَ أن أبدَأ رسالتيْ أن أحكي لكَ قصّة ماري انطوانيت .. آخر ملوك فرنسَا .. ففيمَا كانت الثورَة الفرنسية تشتعلُ والجماهيرُ الفرنسيّة الغاضبَة تحيط بقصر فرسَاي لتخترقه كانَت الجماهيرُ تصرخُ: نريدُ الخبز ، نريدُ الخبز! شاهدَت ماري انطوَانيت الجماهير يصرخُون من شرفَة قصرهَا وسألتْ كبيرَ خدمها: لماذا يريدُ الناسُ خبزاً؟ فأجابها: لأنهم لا يستطيعُون شراءه أيها الملكة! فردّت عليه بقمّة اللامبالاة والجهل: "إذا لم يجدوا خبزاً لماذا لا يشترونَ الكعك"! .. لقد كانتْ ماري انطوانيت تجهَلُ أنّ الكَعك أغلى من الخُبز فإن كانُوا عدمُوا الخبز فقد عدمُوا الكعكَ قبلهُ..
ظلّت هذه القصّة لأكثر من ثلاث قرونٍ من الزّمان حتّى اليوم مدارَ ضرب الأمثال في انفصَال المسؤُول عن واقعِ النّاس ومعيشتهم.. لأنّها كانت تتكررُ في أزمنة وأمكنة مختلفة.
أتساءَل فقط سيّدي الكريم إن كنتَ تعرفُ كيفَ يعيشُ المواطن العمانيّ؟ كيفَ يشتري راشنه؟ متى كانتْ آخر مرّة ذهبتَ فيها إلى محلّ بقالة واشتريتَ راشناً؟

سيّدي الكريم..
إحدَى أكبر مشاكلنا في عُمان .. أننا نناقشُ قضايانا الجوهريّة في المجالسِ المغلقة.. النّاس لا تصارحُ مسؤوليهَا.. والعتبُ يقعُ في ذلك على ثقافة الخَوف والهاجِس الأمنيّ الذي يرتاعُ منهُ النّاس وعلى الإعلام .. إعلامِ صحفنا المشغُول بغليِ الكمّة عندمَا يكُون النّاس في الهمّة!

سيّدي .. ولأنني أؤمنُ دائماً أن المشاكل لا تحل داخلَ الجدران المغلقة وأنّ الحل دائماً في الصّدق والشفافيّة مع المسؤول فسأتحدّثُ إليك بصراحة وشفافيّة ..

النّاس تقُول أنّك تقفُ مع الطبقَة البرجوَازيّة في البلد .. بل إنّ من الأسئلة الشائعة جداً بينَ الناس حينَ تذكرُ: هل شوهدَ فهد بن محمُود من قبل وهوَ يزور ولايةً من ولايات السلطنَة خارجَ مقرّ معيشته في مسقط؟ وهوَ سؤالٌ صحيٌ ومشرُوع كما أعتقد .. فأنتَ نائبُ رئيس الوزراء؟ وعينُ السّلطان؟ ورسُوله الأمين إلى النّاس!

سيّدي الكريم..
هل سبقَ أن شاهدتَ آلاف العمانيين على الحدُود مع الإمارات في الطريق إلى دبي أو الشارقة أو الفجيرة ليشترُوا سيّاراتهم من هناك؟ هل سبقَ أن شاهدتَ طوابير السيّارات التي تشحنُ كلّ يوم من الإماراتِ إلى عُمان؟ هل شاهدتَ أفواجَ العمانيينَ الذي يعبرُون الحدُود ليشترُوا قطع غيار سياراتهم؟ تخيّل أن تعبر آلاف الكيلومترات لتشتريْ ماكينة لسيارتك؟ لماذا؟
ما الذي يجعلُ العمانيّ برأيك يترك بلَدَه ويذهب إلى دولة أخرى ليشتري سيارته؟ هل تعرفُ السبب؟
لتعرفَ الإجابة؟ اسأل سعَادة سعيد الكعبي ، رئيسَ هيئةِ حماية المستهلك..

سؤالٌ آخر لو سمحت: هل تذهبُ لسوق التنين الصيني في دبي؟
يسمّونه السوق العُماني.. في حالِ أنك لم تذهب إلى هناكَ قط فأنا أدعوكَ لتزورهُ (وبالمناسبة ،قد تصادف أحياناً وزراء عمانيين يتسوقونَ فيه مع عائلاتهم) .. وستصدمُ حينَ تدخلهُ بشعوركَ أنّك في عمان وليسَ في دبي لأنّ العمانيين "منتشحين" هناك بطوله وعرضهِ .. فمواد البناء والأثاث والموادّ الصحيّة هناك وفي أسوَاق رأس الخيمة والشارقة تباع بنصف القيمة.. ما الذي يجعلُ عمانياً برأيك يعيشُ في نزوَى ويقطع أكثر من ألف كيلومتر ليشتري مواد بناءِ منزله من دولة أخرى؟
الإجابة سيّدي الكريم أيضاً لدى هيئة حمَاية المستهلك.

سيّدي الكريم ،
هل ذهبتَ يوماً إلى السيتي سنتر؟
أدعوكَ للذهاب إليهِ .. ومتابعَة السلع المعرُوضة في إحدى محلاتهِ حيثُ يدرج المحلّ السعر بالعملات المختلفة/ الدينار الكويتي ، الدرهم الاماراتي ، الريال السعوديّ والريال العمانيّ .. تجوّل لساعة هناك وقارن بينَ أسعار العملات المدرجة بعد إزالة فرق العملة. ما الذي ستلاحظهُ؟

سيّدي الكريم،
إحدَى الملاحظات العامّة للوافدين في عُمان هو أنّ الرواتب قليلة والأسعار غاليَة. قبلَ أيّام التقيتُ بصديقَة لبنانيّة تعيّنت مؤخراً في عُمان. قالتْ لي: أنهُ قيلَ لها قبل أن تأتي، صحيح أنّ الرواتب في عُمان منخفضة ولكن السلع أرخص ممن حولهَا من الدول والعيشة "بريكة". تقولُ لي أنّها صدمت حينَ جاءت من غلاء الأسعار فالسلع في عُمان ليستْ أرخصَ من السعوديّة أو الامارات كما يُشاع ومعَ ذلك فالرواتب لا تكفي..

سيّدي الكريم،
هلِ اطّلعت قبلَ عامين على الوثيقة التي رفعتهَا السّفارة الأمريكيّة في عُمان إلى حكومتها وتسرّبت عبر ويكيلكس وفيهَا تعرض الوثيقة كيفَ أنّ الاقتصاد في عُمان محتكَر من قبل "عائلاتٍ معيّنة"؟ وأنّها هي من تديرُ غالبيّة القطاعات الاقتصاديّة في البلد؟ حسناً ..
أدعوكَ لتقرأ الوثيقة في الرابطِ التالي: http://alfalq.com/?p=3739

حسناً أنتم الآن أبطلتُم قرار حظر رفع سعرِ السلع حفاظاً على "اقتصادٍ حرّ" أسألكَ بعدَ قراءةِ هذا الرابطِ، هل اقتصادُنا فعلاً اقتصادٌ حرّ؟ إذا كانتْ إجابتكَ لا .. فاسمَح لي أن أسألكَ مجدداً : ما الذي فعلهُ المجلس لإنهاء واقع الاحتكار المسيطر على اقتصادِنا لعقُود؟

سيّدي الكريم،
في الكُويت توجَد جمعيّات تعاونيّة ، في الامارَات جمعيّات تعاونيّة .. في السعوديّة جمعيّات تعاونيّة .. أزعُم أنّ هذهِ اقتصادَات حرّة .. حسناً! لماذا لا توجدُ لدينا في عُمان جمعيّات تعاونيّة؟

سيّدي الكريم،
هلْ تعرفُ ما أكثر ما أوجَع النّاس في قراركُم هذا؟ 23 سلعَة ، وَغيرهَا يحددهُ العرضُ والطلب! ياهْ! موجعٌ جداً أن يشعرَ النّاسُ أنّ حكُومتهم تركتهُم للعرض والطّلب .. الشّعور بالتخلي ورفع اليدين يخزُ القلبَ فعلاً!

سيّدي الكريم،
النّاس غاضبَة ، سعَوا لتحريك قضيّة ضد قراركم فقيل لهُم لا توجَد محكمة دستُوريّة اختصاصهَا النظر في قراراتٍ كهذهِ ، وهناكَ من يسعَى للتصرِيح بوقفَة احتجاجيّة وآخرُون جمعُوا حتى اليوم أكثرَ من ثلاثَة آلاف توقيع لإصدار بيانٍ شعبيٍ يرفضُ القرار.. وهناكَ من قرّر أن يعبّر عن خيبَة أمله في القرَار بالنكتَة ويهربَ من همُومه بالابتسامَة والضّحك
أنتُم يدُ السُلطان وعينهُ على النّاس .. إمّا أن تضربُوهم بها أو تحتووهم.. فانتقُوا بأيّ يدٍ تُعامِلُون النّاس!

سيّدي الكريم،
 ( وهُناكَ أمرٌ هامٌ يجبُ على جميعِ المسؤولينَ في حُكومتنَا أن يجعَلوه نصبَ أعيُنهم ، ألا وهوَ أنّهم جميعاً خدمٌ لشعبِ هذا الوطنِ العزيزِ ، وعَليهم أن يُؤدّوا هذهِ الخدمَة بكلّ إخلاصٍ ، وأنْ يتجرّدوا منْ جميعِ الأنانيّات وأن تكونَ مصلحَة الأمّة قبلَ أيّ مصلحَةٍ شخصيّة ، إذ أنّنا لن نقبَلَ العُذر ممنْ يتهَاوَن في أدَاءِ وَاجبه المطلوبِ منه في خدمَة هَذا الوَطن ومُواطنيهِ ، بلْ سيَنالُ جَزاء تهاوُنه بِالطريقَة التي نَراهَا مُناسِبة )

قابُوس بن سَعيد – 15/5/1978

الأحد، 15 يونيو 2014

زمَن معجُون الأسنَان والدّنجو!

عائشة السيفي

قبلَ فترَة تناقلَ النَاسُ خبرَ طلبِ مجلس الوحدَة الاقتصاديّة بجامعة الدول العربيّة من الهيئَة العُمانيّة لحمَاية المستهلك برئاسَة الدكتُور سعيد الكعبي توقيعَ مذكّرة تفاهم ليكُون بروتوكُول عمل الهيئة خارطَة طريقٍ لمؤسسات حمَاية المستهلك العربيّة. وفيمَا كنتُ أقرأ الخبر كنتُ أفكّر أنّ هذه الهيئة لن تدُوم طويلاً .. فالحسَد المؤسسي لدَينا وسيَاسة "نتف الرّيش" التي تتخذها المؤسسَات الكبرَى تجَاه المؤسسَات الأصغر منهَا فورَ أن يذيعَ صيتهَا وتتألق أمام مجتمعهَا هوَ أمرٌ معتادٌ لدينا .. وهوَ ما حدث..
فبعدَ أن خرجَ قانُون حمَاية المستهلك "مشوّها" .. واصلَ مجلسُ وزرائنا الموقّر المسيرَة بإبطَال قانُون الهيئة الذي ينصّ على منع التجَار من رفع أسعَار سلعهم دونَ موافقَة الهيئة خلالَ ستين يوماً من تقدِيم الطلب ..
نعم.. انتهَى شهرُ العسَل إذن بعدَ أن دَام القرَار "عامَين" إذ صدَر في أواخر 2011 وأبطلَ اليَوم بقرارٍ رسميّ من مجلس الوزرَاء الذي حدّد دور الهيئة في حمَاية السلع التالية ""فقط"" : الأرز والطحين والزيت والسمن والسكــر والملــح والشــاي والقهـــوة ( البــن ) والـعــدس والفاصوليــا والفــول والحمص ( دنجو ) وحب الهريس والطماطم ( الصلصة ) ومعجون الأسنان وصابون الغسيل واللحوم الطازجة والمجمدة والأسماك الطازجة والمجمدة والدجاج الطازج والمجمد والحليب المكثف ( مركز ) والحليب المجفف ( بودرة ) والألبان. فيمَا تترك بقيَة السلع خارجَ هذه القائمَة بسقفِ سعرٍ مفتوح بنَاءً على مبدأ العرض والطّلب.


حسنَاً... جزَاكم الله خير .. أسمّيكم تجملتُوا!


يحقّ للتّجار الآن أن يخرجُوا في مسيرَات شّكر وعِرفَان لمجلس الوزرَاء على قراره ويحقّ لنَا أن نسمّي أنفسنا منَ الآن وصاعداً: "شعب الدنجُو والمعجُون" .. على اعتبَار أنّ حكومتنا لا تريدُ أن تقضّ "مضجع تجارها" وأن تقلقَ نفسهَا بحمَايتنا –كشعبٍ ومستهلكين- من ارتفاع الأسعَار سوَى ما على شاكلة الدّنجو والأغذيَة الأساسيّة ..
ما حدثَ أعلاه يذكّرني بهرَم ماسلُو المشهُور الذي اخترعهُ ابراهام ماسلُو وفيهِ يقدّم نظريّته في تدرّج حاجاتِ الانسان من الأقلّ (قاعدَة الهرَم) إلى الأكثر تقدّماً (رأس الهرَم). ومنذ اخترَاعه ظلّت قاعدَة الهرَم مقياساً في تصنِيف مستوَى تقدّم وتوفّر احتياجَات الشّعوب واهتماماتِ حكُوماتها في المقابل وتبدَأ من الطعام والشّراب (كدرجَة أولى) إلى احتيَاجات الأمن الصحيّ وأمن الموارد والممتلكاتِ كدرجَة أعلى صعوداً إلى الحاجات الاجتماعيّة وأخيراً الابتكَار والانجَاز في قمّة الهرَم .. وأتركُ لكُم أي موقعٍ من الهرمِ تصنّفنا "حكُومتنا" بعدَ هذا القرار! إننا فعلاً شعبُ الدنجُو!
مجلسُ وزرائنا استندَ في قرارهِ هذا على درَاسة قصيرة لغرفَة تجَارة وصناعَة عُمان والتي استنفرت في 2011 وخرجَ لنا رئيسهَا السابق مهدداً ومتوعداً من الآثار السلبيّة لقرار هيئة حماية المستهلك استندَ على درَاسة تقول أنّ قرار الهيئة سيؤدّي إلى قتل روح الابتكار وتردي جودة الانتاج وضعف مستوى السلع المستوردة وتثبيط الابداع في تقديم الخدمة وقتل رغبة التطوير عند التاجر وغياب المبادرات والإخلال بالعمليات الحسابية عند التجار. وقد عللتِ الغرفة ُ أنّ من أسباب دراستهَا تلك: الأخذ بعين الاعتبار مسؤوليّة الغرفَة في حِمايَة أعضَائهَا المنتسِبين وَرعايَة مصَالحهم وَالدفَاع عن حُقوقهِم أمَام الحُكُومة كما ذكرت أن للمستهلكِ سيادة القرار في انتقاء ما يريده من سلع وخدمات. (بمعنَى لطِيف جداً: صرّف عمرك ومدّ رجلك على قدّ لحافك وانتقِ ما تقدِرُ عليه مادياً)
ولو أنّ مجلسَ الوزرَاء أوعَز بإنشاء مؤسسة مختصّة بمراقبَة السّوق والأسعَار معَ القرَار لكنّا تقبّلناه لكن أن يتركَ الأمرُ بيدِ التّاجر يبتُ في سعرهِ كيفمَا يشَاء فهوَ أمرُ لا يجبُ أن يسكَت عنهُ المستهلكُ مطلقاً!

كان يا مَا كان .. كان فيه مسودّة مشرُوع قانُون "جمعيّات تعاونيّة"


نعَم .. مجلسُ وزرائنَا لم ينتظر طوِيلاً و"شدّ حيله" لإجهَاض القرار خلالَ عامَين ولكنّه ظلّ يتلكّأ لأعوَام حتَى اليَوم عن إصدَار مسودّة اقتراح رفعتهُ الهيئة لقانُون إنشَاء جمعيّات تعاونيّة تخدِم فئاتِ الشّعب ..
مجلسُ وزرائنا قرّر رفع السّقف عن السّلع ولكنّه لم يقدّم سياسَات لتنظِيم الأسعَار ومراقبتهَا. مجلسُ وزرائنَا قلق من قتلِ روحِ الابتكَار ومنافَاة أساسيّات الاقتصادِ الحرّ في السّلطنة ولكنّ آخرَ همّه بالتأكيد أن يوفّر للمواطِن بدِيلاً يحمِيه من جشَع التجّار.. استكثَر المجلسُ على الموَاطن  هيئة ً تحمِيه من ارتفاعِ السلعِ "كلّها" وحصرهَا على الأغذيَة الأساسيّة فهذا أقصَى ما "يستحقهُ المواطِن" .. تماماً كما استكثَر عليهِ جمعيّة تعاونيّة "كما هوَ الحال في باقي "الاقتصادَات الحرّة المجاورة" إذ أنّ كرُوش تجارنا ستتضرر بالتأكِيد في هذه الحَالة.


المَجد للاقتصادِ الحرّ

أتسَاءَل إن كانَ يحقّ للمواطنِين رفع قضيّة قانونيّة على قرَار المجلسِ الأخير والاحتكَام إلى القانُون وعدالة القضَاء .. فإن كانَ ذلك مقبولاً فسأكُونُ أوّل المواطنين.. لا يُمكن لصاحِب البيتِ أن يمنحَ انساناً غرفة ً كبيرة ثمّ ينقله إلى غرفَة بربع مساحتهَا ويتوقّع منهُ أن يكونَ سعيداً راضياً .. ولا ينبغيْ أن نعودَ اليَوم في 2014 إلى المربَع الذي خرجنَا منهُ في 2011! لا ليسَ في عُمان وفي عهدِ صاحبِ الجلالَة ..

 علينَا أن نرفضَ بشرَاسة قراراً كارثياً كهذا .. قراراً يحددُ السلع الغذائيّة كـ"احتيَاجات أساسيّة" للشّعب فقطع غيَار السيَارات -في نظرهم- هيَ احتياجَات "مكملة" وأدوَات التنظِيف والأدوَات الكهربائيّة احتياجات غير أساسيّة وأسعَار موادّ البنَاء والملابِس وغيرهَا هيَ احتيَاجات غير ضروريّة للشعب .. كلّ ذلك هوَ احتياجَات غير أساسيّة لا يجبُ حمَاية الشّعب من تضخّمها!!

علَى مجلس الوزرَاء ألا ينَاشدَبعدَ الآن الشّعبَ العُمانيّ الذي أنفقَ للعامِ المَاضي فقط 42 مليُون ريَال في دولَة الامارَات بأن يضعَ أموالهُ في اقتصادِهِ العُمانيّ "الحرّ" ولا يضعهُ في اقتصادَات الآخرِين لأنّ الشعبَ بالتأكِيد "حرّ" فيمَا يريدُ..

المَجد لمفاهِيم "الحريّة" الجَديدة ! المجدُ للاقتصادِ "الحرّ"!

الأحد، 30 مارس 2014

صنَاعة "التوجيهات السامية" .. الصّيد أو السّمكة؟

عائشة السيفيّ

عندَ مَدخَل قسم الهندسَة المدنيّة بكليّة الهندسَة بجامعَة السّلطان قابُوس تتربّع لوحَة كبيرَة كتبَ عليها بالانجليزيّة جملَة مقتبسَة من حكِيم الصين العظِيم كونفوشيوس: "قل لي وسوف أنسى. أرني ولعلي أتذكر. أشركني وسوف أفهم" .. كلّما قرأتُ الجُملَة أعلاه تساءلتُ إن كانَ أحدٌ ما من مسؤولينا قد فهمَ تماماً ما تعنيهِ حضارَة الانسَان وإشراك المُجتمع واستقلاليّة الدولَة واتّساع أفق المبادرة في هذا الوطَن ..

(انطلاق المهرجان البحري مواكبة للتوجيهات الساميَة في المحافظَة على الموروثات) .. (انطلاق المسابقة المروريّة بتوجيهات سامية) .. (بتوجيهات سامية انطلاق ندوة تشغيل القوى الوطنيّة) ، (بتوجيهات سامية انطلاق جائزة العمل التطوعي) ، (توجيهات ساميَة للاهتمام بالمرأة العمانية وتعزيز وتثمين دورها) .. (توجِيهات ساميَة بتخصيص يوم من كلّ عام للشباب العُمانيّ) إلخ إلخ ..

هذهِ العبارات "اليوميّة" التيْ تتردّد على مسامعنا تستفزني وتشعرنِي بأنّنا شعبٌ "عاقرٌ" إبداعياً. غير قادر على الاهتمامِ بالمرأة إلا حينَ يوجّهه صاحبُ الجلالة وغير مكترث بالمبادراتِ التطوعيّة إلا بتوجيهِ من السلطان .. شعبٌ جفّت بطونُ أمّهاتهِ عن إخراج جيلٍ مبدعٍ قادرٍ على تحريكِ عجلَة التّقدم والسّير بوطنهِ إلا بتوجيهٍ من قائدهِ .. فإذا لم تكُن هذه التوجيهات حاضرَة ألم نكن لنهتَم بالمرأة العُمانيّة؟ ألم نكُن لنقيم مهرجاناتٍ تروّج لموروثنا؟ ألم نكن لنكترِث بالشبابِ وحراكهم؟ أكَان على جلالتهِ أن يوجّهنا لنفعلَ كلّ ذلك؟

أتساءلُ فقط إن كان هؤلاءِ الذينَ يكرّسون لصنَاعة "التّوجيهاتِ الساميَة" لا يعرفُون أنّهم ينتقصُون بذلكَ من السلطان أكثر من الإضافة إليه فالرجل الذي قادَ عُمان إلى ما هي عليهِ الآن قادرٌ بعدَ أربعينَ عاماً على التأسيس لجيلٍ من المسؤولين يمتلكُون زمامَ المبادرَة لا أن يعجَزوا عن التحرّك أنملة إلا بتوجيههِ الشخصيّ .. لجيلٍ يتحرّك كالخلية فيمَا قائدهُ يراقب ما ينجزهُ أبناؤه من بعيد.

يستفزّنا –كجيلٍ عُمانيّ شابٍ- أن نرَى شمّاعة المشاريع الحكوميّة والمبادرات الوطنيّة معلّقة على كتف جلالته وأن تكُون التوجِيهات الساميَة "عذراً" للتنصّل من أي مسؤوليّة .. وإن كانَ الغرضُ من هذه الرسائل إبلاغنا بقربِ جلالتهِ من المشهدِ العُمانيّ فإنّ عباراتٍ كهذهِ أصبحتْ لا تضيفُ على المسامع أكثر من التساؤل إن كانَ من أحدٍ يعملُ في هذه البلاد سواه؟ وهل هنالك من يقرّر غير السلطان؟ وما فائدة مجلسِ الوزرَاء والشّورى والدّولة؟ وما الذي يفعلهُ المسؤولون وما جدوَاهم من خارطَة العمل الحكوميّ إن كانت مهمّتهم تلقّي التوجيهات وتنفيذها؟

إذنْ .. لماذا نتسَاءل دائماً عن سرّ عدَم ثقتنا بمسؤولي الحكُومة ونظرتنَا للمسؤولين باعتبارهِم "مهزوزي الثقة" في ظلّ صنَاعة "التوجِيهات الساميَة" التي يكرّس لها س و ص من النّاس لأربعَة عقُود بمباركَة "عميَاء" من إعلامنَا المسيّر.

ألا يُدرِك هؤلاء فداحَة الرسَائل التي يمرّرونها لأجيالٍ شابّة نشأت وترعرعت وكبرَت فيمَا يُحفَرُ فيهَا أنّه لا أحدَ يفكّر في هذا البلد ولا أحدَ يعمَل ولا أحد يقرّرُ مصيره سوَى رجلٍ واحد؟ ألا يدركُون ما يقترفُونه في حقّ مستقبل أجيَال فقدَت ثقتها في المسؤول الحكوميّ وقدرته على صناعَة التغيِير؟

حتّى أرقى المؤسسات الفكريّة والتعليميّة في السلطنة عجزَت عن الخرُوج عن خطّ السّير الحكُوميّ وأذكرُ في هذا الصّدد مقال الكاتب أحمد المعينيّ الذي انتقد فيهِ تبرير الجامعة في مؤتمرِها الصحفيّ لأسباب إعلان تخصص العلُوم السياسيّة "لا بدّ للمسؤولين في الجامعة أن يعيدوا النظر بجدية في طريقة خطابهم للإعلام، خاصة وأن تصريحاتهم تمثّل المؤسسة الأكاديمية الأكبر في السلطنة. وهنا سأعلق سريعًا على إجابتين تفضل بهما الدكتور نائب رئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية وخدمة المجتمع، وهو المكلّف برئاسة فريقٍ يقدّم تصورًا لإعادة هيكلة كلية “التجارة والاقتصاد” وإعداد برنامج العلوم السياسية. وعسى أن يتقبل ملاحظاتي هذه بصدرٍ رحب، رغم أنه في رأيي يستحق على هذه التصريحات نقدًا لاذعًا.

أولا: حينما سُئل نائب الرئيس عن مدى حاجة سوق العمل إلى هذا التخصص قال: “نظرًا للتوجيهات السامية لا بد من وجود حاجة ملحة وضرورية، إلا أنه لا يوجد لدينا في الوقت الحالي تصور عن طبيعة الوظائف التي يمكن أن يشغلها خريجو هذا البرنامج…”. الجزء الأول من الإجابة (بحرفيّته) يعكس مصيبة كبرى ويشكّل للقارئ صدمة حقيقية، إلا أنني سأحسن الظنّ وأقول بأنّ التعبير قد خان نائب الرئيس، وأنه أراد القول بأنّ توجيهات جلالة السلطان لا بدّ أن تكون قد جاءت بعد دراسةٍ ومقترحاتٍ من مستشارين ذوي كفاءة وخبرة. أما الجزء الثاني من الإجابة فمن الخطأ أن يصدر عن مسؤول. أتساءل هنا كيف لجامعةٍ أن تُعلن عن طرح تخصصٍ ما وهي لا تملك أي تصورٍ عن الوظائف التي سيشغلها الخريجون؟"

وسأسمَحُ لنفسيْ بأن أكمِلَ ما كتبهُ المعينيّ فإذا كنّا نحسنُ الظنّ بالحكومة على اعتبَار أنّ رؤية السّلطان تأتي بعدَ مشورَةِ أهلِ الحكمَة والرأي فإنّ كلمَة "الدّعم السامي" "أرحَم بألف مرّة" من التوجِيهات الساميَة.. أولاً لأنها تعكِس ثقة جلالتهِ برؤى خبرائهِ ومسؤوليهِ ودعمه لمقترحاتهم المدرُوسة بعناية، وثانياً أنّ ذلكَ يقدّم رسالة مهمّة للجيل بتكامُل العلاقة بينَ الحاكم ومحكُوميه وإيمانهِ بقدرة المسؤولينَ على التحرّك وفق مساحَات واسعَة من التفكِير والحريّة بعيداً عن علاقَة "التوجيهَات ، والتنفيذ".

****

"  وقد تم ، بحمد الله ، على امتداد المسيرة التنموية الشاملة ، وبالعزم والاجتهاد ، والصبر والمثابرة، الكثير من المنجزات التي نعتز بها في كل محور من هذه المحاور، خاصة في مجال تطوير الموارد البشرية الذي اعتقدنا منذ البداية، ولانزال نعتقد جازمين أنه حجر الزاوية في تنمية أي مجتمع، ذلك لان الإنسان – كما أكدنا دائما وفي شتى المناسبات – هو هدف التنمية وغايتها، كما انه هو أداتها وصانعها وبقدر ما ينجح المجتمع في النهوض بمواردة البشرية وتطويرها، وفي إقامة الدولة االعصرية المتقدمة في مختلف مجالات الحياة" قابوس بن سعيد - 2005

***

لم أتوقّف يوماً عن الإيمَان بأنّ كثيراً من السياسَات الحكوميّة بدأها مسؤولٌ ما وسارَ على نهجها من تبعه دونَ أن يجرُؤ أحدهم على أن يسألَ لماذا؟ وعلى أحدهِم أن يسألَ فعلاً: لماذا؟ لماذا تستمرّون حتى اليَوم في تكرَار الخطأ نفسه؟

كمَا أنني مؤمنة أنّ الفكرَ التنويريّ للسلطان لا تعكسهُ كثيرٌ من السياسات الحكوميّة وهذا بالتأكِيد أمرٌ مقلقٌ لي وللجيلِ الشّاب الذي يريدُ أن يكونَ شريكاً ليفهم .. ويريدُ أن يُؤمن بهِ الآخر .. أن يُؤمنَ أنّه قادرٌ على تحرِيك مبادرات الاهتمام بالمرأة والعمَل التطوعي والحرَاك الشبابيّ ووو.. دونَ توجِيه.

علّمونا الصّيد ولا تعطُونا سمَكة .. وابنُوا الانسَان ليصنَع المبادرَة قبلَ أن تبنُوا الحجَر .. وتذكّروا دائماً .. أنّكم إن وجّهتمونا "نَسينا" وإنْ "أريتمُونا" .. ربّما تذكّرنا .. ولكنكم إن أشركتمُونا فإننا حتماً سنفهم!

الثلاثاء، 25 فبراير 2014

في زمَن "المُزايدَات" ... هل أدمنـَّا "النَفخَ" و"الحقن" ؟

في زمَن "المُزايدَات" ... هل أدمنـَّا "النَفخَ" و"الحقن" ؟

عائشة السيفيّ

المُزَايدَاتُ علَى الوطنيَّة هيَ نجمَة المشهَد هذهِ الأيَّام! والمقالاتُ النافخَة في الذَات العُمانيّة هي الرائجَة  .. تنقطعُ حيناً ثمّ تعُود ... المقالاتُ والتغرِيدات التيْ تضخِّمُ ذاتَ الشّعب حتّى يصدّق أنهُ شعبٌ مختلف .. و"مُختار" .. و"فوقَ النقد" ولأجلِ ذلك فلا غرَابة أن تغزُو أجهزتنا وصفحات تواصلنَا الاجتماعيّ فهذا هوَ زمنهَا.
حينَ أعلنَ ابن علوِي قبل بضعَة أشهُر أنّه ضدّ الاتحادِ الخليجيّ كانَ مدهشاً للغايَة حجم "التعصّب" الشديد الذي أصابَ الكثيرين .. التعصّب للحد الذي جعلنا نتناقل "تغريدات" توجيه العُمانيين للشتَائم لآخرين من المغرّدين الخليجيين باعتبَارها "رجُولة" و"فتوّة" .. وسادَت اللغة الاستعدائيّة ولغَة الشّارع الكثير من التغريدَات حتّى يسأل المرء .. إذا كنّا نردُ على الآخرين "الشاتمين" بـ"شتائم" أخرى فما الفرقُ بيننا وبينهم؟
هذهِ اللغَة الاستعدائيّة التي طَالت حتّى نخبَة الكتّاب فكتَب أحدهم : وداعاً مجلس التعاونِ الخليجيّ وكتبَ آخر: أنا لستُ خليجياً ولغَة الكلمَات البذيئة التي عمّمها بعضُ العُمانيين فجأة على "كافّة الاخوة الخليجيين" على اعتبارِ أنّ "العُمانيين ليسُوا خليجيين" كانتْ صادمَة بشدّة لي شخصياً ولآخرين من أشقائنا في دول مجلس التعَاون حتّى سألني أحدهم: لم أرَ العُمانيين في تويتر وحينَ شاهدتُهم لم أصدّق أنهم انزلقُوا إلى نفسِ مستنقع الشتَائم الذي غرقَ فيهم غيرهُم!
أذكرُ أنّي ذهبتُ إلى عددٍ من الهاشتاقات التي أطلقتْ حول عُمان والاتحاد الخليجيّ فرأيتُ معظم التغريدات فيهَا "عُمانيّة" وخجِلتُ حقيقة ً من كثيرٍ مما كتِب .. هذهِ هي ضريبَة أن يتحدّث كلّ أحدٍ في السيَاسة! لقد قلقتُ من أنّ الشّعب كانَ "حكُومياً" أكثر من الحكومَة نفسها ومتعصباً لسياسَاته "أكثر" من انحيَاز الحكُومة لسياساتها! وكنتُ أفكّر هل توقّعَ يوسف بن علوي حينَ أطلقَ تصريحهُ أن يُحدثَ كل هذا الاصطياد العكر؟


***


ولأنّ الوساطة العُمانية مع إيران كانتْ شرارة ما حدثَ ومحرّضة على فكرَة الاتّحاد فقد دخل التراشُق الطائفي خطّ القتال "التويتري" بينَ الخليجيين وحينَ كنتُ أطلّ على موَاقع التواصل الاجتماعيّ لأجدَ الجبهَة محتدمَة كنتُ أتابعُ أيضاً إعلانَ إيرَان عبر رئيسِ برنامج الفضاء الإيرانيّ محمد إبراهيمي عن إرسالها صارُوخاً جديداً إلى الفضاء يحمِلُ قطة فارسيّة تمهيداً لإرسالها الانسانَ إلى الفضاء نهايَة السَنة الفارسيّة بعدَ نجاحهم في إرسال قردٍ العامَ الماضي وعودتهِ سالماً فيمَا أعربت الولايات المتّحدة عن قلقها من تطوير إيران لبرنامجها الفضائي مخالفة ً قرار مجلس الأمن الدولي بحظرِ أي أنشطةٍ فضائيّة على إيران.
يااااااه... يا شيعي يا إيراني يا وهابي يا يا ... النّاس يرسلُون الكائنات الحيّة للفضاء الخارجيّ ونحنُ نتناقلُ تغريدَة العُمانيّ الذي يهدّد السعوديّ بحملهِ على "مكنسة" إلى عُمان.



***

وعلَى غرارِ "أبطَال النينجا" ظهرَ لنا "أبطَال تويتر" مستغلِين موجَة "الحقن والنّفخ الوطنيّ" وهؤلاءِ هم من "أصحاب الغترَة والعقال" ممنْ أقحَموا عُمان في خطّ خلافاتهم مع دوَل خليجيّة مجاورة مستغِلّين ثورَة العُمانيين لتـاريخِ "وطنهم" في تصفيَة حسَابات أخرى.. وطبعاً كانَ المناخُ مهيئاً لهم جداً فقد استقبِلوا بحرارَة شديدة .. وأصبحَ النّاس يصفّقون لهم في كلّ ما يقولونه .. يُؤتى بهم إلى عُمان ليأمونا في مساجدنَا ويأكلُوا من حلوَانا ويزوروا كبَارنا وهوَ حقُ كلّ ضيفٍ في عُمان .. لكنْ حينَ يتناقلُ النّاس صورهُم بهذا الشغفِ وبـ"تغطيَة إعلامية كثيفة ومجانيّة" يسأل المرءُ من يكُونون؟ وما هيَ صفتهم؟ ولا صفة َ لهم سوَى أنّهم "تويتريّون" صعدُوا على كتفِ الجماهِير العُمانيّة لتصفيةِ خلافاتهم مع س و ص من الحكّام! شتائمهم التي يملؤون بها تويتر ضدّ هذا الحاكم أو ذاك نتلقّفها بحرارة ونتداولها... وألفاظهُم البذيئة في حقّ شعوب خليجيّة شقيقة نتناقلها بيننا ... متناسِين أنّ من ارتأى لنفسهِ أي يشتِم شعباً مجاوراً فلا ضمَانة أن يأتي ويشتمنَا غداً فالمبدأ واحِد وإن اختلفتِ الغايَة!


***

في مدَارِسنا .. منذ سنوَات درَاستنا الأولى ونحنُ نشاهدُ المسرحيّات عن المصريين والصّعايدة و"الزولات" وَ"الزلمات" .. يضحكُوننا، نتندر بلهجاتِهم وألوانهم وتصرّفاتهم ولا يُثيرُ ذلكَ حنقاً من أحد .. فالموضوع في النّهاية كوميديا .. والكوميديا طبيعتُها المبالغة .. إنّها سودَاء "لا تطبطبُ" على كتفِ أحدٍ مهما كان جميلاً .. لا تقول إنّك جميل ورائع ولكنّها تلتقط منهُ ما تريدُ وتجعلُ منه مادّة للتندر لأنّها "كُوميديا" مهمّتها الإضحاك .. ثمّ النسيَان.
في التلفزيونِ والراديُو والمسرَح تلتصقُ فكرَة "الكَسل" بالسودانيين و"النّهم الشديد" بالمصريين ،  و"القات والتحشيش" باليمنيين ، و"الكلمنجيّة" بدوَل الشامّ ولكِن هل يعني هذا فعلاً أنّ جمِيع هذه الشّعوب كذلك؟
في الجَانب المقابل فإننا نثُور لو أنّ أيّ مشهَدٍ كوميديّ مسّنا.. فجأة ً تنطلق الصّيحات المندّدة والمقالات الثائرة من هذا الكاتبِ وذاك..  نثُور للحدّ الذي أنّ المشهد "المثير" كانَ ليسقطَ سهواً بينَ ملايين الفيديُوهات/المسرحيّات الكوميديّة التي يتناقلها العالم ولكن لأنّه كوميديّ "يمسّ" العُمانيينَ تثُور ثائرة الشّعب.. أما آنَ أن نتجَاور هذهِ الحساسيّات الشّديدة وننصرفَ لما هوَ أهمّ من "مشهَدٍ" كوميديّ عابرٍ نحللهُ على غيرنا ولا نحلّه علينا!
أعرفُ أنّ ما قلتهُ الآن سيثير الكثيرَ من "النافخينَ" للذاتِ العُمانيّة ليزَايدوا على وطنيّتي باعتبَار أنّهم "وطنيّون جداً" . ولكن صدقاً أما آن أن نتجاوز هذه الحسَاسيّات التي بلغَت حدّ التعصب ..
أعنِي ما الذي يجعلنَا نتقبّل "الكوميديا السّاخرة" عُمانياً .. بدءاً من أيّام مسلسلاتِ سعِيد وسعيدة وانتهاءً بدرايش والتي كانتْ قائمة بالدرجَة الأولى على تحوِيل اللهجة العُمانيّة والطّابع المحليّ إلى مادّة للضحك والفرفشة ولا نتقبّلها من غيرنا؟
ألا يَكفي هذا "التعظِيم" للعُمانيين و"رَدح" أيّ من يعتقدُ أنّ فيهِم روحَاً رياضيّة للفكاهة وأنّه لا يملكونَ الحقّ بأن يبعثُوا الضّحك والفرفشة لدَى شعُوبٍ لا تملكُ إلا الفرفشة والابتسامة في زَمن الحرُوب والمعاناة العربيّة؟



***

إذا سبني مرءٌ تزايدت رفعة و ما العيب إلا أنْ أكُون مساببَه

وَلوْ لمْ تكُن نفسِي عليَّ عزيزَة لمكنتُها منْ كُلّ نَذلٍ تُحارِبه


***



يتسَاءل المرءُ إن كانَ "العُمانيّ" فوقَ النّقد ومحصّناً منَ "المسّ" فمنْ هُم هؤلاء الذين يتصدّرون الجرائد اليَوم باتّهامات الفسَاد والرشوَة وبيع الضّمير .. من هم هؤلاء الذينَ جعلوا وطننا "مزرعة لهُم ولذويهم" لعقودٍ طويلة..
من هُم هؤلاء الذين يتصدّرون أخبارنا... شبابٌ يهجمُون على زوج وزوجتهِ ويحاولُون اغتصابَها في نزوَى ، معلّم يطلقُ النّار على مراهِق لأنّه خدّر طفله واغتصبه ، شابّان يهتكَان عرضَ فتاة في منزلها بالشرقيّة، مصابُون في صلالَة نتيجَة شجَار قبَلي.. "مخنّثون" يرتدُون ملابس فتيات ويرقصُونَ بخلاعَة احتفالاً بالعيد الوطنيّ.

منْ هُم هؤلاءِ "الشّباب" الذينَ شاهدُتهم قبلَ أيّام في معلمٍ سياحيٍ بالسّلطنة يتحرّشونَ بالسّياح الأجانب فتارةً يرشقُونهم ب"الشتائم" وتارةً يحيطونَ بفتاةٍ أجنبيّة ويبدؤون في التصفيقِ وإطلاق الصّيحات المثيرَة لذعرهَا.. من هم هؤلاءِ الشباب العُمانيونَ الذينَ يقبلُون على الأجنبي ويمدّون يده لهم ليصافحهم ثمّ يسحبُونها مقهقهينَ : "ضحكنَا عليك" ..
وعلى مشهدٍ منا يعلّق أحد الآباء العُمانيينَ قائلاً: لو عندنا حكُومة كما العالم والنّاس كانت عيّنت حرّاس لحمَاية هذهِ الأماكن من هذهِ التصرّفات العابثة فأردّ عليه: المعالم السياحيّة لا تحتَاج حرّاساً ولكننا نحتاج "حرّاساً" على الأخلاق العُمانيّة التي بدأنا نفقدها!
ويعلّق آخر: أنّه أصبحَ ينأى من اصطحاب "أهلهِ" للأماكن السياحيّة العامّة حتّى لا يشهدُوا هذا العبَث!
من هَؤلاء؟ إنّهم ليسُوا عمانيين بالتأكِيد .. هؤلاء منتحلُون ، كائنَات فضائيّة... "متحوّلون"!




***



حسنَاً .. ما رأيكُم أن ننتقلَ من فكرَة "تضخِيم" الذّات العُمانيّة بما "ليسَ بها" وتعمِيمها على "الشعبِ كلّه" إلى فكرَة "إصلاحِ" الذّات العُمانيّة في وقتٍ نحنُ في أمسِّ الحاجة لأنّ نسخِر كلّ هذهِ الطّاقة الشعبيّة الكبيرة إلى أدوَات لبناءِ وطنٍ نامٍ على أكتافنا بدَل تسخيرها في "التهييج" و"العدائيّة" وَ"القدح".

الآن ... وقدْ بُحتُ بما في صدرِي أشعُر بالرّاحة.. وأعرفُ أيضاً أنّ المزَايدَات على وطنيّتي ستبدأ منَ "الوطنيينَ جداً"
كانَ بالإمكانِ أنْ أنسَاقَ وراءَ حملَة "النفخ" والتّصخيم و"الحَقن الشّعبي" بفكرَة "الكمَال والعظمَة" .. ولكنني لا أستطِيع.. أحبّ هذا الوَطن وأعرفُ تماماً أنّ بهِ الخيّرينَ والمخلصِين .. ولكنْ أكثرَ من كلّ ذلك أريدُ لهذا الشّعبِ أن يكونَ "حقيقياً" بأخيَارهِ وأشرارهِ وَ"مُنصِفاً" وأكبَر منَ "التدليسِ والخداع" .. أيّها الضّميرُ الحقّ ... لم تبقِ لي صاحباً!


الثلاثاء، 14 يناير 2014

المُبصِر الوحيد في عَالم العُميَان .. ليسَ بالضرُورَة ملكاً ..

عائشَة السيفيّ

 في واحدَة من روائعِ الأدَب العالميّ الذي ينتصرُ لفكرَة العمَى وينقلبُ في أفكارهِ على النمَط المتعَارف عليهِ بأنّ العمَى إعاقَة يقدّم الروائيّ الانجليزيّ هيربرت جُورج ويلز قصَته " بلاد العُميان" والتي تحكِي رحلَة المَصير لمتسلّق إكوَادوري يُدعَى نُونيز .. سقَط في إحدى تجَارب تسلّقه لجبلٍ إلى قعرِ وادٍ حدثَ أن فصَلهُ الزلزالُ عمّا حوله لتتحوّل المنطقة المحيطة بهِ إلى سلسلة جبال شاهقة تعزلهُ تماماً عن الاتصالِ بمحيطهِ الخارجيّ ويصادِف نونيز قرية ً لبشرٍ يعيشُون في الوادي حجبتهُم ظروفُ الجغرافيَا عن الاتّصال بأي شكلٍ من الأشكال مع العالمِ الخارجيّ

. غيرَ أنّ أهم ما كانَ يميّز هذهِ القريَة أنّ جميع سُكانهَا "عُميان" وبالرّغم أنّ أجدادهم قكانوا مبصرينَ إلا أنّ مرضاً جينياً أصاب الجَميع ليحوّلهم إلى عُميان وأنّ آخر مبصرٍ الأحياء ماتَ قبل 15 جيلاً تاركاً أجيالاً جديدة لم تختبِر يوماً فكرَة "الإبصَار" .. بدَت فكرَة القريَة العمياء بالكَامل مثيرةً جداً لنونيز لأنّه اعتقدَ أنّ كونهُ المبصِرَ الوحيد في هذهِ القريَة سيجعلهُ ملكاً ولذا فقد حاولَ جهدَ ما يستطيعُ أن يقنعَ القريَة بفكرَة "الإبصَار" التي بدَت "غريبَة" .. ومثيرَة للتهكّم ربّما .. الإبصار؟! ما الذي يعنيهِ الابصَار .. ما معنَى كلمَة "انظر" ؟

نعم لقد بدَت حَاسة الإبصَار التي تبَاهى بهَا نونيز أمام القريَة فكرَة "سخيفة" .. ففاقدُ الشيء لا يعطيه .. ومن ولدَ أعمَى وسطَ العُميان لن يعرفَ يوماً ما يعني أن يكونَ مبصراً وهوَ لم يجرّبه أو جرّبه أحدٌ غيره ..

كانَ أهالي القريَة سعدَاء ومتعايشين مع فكرةِ "عماهم" كمَا أنّ فقدهم لحاسّة النظر جعلَ من حوَاسهِم الأخرَى فائقة الحدّة وشديدَة التوثّب .. فما حرمهمُ الله من نعمَة إلا عوّضهم في الأخرى. ويصلُ نونيز إلى مرحلة من اليَأس حينَ تصبحُ الحَاسة الوحِيدة التيْ يتمتعُ بها "إعاقةً" .. ويتحوّل إلى كائنٍ منبوذٍ للقريَة ظنّ أنهُ سيصبحُ ملكاً عليها بحاسَته الزائدة عنهُم لكنّ الحال ينتهي بهِ أجيراً وخادماً لدَى أحد سكّان القريَة. وتبلغُ القصّة ذروتهَا حينَ يقعُ نونيز في غرَام ابنةِ سيّده فيطلب يدَها إلا أنّ طلبهُ يبَادر بالرّفض لأنّه "مبصِر" ! ويُخيّر بين أن "يَقلع عينيهِ" ليصبحَ أعمَى مثلهم وبينَ أن يخسَر الارتباطَ بحبيبتهِ ..

 الخُلاصَة أنّ "الظرُوف" هيَ التي تُعرِّفُ من/ومَا هيَ الإعاقَة .. وأنّ المجتمع هوَ المحدّد دائماً لفكرَة "الاختلاف" و المسؤولُ الأوّل عن جعلِ "المختلفين" سواءً العُميان أو غيرهم جزءاً مندمجاً مع نسيجِ المجتمع أو معاملتهِ كفئة ً منفصلة أو شاذّة. وأنّ الانسانَ قادرٌ بما وهبهُ الله من عقل على تنميةِ حوَاسهِ الأخرى لتحتدّ في محاولَة على التغلّب على واقعِ فقدانهِ لحاسّةٍ ما ولن يَحصُل ذلك ما لم يتعَايش بسلامٍ وحبٍ مع فكرَة "عمَاه" ..

وأهمّ من ذلكَ كلّه أنّ التميّز عن الآخرين بنعمةٍ "لا يدركونها" و"لم يجرّبوها" لا تصبحُ بالضرُورة نعمةً بل قد تعُودُ نكالاً على صاحبهَا وتصبحُ "إعاقةً" بدلَ أن تكُونَ "ميزةً" .. نعم.. تذكّروا دائماً حكمَة هيربت ويلز بأنّ الانسَانَ المُبصِرَ الوحِيد وسطَ شعبٍ من العُميان ليسَ بالضرورةٍ ملكاً!