الثلاثاء، 29 مايو 2012

ماري انطوانيت لا تريدُ أن تعرفَ أينَ الخبز في عُمان!






لا تذكرُ الثورة الفرنسيّة في التاريخ إلا وتذكر ماري انطوانيت التي تناول سيرتَها مؤرخُو العالم .. ولم تحدث ثورة بعدَ الثورة الفرنسية في العالم إلا ذُكِرَتِ الثورة الفرنسية كمثال على تحقق قيم "الإخاء والعدالة" التيْ نجحتْ تلك الثورة في تحقيقها ..
ولم تخلُ الثورات العربيّة من استحضَار رمُوز هذهِ الثورة وأبرزها ماري انطوانيت .. التيْ جسّدت شخصيّة عدوّ الثورة .. والديكتَاتورة التيْ كانت غارقة في ملذّاتها وحفلاتها ومقامرَاتها في الوقت الذي كانَت المجاعة تجتاحُ فرنسا ..
والعبارَة الشهيرة التيْ نسبتْ لماري انطوانيت حينَ وقفت من على شرفات قصرِ فرساي والجماهِير الفرنسية تنادي "نريدُ الخبز ، نريدُ الخبز"  وسألت كبير خدمها قائلة ً: لماذا يريدُ الناسُ خبزاً؟ فأجابها: لأنهم لا يستطيعُون شراءه أيها الملكة! فردّت عليه بقمّة اللامبالاة والجهل: "إذا لم يجدوا خبزاً دعهم يأكلون الكعك"! ..
الكثير من المؤرخين لاحقاً أشاروا إلى أنّ هذهِ العبارة غير حقيقيّة وأنّ القصّة مفبركة وذلك لأنّ الملكة حينَ كانَت الجماهير تزحف إلى قصر فيرساي .. كانت قد حمَلت متاعها هي وعائلتها وهربت إلى قصر تويلري بعيداً عن اضطرابات الجماهير الغاضبة ..
لكنّ الجدل حولَ هذهِ القصّة لم يخفف يوماً من حماس الجماهير الغاضبة في العالم أجمع من استحضار هذهِ العبارة التيْ كانت دائماً تضرب في انفصال المسؤول والحاكم عن واقع الشّعب وجهلهِ التّام بما يدور في شوارعِ العامّة وأحاديثهم ..
الجهل الذي أبدتهُ ماري انطوانيت بواقع رجلِ الشارع الفرنسيّ ، كانَ حاضراً في صورٍ وأشكالٍ مختلفة فالأحاديث لم تخفت بعدُ حول فواتير الشراء الباهظة التيْ أنفقتها زوجَة الرئيس بشّار الأسد في شراء التحف الثمينة من متاجر بريطانيا في الوقتِ التيْ كانتِ الدبابات تجتاحُ شوارع درعا وآلاف العائلات السوريّة تنزح إلى الحدود التركيّة طلباً للمعونة والمساعدة .. والقصص حول اللحظات الأخيرة لهربِ زين العابدين من تونس والكنوز التي حملتهَا زوجتهُ معها أثناء استقلالهما الطائرة إلى السعوديّة لا تزال مستعرة .. "كراتين" من الأوراق النقديّة .. وَ"حمولات" من الذهب والمجوهرات التي لم تتسعْ لها الطائرة .. ومتاع "امبراطُوري" ضخم لم تتوقفِ الروايات عن سردهِ ..
هذهِ نماذج عربيّة بسيطة جداً من ماري انطوانيت الفرنسيّة .. في الخليج حيثُ نشطت التكنولوجيا وساهمَت في اطلاعنا على الجانبِ الآخر من المجتمع الخليجي "المترف" ، الكثير من التسريبات هنا وهناك .. تسريبات عن "حمّالة صدر" قيمتها أكثر من 100ألف ريال عُماني لأميرة خليجيّة .. وعن سيّارة مرسيدس صنعتْ خصيصاً لأمير خليجي وزيّنت من الداخل بالذهبِ الخالص بمليون ريالٍ ونصف ..
وعن إعلان مطعم كافالي في دُبيّ عن ثريّ سعوديٍ اشترى زجاجة شمبانيا قيمتها 52ألف ريال عُماني اجترعها أثناء عشاءٍ تناولهُ مع رفاقه ..
الناسُ تتداولُ هذهِ القصص أحياناً بالسخريَة وأحياناً بالغضب غير أنّ قصصاً كهذهِ توضحُ لنا ما يدورُ في "العالم العلويّ" الذي أغرقت فيه ماري انطوانيت نفسها لتنعزلَ عن معاناةِ الشعب بلْ وتتمادَى في عنادها لعلّ أبرز القصص التيْ تصوّر عجرفتها حينَ أتى إليها الكونت دي ميرباو ليخبرها أنّ الشعب بدأ يتداولُ قصص حفلاتها الفاخرة وإنفاقها المسرف بالسخط فما كانَ منها إلا أن قادتهُ لحمامٍ كان يصنعهُ لها آنذاك أشهرُ نحّاتي ومجوهراتيي باريس لتسأله: ما رأيكَ بهذا الحمّام يا كونت؟! هل يوجدُ مثلهُ في أوروبا؟
ولا غروَ أنّ ماري انطوانيت تحدّثت بتلك الصورة إذ أنّه بعد مرورِ أكثر من قرنين على الثورة الفرنسيّة إلا أنّ مجوهراتها وأطقمها الثمينة لا تزال تعرضُ في متاحف العالم أجمع .. ولا تزال مقتنياتها ملك كثيرٍ من أثرياء العالم ومن أحفاد وصفائها ووصيفاتها اللاتي أغدقت عليهنّ بالحلي والمجوهرات الثمينة..
أنا نفسي .. ورغم كوني من الطبقة المتوسطة البعيدَة تماماً عن بذخ الأسر الثريّة جداً في عمان تذكّرتُ ماري انطوانيت في كثيرٍ من الأحيان لمصادفتِي نماذجَ تشبهها .. لأنّ ماري انطوانيت حينَ أطلقت عبارتها عن الكعك لم تكنْ تعبّر فقط عن تعاليها وجهلها بل كانتْ تعبّر عن ضيق رؤيتها وقصُور حلولها لمشاكلَ عميقة يعانيها الشعب .. عبارتها كانت تعبّرُ عن الجدار الاسمنتيّ الذي أحاطت نفسهَا بهِ فمنعها عن إدراك مشاكل الشعب ..
لقد تذكرتُ ماري انطوانيت وأنا أستمعُ لمقابلة تلفزيونية كانَ يتحدث فيها عضوُ مجلسٍ شورى بطريقة عجيبَة للغاية عن لجوء الناس للتسوّل والشحاتة في عُمان قائلاً للمذيعة: نحن والحمدلله الأوضاع طيبة واجد عندنا .. ومستوى المعيشة تحسّن والرواتب ارتفعت! لقد شعرتُ حينها ب"الغيظ" من حديث سعادة العضو وفكّرت في كيفيّة وضع حلول حقيقية لأزماتنا إن كان هذا حديثُ ممثلينا الذينَ انتخبناهم!!
شعرتُ بـ"الغيظ" وأنا أستمعُ للمسؤول الذي كانَ يحدّثني عن "حمّامهِ" المطليّ بالذّهب .. وبالغيظ وأنا أستمعُ لزميلتي التي تحدّثني عن بيت "المسؤول" الذي طلبَ أن تصمّم له في بيته الجديد "نافورة" تنزل من الطابق الثالث لطابقه الأرضيّ ..
شعرتُ بالحرقة أكثر .. حينَ قابلتُ عضو مجلس شورى سابق في اجتماع عملٍ كانَ يريدُ العضو "المليونير" أن نصمّم له مرسى ليخوتهِ مع شريكه رجلِ الأعمال السعوديّ .. لقائي بالعضو السّابق كانَ قصيراً جداً ولكنّه حمل في طيّاته "فكراً متعجرفاً" وَ"لغة أنانيّة ووقحة" حينَ استطردَ في الحديثِ عن سيّارته التي صنعَتْ خصيصاً له في ألمانيا .. وعن رقمهَا المميّز .. حينَ استطرد في الحديث بشكلٍ سيء عن عُمان وحكومتها وأغدق المديح والثناء على "أولاد زايد وَمشاريعهم ورؤيتهم الاقتصاديّة" .. ذكّرني بماري انطوانيت وهو يوجّه ب"اصبعه" إلى نعالهِ قائلاً: راتب الجندي العمانيّ ما يسوى قيمَة نعالي!
نعم .. كنتُ مضطرّة لسماعه وأنا أفكّر كيفَ أننا ساهمنا كمواطنينَ –باستلام رشوةٍ أو تعصبٍ قبليّ- في صعُود "ماري انطوانيتات عمانيين" إلى واجهتنا الشعبيّة العمانيّة في مجلس الشورى لنتيح الفرصة لأمثال هؤلاء ليقرروا عنا مصير وطننا ..
قصُور النظرة وضيق الأفق والانعزال عن مشاكل الشعب وأهمها المكابرة والعجرفة.. أدّى بماري انطوانيت إلى المقصلة .. واليوم وبعدَ 200 عاماًً لا يزال الفرنسيّون يحتفلون بثورة الباستيل كعيدٍ وطنيّ لفرنسا .. فرنسا بعد الثّورة ..
قصّة ماري انطوانيت ينبغي أن تكونَ حاضرةً دائماً في أذهاننا لأننا نرى نماذج كثيرةً منها حولنا من المسؤولين وصنّاع القرار.. نماذج قد تكونُ أقلّ تعجرفاً من ماري أو أكثر .. وقد تكونُ أكثر ضيقاً في الأفق أو أقلّ لكنّها تعبّر دائماً عن أنّ المسؤول لن يقدّم أيّ حلٍ لمشاكلنا وقضايانا إذا لم ينزل إلى الشارع ويعرفها .. ولن يقدّم لنا حلولا حقيقيّة لأزماتنا إذا لم ينزل من برجهِ العاجيّ ويستمع إلى شعبهِ! ولابدّ أن يخرجَ الشّعب ليحتج ويعترضُ وهو يشاهدهُ يقدم على تصرّفات "مغيظة" وسياساتٍ باذخة ومسرفَة تضربُ بعرضِ الحائط المشاكل الماديّة التيْ تخنقُ الأسرَ العمانيّة .. إنهَا معادلَة أسهل بكثيرٍ من معادلة الخبز والكعك التي اقترحتها الملكة الفرنسيّة .. ولكنّ من الصعب على عقلياتٍ كثيرة لدينا استيعابها وقد حجبَ عنهم الجدار الاسمنتيّ معاناةَ الناسِ وهمومهم!

الاثنين، 7 مايو 2012

ساركُوزي .. محبُوب العرب! - Arab’s Got Sarkozy






إذن فقد أصبحَ فرانسوا هُولاند رئيساً لفرنسا لتعودَ الاشتراكيّة إلى قصر الاليزيه ويغادرَ اليمين المتطرف الذي حكمَ فرنسَا لما يزيدُ عن 15عاماً .. غادرَ ساركوزي الاليزيه وفي جعبَة التاريخ عنه الكثير .. ربّما إلى قعر ذاكرَة النسيان ليكونَ أول رئيسٍ فرنسي لا يفوز سوَى بفترة رئاسيّة واحدَة منذ أكثر من 30 سنة ..

ساركُوزي الذي فرضَ نفسهُ علينا كمسلمين للمرّة الأولى .. حينَ كانَ عرّاب قرار حظر الحجابِ في فرنسا مذ كانَ وزيراً للداخليّة وفرضَ نفسهُ أكثر وأكثر حينَ أصبح رئيساً يمينياً لفرنسَا مبدياً سياسات تحيّز واضحة مع اسرَائيل ومعاداة واضحَة للإسلام ما حدا بالجالية المسلمة إلى إعلان تأييدها المطلق لمنافسه هولاند في الانتخاباتِ الأخيرة ..

هولاند الذي صرّح أنّ من الأمور القليلَة التي يتفقُ فيها مع ساركُوزي هو قانون حظر الحجاب الذي من الوَاضح أن الجاليات المسلمة ستنتظرُ طويلاً وستجاهدُ طويلاً للحصُول على حقوقها الدينيّة "الأبسط" التي تدخلُ في نطاق الحريّة الشخصيّة التي يعتبرُ الحجابُ أحدها ..

غادرَ نيكُولا ساركُوزي .. حاملاً الكثير الكثيرَ من الألقاب .. ومن يتابعُ مسيرتهُ السياسيّة يكتشفُ عمق الديمقرَاطيّة التي وصلتْ إليها فرنسَا .. فرغم سياساتهِ التعسفيّة ظلّ ساركُوزي –بحياتهِ الشخصيّة- مدار حديثٍ متواصل في صحافَة فرنسَا والعالم .. لعلّ أوّلها أنّ الرجل ليسَ "فرنسياً أباً ولا جداً" .. فوالدهُ "مجريّ".. وأمّه "يونانيّة" كلاهمَا حصل لاحقاً على الجنسيّة الفرنسيّة .. وحينَ انتخبهُ الفرنسيُون رئيساً لفرنسا لم يكترث أحدث بفكرة كونهِ ابنَ "مجنّسين" .. هذهِ القوانينُ التيْ لا تجدُ طريقها إلا في أروقَة السياسَة العربيّة وليتَ الشعوبَ العربيّة استنفعتْ من قوَانين الرئيس موَاطن أباً عن جدّ .. طوال العقود الماضيّة من الحكم الديكتاتوريّ لرؤساء عرب "مواطنين أباً عن جدّ" لم تمنعهم مواطنتهم "الأصليّة" من إذلال شعوبهم واستبدَادها!
ولم تمضِ شهورٌ قليلة على تولي ساركُوزي الرئاسة حتّى خرج نبأ طلبِ زوجته سيسيليا الطلاقَ منه .. سيسيليا أوضحت لاحقاً أنّ فكرة كونها السيدَة الأولى والاضطلاع بالمهام الرسميّة بصفة زوجة الرئيس أمرٌ يصيبها بالملل .. وحينَ سمعتُ تعليقها شعرتُ بالضحك وأنا أفكّر كيفَ أنّ النساء في الوطن العربيّ يتباهين ويتهافتن ليصبحن زوجاتِ المسؤولين .. فما بالك بأن تكونَ زوجة الرئيس .. ولا عجبَ في ذلك ففي أوطاننا تعتبرُ زوجة الرّئيس .. "رئيسة" ! تأمر وتنهي .. تُطَاعُ ولا تطيع .. يقدّسها النّاس فتمشي على رؤوسهم ..
فأن تصبحَ –في وطننا العربيّ- زوجة الرئيس هو مبلغ السعَادة والجنّة الدنيوية للنساء العربيّات .. فيما في فرنسَا ، تطلّق المرأة زوجها لأنها "غير مهتمة" بأن تكونَ زوجة الرئيس ..

تغادرُ سيسيليا .. ويغرمُ ساركُوزي بعارضة أزياء إيطاليّة .. تدخل الايليزيه وتحضرُ المناسبات الرسميّة برفقته .. بصفتها ماذا؟ بصفتها "جيرل فريند الرئيس"! .. ساركُوزي كان الرئيس الفرنسيّ الوحيد الذي يدخل "جيرل فرينده" إلى الاليزيه وهو الرئيس الفرنسيّ الوحيد الذي أثار زوبعة ً في زياراتهِ الخارجية حولَ اصطحابهِ الجيرل الفيرند أو لا .. لعلّ أبرزها زيارته للهند والسعوديّة .. إذ لم يكن ضمن بروتوكولات الدولتين استقبال الرئيس "وجيرل فرينده" .. ولذا فلم تمض فترة حتى تزوّج ساركوزي بعارضة الأزياء التي كانت هديّة زواجها من الصحافة نشر صور "عارية" لها حين كانتَ في بدايات مشوارها الفنيّ .. أن تنشر صورٌ عارية ٌ على الملأ للسيّدة الأولى كان أمراً عادياً لدى الفرنسيين وكانَ عادياً جداً أن يكون ساركوزي "أول رئيسٍ فرنسي يطلق ويتزوّج" أثناء فترتهِ الرئاسيّة .. ثم دخلَ ساركوزي التاريخَ مجدداً حينَ أصبح "أول رئيسٍ فرنسيّ" تنجبُ زوجتهُ أثناء فترتهِ الرئاسيّة ..
الكثير من الألقاب حصدها ساركوزي .. ربّما ليست ألقاباً تثير الفخر كـ "كونهِ مثلاً أقصر رئيس فرنسيّ" .. ولكنها تضاف لسلسلة الألقاب التي تبرز حجم الديمقراطيّة التي تعيشها فرنسا .. فساركوزي أيضاً قد يكُون أيضاً الرئيس الفرنسيّ "الأكثر عبطاً" .. والأكثر تعرّضاً للضرب ..

نعم هوَ الرئيس الفرنسيّ الذي "انضربَ" أكثر من أيّ رئيسٍ آخر .. فقد ضربهُ طالبٌ فرنسيّ في الابتدائيّة بقنينَة ماء .. ثم ضربهُ مدرّس موسيقا في مناسبةٍ أخرى .. ثم صفعهُ  فرنسيٌ ثالثُ على وجهه بكعكةٍ  .. ضرباتٌ كثيرة وجهها الفرنسيُون لرئيسهم .. الفرنسيون الذينَ يضربُون رئيسهم دونَ أن "يتعفنوا في الحبوس" كما يحدث مع من يهين ولو بكلمة .. "فخامة الرئيس العربيّ الموقر" .. في بلداننا العربيّة فقط يُعامل المواطن "كارهابيّ" وَ"يتختخُ في السجن" لتجرّئه على فخامة الرئيس أو حتّى على أي مسؤولٍ آخر ..
طالبُ الابتدائيّة العربيّ لا يكادُ "يقفُ من طولهِ" حينَ يلتقيْ المسؤول العربيّ .. يكونُ قد حفظ "لمائة مرّة" ما سيقولهُ للمسؤول .. أمّا طالب الابتدائيّة الفرنسيّ فيجهّز قنينة ماء ليرميهَا على "رئيسه"!

انضربَ ساركوزي كثيراً من أبناء شعبه .. لكنه لم يرفع أيّ دعوى ضدّ أي أحدٍ ضربه .. كانَ كلما ضربهُ أحدهم واصل طريقه غير آبهٍ لما حدث .. هل من نسخةٍ عربيةٍ لهذهِ الديمقراطيّة الفرنسيّة؟
دولنا العربيّة التي يولدُ فيها الطفل ثمّ يصبح شاباً ثم يشيخُ والرئيس لم يتغيّر .. بينما في فرنسَا فإنّ أقصى فترة حكم يحكمها الرئيس هيَ عشر سنوَات .. في فرنسا لا تجد صورَة الرئيس "الجمهوريّ" معلقة خلف كلّ مكتبٍ حكوميّ .. لا يعبدُ الفرنسيون رئيسهم ولكنّهم يلقون عليه الكعك والبيض وقناني الماء ..

في فرنسا لم "يعشق" الفرنسيُون ولم يعبدُوا رئيساً للحد الذي يجتمعُ فيه البرلمان حينَ وفاة الرئيس –كما حدثَ مع حافظ الأسد- ويغيّروا الدستور الذي ينصّ على ألا يقلّ عمر الرئيس أثناء حكمهِ عن أربعين عاماً .. يجتمع البرلمان السوريّ ويسقط "10سنوَات" من عمر الرئيس .. يتغيّر الدستور ليصبح شرطُ الرئاسة ألا يقل الرئيس عن 30عاماً .. لماذا يجتمعُ البرلمان؟ لينصبُوا ابنَ الرئيسِ .. رئيساً .. بشّار الأسد طبيب الأسنان الذي كانَ عمرهُ آنذاك 30عاماً رئيساً لسوريا خلفاً لأبيه! يا لهذهِ النسخَة المشوّهة "للديمقرَاطيّة" العربيّة!
الرئيس الذي تتحوّل سلالتهُ إلى "سلالة رئاسيّة" فيحكم الأبُ "الجمهوريّة" ثمّ يحكم الابن! من أين نجدُ "جمهُوريّات ملكيّة" من هذا الطراز في فرنسَا!

 الرئيس الجمهُوريّ الذي يمسكُ ابنهُ وأخوهُ "قيادَة الجيش" في اليمن .. والرئيس الجمهوريّ الذي يمسكُ "أخوهُ" قيادة الجيش في سوريّا .. والرئيس الجمهوريّ الذي يتحوّل وأبناؤه وذريّته وقبيلتهُ إلى "قادة ثورَة" في ليبيا! .. نسخ الديمقرَاطيّة هذهِ "لا تُوجد في فرنسا" ..

كانَ ساركُوزي واحداً من أسوَأ حكام فرنسَا –خاصةً لنا نحنُ العرب والمسلمين- .. نحنُ العرب الذينَ استقبلَ ساركُوزي "ديكتاتوراتنا" في حفلاتهِ ومناسباته العسكريّة .. ساركُوزي الذي وقفَ موقفاً معيباً من الثورة التونسيّة والمصريّة اللتين كانَ ساركُوزي على علاقة "سمن وعسل" مع حسني وزين العابدين .. كانَ على علاقةٍ رائعة مع ديكتاتوراتِ العرب .. لكنّه احتفظ بديمقراطيّة فرنسَا لفرنسا ..
وحينَ واصلَ موقفهُ المعيب من ثورة ليبيا .. جاءَ "العقابُ" من أبناء بلدهِ حينَ صفعه معلّمٌ فرنسيّ بكعكة على وجهه قائلاً: هذهِ تذكار من المدنيين الذينَ يقتلونَ في ليبيا!
ورغمَ العلاقة الجميلَة التي ربطَت ساركُوزي بديكتاتُورات عرب .. إلا أنّ أريحيّته أثارت حنق أنظمةٍ عربيّة أخرى .. فقد أثارت طريقة جلوسهِ مع العاهل المغربيّ محمّد السادس جدلاً حين وضعَ ساقهُ على الأخرى .. دونَ أن يأبهَ بالعادات المغربيّة التي تقدّس العاهل المغربيّ لدرجَة صادمة .. فالمغاربَة الذينَ يعاملُون ملوكهم "من نسلِ النبيّ" بأبّهة تصل إلى التبرّك بأقدامهم وتقبيلها صدمُوا من أريحيّة هذا الفرنسيّ ..
والسعُوديُون الذينَ يتباهونَ بتقاليدِ "ضيافتهم المبالغِ بها" أدهشهم حينَ رفض ساركوزي تذوّق طبقٍ سعوديّ محليّ دعاهُ العاهلُ السعوديّ لتذوقه معهُ .. كانَ ساركُوزي ببساطة .. يتصرّف بحريّة وَ"ديمقرَاطيّة" في بلدانٍ لا تزالُ "الحريّة" مغيبةً عن قواميسها!

الفرنسيُون يعرفُون الديمقراطيّة التي كانَ على ساركُوزي أن يتبعها في فرنسَا .. ومع ذلك لم يمنحهُ الفرنسيُون ثقتهم لفترةٍ رئاسيّة ثانية .. هل لأنهُ كانَ "أعبطَ رئيس"؟ .. أم لأنهُ كانَ أكثرهم "جلافة ً وتعجرفاً" ؟ أم لأنهُ كانَ الأكثر فشلاً على صعيد خطط الإنقاذ الاقتصاديّة لفرنسا ولدول الجوار الأوروبيّة.. اليونان وإيطاليا وإسبانيا!

ربّما كانَ كل ذلك صحيحاً .. لكنّ ذلك لم ينفِ أنهُ كانَ رئيساً "ديمقراطياً" لشعبٍ "ديمقراطيّ" .. متى يستطيعُ العربُ استصدَار نسخَةٍ عربيةٍ "ديمقراطيةٍ" من ساركوزي كما أصبحُوا يستصدرون نسخاً معرّبة من برامجهم الفنيّة ..
“Arab’s got talent” .. “Arab Idol” .. وغيرها ..

هل سنجدُ نسخة ً عربيّة من ساركُوزي في دهاليز قصورنا الرئاسيّة! إن كانَ هذا سيحدث .. فسأجهّزُ كعكتي من الآن .. وأزيّنها وأخبزها .. ربّما حينَ ترتفعُ معدّلات البطالة .. وينتشرُ الفسادُ وتمنحُ صكوك "أراضي أوطاننا" لمسؤولينا الحكوميين .. ويتصرّف الوزراء وكأنهُ ليسوا وزراءَ وزارات ولكنْ "مُلاّك وزارات" .. حينها سأحملُ كعكتي وأرميها في وجهِ أقربِ مسؤولٍ وأقولُ لهُ: "هذهِ الكعكة ، لكي تتذكّر جيّداً من تكُون"!