الخميس، 29 نوفمبر 2012

منْ سمائل إلى الرّستاق! هذا ما فعلتهُ التكنولوجيا بالشّعب العُمانيّ


عائشة السيفيّ


من سمائل إلى الرستاق فمن سيكونُ عليه الدورُ بعد ذلك؟ هكذا تحولنا .. أو لربّما حولتنا التكنولوجيا الهاتفية إلى شعبٍ متشفٍ ومستهزئ للغاية يبحثُ عن أيّ خطأٍ هنا وهناك ليصنعَ منهُ "مهرجان نكات وسخريّة" ينتشرُ أسرع من الضّوء في أجهزتنا الهاتفية.

تحوّلنا فجأةً إلى ملائكة أو لربّما إلى قضاة الله في الأرض نسخّر طاقاتنا ومهاراتنا في الفوتوشوب ومهاراتنا في التأليف وكتابة النكات إلى السخرية من الآخرين والتشفي منهم .. آخرون أخطأوا ربّما لكن هل يستحقون حالة الاستنفار الشعبي التي حلّت عليهم! وكأننا شعبٌ غير خطاء .. بدأنا بسمائل مع فريق فتيات "يقدن سياكل" وقعن ضحيّة نادٍ يرغب في استعراض عضلاته بمدى التطور والانفتاح الذي أولوه للمرأة فأنشأوا فريقا نسائيا للدراجات الهوائية ولم يعرفوا أن لعنة التكنولوجيا ستحل عليهم ويتحول موضوع هامشي في صفحة جريدة إلى قضية رأي عام تثور لأجلها ثائرة أهل سمائل بعد أن "هبّ الشعب العماني" هبة "أسد" عليهم للسخرية منهم ومن نسائهم!

واعتبروا الأمر يمسّ أعراضهم فتظاهروا لإغلاق الفريق الذي أغلق بالفعل في غضون "ساعات" !

من جديد والدور وصلَ هذهِ المرّة على الرستاق حينَ هبّ الشعبُ من جديد على أحد مترشحي المجلس البلدي بالرستاق .. وفجأة تحوّل شعارهُ إلى "مصدر إلهام" لشبابنا المبدع في استخدام الفوتوشوب فرسموا الطائرات تحلق فوق قلعة الرستاق وبجانبها سكة قطار .. وانطلقت النكات يميناً وشمالاً عليهم وكأنّ كل قضايا البلد انتهت وتوقفت عند أبونا الشيبة الذي وعد بالمطالبة بمطار وسكة قطار!

العتب ليسَ على هذا الرجل المسكين ولكن على حكُومة تمرّر مترشحين دونَ أن تسألهم ولو في مقابلة "خمس دقائق" عن المتوقع والمأمول منهم في دورهم بالمجلس البلدي أو إقامة ورشة عمل لنصف يوم لهم لتوعيتهم بمهامهم القادمة. أبونا الشيبة يبدو أنه لا يعرف في قامُوسه مصطلحاً اسمهُ "التخطيط" ليطالب بإنشاء مطار يتنقل الناس عبره من بيت لبيت لحمايتهم من الحوادث أو قطار يمر من بيت بيت وحارة حارة وزنقة زنقة ليخفف من حوادث السير. لكن من يلوم الرجل؟!!!

هذا الرجل من جيل لم يعرف يوماً ما معنى كلمة المطالبة؟! وهل عرفناها يوماً قبلَ اعتصامات فبراير ٢٠١١؟

فإن كانَ هذا الرجل في المجلس البلدي، فهل عرفنا المطالبة في مجلس شورى "صُوريّ" .. طالبَ أحدُ ممثلينا فيه يوماً متهكّماً بتوفير "بحر"!! "عساه" يحلّ مشكلة ارتفاع أسعار الأسماك!

لماذا ألومُ الرّجل وأنا أتذكّر حتى اليوم حينَ كتبَ أحد شبابنا "المتعلم" في الفيسبوك مطالباً بغلق كل مشاريع البنية التحتية في البلد بما فيها مشروع الدقم الذي بلغ المليار وتوزيع المبالغ المرصودة للمشاريع على الشعب العماني وتوافدت الردود الموافقة على رأيه!

إيقاف مشاريع البلاد وتوزيع مبالغها على الشعب! نعم هكذا ما فكر به أحد الشباب .. فلماذا نسخرُ من رجلٍ ستينيّ طالب بمطار وسكّة قطار؟!!

دعُوا الرجلَ يقدم ما يشاء من الرؤى فالرأي أولاً وأخيراً للناخب فهو لن يكونَ أسوأ من مرشّح للشورى في إحدى ولايات المنطقة الداخلية ، سئِل "قبلَ يومٍ من إعلان النتائج" عن برنامجه الانتخابيّ .. فلم يعرف الرجلُ ما معنى "برنامج انتخابيّ" .. وبالمناسبة فاز الرجل في آخر دورة للشورى بأعلى نسبة أصوات في مدينته!

فإن كانَت القبليّة والفساد والتحيز صعدت برجل يجهل ما هو البرنامج الانتخابيّ؟! فهل سيكون أبونا الشيبة المترشح للمجلس البلدي أسوأ من المثال سالف الذكر؟

أتساءل فقط إلى أي مدى أصبحت هذه القضايا الهامشية تهمنا ونحنُ لم نحل مشاكل الفساد الذي ينخر البلد .. الرشاوى التي أصبح الشعبُ مشتركاً فيها فهوَ إمّا راشٍ وإمّا مرتشٍ ..

نذهبُ لاستخلاص معاملة بسيطة ويطالبنا الموظف الحكومي بعمولة .. نعم! الرشوة أصبحت هذهِ الأيّام في بلادنا اسمها "عمولة" ..

قضايا اغتصاب الأطفال التي أصبحنا نتناقلها في الوتسأب .. وظاهرة اللواط التي انتشرت كالسرطان بين شبابنا .. ولكننا لم ننفعل لها ولم نشعر بخطرها وإنّما أصبحنا نتعامل معها بشكلٍ عاديّ حتّى سمّينا الشواذ "دلّوعين" نتناقل نكات "دلعهم" فيما بيننا بالفم المليان..

انشغلنا عن الجرائم التي أصبحت قصصها تتنوع في هواتفنا واغتصاب الأراضي .. وقضايا الحريات والتعبير عن الرأي انتهت .. وأصبحنا ننشغل ونسخّر كل طاقاتنا الابداعية للحديث عن فرق نسائية للسياكل.

تحوّلنا بين ليلة وضحاها إلى "جلاّدين" نتفنن في السخرية والتقاط أخطاء الآخرين وكأننا نعيش في عالم "يوتوبيا" مثالية .. وكأننا "مثاليون" منزّهون عن الخطأ خالينَ من العُقد!

توقّفوا عن جلد الآخرين .. فربّما تكونونَ أنتم من عليه الدور لاحقاً .. انصرفُوا إلى هذا الوطن ومشاكله الحقيقيّة. انصرفُوا إلى رمال بوشر التي استيقظت حميتنَا عليها لكنّ القضية أغلقت دون محاسبة أحد ودونَ مسائلته. انصرفُوا إلى هذا الوطن الذي تحوّل الاعتصامُ فيهِ إلى "تجَمهر" .. والتعبير عن الرأي إلى "حريّة مسؤولة". انصرفُوا إلى هذا الوطن الذي لا تسهمُون في دخله بأكثر من 16%.

عودوا إلى أماكنكم الحقيقيّة وانصرفُوا إلى أعمالكم . شعبٌ لا يهمهُ إلا النكتة والضحك لن يؤخذ يوماً على محمل الجدّ ، هكذا قالت لي صديقتي المصريّة التي قلت لها أتمنى أن يعامَل المصريّ بجديّة بعد الثورة فردّت عليّ أن أحداً لن يُغيّر نظرتهُ للمصريين فشعبٌ يحوّل كل شيءٍ إلى نكتة ومادّة للضحك لن يأخذه أحدٌ على محمل الجديّة.

فهل أصبحنا كذلك؟ بدأنا بسمائل ووصلنا للرستاق فتوقفوا هناك. ثمّة هموم وطن أكبر نحتاجُ لحملها على أكتافنا ودروس أعمق نتعلمها وثمّة مشروع وطني كبير اسمهُ انتخابات المجلس البلدي اقرؤوه بعمق ولا تنصرفُوا إلى القشور فلن يسامحنا التاريخ إذا كررنا نفس أخطاء مجلس الشورى. لا تسمحُوا للمتسلقين والجهلة بالاستحواذ على كراسيه وكفُوا عن السخرية فلربما هذا الذي تسخرُون منه يصعد إلى المجلس البلدي دونَ أن يستطيع أحدٌ منكم الاعتراض كما صعدَ سابقاً من هم أسوأ منه ومثلُونا لدوراتٍ متتابعة في مجلس الشّورى دونَ أن نحرّك ساكناً!