الجمعة، 28 أغسطس 2009

الشعرَة التي جعلت من معاويَة "عدوّ المطاوعة اللدود" !

حاولتُ طرح هذا الردّ في مدوّنة معاوية لكنّها أطول من المسموح في التعليقات ..
لذا أدرجها هنَا .. كحلّ وسط !
مودّة
هذا ردّي على حديث معَاوية الرواحيّ المنشُور في مدوّنتهِ :
السلامُ عليكُم ..
تابعتُ البارحة بشكلٍ سريع ما دارَ في الموضوع المعنون بـ "فقاعات معاوية إلخ"
صفحَة صفحتان .. أربع .. خمس .. ثمّ تعبت ! كان كلّ الذي دار مُعَاداً وبامتياز !
وأنا أقرأ الموضوعُ كانَ هنالكَ اثنان غيريْ يقرآنه معي من الاخوة ..
وكانَ ثمّة تساؤل يجمعُ ثلاثتنا .. الجيُوش البشريّة من الأعضاء الذينَ كانوا يصفقُون لمعاويَة في كلّ موضوعٍ أينَ ابتلعتهم الأرض؟ ومعاويَة لماذا يفتح على نفسهِ هكذا جبهة؟

مقولَة جميلَة كانت أمّي تقولها ليْ دائماً وحينَ أرى الحاصلَ الآن أتذكّرها .. "بو يكثر كلامه ، يكثر الغلط عليه" وفي روَاية أخرى "يكثر اللغط عليه"

يا أخيْ ..
أنتَ من أشهَر المدوّنين العمانيينَ حالياً وخلال هذهِ الأعوام التي أمضيتها كانَ عليكَ أن تتعلّم درساً مهماً .. لا تعلّمك إيّاه "مدوّنة مفعوصَة مستجدّة كأنا "
التدوين مختلفٌ عن المنتديات ! ولأجل ذلك خُلِقَ التدوين .. ليسَ كلّ ما تكتبهُ في مدونتك قابلٌ ليناقش في سبلة عُمان أو س
وص من المنتديَات ..
لماذَا يا معاوية تعرّض نفسك لكلّ هذا القدح في شخصك؟
أفكارنَا هيَ عيُوننا التي نبصرُ بها .. فمنا الذي نتحدّث به .. أصابعنا التي تضغطُ على أزرار الكيبورد ..
لماذا نمنح الآخر المجالَ ليطأها بكلّ هذه العنجهية؟
ليسَ كلّ ما يكتب في المدونة يُناقش في المنتديات ..

دعني أوضحها لكَ .. أنا لا أتّفق معك في موضُوع تسويق الخَمر وتسهيل الحكومَة لتوزيعه .. لكنني لا أمانع أن تطرحهُ في مدوّنتك وأقرأ وأستمتعُ به ..
لكنْ بالله عليك يا معاوية .. أن تحملَ موضوعك لمنتدى عامٍ وتطرحه .. هل ستتوقع أن يصفّق لك الجميع؟
يا أخي .. أن تتحدّث عن الإعلام ، الفساد في الدولة ، الوصوليّة الحادثة في الوزارات .. هذه أمور نحبّها وسيصفّق لك الجميع .. تستطيعُ حملها إلى أي منتدى وعرضه وستجد آلاف المشاركات .. لكنْ مواضيع شائكة تحملها للنقاش العام .. عليكَ حينها أن تتحمّل النتيجة حتّى النهاية ..

قرأتُ ما كتبتَ حول تصنيفك "المطاوعة" رغمَ اعتراضي على هذه اللفظة أساساً وردّ الجانب الآخر المعارض لما تكتب .. وصدقني ، وجدتُ أنكم جميعاً متفقون ! لكنّكم تائهون في الفكرة ! ضائعُون وسط النقاش المليء بالغضب والاحتقان والكيل بمكيالين ..
جميعكم يحاول تطعيم نقاشه بالهدوء لكن أين الهدوء؟ كانَ غائباً تماماً !
كلّ شيءٍ كان حاضراً في ذلك الموضوع .. إلا النقاش الهادئ .. كان خارج المنظومة تماماً

أنتم متفقُون على لبّ الفكرة ومختلفون في السطح .. ولكنكُم منشغلون بتصيّد عبارات الآخر وتلوينها باللون الأحمر .. أنتم تخرجُون عيونكم عن آخرها للبحثِ عن أي كلمة يكيل بها الآخر لكم والابتعاد عن لبّ الموضوع وشحنهِ تجاهَ تراشقكم هذا ..

أخي معاوية ..
أنتَ كاتبٌ جميل .. نجحت في عمليّتك التدوينية .. ونجحت في استقطاب الكثيرين لقراءتك ولكنّك تحرق بيتكَ بيدك..
أنت جعلت الجميع ينظر إليك ككائن "مليء بالعقد من المطاوعة" .. وأنتَ لستَ كذلك ، ربّما تحبهم في داخلك .. لكنّك تكتب بعاطفية وبشكلٍ يجعل الآخر يظنّ أن عقدكَ تخرج بالدرازن حينَ تظهر أمامك كلمة "مطوّع" أو دين !
يا أخي .. لا أحد يمنعكَ من الكتابة .. لا أحدَ يكمّم فمك .. لكن اكتب في حدود ما تستطيعُ عليه .. وحَاور من يملكُ أسس الحوَار الحقيقيّ .. أما أن تضع مواضيعك للنقاش العامّ وتفتح المجال للجميع كائناً من يكون وبكلّ خلفياتهم "البدائيّة" في الحوار وتتلقى كيل التجريح ثمّ تغضب؟ أنتَ فتحت لنفسك هذه الجبهة !!

تقولُ ..
لا تفهموني خطأ. لا أنادي بقمع الدينيين أو بإخراسِهم. حاشا لله، وإنما أنادي أن يتركوا الناس في حالِهم سواء الذي يحلق لحيتَه، أو يسبل دشداشته أو الذي يشرب الخمر.

ومنْ منعَ الناس من حلق لحاهم وإسبال دشاديشهم وشرب الخمر؟
لا يا أخي .. لا المتدينون فعلوا ولا غيرهم ! .. الجميع يحلق لحيته "بكيفه" ويسبل دشداشته بكيفه .. ومن يشرب الخمر لا أحد يجرهُ من عرقوبه ويمنعُه عن ذلك ..

قد يتلقى من يفعل ذلك بعض اللمز هنا وهناك ولكنْ لا أحد يمنعهُ .. فقط ثمّة أمراً عليك أن تفهمه جيدا يا معاوية .. وأنتَ أخبر مني بشأن هذا الشعب وبشأن بلدنا الصغير ..
اشرب الخمر واحلق لحيتك وأسبل دشداشتك .. "وَاصمت !"

بالإمكان أن تتحدث عن هذا مع أصدقائك في جلسة بمقهى .. مع عائلتك في المنزل .. لكن أن تخرج للعامة وتتحدث بأعلى صوتك فسيهاجمك الجميع ..
الأمور في عمان هنا تحدث بالهدوء .. الجميع يرى ويسمع ولكنهُ لا يتكلم .. وإن تكلّم فلخاصتهِ ..
وحتى إن أردت أن تتكلم يا معاوية فافعلها في مدونتك .. لا في منتدى يدخله الآلاف .. فتعرّض نفسك للهجوم هكذا والتجريح ..
لماذا يا معاوية؟ لماذا تضع نفسك في مواقف أنت في غنَى عنها !
هل تظنّ أن هؤلاء الآلاف الذين أمضوا أكثر من عشرين سنة من حياتهم على عالم غير قائم على الحوار الموضوعي .. سيقتنعون بفكرتك؟ ويحاورونك بالأسلوب الذي تريد أن يحاورونك به؟ أن يتبعوا سبل الحوار الحقيقي؟ مخطئ إن ظننت ذلك .. إن وافقكَ 10 من 100 فأنتَ حققت نجاحاً كبيراً

الكتابة أمرٌ جميلٌ .. وكشف المستور في كلّ بلد أمرٌ جميل كذلك .. لكن باختيار الزمان والمكان وليس هكذا خبط عشواء ..

انظر .. هؤلاء المصفقون المبجلون الذين كانوا يصفقون لما تكتب بالأمس .. اختفوا اليَوم !

لأنّ هنالك طرفاً يتمسك بالدين في حواره .. والدين خطّ أحمر لجميعنا .. نحنُ نصمت حينَ يأتي الآخر بصفة دينية لأنّ سيماء "التقوى والإيمان" ستنزل على الجميع .. شاربهم للخمر حالق لحيته ومسبل دشداشته .. الجميعُ سيقفُ ضدّك حينها لأنّ الطرف الآخر هو الأقوى لأنهُ قادمٌ وهوَ ممسك بحقيبة الدين للدفاع ..
هل هنالك ندّ للدين؟ لا .. لا أظن !
ولستَ يا معاوية بحاجة لتبرر لأحد إن كنتَ مسلماً تؤمن بالله واليوم الآخر وملائكته وكتبه ورسلهِ واليوم الآخر والقدر خيرهِ وشرّه !

جميعنَا نفعل .. لكنْ يصبح الكلام المكرر غير ذي فائدة .. هم أساساً يعرفُون أنك تفعل ولا يهمهم ذلك .. هم لديهم فكرة ويودون إقناع الآخر بها وإظهارك بمظهر معين دون أن يكترثوا إلا لما يدعّم موقفهم ..

المتدين يا أخي سيظل متديّن .. لن تغيّره حوارات الانترنت العشوائيّة هذه .. وغير المتدين لن تقنعهُ هذه الحوارات وتعدل موقفه ..

اجلب لي موضوعاً واحداً .. من بين المليون موضوع المطروح في سبلة عمان وغيرها اقتنع طرفٌ بوجهة نظر الطرف الآخر؟ موضوع واحد فقط !!

يا أخي معاوية .. الأمور لا تتغير بعد نقاشٍ واحد أو موضوع أو حتى عشرة مواضيع .. أنت تتحدث عن مجتمع لهُ أسسهُ ومعالمه .. لن تغير أنتَ منهُ ما ربيَ عليه طوال 30 أو 40 عاماً !

ألمحُ كم أنتَ متكدّر ومتضايق وبالفعل .. ما قيلَ في حقّك الكثير مما يُحزن أيّ شخص .. لكن يا معاوية عليك أن تتحمل جريرة فتحك الباب لذلك ..

الجدال الأزلي بين الدينيين واللادينيين لن ينتهي .. لن أستطيع لا أنا ولا أنتَ إنهاءه ..
فقط كن أكثر وعياً ولا تجعل الآخر يصنفك لهذا التيار أو ذاك .. لأنكَ لست كذلك !

لقد ضحكتُ كثيراً من ذلك الحوار الذي اشتد ووصلَ لعشرات الصفحات والجميعُ يركّز على عبارتك:

فلا تخضعوا لصوت المطاوعة الذي أراه بدأ يسيطر عليكم،

ونسيَ الجميع تكملة ما قلتَ .. لقد قلتَ :

(( فلا تخضعوا لصوت المطاوعة الذي أراه بدأ يسيطر عليكم،
ولا تخضعوا لصوتِ الليبراليين، دعوا هذا وذاك يتحدثون، ولا تكونوا مثل وزارة الإعلام التي تصادر الشعب وتعامله كما تعامل الطفل، دعوا هذا ودعوا ذاك يتحدُّث.
))

أنتَ لم تقل أكثر من أنهُ لا للتطرف .. الديني أو الليبرالي .. الوسطيّة فقط !
وصدقني لو قرأ الجميع هذه العبارة بالشكل الصحيح لاتفق معها لأن جميعنا يؤمن بالاسلام السمح .. الاسلام الوسط !
لكنّ موضوعك عن الخمر هو الذي أجج الموضوع .. وجعل موقفكَ ضعيفاً لأنّ الجميع كان يضع ذلك الموضوع شماعة ً في كل مداخلة ..

خلاصة الكلام أخي معاوية ..

المنتديات مكان جميل للحوار .. ولكن عذراً ليسَ للحوار في أيّ موضوع !
لأنّ أقل أسس الحوار وهي معرفة الطرف الآخر غير المتخفي بالأقنعة غير متوفّر ! فعن أيّ أسس حوار تبحث؟
نحنُ نقرأ مواضيع المنتديات ونحبّها .. ونصفق لها ثم ينتهي اليوم .. نغلق الانترنت ونفكّر ! "تراه الا كلام منتديات!"

ودعني أقول شيئاً .. نحتاج لمواضيع جديدة عن عُمان والواقع بعيداً عن تلك التي تثير كل هذا اللغط الفارغ "المطاوعة والخمر والشذوذ إلخ" ..
الخمر والمطاوعة والشذوذ موجودة في بلدنا .. لكن كفاية حديث عنهَا .. والله انفلقنا !

وأقول لكَ شيئاً .. ليسَ كلّ ذي لحيَة يحملُ نفس الفكر والمنطق .. لقد عملتُ مع أشخاصٍ ذوي لحَى تغطي بطونهم وكنتُ أخاف وأتطيّر منهم لمجرّد رؤيتهم لكنني والله وجدتهم في قمة الاحترام والرقي في التعامل معي ومع زميلاتي .. بصرف النظر إن كنّ يضعن الماكياج ، البخور ، محجبات أو لا .. بل وكنّا نجسر في سؤالهم والاستفادة منهم أكثر من غيرهم ممن لا يطيلون لحاهم ..
المطاوعة الذي تتحدث عنهم ليسوا جميعاً بنفس الفكر وليسوا جميعاً قنابل مفخخة تمشي على قدمين وليسوا جميعهم طالبانيون ولادنيّون .. وليسُوا جميعاً على شاكلة أهل الحسبة ..

والليبراليون كذلك ليسوا جميعاً بنفس التفكير ولا جميعهم متحررون كما تظن فأغلبهم أصحاب شعارات فارغة تجدهم في بيوتهم نقيض ما يدعونَ إليه ويؤمنون ..

كفوا عن هذا الجدال العقيم وانصرفوا إلى مناقشة مواضيع هذا الانسان الفقير العماني الرازح تحت غائلة الديُون والفقر والأمية .. والظلم الاجتماعي والطبقيّ ..
دعوا عنكم سفاسف الأمور هذه واهتموا بهذا المواطن الذي لا يملك لساناً ناطقا وقلماً جميلا كما تملكون
سخروا أقلامكم لخدمتهِ ودعوا عنكم هذه النقاشات التي لا تخرُجون منها سوَى بالضغائن الشخصيّة .. وشخصنة مواضيعكم تجاهَ بعضكم البعض ..
هذا التراشق لن يفعلَ سوى تشتيت تركيزكم على قضايا بلدكم ..

أكثر من ذلك يا معاويَة ..
حكمتي في الحيَاة .. غبية قليلاً لكنّها مجديَة جداً في هذا العالم . لا تجادل حكيماً فيغلبك ، ولا سفيهاً فيجرحك !

Cool Down bro.. It doesn't worth all that anger and rage :)

سويـَّاً لخلقِ فكرَة !

مرحباً أصدقائي ..
هنـَا تجمّع الكتاب العمانيين على الانترنت في الفيس بُوك ..
الدعوة مفتوحة لجميع الاخوة الكتّاب والمدونين الناشطين عَلى الانترنت ..
أقتبسُ لكُم افتتاحيّة التجمّع :

أصدقاء الانترنت
.. خرجت فكرة هذا التجمع إلى النور بعد اقتراحٍ من الأخ أحمد المقبالي
وهو ناشط انترنتي ومهتم بالتصوير الضوئي ومتابع للشأن الثقافي العماني وله متفرقات
صحفية هنا وهناك..

هذه دعوة لحوار هادئ لا تحكمه سوى الرغبة في التغيير وصناعة المختلف ..بعيداً
عن كل الغباءات الكثيرة
نحن هنا نتبادل مشاريعنا الثقافية .. إنتاجنا الإبداعي ونعمّر صفحات
التكنولوجيا هذه بالجديد في عالم الكتابة ..
نتمنى أن يحدث هذا التجمع تقارباً أكبر في الرؤى واختلافا أكثر في الآراء
طالما هنالك وعي وحوار حقيقي

ولكم جميعا .. الدعوة مفتوحة لانضمام أي عضو يجد في نفسه الرغبة في المشاركة
والدفع بهذا التجمع سواءً من الاخوة العمانيين والعرب الحاضرين في هذا العالم
الافتراضي من الانترنت ..

مودّة

الخميس، 27 أغسطس 2009

اضحك مَع نكتة المَوسم الرمضانيّ 2009 لوزارَة إعلامنَا الموقرَة !




روَى لي أحدُ الصحفيين .. عن صحفيّ آخر عن أحَدهم ، آخر نكات وزارَة الإعلام المتمثلَة في التعميم الذيْ يمنعُ بموجبهِ على الإعلام العُمانيّ المقروء ، والمسمُوع والمكتُوب استخدَام عبارة"رمضان كريم" سواءً في المقالات ، الإعلانات إلخ .. واستبدالها بجمل أخرى كـ "رمضان مبارَك"



والله حالة ! هذا اللي فالحة فيه وزارة الاعلام !



هذا يعيدُ لي ذلك اليَوم الذي سألتُ فيه محرري صحيفَة أكتب بها لماذا حذفُوا عبارةً من نصٍ أدبيّ كتبتُ فيه .. ( أيّها السيدُ الشعر .. )

فأجابوا : لا يحقّ لنا نشر كلمَة السيّد إلا متبُوعة باسم أحد أبناء العائلَة المالكَة !

طيّب يا جماعة يعنيْ نحن ما نقدر نكتب كلام أدبيّ زي العالم والناس .. قلنا السيّد الشعر .. يعني هذا ما خلفان ولا سعيد ولا س أو ص من الناس .. هذا شِعر !

فاحذروا واحذرُوا أيّها الشّعراء والكتّاب .. برمجُوا قصائدكُم منذُ الآن على أنهُ محرّمٌ عليها كلمَة "السيّد" وكذا قصصكُم ومسرحيّاتكم..



فقط بودّنا أن تتكرّم وزارة الإعلام باستحدَاث بديل لكلمَة "السيّد" في قامُوس وزَارة "الاعلام الراشوينيّة" كما منحَت بديلاً لـ"رمضَان كرِيم"



وَ .. رمضَانكُم كريم يا جمَاعة !

الأربعاء، 26 أغسطس 2009

عنْ سيرَة الفقر/ردُهات


http://www.alwatan.com/dailyhtml/culture.html#4


لمحتُهم وأنا في السيّارة .. كانوا يمشونَ مقابلَ جامع السّلطان قابُوس في قلبِ سوقِ مدينَة نزوى .. حيثُ اكتظّ السوق بالسياراتِ القادمة من كلّ مكان ..
الأغلبُ جاءَ للتسوّق كما جزمتُ .. والبعض جاءَ للسياحةِ ربّما ! لا أعرف.. لكنّ منظرهم كانَ مميزاً ..
كانُوا خمسَة ، امرأة بدتْ لي أنّها أمّ البقيّة اللذينَ كانوا معها .. فتاتان وصبيّان ..أتذكّر ملامحهُم جيداً ..
كانتِ الأمّ –عكسَ أغلبِ نساءِ عمانَ ممن يرتدينَ العباءَة- ترتديْ جلباباً ! لم يكنِ الأمرُ بحاجةٍ للاقترابِ حيثُ بدا الجلبابُ قد فقدَ لونهُ .. خمنتُ أنه –كانَ قبلَ زمنٍ مضَى- بنيّاً أمّا ما بدا لي فقد كانَ خليطاً بين الرّماديّ والقمحيّ .. بدا مهترئاً للغاية وحينَ اقتربتِ السيّارة أكثر لمحتُ أزراراً خيطتْ على الجلباب بألوانٍ مختلفة تخبرُ الرَائي أن تلكَ الأزرار لا تنتميْ لذلك الجلباب..

سأقولُ لكمْ أنهُ مضى زمنٌ طويلٌ لم ألمحْ فتاة ً في السادسَة من عمرها تلبسُ الجلابيّة العمانيّة التقليديّة التي ترتديها الفتياتُ خاصّةً في المناطقِ الداخليّة من عُمان ولكننيْ رأيتها ذلك اليوم في تلك الفتاتين .. ولكنْ بشكلٍ مختلفٍ عن الجلابيّات المبهرجَة بالألوان والكريستال كتلك التيْ أشاهدُ نساءَ نزوَى يرتدينها في المناسبات الاجتماعيّة وأرَاها في التلفازِ حيثُ تتفنّن مصمّمات الأزياء في إضفاء لمساتهنّ الحديثة عليها .. لا لا ! ما رأيتهُ كان مختلفاً !
لقد فقدتْ ملابسُ الفتاتين ألوانهَا تماماً .. من بعيد يلمحُ المرءُ كم عتيقة ٌ تلك الملابس للحدّ الذي يتدلَى "الزَري" وهوَ الخيط المذهّب الذي يخاط أسفل الجلابيّة العمانيّة .. نعم كان الزري يتدلّى وقد انفصلَ عن قطعَة الملابس نفسها .. فيما قفزتْ أكمام ملابسهما لتكشفَ عن مسافةِ شبرٍ بعدَ يدهما في اتّجاه الكتف .. كانَ يبدُو أنّ ما تلبسهُ الفتاتانِ مضَى عليهِ شوطٌ زمنيّ كبير نمتْ فيه أجسامهمَا لتتعدّى مقاس ما تلبسانهِ ..
أمّا الصبيّان فقد بدا كلٌ منهما نقيضَ الآخر .. أحدهما كانَ يلبسُ دشداشة ً عُمانيّة .. خمّنتُ أنّ لونها أبيض ! كانتْ مليئة بالتجاعيد ويبدُو أنّ مكواة ً لم تمرّ عليها قطّ .. كانَت الدّشداشة ُ عريضة ً عليهِ جداً وطويلة ً جداً حتّى أنه تعثّر أكثر منْ مرةٍ بها.. وأمّا الأكمام فيبدُو أنهُ قامَ بطيّها لتناسبَ طولَ ذراعه .. بدَا واضحاً جداً أنّ الدشداشة لمْ تُـخَط لهُ وإنّما وُهِبتْ إليه .. ورغمَ عرضِ الدشداشةِ إلا أنّ ذلك لم يخفِ كم كانَ نحيفاً للغايةِ ذلك الفتى ..
وأمّا أخوه فقد بدا أقربَ لأخواتهِ بدشداشتهِ العمانيّة التيْ قفزتْ قليلاً قبلَ ركبتهِ وأكمامهَا التيْ تكادُ تصلُ مرفقيه ونحافتهِ الشديدة التي خمّنتُ أن عرضَ جسدهِ لا يتعدّى شبراً !

كانوا يقطعونَ السّوق وعيونهم لا تغادرُ واجهاتِ المحلاّت .. الفتاتانِ بدتا أكثر انتباهاً إلى عيُون المارّة التي كانتْ تسترقُ النظرَ إلى "وضعهم المزري" ولذلك ورغم نظراتِ الدهشةِ التيْ كانتا تبعثانِ بها إلا أنهما حرصتا على البقاءِ في حدودِ الانبهار !
أمّا الصبيّ الصغير صاحب الأكمام القصيرة فقد كانَ يبتسم .. يبتسمُ بشدّة وهو يحدّق في هذا العالم الغريب .. الكبير عليه ! يندهشُ كمنْ يجدُ نفسهُ في عالم الأحلام ! تخيّلوا مدينَة صغيرَة كنزوَى بأسواقها الصغيرة ومحلاّتها تبهرُ طفلاً كهذا يقرأ من يراهُ أنهُ يتخيّل نفسهُ قادماً إلى عالمٍ العجائب !
أمّا أمهمْ فيبدُو أنّها كانت الأكثر تواصلاً مع هذا العالم الخارجيّ المزدحم .. كانتْ تمسكُ الصبيّ من يدهِ وتمشيْ وعيونها على الأرضِ تكادُ لا ترفعهما إلا لتتبيّن الطريق ..
كسَرني منظرُ هذه العائلة .. هزّني كثيراً .. وفكّرتُ أنهُ في كثيرٍ من الأحيانَ تمنحكَ الصّورة ما يغنيْ عنِ الكلام ..
صرختُ بأخي بأن يوقفَ السّيارة لأذهب إليهم .. لم ينتبه أخي إليهم إلا حينَ طلبتُ منهُ أن يتوقّف لأغادر السيّارة ! نظر إليّ وقالَ لي: جننتِ؟ تغادرين السيّارة وسط هذه الجيوش من السيّارات الأخرى؟ .. ما الذي تريدين أن تقوليهِ لهؤلاء؟
قلتُ له.. لا أدري ! لا أعرف ما سأقول .. لكنني أخافُ ألا أراهم مجدداً .. لا أريد أن يذهبوا .. ربّما أستطيعُ فعلَ شيءٍ ما ..

لكنّ حوارنا انتهَى وقدِ اختفَى الخمسَة بينَ الجموع البشريّة والآلاتِ التي تقلّ جموعاً بشرية ً أخرى إلى وجهاتٍ مختلفة !

درتُ بعينيّ يميناً ويساراً لأبحثَ عنهم ، لكنّ أثرهم كانَ قد اختفَى تماماً !

هؤلاءِ الخمسَة شاهدتهم قبلَ رمضان بيوم .. ومنذ ذلكَ اليوم وهم في ذاكرتيْ لا يبرحونها !
أذكرُ مرة ً حينَ كنتُ في الاعداديّة في درسِ التربيَة الاسلاميّة حيثُ كانتِ المعلّمة تشرحُ لنا درساً عن أنّ الفقر ابتلاء كما أنّ الغنى والثرَاء أيضاً ابتلاء ! سألتنا سؤالاً غريباً : أيّهما تريدُ أن تكونَ كلٌ منكن؟ فقيرَة ٌ أم غنيّة؟
وأشارتْ بإصبعها إليّ ، كانَ سؤالها صعباً بحيثُ استغرقَ منّي وقتاً لأخبرها بأنني أكرهُ الفقر .. لأنني أكرهُ الظّلم ، ولا يعيشُ فقيرٌ طول حياتهِ دونَ أن يُظلَم بشكلٍ أو بآخر .. فعلّقت معلمتي: إذن تريدينَ أن تكوني ثريّة؟
قلت لها : ولا هذا ! لأنهُ يقتلنيْ أن أرى فقيراً يمرّ أمامي .. أو أسمعَ عنه .. بينمَا أملكُ أنا من المَال حاجزاً اسمنتياً يفصلنيْ عن عالمِ الفقراءَ هؤلاء ! يهزّني منظرُ الفقراء.. قلبيْ أضعفُ من أن أرى فقيراً ! وبوطني ..

هذا الحوارُ ظلّ عالقاً برأسي برغمِ ما صحّحته المعلّمة لي بأنّ الإسلام أوجدَ العدالة الانسانيّة بالزكَاة والصّدقة وعالجَ مشكلَة الفقراء والمساكين..
فكّرتُ حينها ما الذي أريدُ أن أكونَه إن لم أرد أن أكونَ فقيرةً ولا غنيّة؟ ربّما لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء! العيشُ مستورةً !

قبلَها بأيّامٍ وفيما كنتُ أجلسُ مع صديقةٍ ، اتّصلت بي صديقة ٌ أخرى لتطلبَ منّي أن أجمعَ الملابسَ التي لا نحتاجهَا في البيت للتبرّع بها لعوائل "عُمانيّة" .. قالتْ لي.. اجمعيْ جميعها قديمها وجديدها .. صالحها ومهترئهَا!
حينَ انتهتِ المحادثَة تمتمتْ صديقتي بشرودٍ .. أيعقلُ أنّ في وطنيْ أناساً لا يجدُون ما يلبسُون؟
الحقيقَة أني لم أجبها وقتها .. لكنّ منظر هؤلاءِ الخمسة أعادَ إليّ سؤالها.. وأعادَ إليّ سيرَة الفقر ..
أفتحُ شاشة التلفازِ حيثُ يعلو صوتُ المذيع وهوَ يقرأ رقمَ حساب الجمعيّة العمانيّة للأعمال الخيريّة وأتساءلُ كم منّا يمرّ على هذا الإعلان ويغيّر القناة دونَ أن يكلّف نفسهُ بالتفكير كمْ أنّ في وطنهِ من يحتاجُون إلى قليلٍ من التضامنِ يمليهِ علينا حسّنا الوطنيّ الذي يلي حسّنا الانسانيّ والدينيّ ! كم أنّ هنالك من لا يجدُون سقفاً يستظلُون بهِ عن شمسِ الظهيرَة في بقاع أوطاننا العربيّة

كمْ منّا يذكرُ رمضَان بلياليهِ وصحُونه الشهيّة وقائمَة قنواتهِ الممتلئة بالبرامجِ دونَ أن يفكّر أنهُ في مكانٍ ما .. في بقعةٍ يجهلها .. هنالكَ أناسٌ تنامُ عيُونهم .. وبطُونهم –من الجُوع والفقر- لا تنام ! وليسَ في مكانٍ بعيدٍ جداً .. ليسَ في مكانٍ أبعدَ عن وطنيْ ! وأوطانٍ أخرى تجمعنا بهِم أواصر القربَى والحبّ والسلام ولا إله إلا الله !

بعدَ أن غابَ الخمسةُ عن بصري بدأتُ في تقليبِ نظري بينَ واجهاتِ المحلاّت .. وأماميْ كان الحليّ والمصاغُ والذهبُ يلمعُ فيْ واجهاتِ محلاّت المجوهراتِ .. كنتُ أسألُ نفسي والسيّارة تعبرُ إلى الجهةِ المقابلةِ من الطريق؟
لوْ أنّ جميعَ هؤلاء الأثرياء الذينَ يعيشونَ بيننا ولكنْ في قصُورهم العاجيّة امتلكُوا قليلاً من حسّ الانسانيّة لإخراج صدقَات رمضان أو زكَاة أموالهم ، هل سيبقَى في أوطاننا أناسٌ لا يجدُون حتّى ما يلبسُون؟
آآآه .. لو كانَ الفقرُ والغنَى رجلينِ .. لقتلتهما !

الثلاثاء، 25 أغسطس 2009

عنْ صديقٍ ضلُوعه الطرِيق !


عنْ صديقٍ ضلُوعه الطرِيق !



جامحاً كنبيّ الفراشاتِ

دعهُ يرتّبُ ما يشتهيهِ المدَى للمدَى

والصّديقُ لما يشتهيهِ الصّديقُ


قلْ لهُ :

(إنّ قلبكَ يا صَاحبيْ ، قد تضيقُ الكمنجاتُ عنهُ ولكنّني لا أضيقُ ! )


والحقيقةُ عينَاكَ يا صاحبيْ

والغيابُ/ يَداكَ

ورَائحَة الحبّ فيكَ/ الصّدى

وضلُوعكَ أرصفتيْ والطّريقُ


سلهُ -كالمستجِير برمضَائِهِ:

كيفَ يتركُ موسَى عصاهُ؟

ونوحٌ سفينتَهُ؟

ويفرّ المسيحُ بأسفَارهِ

ويجفّ على الفمِ .. هذا النّبيذُ العتيقُ؟


قلْ لهُ .. كائناً من يكونُ الحضُورُ

استَمعْ لموسيقَاهُ ، أنتَ أقرَب للحنِ منّي

فخذنيْ غناءً على وترٍ صامتٍ

ربّما .. في فمِ اللّيلِ تُبصِرنيْ

وتتمتِمُ مستعذباً :

كيفَ يخرجُ هذا الغنـَاءُ / الغناءُ الأنيـقُ ؟

الأحد، 23 أغسطس 2009




هكذا تبدُو مدينتي الصّغيرة في ليل رمضَان


خافتَة الأضواء


هادئَة كمخدّة طفل


لا شيءَ يحرّك ذلك العلم بهوائهِ الساكن سوَى صوت الإمام وهوَ يتعالَى من تلك المئذنة في صلاةِ التراويح


الجمعة، 21 أغسطس 2009

نعم .. نحبّ الله وإن اختلفت طرقنا !

اليَوم .. تلقيتُ رسالة غريبة من إحدَى زميلاتي في الجَامعة .. هنئتنيْ فيها بشهر رمضان ثمّ طلبت مني أن أخبر إحدى صديقاتيْ (سمّتها اسماً) بأنّ رمضان شهر يضاعفُ فيها الأجر كما يضاعفُ فيه العقاب ودعتني إلى أن أرشدهَا للبسِ الحجاب ، مضمّنة الرسالة من الوعيد ما لا يضمّنه خطيب يوم الجُمعة ..

كنتُ أقرأ الرسالة وآسفُ بشدّة إلى أنّ هذا الأسلُوب هوَ أسلوب فتاة جامعيّة ، نفترضُ أنهَا تعلّمت من دراسَتها العليا ما يغنيها عن لغَة الوعيد هذهِ .. ولا أدري لماذا تمّ حشري في الموضوع هنا ..

لطالمَا اشتكتْ لي صديقتي تلك عن تعرّض الكثير من الفتيات لها بسبب أنها غيرُ محجّبة .. أطلعتني كثيراً على مضايقاتهنّ عبرَ رسائل يبعثنها من أرقامٍ مجهولة ومن ثمّ امتدّت المضايقات لتصلَ لبريدها الالكترونيّ برسائل محمّلة بلغَة مشحونة أقرب ما تكُون للشتائم .. وانتهَى بها الأمرُ إلى أنّ أحدهم سرقَ بريدها ليوزّع على كلّ أعضاء بريدها رسالة تعلنُ أنّ هذه الفتاة من ضمن من أشارَ لهم الحديث "نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ لا يدخلنَ الجنّة ولا يجدنَ ريحها"

انتهَى مسلسلُ الرعب الذي تعيشهُ تلك الفتاة .. برأيكم ، هل ستتحجّب هذه الفتاة في نهايتهِ؟

صديقتي هذهِ غير محجّبة .. لكننّي مشيتُ معها وصاحبتهَا ووجدتُها من أجمل الفتيات أخلاقاً والتزاماً ورقياً في التعامل .. وهي وإن كانتْ –غير محجّبة- إلا أنّها لا تتعمّد الإغراء وارتداء الملابس المكشوفة ، ترتدي الملابس البسيطة والفضفاضة ، ولا تضع الماكياج .. تمشي بوقارٍ شديد وتلقي التحيّة علينا من بعيد ..

كثيراً ما علّقت في بعضِ الأيّام .. بأنّ شيلتي جميلة ، أوْ أنها أحبّت لون هذه الشيلة .. فأعلّق ضاحكة : تجربيها !؟ فتجرّبها فأبتسم قائلة بنفسِ لهجتها : ولك تقبريني شو طالعة طيري العقل بالشيلة !

فيتورّد خدّاها بالحمرة الجميلة وتبتسم ..

أحزنُ كثيراً حينَ تريني ما تتعرّض لهُ من عنصريّة باسمِ الدين ، وأشعرُ بالخجل أنّ هؤلاء يتحدّثون باسم الدين والدعوة ، والدعوَة الحقيقية بريئة ٌ منهم .. وأتساءلُ كيفَ خرجَ هؤلاء بمفاهيم "منحرفَة" عن طريقة الدعوَة ومفاهيم المعصيَة وكيفَ يتوحّد هؤلاء جميعاً في هذا الأسلوب "السوقيّ" للدعوة الذي لا يعرفُ سوى لغَة التهديد بالنار للعاصي ، وجهنّم للفتاة السافرَة إلخ !

متى نحسنُ استخدام الوجه الحقيقي للإسلام والدّعوة ؟

قبلَ عامٍ واحد .. كنتُ وصديقتي في إحدى سكنات الجامعة نذاكرُ في إحدى الممرّات حين تصاعدت جلبَة من غرفَة التلفزيون بتلك الوحدة السكنيّة .. وإليكم ما حدَث ..

بينما كانت الفتياتُ يشاهدنَ مسلسلَ "باب الحارة" دخلتْ عليهنّ فتاتان فجأة .. توجّهتا رأساً إلى التلفزيون فأقفلتاه ثمّ بدأتا بقراءة القرآن بصوتٍ عالٍ خالٍ من الترتيل أشبه ما يكون بالصّراخ !

حدَثت مشادّات كبيرة بين الطرفين وجلبة إلخ .. ولا أدري كيفَ انتهت المشكلة ..

لكنني لاحقاً كنتُ ألمح فتياتٍ كثيرات بمجرّد أن تمرّ الفتاتان .. يرفعنَ صوت الأغاني بهواتفهنّ ، وحتّى الفتيات اللاتي لا يفعلنَ فإنهنَ يتجنبنَ الحديث إليهما !

حدثَ هذا لأنّ جميعَ الفتيات بما فيهنّ الملتزمات وكثيرٌ منهنّ يتابعنَ باب الحارة استأن من الطريقَة السيئة التي استخدمتها الفتاتان باسمِ الدّعوة .. وطريقَة معكوسة للغاية من أجل الهداية ..

نحنُ بحقٍ بحاجة إلى نتعلّم فنّ الدعوة بالابتسامة ، بالكلمة الطيبة ، بالفعل الحقيقيّ بعيداً عن الشعارات المعتادة للدعوة .. أن نجعلَ من أنفسنا أدوات دعوة دونَ كلمات جهنّم والنار والعاصي والكافر !

اليَوم ثمّة قطيعَة حقيقية بينَ المتدنين وخلافهم .. والسبب أن طريقة الحوار غائبة بينهم .. الموضوعية غير موجُودة مطلقاً ..

اعتدتُ كثيراً أن أدخلَ مدوّنة شابٍ خليجيّ درس مدّة طويلة في الولايات المتّحدة يدّعي الإلحاد ، وتعرفُون؟ كانَ هذا الشابُ يتّخذ من مواقفَ متعصبين كهؤلاء مرّت بهِ للإساءَة للإسلام الجميل .. الإسلام الطيّب .. الإسلام السّمح

هذا الشّاب من كثر ما مرّ به من مواقف مماثلة كهذهِ التي ذكرتُ أعلاهُ سخّر قلمهُ ولغته الجميلة ودراستهُ العميقة في تهميش أيّ دين والسّبب ؟ هؤلاء الذين يتخذون من أنفسهم متحدثين باسم الدين ولا أحد يسيءُ له سواهم ..

قبلَ يوم .. تلقيتُ رسالة من أحدهم ، وهوَ شابٌ ناشطٌ منتدياتياً ومتعلم ، ينصحني بالهداية والبعد عن المعصية لأنهُ حين تصفّح مدوّنتي وجدها بعيدة ً عن الله .. وأنه لم يجد بها شيئاً مهماً ..

لا أخفيكُم أنّ أسلوب هذا الشابّ كان لطيفاً وربّما لم يكن متعنّتاً كما مرّت بهِ صديقتي .. إلا أنّني حزنتُ إلى تعريف هذا الشابّ لما هوَ مهمّ ولما هوَ غير مهمّ ..

تصفحت مدونتك وقرأت ما حوته وبحثت فيها عن شيء مهم فلم أجده .. مدونتك
بها أغاني وبها أشعار جميلة وبها قصص أليمة ولكن لم أجد الله فيها .. بل
هي بعيدة عنه .. ربما أكون مخطئاً ولكنني أجد الله أمر لا بد منه فالمسلم
مصيره في الدنيا والآخرة مرتبط بما فعل باسلامه .. وعندما وقفت على أغنية
Back to Black
فاتك أنها بالفعل حياة مظلمة لبعدها عن الباري
أية حياة هذه التي تقوم على الوهم بالمخدرات والمسكرات فتوصف بالروعة
كونها نطقت بقصيدة أو كلمات تتكلم عن معاناتها

ديننا الاسلامي لا يخلو من مصائب كتلك ولكن ما يأمر به له سمو وصفاء
ونقاء وطهارة وعفة لها راحة في النفس .. فكم من هؤلاد المغنين بالرغم من
شهرتهم عاشوا حياة المجون وعدم الاستقرار النفسي والعائلي .. الفيس برسلي
كان يتعاطى المسكرات والمخدرات كي ينام وحياتهم من الداخل مفككة ..

لن أطيل عليك ..سخري جزء من اطلاعك المعرفي للدين واوصيك بالقرآن واكتبي
بما استشفيت منه واسألي وناجي ربك بما يجيش في فؤادك .. قولي له ربي
أحبك .. أو ربي علمني كيف أحبك وخذ بناصيتي إليك

من الممكنِ يا أخي أن نكتبَ عن ألفيس بريسلي ونحبّ الله .. ومن الممكن أنْ أعشقَ قصيدَة وأحبّ الله كذلك ..

من الممكن أن أترجم روايَة لجابرييل جارسيا ماركيز وأحبّ الله .. ومن الممكن أنْ أتكلّم عن اليابان والتكنولوجيا التي وصلت إليها وأحبّ الله ..

ليسَ شرطاً حينَ أودّ أن أبدي رفضي للكحول والمخدّرات أنْ أكتبَ أنّ الله نهى عنها وتوعّد شاربها بنارٍ تحرقه خالداً مخلّدا ..أليستْ هذه اللغة التي يستخدمها مليون موقعٍ الكترونيّ في الشبكة؟

أليسَ من الممكن أن أستخدم لغة ً أخرى بعيدة ً عن الكلمات المكرورة التيْ أصبح الشباب يأنف منها بل ويأخذها على محمل السخريّة ؟

لستُ فقيهة ، ولا مفتية ، ولا أدعي من اطلاعي في الدين أكثر من إطلاعي على القرآن وبضع كتبٍ أخرى لابن هشام وسيد قطب وبعض فتاوى الخليليّ ..

لكننيْ أعرفُ أن الدين جميل ، وأنهُ يدعو للتي هي أقوم ، وأنّنا في هذه الحياة دعاة ٌ جميعاً .. كلاً بطريقتهِ الخاصّة ..

يا أخي .. نحنُ نصلّي ونصوم ، ونقرأ القرآن ، ونقرأ لنيرودا .. ولجابرييل جارسيا ماركيز .. نقرأ شيفرة دافنشي لدان براون .. نخرجُ للتسوّق ، ونجتمعُ مع الصديقات ونثرثر كثيراً .. ونشارك في حملات التوعية ضد التدخين وفي حملات تنظيف المساجد ونذهبُ إلى السينما .. ونحبّ الله لأنهُ هو منبعُ كلّ ما نفعله ..

وندخل اليُوتيوب ، وتويتر والفيس بوك ونتبادل الكاركاتيورات مع الأصدقاء هنالك بمختلفِ أطيافهم .. وتوجّهاتهم الدينيّة .. وندخل الماسنجر .. ونضع مقاطعَ من قصيدَة من حكَم سقراط الشاذّ جنسياً ومقاطع من أوسكار وايلد الذي ومات مخموراً ومع ذلك فلهُ من النتاج الأدبيّ الجميل ..

وسقراط نفسهُ أثّر كثيراً على مفكرين عرب إسلاميين ولهُ من المبادئ والحكم الرائعة ما تتوافق مع الدين الإسلاميّ في كثيرٍ من الأمور

وسأقولُ لك شيئا .. لا أحد كاملٌ في هذه الحياة .. ولو كنّا نبتعدُ عن كلّ شخصٍ وذلك لأنهُ قام بهذا العمل السيء أو ذاك لظللنا متحجّرين في ثقافاتنا .. ولم نكن لنأخذ من التكنولوجيا شيئاً لأنّ صناعها كانوا عصاة ً ولواطيين ومخمورين ..

هل تعرف سامويل مورس؟ سامويل مورس هو من اخترع التلجراف الذي تتبادل بهِ الدول البرقيات وتتبادل به الحكومات والمخابرات الرسائل المهمّة ..

سامويل مورس هذا كان قبلَ أن يدخل مختبره يتناول قنينة كاملة من البيرة ثمّ يبدأ في العمل على جهازه الذي خرج بهِ إلى العالم وهو التلجراف .. ودعوني أقول شيئاً .. لو كنّا نحاسبُ سامويل مورس فلماذا أخذنا منه هذه التكنولوجيا؟ هل يجيز الاسلام الأخذ بالتكنولوجيا من سكّير وعاصٍ كسامويل مورس؟

وتعرف ليوناردو دافنشي؟ قد تظنّ أنه رسّام وستقول أنّ الإسلام يحرّم الفنّ وأنّه مضيعة للوقت لكن دعني أقولُ لكَ شيئاً .. كان دافنشي من أبرع المهندسين المعماريين الذي عرفتهم البشريّة .. وقد وضع الكثير من القواعد في فنّ الهندسة المعماريّة .. واستحدثَ من المحاور ما لم يسبقهُ إليه مهندسٌ معماريّ وقد أصبحت تصاميمه الهندسيَة لاحقاً أساساً لعوالم جديدة في الهندسة المعماريّة ليست في أوروبا فحسب بل في العالم الإسلاميّ .. دعني أقول لك شيئاً .. لقد كان دافنشي لواطياً .. وكان يقود مقاومة سريّة لمنح اللواطيين حقوقاً مدنيّة في مجتمعه .. هل سيعني أن هذا الرجل الغارق في هذه الحياة الـ (.....) أننا لن نتعامل معه؟ لن نترجم أعماله؟ لن نأخذ بالجيّد منها؟

ألن نكتبَ عن دافنشي لأنه لواطيّ؟ ولن نكتب عن لورنس العرب لأنه كان متحرّشا بالأطفال؟ ما علاقة حياة الشخص نفسه بنتاجهِ العلميّ أو الأدبيّ؟ ما علاقة حياة ايمي واينهاوس المظلمَة بنتاجها الأدبيّ وقصائدها؟

أن تحبّ الله ليسَ في أن تكتبَ عن الدين فقط ، وعن القرآن .. وليسَ أن تمسك آية وتفسّرها أو تحلّلها ..

أن تحبّ الله لا يعني أن تجوبَ البيوت داعياً الشباب متوعّدا إيّاه بالمصير الأليم لمن يسمع الأغاني ومن يشاهد الأفلام؟ لا ..

أنا أحبّ الله وأقرأ القرآن وعلاقتي بهِ خاصة ٌ جداً لا يعرفها كلانا .. وهذا لا يمنعني أن أقرأ الأدب الأميركي وغيره وأترجمه ..

ربّما كان سيكُون أجمل لو قلت لي .. (تعرفين يا أختي؟ لقد أعجبت كثيراً بموضوعك الفلاني في المدونة وأقترح عليك أن تكتبي عن كذا وكذا؟ ، قرأتُ ما كتبتِ عن اليابان ومنَ الجيّد أن تكتبي مقالاً عن دعم الاسلام للاختراع العلميّ ) .. كنت سأجدهُ ألطف منك لو قلتَ ( أختي ذكرتِ عن حياة ايمي واينهاوس الغارقة في المخدرات والكحول ، سيكُون جيّدا لو تكتبين مقالا عن هذا الأمر بطريقة خفيفة يتقبلها الشباب ) .. كنت سأجده أجمل .. لو اقترحت عليّ ولو أرشدتني دونَ أن تجرحني ودونَ أن أتأذّى !

وتعرف؟ إن كنتُ أسمع الأغاني وإن كنتُ أترجم قصائد لشعرَاء "كفّار" فهذا لا يعني أننا سيئون للغاية ! وأننا لا نحبّ الله بطريقة أو بأخرى .. وأن الآخر الذي لا يسمعُ الأغاني هوَ أفضل منّا .. وسيدخلُ الجنّة وندخلُ نحنُ النّار

دعني أحكي لك حكاية .. حدثت في إحدى الشركات التي عملتُ بها هذا الصّيف .. حينَ أذّن الظهر ، ذهبنا للصلاة .. وبينما كنتُ أغادر نادى أحد زملائنا .. انتظروني ! سأنهي تصليح هذه الآلة ونذهب للصلاة معاً .. اقتربَ مني أحدهم وقال لي .. أوين يريد يصلي وأنا من كم يوم شايفنه بزجاجة الويسكي !

الحقيقة أني امتعضتُ منه .. قلتُ له يا أخي .. وما دخلكَ أنت بينهُ وبين ربّه؟ أيّهما أفضل؟ يشرب الخمر ولا يصلي أم يشرب الخمر ويصلي؟ هل يعني شربهُ الخمر أنه محرمٌ عليه الصلاة وأنه شخصٌ سيء لا يتقبلُ الله أجراً منه؟

قلتُ له ربّما كان هذا الانسان في سريرته أصفى منّا جميعنا ولربّما كان قلبهُ أبيض من جميعنا .. فبلاش يا أخي تشتغل محامي عن الله .. الله لا يحتاج أحداً كي يخبرهُ إن كانَ يحقّ لهذا الرجل أن يصلي أو لا ! ولا أحدَ يمنعُ عاصياً مهما بلغتْ خطاياه أن يدخلَ بيتَ الله ..

انتهتِ القصّة

تعرفُ يا أخي ما هي مشكلتنا؟

أننا لا نعرفُ كم جميلٌ هو الله .. نحنُ لا نعرفُ عن الله أكثر من الجانب المرعب ، العقاب ، النار ، جهنّم ، عذاب القبر .. حتّى أنّ لفظة الله أصبحت مقترنة ً لدى الجميع بالعقاب.. أصبحَ الله مصدر رعب أكثر منهُ مصدر رحمَة .. اللهُ الذي نعرفُ عنه آيات العذاب هوَ نفسهُ الذي غفرَ للحظةٍ واحدَة كلّ ما عصَاهُ عبدٌ سبعينَ ألف سنَة ..

الله يا أخي يقولُ :

))إذا همّ عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة فإن هو عملها كتبتها له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه فإن عملها كتبتها سيئة واحدة ((

ويقولُ : (( إذا تقرب إلي عبدي شبرا تقربت إليه ذراعا وإذا تقرب إلَي ذراعا تقربت إليه باعا وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة))

اللهُ الذي نعرفهُ بالعقاب .. هوَ نفسهُ من يقولُ .. ((يا ابن أدم ، لو أتيتني بملء الأرض خطايا أتيتك بملء الأرض مغفرة ما لم تشرك بي شيئاً , و لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني , غفرتُ لك))

إن كنتم تجدوننا عصاة ً فادعوا لنا .. وإن كنتُم تروننا ضالين فارفعُوا أيديكم بالهداية لنا .. وإن كنتُم لا تحبُون ما نكتبُ فلا تقرؤوا لنا .. فقط دعونا لا نختلفُ أنّنا لسنَا سيئين تماماً .. وأنتُم لستُم خيّرين تماماً ! وأنّ لكلٍ منا طريقته في الدعوة وإن اختلفَ الأسلوب والمنطق ..

الآن .. دعني أقتبسُ لك إجابة ً أجبتها على أحد الاخوة الذي سألني لأيّ مذهبٍ فكريّ أنتمي في حوارٍ لي بالسبلة العمانيّة .. وربما قد يروقك ردّي أو لا .. لكن من الجيّد أن تقرأه ..

وصدّقني .. لكلٍ منا طريقته في أن يحبّ الله .. وأن يدعو ربّه وأن يتهجّد في رمضان ويجتمع في حلقات الذّكر .. لكنه لا يكتب ذلك في مدوّنته .. فلنا طرقنا في أن نحبّ الله .. وهي ليستْ بالضرورة أن تكون بالطريقة التي تؤمن بها يا أخي العزيز ..

مودّتي لك .. ورمضان مبارك وطيّب لجميع الاخوة المسلمين وعسى أن يمنّ بالهدَاية للجميع .. :)

بي صفَة لا أعرف أهي جيّدة أم لا .. فأنا من الممكنِ أن أستمتعَ بقرَاءة مؤلّف في مذهبٍ فكريٍ معيّن ثمّ تجدني في اليَوم التالي أقرأ في كتابٍ للمذهَب المعاكسِ له .. وأستمتعُ بهِ تماماً كاستمتاعيْ بسابقهِ ..
مثلاً قبلَ شهرين قرأتُ دستور الوحدَة الثقافيّة للمسلمين للشيخ محمّد الغزالي ( يباع في دَار الشّروق ) .. ورغمَ أنّ لديّ مآخذ على محمّد الغزالي وبعضِ أفكارهِ إلا أني أجدُ كتابهُ هذا ممتعاً للغاية .. بعدها بيومينِ كنتُ أقرأ كتاب الحقيقَة الغائبَة لفرج فودَة وقد استمتعتُ بهِ رغمَ ما بين الرجلين من فجوَة عظيمَة وتراشُق فكريّ ..
مررتُ بمراحلَ كثيرَة في حياتي وقرَاءات مختلفَة حاولتُ فيها أن أحبّ مذهباً معيّناً .. أن أؤمنَ بكلّ ما فيهِ ، وأن أحبّ أقلامهُ .. أناسهُ .. كتبهُ .. أفكارهُ .. فلم أستطع .. أن تؤمنَ بمذهبٍ فكريٍ معيّن .. يعني أن تؤمنَ بهِ طريقة ً للحيَاة .. وقد وجدتُ جميعها بكلّ تناقضاتها تحملُ من الصّحة والخطأ .. وتحملُ من الصّواب ما تحملُ من الخطأ .. وقد آمنتُ حينها بأنْ أحبّ ما أؤمنُ بهِ .. وألا أحبّ ما لا أؤمنُ به .. لقد آمنتُ أن هذهِ المذاهب صحيحة ٌ بشكلٍ ما وخاطئة ٌ بشكلٍ آخر .. فأنا لا يمكنُ أن أعشقَ كلّ مؤلفٍ يخرجُ من لدنِ شيوعيّ ، ولا أن أعشقَ كلّ ما كتبهُ فرج فودَة نفسه أو كلّ ما كتبهُ محمّد الغزالي ..
اليَوم .. ثمّة مشكلَة ضخمَة نعانيها هيَ رغبَة كلّ مذهبٍ فكريّ في تهميش الآخر بأيّ شكلٍ وبأيّ طريقَة .. سوَاءً كانت أخلاقيّة أو غير أخلاقيّة ..
نحنُ نعاني اليَوم من غيَاب الموضوعيّة في حوَار المذاهب مع بعضهَا البعض .. اليَوم أصبحتْ الأصوليّة تمارسُ على الجانبين .. الإسلاميّة والعلمانيّة .. فمنَ المحزن أنّنا في عام 2009 نسمعُ رجالاتِ الدّين يفتُون فتاوى بإهدَار دم ووجوبِ قتلِ أصحاب الفضائيات التلفزيُونيّة الغنائيّة ، وآخرين يوجبُون جلدَ صحفيّة لأنها لبست "بنطالاً" !
فتاوى كهذهِ تعمّق حجم الفجوة بينَ العامّة ورجالات الدّين .. ورجالات الدين هؤلاء هم المسؤُولون عن زلزلة مكانة الدّين في قلوب الشّعوب الاسلاميّة وخلخلة مكانتهِ والنظرَة التقديسيّة له .. اليَوم أصبحَ كثيرون ينظرون بعينِ السخريّة لعلماء الدّين وانحدرت مكانتهُم بسبب هذه الفتاوى التي لم تفعل أكثر من إثَارة الضّحك والاستهزاء والانتقاص بأسماء أعلام الدّين ..
في الجانب الآخر هنالك أصوليّة جديدَة تمارس تجاه الدّين ويمارسها هؤلاء الداعُون إلى الحريّة والتحرر من القيم الاسلاميّة المنغلقة .. إنّ نظرة ً سريعَة في مدوّنات الشباب في الانترنت ..العُمانيين تحديداً وغيرهم .. تقودك إلى حجم العداء الذي تحرّض إليه هذهِ المدوّنات تجاه رجال الدّين وفتاويهم وتجاهَ الملتحين أو "المطاوعة" كما تجري التسميَة .. اعتدتُ دائما ً متابعَة مدوّنات شبابٍ خليجيين ووجدتُ أنّهم يتفنّنون في إكالَة السخريّة والشتائم والانتقاص من كلّ صاحب عمامة ولحيَة ، بطريقَة متطرّفة جداً ..
هؤلاء الشباب هم نتاج هذا التصادم الفكريّ بين الدينيين واللادينيين .. اليَوم ثمّة احترام مفقود بين الجانبين .. مردّه إلى غياب الموضوعيّة بين المذاهب الفكريّة المتناقضَة هذهِ ..
اليَوم هل يوجَد ملتحٍ أو صاحب عمامَة لم يتعرّض بشكلٍ أو بآخر من عنصريّة تجاهه؟
واليَوم هل توجَد فتاة "تحفّ حواجبها" لم تتعرّض للتنمّر بشكلٍ أو بآخر حولَ حفّ حواجبها؟ وهل يوجَد رجلٌ يسبلُ دشداشته ُ لم يمرّ طوال فترات حياتهِ بتعليقات جارحة؟

الإشكاليّة لدينا في غياب الحوَار الهادئ بين الطرفين
..
سأقولُ لك أمراً ..
هنا في الصّحراء قابلتُ شاباً ملتحٍ .. وقد تطيّرت حينَ رؤيتهِ لأنّ تجربتي ليسَت جميلة غالباً مع الملتحين وهي نظرَة وجدتُ أنها عامّة بين كلّ من رأى هذا الشابّ للمرَة الأولى ..
هذا الشابّ لاحقاً أصبح مثار إعجاب الجميع .. وفي كثيرٍ من الأحيانِ كنت أمرّ عليه وحولهُ يتحلّق مجموعة من الشباب .. بعضهُم يدخّن وآخر يشيّش وبعضهم ملتحٍ وآخر بدون لحيَة .. من كلّ خلفياتهم الدينيّة يجتمعُون حوله .. يتبادل المزاح معهم والنّكات .. هذا الشابّ ينشد "الراب" و"الروك" وأغاني السول الانجليزيّة بطريقة رائعة جداً ، أناشيد تحثّ على الصلاة والزّكاة وبرّ الوالدين وتقدير الزوجة.. وهوَ ينشد الراب والروك دون موسيقا وبطريقَة رائعة جداً .. وكنا حين نجلس معه لا نشعرُ بالوقت وهو ينشد أنشودة تلو أخرى .. ويدفعنا للضّحك المتواصل .. هذا الشاب ترك انطباعاً أكثر من رائع لدَى هؤلاء
هذا الشاب مثال على الإسلام الحقيقيّ الذي يجمع هؤلاء الشباب الذينَ لا يمضُون يومهم دون أن يتجرعُوا كأساً أو اثنين من النبيذ ولكنهم في نفس الوقت استأنسوا بهذا الشاب .. هذا الشاب الذي يجلس مع هؤلاء هو نفسهُ الذي يؤم أصحابه في الصلاة بمجرّد أن يصدح الآذان وهو نفسهُ الذي حينَ حاول أحد الشباب دفع هاتفه إليه حيث تظهر فتيات يرقصن على أنغام موسيقا أجنبية دفع الهاتف بهدوء وبابتسامة إلى صاحبهِ وقال : ( لا حاجة لي لرؤية هذا الفيديو) ..
هذا الشابّ برأيي أعظم أثراً وأعمق دعوة ً من عشراتِ المفتين الذينَ لا يتوقفُون عن إضحاك العالم علينا بفتاوى الرّضاع وغيرها ، إنّه يقدر الجميع وفي نفس الوقت يحافظُ على ثوابتهِ ومبادئهِ
اليَوم حتى لا يوجد لدينا احترام لرجالات دين المذاهب المختلفة .. ففيما كنتُ أناقشُ أحدهم حولَ أنني مع إجهاض المغتصبَة لطفلها قبل 40 يوماً لأسبابٍ كثيرَة أوضحتها لهُ وفي معرضِ الحديثِ وقلتُ له أنّ القرضاوي أجاز ذلك .. فما كان منهُ سوى أن بدأ بإكالة الشتائم للقرضاوي والكبيسي وآخرين
!
الحوَار نفسهُ فتحتهُ مع شخصٍ آخر تحدّث معي وناقشني بأريحيّة شديدَة وهو من معارضي إجهاض المغتصبَة .. لكنّ مرونته في الحوار شجّعتني على مواصلة الحديث معهُ دونَ أن نلجأ للغَة اللعن ..
وقد أصبتُ بصدمَة من بذاءة لسانهِ على رجال الدّين هؤلاء .. وبغضّ النظر عن توافقنا مع مذاهب هؤلاء لكنّ من أحطّ المواقف أنْ نبدأ في سبّ رجال الدين حتى وإن كنّا نختلف معهُم في مسائل معيّنة ..
نحنُ اليوم غير قادرين على فتحِ أيّ حوارٍ يخصّ أسماء معيّنة لأننا حينها "ٍسنطبخُ بلا ملح" .. غير قادرين أن نتحاور معَ الآخر دون إدخال عبارات الوعيد والتهديد والعقاب والنّار !
ربّما هي المرة الأولى التي أقولها ولكنني لا أجدني أيضاً أتوافق مع كلّ المسائل الفقهيّة الخاصة بالاباضيّة .. المذهب الديني الذي أنتمي .. فأنا أرتاح أحياناً لفتاوى في المذهب السنيّ ولا أجدها في المذهب الاباضيّ .. وأجد في المذهب الاباضيّ ما لا أجد في المذهب السنيّ بفروعهِ المختلفة ..
والإشكاليّة التي تحدث حالياً أننا نتبع كلّ مذهبٍ بكلّ ما فيه دونَ أن نعمل عقولنا .. ونتقبّل أيّ فتوى تخصّ المذهب الذي ننتمي إليه ونرفضُ ما سوَاه ..
ونحنُ حينَ نتبعُ مذهباً فإننا نتبع كلّ ما يفتيهِ أشخاصٌ معيّنون .. فأتباعُ مذهب القرضاويّ يؤمنُون بكلّ ما يفتي به القرضاوي ويرفضونَ غيره .. ومن يتبعُون مذهب الشيخ الخليلي يؤمنُون بكلّ ما يفتيهِ ويرفضُون غيره ..
هذا التصلّب في التعامل مع المذاهب بعضها وبعضها وتحوّلنا من تبعيّة العقل والمنطق إلى تبعيّة الأسمَاء والعناوين خلقت تياراتٍ حتى داخل المذهب الواحد وهذا ما أدّى إلى هذه الأزمَة التي نعيشها حالياً في عُمان فيمَا يخصّ العقلانيين وما أثارهُ كتاب العقل من جدَل .. نحنُ اليَوم ندفعُ ثمَن غيَاب المرونَة في الحوَار ونفقدُ عقولنا إن خطّأنا أحدهم أو حاولَ شخصٌ ما أن يبيّن عدم صوَاب فكرَةٍ خرجت من شخصيّة دينيّة نقدّرها ونؤمن بها !
نحنُ اليَوم بطريقة أو بأخرى نتحوّل من عبَادة الدين إلى عبَادة رجالات الدين .. وعبادة الأسمَاء وهو أمرٌ مقلقٌ للغاية

..