الأربعاء، 22 يونيو 2011

بينَ وارُن بوفيت .. والذينَ لا تعرفُ شمالهُم ما أنفقت يمينهُم!


إذنْ لا يزَال وَارن بوفيت متربعاً على عرش التاريخ منذ أعلنَ عام 2006م عن تبرعهِ ب30مليار من ثروتهِ للأعمال الخيريّة وهو أعلى تبرّع على كوكَب الأرض ما دفعَ صحافَة ووسائل إعلام العالم لأسابيع طويلة بعدَ إعلانهِ لإفراد مساحَات واسعَة حول هذا التبرّع الخياليّ وكانَ أبرز التعليقات هوَ تصدِير نيُويورك تايمز صفحَاتها في اليوم التالي من إعلانهِ ذاك : "الأمرُ جنونيّ ، ولكننا بحاجَةٍ إلى مزيدٍ من المجانِين" ! .. نعَم ربّما ظنّ الآخرُون أنّ رجلاً مثل وران بوفيت قد جنّ فعلاً بتبرعه ذاك وفي الوقتِ الذي أزَاح وارن بوفيت آنذاك غريمَه اللدود بيل غيتس عن المركز الأوّل متربعاً لعامين في المركز الأوّل لأثرى أثرياء العالم يليهِ بيل غيتس ثمّ سليم الحلو ، كان من الواضحِ جداً أنّ بوفيت لم يكن مكترثاً كثيراً بترتيبهِ بقدرِ ما كانَ مؤمناً بقضيّة معيّنة هيَ أنّه عندَ نقطةٍ معيّنة فإنّ ازدياد الثروَة لا يجلبُ للانسان الرّاحة النفسيّة . .

بوفيت عملاق العقارات والاستثمار الضّخم الذيْ يمتلك صافي دخل يتجاوز 50مليَار دولار وأصولاً تتخطّى المائة مليَار دولار موزّعةً بين عشرات المجالات الاستثماريّة التي يمتلك فيها 10مليار فقط في أصول شركَة كوكا كولا كمَا يمتلك حصّة تقدّر بثلاثَة مليَار من شركَة جنرال إليكترك العالميّة .. بوفيت لم يجد حرجاً حينَ سئل: لماذا تبرّعت بالثلاثين مليار لمنظّمة بيل غيتس الخيريّة ولم تُنشئ منظمة خيريّة خاصّة بك؟ فأجابَ أنهُ –أي بوفيت- يرى نفسهُ جيّداً في جمع المال ويرى بيل جيتس جيّداً في إنفاقها! في إشَارةٍ منهُ إلى ثقتهِ ببيل جيتس الذيْ تدير مؤسستهُ الخيريّة استثمارات خيريّة مليَاريّة لا تشمل الولاياتِ المتّحدة فحسب بل مئات المنظمات العالميّة في كافّة أقطار العَالم . . لماذا هذهِ المقدّمة القصيرة عن وَارن بوفيت؟! حسناً سوفَ أحكِي ما شاهدتهُ قبلَ أسبوعين. .

*************

قبلَ أسبوعين كنتُ أشاهدُ نشرَة الأخبَار في قنَاة عربيّة ، وبثّت القنَاة تقريراً عن إقامَة مؤتمر خيريّ عالميّ لجمع الأموَال لتوفير لقَاحات مجانيّة للأطفَال الفقرَاء حول العَالم خاصّة مع انتشَار الدرَاسات التي تؤكّد أنّ 3أطفَال يموتون كلّ ثانيَة مصابينَ بأمرَاض كانَ يمكن تجنبها لو منحُوا اللقاحات بشكلٍ منتظم، في هذا المؤتمر الذي أقيم بتنظِيم منظمّة بيل جيتس الخيريّة وبإشرَافٍ من بيل جيتس نفسهُ خرجَ المؤتمر ب3.7مليار دولار ، وحدهُ بيل جيتس تبرّع بمليَار دولار لدعمِ اللقاحات، وتبرعّت حكُومة المملكَة المتحدَة بقرَابة مائة مليُون دولار وشاركت حكومَات ومليونيرات العَالم من كلّ مكان لدعم أهدَاف ذلك المؤتمر ، وفي نهَاية التقرير استضَاف المراسل الذي أعدّ التقرير بيل جيتس طارحاً عليهِ عدّة أسئلة كان آخرها! وأظرفهَا! وأكثرهَا خجلاً! سؤال المراسل لبيل جيتس حول حضُور العرب ومشاركتهم في التبرع فردّ بيل جيتس "بنصف ابتسامَة" قائلاً: أنّ أياً من أثرياء العرب وحكوماتهم لم يشاركُوا في التبرَع سوَى ولي عهد أبوظبي محمّد بن زَايد! في اليَومِ التاليْ .. كنتُ أجري على الانترنت بحثاً لأطوال اليخوت المتعارف عليها بحرياً لإعداد تصميم مرَاسي يخُوت أعكف عليهَا مؤخراً وكم كانت دهشتيْ كبيرَةً حينَ قادني البحثُ لدخُول موقع ويكيبيديا لأشاهد قائمَة أعدّها الموقع بأكبر يخُوت العَالم وأسماءِ ملاّكها وكانَ من الطريف أنّ القائمة امتلأت بأسماء الأثرياء العرب فبين كلّ اسمينِ أو ثلاثَة وردَ اسمُ ثريٍ عربيّ ما بينَ حكامٍ عربٍ ومليارديرات وأمراء فأينَ اختفَى كلّ هؤلاء من قائمَة المتبرعِين قبلَ أسبُوعين؟!

***************************

سأقولُ لكم أن أكثَر ما يثيرُ لديّ الضحكَ حينَ أتحدّث عن المليونيرات والهوَامير لدينا في السلطنة وعن معرفتنا بثرواتهم الضخمَة وجهلنا في الجَانب المقابل عن مشاركتهم الخيريّة في مجتمعهم فإنّ أكثر جوابٍ يثيرُ لديّ الضحك هوَ أن يقولَ أحدهم: لا تعرفُ شمالهُم ما أنفقتْ يمينهُم!

هذهِ القاعدَة التيْ تنطبق على النّاس العاديين الذين "على قدّ حالهم" ولكنّها لا تنطبق على الشخصيَات العامّة ، القدوَات.. الأمثال العليَا التيْ نتداول أنّهم تبرعُوا بكذا وكذا .. لنفعلَ مثلهم ونسخّر أنفسنا كما سخرّوا أنفسهم للعمل الخيريّ .. ونتداول قصصهم وأخبارهم كما تداولنا قصص الرسول الكريم والصحابة الذين كانُوا يهبُون كلّ ما يملكون للصدقة وتناقلت قصصهمُ الألسن للحثّ على الصدقَة وضربَت بهِمُ الأمثَال .. واتخذناهم قدوَة ً لنَا .. ونحنُ نعرفُ تماماً ما أنفقت يمينهُم!

هذهِ القاعدَة التيْ لا تنطبقُ على هوسِ مليونيراتنا في جمع الريال حتّى ولو تحتَ البحر لكنّها تردُ كثيراً حينَ يأتي الأمرُ في مشاركتهم الخيريّة، أيعقل على ثرَاء هؤلاء واستحواذهم على الأخضر واليابس ألا نسمع عن زكاتهم! دعونا من الصدقَة فقد أصبحتِ اليَوم أمراً اختيَارياً جداً في الزمن الذي توقّف كثيرٌ عن إخراج زكاتهم الواجبَة ولكن لو أنّ هؤلاء الهوامير يخرجُون زكاتهم التيْ تتخطّى مئاتِ الآلاف لكنّا سمعنَا ولو لم نرَ!

أيعقلُ أننا لا نعرفُ عن تبرعَات أيّ مليونير عمانيّ سوَى بهوَان!؟

اليَوم ونحنُ نعيشُ هذهِ الثورة التكنولوجيّة الضخمَة لم يعُد العمَل الخيريّ "عملاً سرياً" .. نغطّي عليه ونحَاولُ إخفاءه بل أصبحَ مسؤوليّة علنيّة جماعيّة نحثّ فيها الآخرين على التبرع والتطوّع وأصبحَ "أمراً إلزامياً" على كبَار رجالات الأعمَال الذين يستثمرون في هذا الوطَن ويستثمرُون في شعبهِ وفي دولَة لا "تأكلهم فيها الضرَائب أكلاً كالولايات المتحدَة" وعليهِم –كما يأخذُون- أن يعطُوا في المقابل وأن يعلنُوا عن ذلك وأن يروّجوا لمشاريعهم الخيريّة وأن يتيحُوها للجميع لا لأقاربهم وأبناء قبيلتهم وأبناء عشائرهم ..

أصبحَ العمَل الخيريّ اليوم جزءاً من الوَاجهة الاجتماعيّة للشركَات الكبرى وأصبحَ جزءاً من تواصلها مع المجتمعِ الذي تستثمرُ فيهِ مواردها.. وأصبحَ جزءاً من المنافسَة في السّوق وجزءاً من كسبِ العمِيل الذي سيتجهُ للشركَة الأكثر انخراطاً في الأعمال الخيريّة إذ سيمثلُ احترامي لجهُود بيل جيتس الخيريّ جزءاً من انجذابي لسوق مايكروسوفت ومنحهِ الأفضليّة كزبُون حينَ تكُون هناك شركَة منافسة تمنح نفس المنتجات المقاربَة لمنتجات مايكرُوسفت في السّعر!

ونحنُ في عُمان لا نزَالُ نعيش هذهِ العقليّة التيْ "يضحكُ" علينَا بها "حيتَاننا" بدعوَى سريّة عطائهم الخيريّ في الوقتِ الذي يشكُو قطاع التعليم لدينَا من توفير الجوّ والمناخ الملائم للطلاب بدءاً من دراستهم في أجواء مرتفعَة الحرارَة ، أنقذهم بهَا بهوَان منذُ وفّر لهم مكيّفاتٍ قبلَ 10سنوَات ولم يأتِ بعدهُ متبرّع آخر ليقدّم التبرّع نفسه .. وفي الوقتِ الذي لا زالَ آلاف الطلابُ من أسَر الضمّان الاجتماعيّ في السلطنَة يستلمُون معونة يوميّة لشراء الطعام وقت الفسحَة من مؤسسة بهوَان الخيريّة فإنّ عشرات المدارس لا تزال تجمع التبرعات من أولياء أمور الطلبَة لتوفير مظلات لهُم أثناء الطابور لم يكلّف أي مليونير من مليونيراتنا العمانيين "بقصّ ظفر" من ثروتهِ والإقدام على التكفل بتظليل كلّ مدارس السلطنة ..

وفي الوقتِ الذيْ يوَاصل هواميرنا العمَل على مضاعفَة أرقام حسَاباتهم فإنّ أياً منهُم لم يخطر في بالهِ حينَ أصدَر صاحب الجلالة توجيهاتهِ برفع مقاعد التعليم العالي ل28ألف و400مقعَد لطلاب الثانويَة العامّة أن يصحُو أحد هواميرنا من سباته ويتبرّع كل واحد منهم بمائة بعثَة استجَابة ً لتوجيهَات السلطان وحرصهِ على توفير أكثر عدد من المقاعد لطلاب السلطنة لإكمال درَاستهم العليا ..

لم يحدث هذا أبداً فهواميرنا الذي نرَى ثرواتهم وقصُورهم وأساطيل سيَاراتهم كانوا مشغولين برفع أسعار منتجاتهم في السوق بعد زيادة روَاتب القطاع الحكومي وبعض القطاعاتِ الخاصّة .. فيمَا لا نزَال حتّى اليَوم نعوّل على الحكُومة والحكُومة فقط في دعم مشاريع البنيَة التحتيّة كرصف الطرق وتطوير الخدمَات الصحيّة .. دونَ أن يكلّف أي هامُور نفسه بالتكفل برصف طرقِ هذه الولايَة أو تلك أو توفير منح علاج طبيّ لمئات العائلاتِ العُمانيّة العاجزَة عن تحمّل تكاليف سفر علاج مرضَاها.. وارتفاع أسعار العلاج الطبيّ الخاصّ المحليّ ناهيكَ عنْ أسعَار السفر للخَارج ..

هوَاميرنَا "الذينَ لا تعرفُ شمالهُم ما أنفقت يمينهُم ولا حتّى شمَالهُم" .. لا يعرفُون قطعاً العمل الخيريّ لدعم التكنُولوجيا ، القطاع الأوسع مستقبلاً وتوفير معاهد لتطوير التكنُولوجيا في السلطنة ورفع مستوَى الوعي التكنولوجي بين الأجيال الجديدَة ..

لا يعرفُون مثلاً -وأبناؤهم يقضُون العطل في الجزرِ الأوروبيّة- عن آلاف الطلبَة الذي يمضُون 3أشهر سنوياً "لا شغلَة ولا عملَة" سوَى التسكع في ملاعب كرَة القدَم دونَ أن يجدُوا مراكز صيفيّة تقدّم لهُم الثقافَة والمعرفَة والعلُوم وتدربهُم "مجاناً" على المهنِ الحرفيّة والأعمَال اليدويّة أو معاهد لغَات تطوعيّة وتقنيّة..

هوَاميرنا لا يعرفُون عن مراكز الدرَاسات التي لا تزَال في بلدنَا حكراً على الدعم الحكُوميّ فحسب .. لا يعرفُون مثلا عن جوَائز تخصص لحلّ المشاكل التيْ يعاني منها المجتمع مثل توفير جوائز لدرَاسات حول تقليل حوادث المرور ، بحُوث عن مرض السكريّ الذي أصبح يصيب الكبير والصغير ، عن انتشار الجلطات القلبيّة والسرطانات في قلب المجتمعِ العُمانيّ ..

هوَاميرنا "مشغُولون بالإنفاق الذي لا تعرفُه شمَالهم" .. في الوقتِ الذي لا يخلُو أسبوعٌ من صورٍ لعائلات محتاجَة وقصص مأساويّة تنشرها الصّحف ومنتديَات الانترنت..

قبلَ أسابيع طالعتنا الصّحف ببيع شقق فاخرَة في مجمّع سكني بمدينَة السلطان قابُوس كلّ شقَة تبدأ ب270ألف ريال .. هذا المجمّع المملوك لأحد وزرَائنا المليارديرَات المخلُوعين .. وحينَها تساءلتُ لو أنّ هذا الرجل تبرّع بسعر شقة واحدَة فقط وأعلنَها لدعم بعثات لعُمانيين كم عمانياً كان ليستفيدَ من 270ألف ريَال! غيرَ أنّ الإجَابة جاءتنيْ سريعَة ً حينَ قيلَ لي: "ما أدراكِ أنهُ لا يتبرّع!" وهكذا إذنْ لا نزالُ نبررُ لهواميرنا بأنّهم ينفقُون ما لا تعرفُ شمالهم ما أنفقتْ يمينهُم.

********

ليستْ مشكلة ً على الإطلاق أن يكبرَ حيتَان السوق .. أن يستثمرُوا في هذا الوطن فهم في النهَاية أبناؤه ، ليسَت مشكلةً أن يسخرَ أخطبوط السوق المكسيكيّ والأثرى عالمياً سلِيم الحلو من بيل غيتس ويقول عن نفسهِ: أنّه ليس بابا نوِيل ليمنحَ الناس هداياً وأموالاً كمَا يفعلُ غيتس لكنّ سليم يعتقد أنّ العمل الخيري يكمُن في تطوير القطاع الصحيّ وتطوير التعليم في المكسيك مستثمراً فيه مئات الملايين .. حسناً! ليست مشكلَة حينَ تختلفُ أشكالُ العمل الخيريّ ولكننا نتفقُ على أنّ العمل الخيريّ بكلّ أشكالهِ هوَ مسؤوليّة أساسيّة .. لكنّها تصبحُ مشكلة ً كبيرَة حينَ يصبح العمل التطوعيّ والخيريّ "خيَاراً"! وحينَ لا يصبح العملُ الخيريّ ثقافَة شعب.. وفيمَا يقالُ أنّ 95%من سكّان كندا منخرطون بشكلٍ أو بآخر في الأعمال الخيريّة بكافَة عرقيَاتهم وأديانهم .. فإنّ من الصَادم أن تغيبَ ثقافة العمَل الخيريّ وهي ثقافَة واسعَة جداً بالمال ، بالجهد العضلي، بالكتَابة ، بالموهبَة ، باللغَة ، بالمعرفَة ، بالتخطيط عن ثقافَة شعُوب وألا يتحرّك العمل الخيريّ فيها بصفَة ثقافَة وإنّما بإلهَام وحثّ وترغيب وترهِيب من دينها الحنيف الذيْ وردتْ كلمَة الصدقَة في قرآنهِ 12 مرّة وكلمَة الزّكاة 32مرّة ونحنُ لا نزَالُ بعدَ قرنٍ ونصف لا نزَال في أولَى مراحل فهمنا لأهميّة الصدقة والزكاَة في المجتمع أثرها ، أشكالها ، مظاهرها ، قدسيّتها! في أولى مرَاحل التأسيس للعمَل الخيريّ الجماعي ونحنُ .. نحنُ أبناءُ هذا الدين الذي يقولُ قرآنهُ: "لنْ تنالُوا البرَّ حتى تنفقُوا مما تحبّون" .. ونحنُ من نحنُ سوَى أمّة محمّد التيْ قالَ لها: "إنّ الصدقَة لتطفئ عن أهلهَا حرّ القبُور" وقَالَ: "كلّ امرئٍ يومَ القيَامة في ظلّ صدقتهِ حتّى يفصلَ بينَ الناس"!

ليستْ مشكلة ً أن يأتي المستثمرون الأجانب والعمانيُون وأن يجتذبهُم السُوق العُمانيّ، أن يضاعفُوا ثروَاتهم ، أن يتنَافسُوا لكنّها تصبحُ مشكلة ً كبيرَة ً حين تصبحُ ثروَات هذا الوطن للجميع ولكنّ تطويره للحكُومة .. وكلّ عملٍ غير ربحيّ فيه هوَ من واجبَات الحكُومة وأعمالها!

وحينَ كتبَ ديفيد كاميرُون رئيس الوزرَاء البريطاني في صحيفَة الأوبزيرفر عن أنّ التبرّع للقاحات هوَ "مسألةً أخلاقيّة" على كلّ الحكومات والأثرياء التعاونَ فيها فإنّ المشكلَة ليستْ في أنّ الأثرياء العمَانيين يتعاملُون معَ العمل الخيريّ بصفتهِ "مسألةً أخلاقيّة" ولكنْ بأن يتجَاهلُوه بصفَتهِ الدينيّة .. في الزّمن الذي أصبح التطوّع مسألةً أخلاقيّة للانسانِ الغربيّ وأصبَح مسألة "هامشيَة" في الثقافَة العربيّة!

وليست مشكلة ً أن تخبرنيْ قريبتيْ التيْ تعمل في إحدَى بنوك نزوَى عن عشرَاتِ المليونيرات والتجّار الذينَ يقيمُون بينَ ظهرانينا في نزوَى المندسين الذينَ لا نعرفُ عنهم شيئاً بينمَا نعدمُ في نزوَى طرقاً داخليّةً مثلَ العَالم والنّاس، ومراكز ترفيهِ مجانيّة للأطفال مثلَ العَالم والنّاس، ونستقبلُ كلّ أسبُوع عشرَات الرسائل لمساعدَة فلان الذي يحتَاج مساعدَة لشرَاء كليَة وفلانة الأرملَة التيْ لا تجدُ مأوَى لأطفالها ، وفلان المعاق الذي في رقبتهِ7أطفال ..... إلخ! هواميرنا في نزوَى الذين نرى "تطاولهم في البنيَان" .. ولا نرَى منهُم شيئاً!

أحلمُ بمؤسسة الزبير الخيريّة لدعم الأطفَال الموهوبين .. أحلم بمؤسسة مقبُول سلطان للدرَاسات التكنُولوجيّة ، أحلم بمؤسسَة الزوَاويّ للمنح الطبيّة وتطوير القطاع الصحيّ ، أحلم بمؤسسة كيمجيز للأبحاث العلميّة ، أحلُم بمؤسسة مكّي لرصف الطرق ، أحلُم بمؤسسَة الشنفري للبعثَات الدرَاسيّة العليَا .. أحلُم بمؤسسَة حيدَر دروِيش لدعمِ المرأةِ العُمانيّة ، أحلُم بمؤسسَة محمّد البروَاني لدعم أصحابِ الاحتيَاجات الخاصّة.. أحلمُ بمؤسسةِ الكميَاني لدعمِ المراكزِ الصيفية ، أحلمُ بمؤسّسة الكيُومي لدعم الثقافَة العمانيّة ، أحلُم بمؤسسَة الوهيبيّ لتطوِير الترجمَة أحلمُ بمؤسّسة الخصيبيّ لمكافحَة المخدّرات أحلمُ بمؤسسةِ المعشني لدعم العمَل التطوعيّ للشباب ، وأحلمُ بمؤسَسة خالد بن حمَد لدعم العمل الإعلاميّ الشبابيّ في السلطنَة ..

أحلمُ بأسماءٍ كثيرَة و"ببوفيتَات وغيتسَات كثر عمُانيين" وإنْ كانَ بوفيت يعيشُ في بيتٍ ذي ثلاثٍ غرفٍ اشتراهُ قبل 50 عَاماً وإنْ كانَ بوفيت يذهبُ للعمل بـ"سيكله" .. وإن كان بوفيت يسافر على متنِ طائراتٍ عامّة رغم أنّه يملكُ أسطُول أكبر شركة طيرَان أميركيّة ، وإن كانَ بوفيت لا يمتلكُ في مكتبهِ حاسباً وإنْ كانَ بوفيت يقُود سيَارة مرسيدس 88 .. فإنني لا أطالبهم بأن يكُونوا مثله .. لا أطالبهم بألا يتمتعُوا بثرواتهم بألا يرفهُوا أنفسهم ، بألا يمتلكُوا القصُور والسيَاراتِ الفخمَة ..بأن يتوقّفوا عن إنفَاق مئات الآلاف في السّفر أثناء عطلهم الصيفيّة في أوروبا مع عائلتهم لا أطالبهم بكلّ ذلك .. ولكنيْ أتمنّى أن يملكوا قليلاً من فهم هذا الرجل لدور العمل الخيريّ ، لأسسه، لمفاهيمهِ، لمردودهِ وأثرهِ .. أحلُم بمليونيراتٍ يفكرُونَ بعقليّاتٍ تفكّرُ كما يفكّر هؤلاء.. أحلُم بأشياءٍ كثيرَةٍ جميلة لهذا الوطَن الجميل ، هذا الوطَن الذيْ مهمَا منحنَاه فلنْ نردّ قليلاً من عطائهِ وخيرهِ علينا .. أحلُمُ كثيراً .. كثيراً إلا أنني أفيقُ لأتذكّرَ أنني في عُمان!!!

السبت، 11 يونيو 2011

أم بي سي .. كلّها أشيَاء تُشترَى!

أم بي سي .. كلّها أشيَاء تُشترَى! / مجلّة نساء عُمان


" رأيتُ الفلاسفةً في السُّوق يحملون رؤوسهم في سلال ويصرخون "الحكمة .. الحكمة للبيع!". مساكين هؤلاء الفلاسفة: يضطرُّون لبيع رؤوسهم كي يطعموا قلوبهم"

قبلَ 85 عَاماً صدّرَ جُبرَان خليل جُبرَان كتَابَه "رملٌ وزَبد" بمقدّمةٍ جميلَةٍ جَاءتِ العبارَة السابقَة ضمنَها .. كتَب جُبران خليل جُبرَان هذهِ العبَارة وهوَ يشعرُ بالأسَى والشفقَة على الفلاسَفة الذينَ حملُوا أفكَارهم ورؤاهم للعَالم ليستثمرُوها .. ولو أنّ جبرَان عَاد إلى الحيَاة وأبصَر الأشياء التيْ أصبحت قابلة ً للبيع .. لعَاد إلى كتابهِ وحذف جملتهُ تلك ثمّ عادَ إلى قبرهِ ..

هلْ كانَ جُبران خليل جُبران يعرفُ أنّه سيَأتي اليوم الذي نقرأُ لهُ كتَابه في زمنٍ أصبَح كلّ شيءٍ فيهِ للبيع .. في هذا الزّمن الذيْ تسَاقطت فيهِ القيمُ تبَاعاً أمامَ هذا الطُوفان الماديّ الذي يعصفُ بنَا .. زمنٍ فقدَ النَاسُ حيَاءَهم أو ربّما نسَوهُ جَانباً أمَام الإغراءات المَاديّة التيْ أصبحتْ تتَاجرُ بكلّ شيءٍ .. حتّى بأكثر القيم قدَاسَة .. الانسَانيّة!

وفيْ نفسِ العَام الذي أصدَر فيهِ جبرَان كتَابه ذلك كانَ جُون بيرد يحتفلُ بإرسال أوّل صُورةٍ حيّةٍ عبر الهوَاء مهّدت لظهُور ثورَة الشَاشة والتلفزيُون .. فهل أدركَ خليل جُبران يومَها أنّ ذلك التلفزيون سينسِفُ كلّ القيم والجمَاليّات المقّدسة التيْ تغنّى بها جُبران في كتبهِ ، وأنّها ستتحوّل جميعاً إلى أشياء رخيصَة قابلَة للبيع؟

حينَ ظهرتْ قنَاة أم بي سي كانَ وقعُ انطلاقها كبيراً إذ كانت منذ البدَاية تنهجُ نهجاً مختلفاً نحوَ جذبِ شريحَةٍ أكبر من مشاهدي الوَطن العربيّ في الوقتِ الذي كانت قنواتٌ عربيةٌ أخرى تتسيّد المشهد الفضائيّ العربيّ وخلال أعوَامٍ استطَاعت القنَاة أنْ تحتلّ الرقم واحد في الفضائيّات الأكثر مشَاهدَة لتقومَ بشكلٍ تدريجيّ بتصدِيرِ باقة ٍ من القنوَات تحتَ مظلّة القنَاة الأمّ كانَ أكثرها جاذبيّة ً انطلاق قنَاة أم بي سي 4 المعنيّة بعرض المسلسلات والبرَامج الأجنبيّة .. وعن طريقِ تلك القنَاة وجدَ المشاهدُ طريقهُ ليعرفَ أكثر ما يحدثُ في العَالم الواقع على جهةٍ أخرَى من الأرض استطاعتِ القنَاة ُ اختصَار الأميَال فعرفنَا أوبرَا وينفري الإعلاميّة الأثرى عالمياً وعشنَا معهَا برنامجها لحظة ً بلحظة وعرفنا الدكتُور فيل ومشاكل المجتمع الأميركيّ المعاصر التيْ كانَ يعرضها واقتربنَا من مشاكل العالَم الصحيّة التيْ كانَ الأطباء الأربعَة يتشَاركُون الحديثَ عنها .. استطَاعتِ القنَاةُ أن تنقلَ لنا الكثيرَ من ثقَافة الآخر الذيْ جهلنَاهُ لأمدٍ طويل وساهمتْ شاشاتُ تلك القنَاة في تقريبهَا إلى عينِ المشاهدِ العربيّ ..

وبدأتِ القنَاةُ في تصدِير برَامج الشاشاتِ الأميركيّة إلى المشاهد العربيّ كأميركَان جُوت تالنت وذي مُومنت أوف ترُوث الذيْ كانَ المشاهدُ يتابعهُ ويتسَاءل إنْ كانتِ الماديّات سيطرتْ على الفردِ الأميركيّ إلى هذا الحدّ من الهوَس ليتَاجر بكلّ خصوصيّاته ويفقد أقرب الناسِ إليهِ مقَابل حفنَة من الدُولارات .. برَامج الوَاقع سيطرتْ كذلكَ على شَاشَة أم بي سي لرَاقصينَ يركضُونَ لتلبيَة رغبَات مغنٍ متسلّط ومتعجرف ومدرَاء أعمَال يكيدُون لبعضهم من أجلِ رضَا "البيج بُوس" .. وزوجَات فارغَات في الحيَاة يبعنَ تفاصيل حيَاتهنّ الفارهَة لكَاميرات التصوير ..

برَامج كثيرَة عكسَتْ مقدَار الماديّة التيْ غرقَ فيها المجتمَع الأميركيّ للحدّ الذي يدفعُ المشاهِد للتساؤل إنْ كانَ هذا عَالمَاً خلقتهُ الشاشاتُ فقط أم أنّه عَالمٌ واقعيٌ يحدثُ في بقعةٍ ما من العَالم اسمها الولايات المتّحدة ..

غيرَ أنّ أياً منّا لم يتوقّع أنّ هوَس القنَاة بجذبِ مزيدٍ من المشاهدِين والإعلانات ورؤوس الأموال والأرباح سيحوّل الفردَ العربيّ نفسهُ إلى جزءٍ من منظُومة الماديّة التيْ كنّا نظنّها واقعاً في العَالم الغربيّ ولم نتوقّع يوماً أنّ القناة ستدخلُ سوقَ المتَاجرَة بكلّ شيءٍ .. حتّى أسرَار النّاس وحيَاتهم ..

****************************************

" رأيتُ الفلاسفةً في السُّوق يحملون رؤوسهم في سلال ويصرخون "الحكمة .. الحكمة للبيع!". مساكين هؤلاء الفلاسفة: يضطرُّون لبيع رؤوسهم كي يطعموا قلوبهم"

قبلَ ما يزيدُ عن ثمَانينَ عاماً كتبَ جُبران خليل جُبران هذهِ العبَارة ولم يعرف يوماً أنّ أمّتهُ ستحوّل كلّ شيءٍ للبيع .. وأنّ أقلّ المصَائب و"أنفعها للأمم" هي بيعُ الحكمَة التيْ ستصبحُ حدثاً هامشياً حينَ يصبحُ كلّ شيءٍ للبيع ..

كانَ خيراً لجبرَان خليل ألا يعيشَ اليَوم الذي يرَى النَاس يتهَافتُون لعرضِ أسرار حيَاتهم أمام الملايين .. مقَامرين بآبائهم وأمهاتهم وزوجَاتهم ومن يحبّونَ من أجل مبلغٍ لا يتعدّى الخمسين ألف ريَال عُمانيّ (130ألف دُولار أمريكي) .. في حَالِ أتمّ إجابَة كلّ الأسئلة بصدق والتيْ قد يخسرها جميعاً في حال أخطأ الإجابة مقامراً بكلّ تفاصيل حيَاته بلا مُقابل..

لم نتوقع ونحنُ نتابع النسخة الأميركيّة أن نرى المواطنَ العربيّ يوماً يجلسُ على ذاتِ الكرسيّ لينشرَ تفاصيل حيَاتهِ على الملأ وليعرّي نفسهُ وأصدقاءهُ وعائلتهُ وعمَلهُ ومَاضيه مقَابل مبلَغ صغيرٍ جدَاً يتَساءل فيهِ المشاهدُ هلْ خصُوصيّة حيَاتي وقدسيّتها تعَادلُ هذا السّعر؟ استطَاعت قنَاة الأم بي سي أن تجيبَ على هذا السؤال بتقديمها شرائح مختلفة من دول عربيّة مختلفة وبأعمَارٍ سنيّة مختلفَة كذلك .. أنَاسٌ أتَوا بطوعهم طلباً للمَال ليضعُوا حيَاتهم بكلّ تفاصيلها وحيَاة من يحبّونَ ويكرهُون على العَلن أمام الملايين! وإنْ كانت تلك التفاصيلُ تأتي تباعاً وهمْ على كرسيّ "الحقيقَة" فإنّ الأم بي سي دخلتْ بالموَاطن إلى غُرَف النّوم بتقديمها برَامج وَاقع لثنَائيّ متزوّج ومن أين؟ نموذج زوجَين من الخَليج لم تشفَع محَافظَة مجتمعيهمَا لتدخلَ كاميرَا التصوير حتّى إلى غرفَة نومهِم .. ولتتحوّل يوميّاتهم إلى مشَاهد تلفزيُونيّة مليئة بالقبَل والأحضَان .. حتّى خصوصيّات المرأة كسَرت حَاجز الحيَاء حينَ كانتِ الزوجَة تجري اتصالاً بأمّها لتسألها متَى موعِد دورتِها الشهريّة؟ ولتخبرهَا أمّها بموعِدهَا بينمَا الملايين يستمعُون لمحَادثَة "المدَام" كاملةً وبجانبهَا زوجها ثمّ يعرفُ الملايين لاحقاً أنّ "المدام" حامل في شهرها الأوّل.. وسلّمْ ليْ على المدَام و"زوج" المدَام!!

لمْ نتوقّع يوماً أن نرى بأعيننا تفاصيل مشاهدَ وبرامج كهذهِ .. تتَاجرُ بكلّ شيءٍ .. بالمشاكل والخلافات ، بالمتاعِب المَاديّة ، بالفرَاغ والتفكّك الأسريّ تتاجرُ حتّى بخصوصيّة الحياة الزوجيّة التيْ تحوّلت إلى برنَامج واقعٍ تدعُو القنَاة مشاهديها بعدَ نجاحِ النسخَة الأولى إلى الاشتراك في النسخَة الثانيَة ولا عجبَ أن تجدَ طوَابير طويلَة للاشترَاك ما دامُوا سيستلمُون في نهَاية المطَاف شيكاً موقّعاً من القنَاة..

*****************************************

" رأيتُ الفلاسفةً في السُّوق يحملون رؤوسهم في سلال ويصرخون "الحكمة .. الحكمة للبيع!". مساكين هؤلاء الفلاسفة: يضطرُّون لبيع رؤوسهم كي يطعموا قلوبهم"

لمْ يكتب جبرَان خليل جُبران عن الذينَ يبيعُون أجسَادهم وهو يعلَم تماماً أنّ العُهرَ والبغاءَ كانَ أقدَم المهن التيْ احترفهَا البشر .. لم يكتب جُبران عن شفقتهِ على هؤلاء .. ربّما لأنّه أدركَ أنّ ثمّة فرقاً كبيراً بينَ من يبيعُ ليطعَم قلبهُ ومن يبيعُ ليطعَم جيبَه؟

لكنّه ربّما لم يعرفْ يوماً أنّه سيَأتي ذلك الزّمن الذيْ تتحوّلُ أمّته إلى سوقٍ كبيرٍ للمتاجرَة بكلّ شيءٍ .. أمّة تتَاجر بالجسد وتتَاجر بكلّ ما هوَ مقدّس حتّى لم تُبقِ أمام مشَاهدِيها ما هُوَ مقدّس .. حتّى حيَاة الانسَان نفسهَا تخلّتْ عن قدَاستها وتحوّلتْ إلى "أشياء" تُباع وتشترى.. وأنّ رَائعَة أمل دنقل: هي أشياء لا تشترى ، تحوّلت إلى وَاقع نظريّ لا يتعدّى كونهُ نصاً أدبياً لأنّ كلّ الأشياء في هذا الزّمن "الفضائي" أصبَحت تُشترى ، وتُباع! وكلّ شيءٍ قابلٌ للاستيرادِ والتصدِير!

حتّى مسَابقات اليَانصيب دخلتْ غمَارها القنَاةُ بقوّة، مقامرَةً بأحلام ملايينِ البسطَاء الذينَ يسقطُون أموَالهم في بئرٍ "لا قرارَ لهُ" سيأتي واحدٌ فقط منهُم ليحصلَ على قطعَةٍ صغيرَة من الكعكَة الكبيرَة التيْ جنَتها القنَاة وهيَ تصبِّحُ وتمسّي المشاهد بإعلانات الثلاث ملايين ريال سعُوديّ لخمسَة رابحِين ، وفيمَا تستقبلُ شركَات الاتصالاتِ العربيّة عشرَات الملايين من الرسَائل بأضعَاف مبلغ الجائزَة المرصُودة متقَاسمَةً الرّبحَ بينهَا وبينَ "آلة اليَانصيب" التيْ فتّشت وبحثت عن الرّبح حتّى من نقُود البسطَاء وَ"أحلامهم" !

صدّرتْ لنَا القنَاة الفضائيّة الكثير واستوردنَا منهَا الكثير .. في الوقتِ الذي تحوّلت فيهِ القناةُ إلى منبرٍ ترفيهيّ بامتيَاز .. وسوقٍ يصدّر الصُدور العاريَة ، والمؤخرَات العاريّة ، والقيَم العاريَة التيْ تجرّدت من كلّ شيء حتّى من الانسَانيّة نفسها .. وربّما كانَ أقصى ما صدّرتهُ القنَاة لنَا "حلمنتيشيّات" أثبتت حبّ هذهِ الأمّة "للعلعَة والثرثرَة" والتغنِي بالأمجَاد والانتصَارات والمتَاجرَة بالثورَات والبطُولات.. بالشّعر بالرّقص بالتمثيل بأيّ شيءٍ وَكلّ شيء .. المهمّ أنها تجيب "فلوس" وبسّ! أمّة أثبتت حبّها للسحرِ وخفّة اليَد وخدَاع البصر أكثَر من الفنّ الحقيقيّ .. ربّما لأنّنا شعُوبٌ عاشتْ حيَاتها وهيَ تبصرُ تمثيليّات السّاسة والضّحك على مصَائرها .. أمّة اعتَادت الخدَاع والضّحك عليها حتّى استمرأتهُ بل وَأحبّتهُ وعشقتهُ ..

قنَاة تحوّلت إلى قنَاة "محتوَى للبالغِين" لا نستطيعُ أن نضغَط الزرّ على تشغيلها وبجانبها أطفالنَا ..محتوَى للبالغين تكرّس لهُ القنَاة بكلّ اللغَات .. حتّى اعتدنَا أن نرى مشاهدَ تنَاول الكحُول التيْ لا تخلُو منها حلقةٌ واحدةٌ من جملَة المسلسلات التركيّة التيْ حوّلتِ الممثلين الأترَاك إلى أبطَال عَرب وعكسَت لنَا مستقبلنا الأسوَد المَقيت كأمّة عربيّة سبقنَا إليهِ الأتراك حينَ ساهَمت آلة كمَال أتاتُورك في تسطيح الأمّة التركيّة العظيمة وتحويلها إلى أمّة "شرّيبَة" .. متفككة قدّمت لنا مسلسلاتهم فكرَة واسعَة عن التخبّط الذي يعيشونه .. وكسَرتْ كلّ محرّم حتّى زنَا المحَارم .. قنَاة بدأت في تصدِير محتويَات للبالغين في نسخَة درَاميّة عربيّة من المسلسلات التركيّة تعكسُ حيَاة فتياتٍ وعوَائل في دبيّ أشعرتنا أنّ ثقافة "البوي فريند" و"الجيرل فريند" هي جزءٌ من ثقافة المجتمع العربيّ وأنّ التسكّع في البارات حتّى الصبَاح البَاكر ومشاهد تناول الكحول هيَ واقعٌ حقيقيّ عربيّ على المُشاهِد تقبّله ..

قنَاة تدرّجت في جلبِ المحتويات الترفيهيّة بنسخَها الأجنبيّة والعربيّة وكَانَ آخر ما ينقصنا أن تعلّمنا "كيف نغنّي" ونرقُص .. في الزّمن الذي رقصَتِ الحكُومات المستبدّة على أجسَادنَا نحنُ الشّعوب العربيّة ولمَ نلُومهم؟ وشعُوبهم انشغلتْ بالرّقصِ في الفضائيّات والغنَاء والفرفشَة .. بينمَا حكّامنا يفرفشُون ويرفّهون عن أنفسهم لدَى شعُوبٍ فقدَت قيمَة الحيَاة المعنويّة ، وأجيَالٍ تسطّحتْ ، وأروَاحٍ جَمُدتْ وسطَ تيّار التسطيح والتفريغ الرُوحي الذيْ تتنافسُ عليهِ الفضائيّات .. تفريغ روحيّ وسط تعبئة جنسيّة في موَادّ شاشاتِ البثّ ومشاهدَ فاضحَة اخترقتْ أقصى القدسيّات وأنبلَ القيَم ..

****************************************

" رأيتُ الفلاسفةً في السُّوق يحملون رؤوسهم في سلال ويصرخون "الحكمة .. الحكمة للبيع!""

ليتَ جُبرَان خليل جُبرَان عاشَ حتّى هذا اليَوم .. ربّما رسمَ صوتهُ نوراً رفيعاً يضيءُ أجيَالنا الضّالة وسطَ ظلام الهبُوط وتدهُور القيم .. ليتهُ عاشَ ليعلّم الناسَ كيفَ يصنعُون فلاسفة ً يبيعُون الحكمَة .. ليتهُ عاشَ ليقنعَ أثرياءنا وملاّك قنواتنا العربيّة باستثمَارٍ عظيمٍ هوَ استثمَار العقل ليتهُ عاشَ ليقولَ لهُم ماذا لو موّلتم برَامج للاختراعاتِ العلميّة ، برَامج لتموِيل العبَاقرَة الصّغار ، ماذا لو قدّمتم برَامج وَاقع لحيَاة علمَاء هذهِ الأمّة المتوارين خلفَ ضوضاءِ التسطيح والتفريغ الذي يُمارَس ببالغ الاحترافيّة؟

ليتهُ عاشَ ليقولَ لهُم: كمْ هيَ الحكمَة استثمَارٌ ضخمٌ حينَ نتَاجرُ بها ، حينَ نستثمر فيهَا ملاييننا ، حينَ نقنعُ شعوبنَا الهائمَة على وجهها بأهميّتها .. بأهميّة العلم والعقل ، بأهميّة الإيمَانِ بأهميّتهِ ..

هلْ عرفَ جبرَان خليل جُبران كيفَ ستغرقُ أمّته في عَالم عشوَائيّ يصبحُ كلّ شيءٍ فيهِ قابلاً للمتَاجرة وتصبحُ كلّ الأشياء عُرضةً للبيع مقابلَ ورقَة شيكٍ بنكيّ؟ .. هل عرفَ جبرَان مستقبلَ أمّتهِ وهوَ يكتبُ هذهِ العبَارة؟ ربّما .. لكنّ شاعراً آخر اسمهُ المتنبّئ سبقهُ بقرونٍ قرأ تماماً واقعَ أمتهِ وتنبأ بمستقبلها حينَ قالَ: يا أمّة ً ضحكتْ من جهلهَا الأمَمُ!

الثلاثاء، 7 يونيو 2011

العُمانيّ ..والإعصَار .. وحبُوب الهلوسَة!

وكالة الأنباء العُمانيّة تقولُ لا توجد احتمَالات لتعرّض السلطنة لأيّ إعصار قريباً

العُمانيّ يقول: عمان ستتعرّض لإعصار ..

الصحف العُمانيّة تقول: الإعصار مجرّد إشاعة ..

العُمانيّ يقول: بكرة بيزخنَا الإعصار ..

الصحف العُمانيّة الناطقة بالانجليزيّة تعيد وتزيد كلّ يوم وفي الصفحة الأولى:

Cyclone Defeated

Clear skies over most of the Sultanate with low clouds along the coastal areas of southeastern

العماني يقولُ: ذير ويل بي سايقلون نكست ويك

تدخلُ الانترنت يومياً .. وتتصفّح أشهر مواقع الرصد الجويّ بدءاً من موقع لندن للرصد الجويّ .. وموقع ميامي للرصد الجويّ وموقع طوكيو للرصد الجويّ ومركز هاواي الوطنيّ للأعاصير .. كلها "تحلف" بالثلاثة .. أنّه لا يوجد "حالياً" على الأقلّ إعصار متوقع سيضرب السواحل العُمانيّة وأقصى ما يمكن أن تتعرض له "نفاف" خفيف ..

ولكنّ صديقك العُماني يتصل بك قائلاً: روح بسرعة اشتري راشن من اللولو .. تراه مصيبة ذا الاعصار بو هيضربنا بعد يومين

تقرأ على البريد أنّ إعصاراً مدارياً اسمهُ "كِيلا" سيضرب السلطنة تاريخ 31 مايُو 2011 ، يصلكَ مكتوباً بالعربيّة ومترجماً بالانجليزيّة حتى لتتساءل: من هوَ هذا "الكذاب" المتفيّق الذي ترجَمه للانجليزيّة؟

لكنّك تفاجئ بعد انقضاء التاريخ المحدّد أنّ نفس الرسالة تصلك ولكن التاريخ قد تغيّر إلى 5/يونيو 2011 .. ثمّ تتلقى رسالة أخرى أن الإعصار سيضرب السلطنة بتاريخ 10 يُونيو 2011م ..

تعُود إلى المنزِل فتفاجئ بعاملة المنزل الهنديّة وقد أضربت عن العَمل والسبب رغبتهَا في النجاة بحياتها ومغادرَة السلطنة قبل أن يضربها الإعصار.. تقول لك أنّ شندرا عاملة الجيران أبلغتها أنّ السفارة الهنديّة تقدم تذاكر مجانية لرعاياها لإجلائهم من الإعصار المزعوم .. تحاول تهدئتها: انتو في انديا اعصار نيهي؟ كل يوم سيم سيم إعصار! ثم تتساءل: كم طائرة ستسيّرها الهند "لتجمع" رعاياها وتعيدهم للهند وتتخيّل سفينة عابرَة محيطات ضخمة وهي تحملُ أطنان الهنود الذين يضجُون برائحة زيت الهند وإن حدث ذلك فإنها ستحتاج شهراً على الأقل لتستطيع تغطية أعداد الهنود المنتشحين في كل بقعَة من عمان .. حتّى أنك ترفع حجراً فلا تجد تحته شاعراً كما يقال .. وإنما " عاملاً هندياً هارباً" ..

العماني يشتري جريدَة كلّ يوم .. يقرؤها من الصفحَة الأولى للأخيرة .. ولكنهُ حين يأتي على الخبر الذي ينفي وجود إعصار يقول: هيه مبونها الحكومة دومها تضحك علينا!

إذنْ لا غروَ أن نرى مراكزنا التجاريّة وهي تكادُ تنفجر يومياً بالمتسوقين .. ما دامتْ إشاعات الأعاصير لم تغادر يوماً العقليّة العمانية .. فالعُماني يشتري راشن سنَة تحسباً للإعصار الذي يغيّر موعده كلّ يومين ..

حتّى مواقع رصد الأعاصير يبدُو أنّها "انبط كبدها" من الأقاويل .. ولذا ليس غريباً أن تضعَ مديريّة الأرصاد الجويّة الهنديّة الرد على جميع الأقاويل بعبَارة يقرؤها الأعمى .. هنَا ..

CYCLONE WARNINGS

اضغط على :

Cyclone Warning For Indian Coast

Cyclone Wind Forecast

Latest Satellite Imagery of Cyclone

NO CYCLONE

إلا أنني كعمانيّة سأنسى أني قرأت إعلان العميَان هذا .. وستصلنيْ بعد دقيقتين رسالة تحذير من إعصار قادم .. وسأضغط على زرّ "فورود" وأظلل قائمة الأصدقاء وأحوّل الرسالة لهم ..

العُماني يقرأ العربيّة والانجليزيّة والبلوشية والسواحليّة والأورديّة ولكنه لا يستطيعُ قراءة ما يدحض إشاعَة الإعصار .. العماني لا يريدُ أن يقتنع بالعربيّة ولا باللغات الأخرى أنّه لا يوجد إعصار قادم

العُماني مسكُون بهوَس اسمهُ ترقّب إعصار .. العُماني مهمَا قرأ بالعربيّة : لا يوجد إعصار وبالانجليزيّة No Cyclone وبالبلوشيّة تُوفان نيه بس خدان هور وخيراتي ان شاء الله .. وبالأوردو: كوي توفان نيهي هيه .. وبالسواحليّ: هاكونا سياكلون! إلا أنّه سيظل مقتنعاً أنّ إعصاراً ينتظرهُ خلفَ باب بيتهِ ..

يخيّل إليّ أحياناً أننا نتعاطى حبُوب الهلوسة التي حدثنَا عنها يوماً صديقنا القذافي .. حبوب هلوسة للأعاصير ولو أنّ هناكَ حالة وسوَاس قهريّ خاص بالأعاصير لخيّل إلينا أن ثلاثَة أرباعنا مصابٌ بهِ ..

وأخيراً .. عزيزي العمانيّ .. وبعد قراءتك لمقالي ففي حالَة لم تقتنعْ بأن الإعصار محضُ إشاعة .. فتفضّل بالاتصال بهذا الرقم للتأكد أكثر: 24877361 (مستشفى ابن سينَا).

الأحد، 5 يونيو 2011

غيَاب القيَم العُمانيّة .. عن ندوَة القيَم العُمانيّة !






عائشَة السيفيّ


ufuq4ever@yahoo.com


لا أزالُ أعتقدُ أنّ واحدَةً من أكبَر الأخطَاء والترَاكمات التيْ ساهمَت في تأصيل ثقافَة الفسَاد والإسرَاف والمحسُوبيّة في العقودِ الأخيرَة من عُمر النّهضَة هوَ سوءُ فهمِ وإسَاءة استخدَام الثقَة التيْ منحهَا صَاحب الجلالَة لمسؤوليهِ وعدم إدرَاكهم للأهدَاف طويلَة المدَى والأفكَار التنويريّة في توجيهَاته .. ورغمَ أننا لا نزَالُ لم نخرُج تماماً من حالَة الاعتصَامات الشعبيّة وما خلّفتهُ من آثَار أهمّها إدراك الحكُومة جيّداً أنّ ما كانَ الموَاطن يتستّر ويصمتُ عنهُ البارحَة لم يعد كذلكَ اليَوم وأنّ حالَة العشوَائيّة التيْ تسودُ كثيراً من الدوَائر الحكُوميّة ينبغِي أن تتوقّف .. وأنّ سياسَة الإنفَاق الماليّ ينبغيْ أن تخضَع لرقابَة صَارمَة من الفردِ العُمانيّ نفسه موظفاً كانَ أم مسؤولاً قبلَ أن تخرجَ إلى غيرهِ .. واليَوم يبدُو أنّ هنالكَ من لم يتعلّم جيّداً من درُوس الاعتصَامات التيْ أفرزتها حالَة الغليَان الشعبيّة من سُوء التصرّف في مكتسبَات الدولَة وعشوَائيّة الإدارَة التيْ دفعَ ثمنها الشّعبُ العُمانيّ لأمدٍ طويل ..


كنتُ قلتُ في مقالي: الخطَاب الدينيّ في السلطنَة بين ثقافَة البشر والحَجر.. أنّ وزَارة الأوقاف والشؤون الدينيّة لم تقدّم بوَادر التغيير التيْ طالت وزَارات أخرى غيرها، وأفلتت أو –لنقل- تغَاضت عنها العينُ في جُملة التغييرات الوزاريّة الأخيرة وجملَة الإصلاحات الإداريّة التي عاشتها وتعيشها وزاراتٌ كثيرة .. وجَاءت ندوَة القيم العُمانيّة ودور الموَاطن في التنميَة لتوَاصل التأكيد على أنّ الوزَارة لا تزَالُ تمَارس سياسَاتها السابقَة في تهميش العقليّة العُمانيّة المنتجَة .. والاستخفَاف بأهميّة الاستثمَار في الانسَان العُمانيّ الذي أثبتَ أهليّته دائماً في إدارَة وطنهِ والرقيّ به .. وكانَ من حظّي أن أطّلع على الكتيّب التعريفيّ بالندوَة التيْ انطلقتْ فعاليّاتها البارحة لتستمر ثلاثَ أيّام مقدّمة ً 10 جلسَات رئيسيّة ، كانَ من الصّادمِ وَ"المضحكِ المبكيّ" أنّ القارئ لا يعرفُ أنّ ندوَة القيَم العُمانيّة لا تتحدّث عن القيَم العُمانيّة إلا في التمهيد والتقدِيم .. وحدهُ التمهيدُ والتقديمُ الذي يحويهِ الكتيّب يقدّم فكرَةً للقارئ عن القيم العُمانيّة وما أن يمرّ القارئُ على برنَامج الندوَة حتّى يدهش أنّ جميع العَناوين المطروحَة لجلسَات الندوَة لا ترتكزُ بشكلٍ خصوصيٍ على عنوَان الندوَة حتّى لأنكَ تشعرُ أنّ بإمكان الندوَة أن تكون في مصر أو العراق أو الأردن أو في جيبُوتي دونَ أن تشعرَ بأدنَى اختلاف يخصّ الهُوِيَّة العمانيّة التيْ لأجلها أقيمتْ هذهِ الندوَة ..


هذهِ الندوَة التي قيلَ أنّها جاءتْ بتوجِيهات ساميَة من صَاحب الجلالَة لم تقدّم سوَى اسمين عُمانيين فقَط ليقدّما أوراقاً في الجلساتِ الرئيسَة للندوَة بينمَا كانتْ جميعُ الأسماء الأخرى غير عُمانيّة .. وكأنّ الندوَة كانَ ينبغيْ أن تحمل عنوَان ندوَة القيم ودور الموَاطن في التنميَة دونَ أن يشعرَ القارئُ "إطلاقاً" بسقوط كلمَة "العُمانيّة" من العُنوان .. (للاطّلاع على الكتيّب طالع ملف الفيديُو أعلاه).


وفيما كانَ من المفترضِ لهذهِ الندوَة أن تسوّق للباحثِ والمفكّر العُمانيّ وتقدّم فكرَهُ وخلاصَة تجربتهِ لأبناءِ وطنهِ نظراً لخصوصيّة الندوَة واستغلال الزّخم الاعلامي الذي حملتهُ النّدوة إلا أنّ العُماني لم يحضر سوَى كمعقّب أكثر منهُ كباحثٍ يسوّق لفكرِهِ من بَابِ "أهل مكّة أدرَى بشعَابها" فلا أعرفَ بالقيَم العُمانيّة من العُمانيّ الأصيل الذي خبرَ وطنهُ .. عاشَ على ترابهِ ونهل من أرضهِ ..


ومن ثمّ كانَ من المضحكِ المبكيّ "تكريس الوزَارة" لحضُور الباحث العُمانيّ "كمتفرّج" لا أكثر .. عبر خلوّ الندوَة من النقاش بعد الجلسَات وإنّما تقديم الباحثِ لورقتهِ ثمّ تعقيب باحثٍ آخر عليها وانتهتِ الجلسَة .. فاحضُر أيّها العُمانيّ بصمتك واستمع واصمُت والسلامُ ختَام ..


وبعدَ برنَامج جلسَات الندوَة .. تطالعكَ صفحة ٌ أخرَى تقولُ: جلساتُ حوَار تلفزيُونية على هامش الندوَة تابعتُ بعضها البارحَة .. لتجدَ أسمَاء الباحثين والكتّاب والمفكرين العُمانيين حاضرَة بالجُملَة .. إذْ أنّه "لزُوم الصُورة الجَميلة" أنْ يعتقدَ المشَاهد العُمانيّ حضُور ابنِ وطنهِ بشكلٍ رئيسيّ في الندوَة دونَ أن يعرفَ أنّ حضور العُمانيّ جاءَ "على هَامش الندوَة" .. بل كانَ من الغرَابة فصل البرنَامج إلى برنامجين .. فلماذا لا تعدّ جميعُ الجلساتِ جلساتٍ تلفزيُونيّة ؟ .. لماذا الجلسَات "الهَامشيّة" فقط؟!! أمّ أنّ البرنَامج الآخر "العُمانيّ" هوَ للتموِيه التلفزيونيّ بحضُور الفردِ العُمانيّ المفكّر بقوّة "ليقتنع" المشاهِد فعلاً بحضُور العُمانيّ والقيَم العُمانيّة في ندوَة القيَم العُمانيّة..


غابَ العُمانيّ عن ندوَة القيَم العُمانيّ ولم يحضُر أكثَر من كونهِ مُدير جلسَة أو معقّب ॥ ما حدَا بعددٍ من الأسماء العُمانيّة المفكّرة للانسحاب كانَ من أبرز الأسماء وأكثرها ثقلاً انسحَاب الشيخ كهلان الخروصِيّ وعدد من أساتذة جامعَة السلطان قابُوس المرمُوقين وأسماء أخرى منَ الذين احتجّوا على غيَاب العُمانيّ عن ندوَة حريّ بها أن تسوّق له أكثر من التسوِيق لهُ "كمتفرّج" وكأنّ عُمان شحّت من إنجاب باحثين قادرينَ على تقدِيم أوراق عمَل رئيسيّة توازي جودَة أورَاق العَمل التي قدّمها الباحثون العرب المدعوونَ للندوَة ॥ واستمرّ الشدّ والجذب بينَ اعتذارات وعودَة لاحقَة على مضض بعد وسَاطات ..


لعقودٍ طويلة .. مارستِ الكثير من الهيئات الحكُوميّة حَالَة من عدم الثقَة والاستخفَاف بالعقليّة العُمانيّة وكفاءتها في صنَاعَة الجودَة الفكريّة في المحَافل والمؤتمرات والندوَات التيْ أقامتها ..


كمْ كانَ محزناً تبويبُ كتيّب الندوَة مقطعاً من خطَابٍ لجلالتهِ يقولُ فيهِ: "علينَا في كلّ وقتٍ أن نستمدّ من ديننا الحنيف وتراثنَا العظيم وقيمنَا العُمانيّة الأصيلَة ما ينيرُ لنا الطّريق ويقوّي عزائمنا لنؤدي واجبنا نحوَ بلدنا وأمتنا والانسانيّة جمعاء" ..


كان محزناً ألا نرَى إيَمان وزارة الأوقاف والشؤون الدينيّة بفِكرِ جلالتهِ بأنّ الفردَ العُمانيّ أثبتُ أنهُ نجحَ في في استمدَاد فكرٍ ناضجٍ حرّ من دينهِ الحنيف وقيمهِ العُمانيّة الأصيلة ، وأنّهُ أولى "من غيرهِ" بأنْ يقدّم القيمَ العُمانيّة ويبحثَ عنها ويدرسهَا.. بدلَ تعبئة البرنَامج بأسماء من خارجِ هذا الوطنِ الذي تعبَ أبناؤهُ ومفكرُوه من حالَة التهميش المتوَاصلة التيْ تمَارسها كثيرٌ منَ الهيئات الحكوميّة .. وعلى الرّغم أنّا لم نخرجْ من حالَة الهيجَان والغضب التيْ انفجرتْ قبل شهرين من هكذا سياسَات غير مسؤولة فإنّ من الوَاضح أنّ وزارة الأوقاف والشؤون الدينيّة لا تزَال تحلّق خارج السّرب وتوَاصل سياسَاتها السابقَة لتصبّ الزّيت على النّار وتوَاصل استفزاز الفرد العُمانيّ في واحدَة من أكثَر خصوصيّاته وهيَ قيمهُ التيْ كانَ على العُمانيّ نفسه أن يكونَ في قلبها.. لا في "هامشها" ..


وفيمَا يتنَاقلُ البعض ملقينَ السخريَة والنكَات على التكَاليف الضوئيّة للندوَة التيْ تصيبُ القارئَ بالصّدمة من الميزَانيّة الضّخمة جداً المرصُودة للمشاركين غير العُمانيين بثمانين ألف ريَال فقط لتذاكرهم ومائة وعشرَة آلاف ريَال لإقامتهم في أغلى الفنادق "جرَاند حياة" لثلاث أيّام فقط كما بلغنِي من أحدهم ويقارنها بشحّ الأوراق التي لا تتعدّى عشر أورَاق رئيسيّة .. فإنّ سؤالاً يلوحُ في الأفق: هل تعلّمت هذه الوزَارة فعلاً درساً حقيقياً من الاعتصَامات؟ وحينَ يصصدمُ القارئ بأنّ 60% من تكلفة الندوَة هي فقط لتذاكر الباحثين غير العُمانيين وإقامتهم والذين لا يتعدّى عددهم أكثر من 50 باحثاً أقل أو يزيد بقليل.. وأنّ عشرين ألف ريَال فقط لحفلِ الافتتاح يُخيّل للقارئ ما هوَ هذا "الكرنفَال الافتتاحيّ الضخم" الذيْ تكلفهُ هذه الندوَة التيْ تستمرّ ل"ثلاثَة أيّام فقط ..


ثلاثَمائة وأربعة وثلاثين ألف ريَال هي فاتُورة هذهِ الندوَة الضّخمة "ذات الثلاث أيّام" ولا بأس من أن تصرَف هذهِ الميزانيّة حينَ يشعرُ المرءُ أنّ أهدافهَا تحققت.. وأنّها فعلاً قدّمت المتوقّع منها وبحثتْ فعلاً في عُمق القيَم العُمانيّة مقدمة ً مادّةً فكريّة أكثر كثافَة مما هيَ عليهِ حينَ تصرفُ أغلب ميزَانيَة الندوَة لا على الأوراق المقّدمة بعددها وكيفها وإنّما في استقدَام الباحثين غير العُمانيين وليتها .. ليتها استثمرتها في تقدِيم عصَارة فكريّة ناضجة عُمانيّة صُرفَ عليها ربعُ ما صرفَ على غيرها! ليت منظمِيْ هذهِ الندوَة قدّموا انعكاساً للقيم العُمانيّة في فِكر العَدالة في أورَاق الندوَة وتوزيعها بين العُمانيين وغيرهم وليتهَا قدّمتْ القيمَة العُمانيّة الحقيقيّة في الإنفاق على العُمق .. على الجَوهر بدلَ الانفاق على استجلاب أسماء غير عُمانيّة وضخّ الأموال في استقدامهَا وإقامتها ..


فهلْ عجزت أسماءُ عُمانيّة كأحمد الفلاحيّ والدكتُور زكريَا المحرمي وخلفَان العيسريّ والدكتور أحمد المعشني ود.صادق جوَاد ود.محمُود السليمي وأسماء أخرى عُمانيّة ذات ثقل في أن تقدّم خلاصَة فكر نَاضج وحرّ عن القيم العُمانيّة ودور الموَاطن في التنميَة في الجلسَات الرئيسيّة وأن يكونَ مكانها في المقدّمة بدلَ ركنها "على الهَامش"؟!


كانَ يمكنُ لنا أن نحتفيْ بهذهِ الندوَة ونقدّرها ، ونؤمنَ تماماً بأهدافها لوْ أنّ القائمِين على الندوَة أدركُوا تماماً الأبعاد والرؤى الوَاسعَة التيْ يرمِي لها صاحب الجلالَة .. هذا الرّجل الذي آمنَ بفِكرِ شعبهِ وآمنَ بأهليّتهم ومنحَ الثقَة لمسؤوليهِ بأنْ يعكسُوا رؤاه وأفكاره وأن يترجمُوا طموحه دائماً لأن يكونَ العُمانيّ في المقدّمة .. كنّا سنحتفِي بها وبالقيَم العُمانيّة لو كانتْ حاضرَة .. كنّا سنحتفيْ بها وبمنظمِيها لو أدركنَا أنّ الوزَارة تعلّمت تماماً أنّ العُمانيّ فكرٌ ناضج .. وأنّه أولى بالتسويقِ له والإيمانِ بهِ .. وأنّ زمنَ التهميش في أوطاننا انتهَى .. إلا أنّ غيَاب القيَم العُمانيّة ودرَاستها والبحثِ عنها في صلبِ هُويَّة ندوَة القيَم العُمانيّة أشعرتنا –حتّى قبلَ تدشينِ الندوَة- أنّ البعضَ لم يتعلّم بعدُ أنّ هذا الوطَن أحقّ بأبنائِهِ .. وأبناؤهُ أحقّ بهِ .. وأنّ المسؤولين الذينَ أساؤوا فهمَ الرؤى الحكيمَة لصَاحب الجلالَة لم يتعلّموا جيّداً أنّ على العُمانيّ–حينَ لا تنقصهُ الأهليّة ولا الفكر النّاضج- ألا يكونَ أبداً في المرتبَة الثانية أو الثالثَة في وطنهِ وأنّه آن الأوان ليعَامل دائماً في المرتبَة الأولى .. إلا أنّ غيَاب العُمانيّ عن صُلب جلسَات ندوَة القيَم العُمانيّة وأوراقها.. أشعرنَا مرّةً أخرى أنّ عقليَة رقَم "اثنين" في أوطَاننا لا تزَال مَوجودَة . فمتَى.. متَى تنتهِي؟!