الثلاثاء، 28 سبتمبر 2010

اسمِي عائشَة .. وهذهِ حكايَتي ! (4)

اقرَأ أولاً:

اسميْ عائشة وهذهِ حكايتيْ (1)

اسميْ عائشة وهذهِ حكايتيْ (2)

اسميْ عائشة وهذهِ حكايتيْ (3)


اسمِيْ عائشَة .. في هذا الشّهر من العَامِ وُلدت .. وخلال اثني وعشرينَ عاماً مما عشتهُ من حياتيْ اختلفَ كلّ شيء ..

كانَ كلّ عامٍ يأتي بتحوّلاته الجذريّة في القنَاعَات والأفكَار ..الهوَايات وفي كلّ شيءٍ .. كلّ شيءٍ كانَ يتغيّر حولي كلّ عام ! إلا اسمَ "عائشَة" بقيَ ثابتاً على مكانهِ لا يتغيّر .. حلمتُ بأن تتغيّر أسماؤنَا كلّ عام .. عام 1988م ولدتُ واسميْ عائشَة .. وعام 1990 كانَ اسمي سارَة وعَام 1992م كانَ اسمي بدريّة .. وعام 2000 أقرّر أن يعُود اسميْ لعائشَة .. وعَام 2010م أن أكونَ سارَة !

لم يحدثْ ذلك .. حلمتُ أن أخلعَ الأسمَاءَ عنّي كمَا أخلعُ كلّ يومٍ عن كتفي وأستبدلهُ بمخدّة ناعمةٍ ..

حلمتُ بذلك أكثر مما حلمتُ بأيّ شيءٍ آخر .. لكنّ ذلك لم يحدث .. وها أنا عائشَة ! ولدتُ قبلَ اثني وعشرينَ عاماً واسمي عائشَة .. وها أنذا بعدَ اثني وعشرين عاماً لا زَال اسميْ عائشَة .. وددتُ أن أستبدلهُ لمرةٍ واحدَة .. واحدَة فقط ! لأكُون سارَة ولو ليومٍ واحد .. غير أنّ ذلكَ لم يحدث .. وظلّ اسميْ يتبعنيْ كظلّي .. لا فكَاك منهُ كلّما تركتُه صباحاً عادَ إليّ في المسَاء .. وكلّما ألقيتهُ عن كاهليْ مساءً.. استقبلنيْ مع الصبَاح استقبَال الفاتحِين .. ياليْ من عائشةٍ مسكُونةٍ باسمهَا حدّ المَوت ..

****

اسميْ عائشَة .. أغرمتُ بعشراتِ الأشيَاء .. وكرهتُ عشراتِ الأشياءِ في المقابل .. وكسَائر الفتياتِ حلمتُ بأن أكونَ طبيبَة ومهندسَة ً ومخرجة ً وطيّارة .. غيرَ أنّهُ لم يخطر بباليْ أن أقعَ يوماً في غرَام الموسيقَا .. وأن أسعَى بكلّ هوسٍ لأحقّق ما أريد .. حتّى وإن اضطرنيْ الأمرُ لإجبَار من حَوليْ على تقبّل فكرَة رغبتيْ في تعلّم الموسيقَا ..

في الصفّ الرابعِ الابتدائيّ بدأنا في تلقّي درُوس الموسيقَا .. كانَ اسمُ معلّمتي القادِمَة من صعِيد مصرَ "تقنياً" كاسميْ .. لكنّها كانتْ تكتبهُ "عِيشة محمُود" ومن الواضحِ جداً أنها كانتْ على سلامٍ تامٍ مع اسمهَا "المشوَّهِ" –خلافيْ- .

في تلكَ الأيَّام كنتُ أنعَم بنجُوميَّة طالبَة المدرسَة التيْ بدأتْ لتوِّهَا تغُزو الإذاعَة المدرسيَّة .. بصوتهَا الجهوريّ .. وبحمَاسها .. وكنتُ الأولَى على صفُوف مرحلَتيْ الدرَاسيَّة إضافةً إلى كونيْ الطالبة المتميَّزة .. كلّ ذلك دفعَ تلكَ المعلّمة لتفضّلنيْ على البقيَّة ..

كانَ ذلكَ أمراً معتاداً لعلّ كثيراً منكُم عايشهُ .. إذ كانتِ الطالبات المتفوقَات المتميّزات في مراحل الابتدَائيّ ينعمنَ بمعاملةٍ خاصّة من قبل طاقم التدريسِ خلافَ البقيَّة .. لذلك فقدِ استفدتُ من ذلكَ أنا أيضاً في سبيلِ تثبيتِ أقداميْ في فريق الموسيقَا بالمدرسَة ..

ورغمَ أنّ الموسيقَا لم تكنْ تستهويْ الطالبات المتفوّقات عادةً .. إلا أنّها اجتذبتنيْ جداً .. ولذا فقد أقدمتُ على تعلّم المقَاطع الموسيقيَّة بتركيزٍ فيْ حصّة الموسيقا الأسبوعيّة ..

وكَانَ أوّل ما علّمتنا إيَّاهُ الأبلَة "عيشَة" كمَا كانَ يحلُو لنا منادَاتها .. هوَ السلام السلطَانيّ ..

وخلالَ الشّهر الأوّل حاولتَ "عيشَة" أن تعلّم "عائشَة" كيفيَّة عزف السلام السلطَاني على آلة الأورج.. التيْ كانتْ تعدّ الأصعب من بين الآلات الموسيقيَّة المستخدمَة فيْ الطَابور الصباحيّ .. مضَى الشّهر الأول .. فالثاني فالثالث .. وعائشَة لم تمسكْ من مقاطع السلام السلطَاني سوَى المقطعِ الأوّل .. ( يا ربّنا احفَظ لنَا ) .. وكَنّا نتعلَّمُ عزفَ المقاطعَ بالنطقِ على هذا النّحو .. ( تااا .. تاتتا تتا تتا ) .. كنتُ أشعرُ بالحنقِ الشديد من فكرَة أنّ جميع الطالباتِ اللاتيْ كنّ معيْ أقلّ مستوَى علمياً منّي لكنّهن كنّ يتفوقنَ علي بأشواطٍ موسيقياً ..

حينمَا يئسَتْ عيشَة من قدرتيْ على تعلّم عزفِ موسيقا السّلام السلطَانيّ .. انتقلتْ بيْ إلى آلة "الكسيلوفوُن" وهيَ آلَة تقُوم على النقر لا العَزف.. تتكوَّن من قطع خشبيَّة مترَاصّة بشكلٍ متوَاز .. وفيهَا نتُوءاتٌ معدنيَّة يُطرق عليهَا بخشبيتين رفيعتَين محدّبتين في النهَاية .. وحينَ تطرقهَا يصدرُ صوتٌ رقيقٌ يصدرهُ المعدنُ بحيثُ يعملُ الخشبُ على التخفيف من حدَّةِ تردّداتهِ ..

استهوَتنيْ فكرَة هذهِ الآلَة وما أنْ رأيتهَا للمرّة الأولى حتّى صرختُ فرحَةً "أبلة عيشة أنا بامسك على هالآلة وبسوي فيها العجايب".. وطفقتُ أحَاولُ الدخولَ في جوِّها إلا أنني كنتُ أفشلُ في كلّ مرةٍ في الإمساك بالترَاتب الزمنيّ في النقرِ مع ارتفَاع وانخفَاض وتيرَة الموسيقَا فيْ السلام السلطانيّ .. كانَ عليَّ أن أنجحَ في التركِيز على نقَاط ارتفَاع وانخفَاض رتم عزفِ عَازفة الأورج والسّير معهَا على نفس الإيقاع .. إلا أنني كنتُ في كلّ مرة أضيّعها وأدخلُ في إيقاعاتٍ أخرَى .. أو أفوّت الإيقاع الزمنيّ المناسب .. أتأخر عنها بثوَانٍ أو أتقدّمها بثوَانٍ.. وللعلمِ فقدْ كانتْ الأبلَة عيشة صبورةً للغايَةِ معيْ .. وكنتُ أتسلّق مستخدمةً تفوّقي الدراسيّ في الموادّ الأخرَى على أكتافِ الطالباتِ الأكفئ منيْ موسيقياً لتعليميْ بعضَ ما عجزتُ عن تعلّمهِ واستنفادِ صبر معلّمتي المسكِينة التيْ غفرتْ لي كسرِي لعصَا الكسيلوفُون في إحدَى لحظَات عصبيتي التيْ انهلتُ فيها أثناء نقري على الآلة بقوّة فانكسرَت إلى قطعتَين .. ظلّت القطعَة الأولَى بيدِيْ بينمَا طَارتِ الأخرَى لترتطِمَ بالجدارِ الذيْ كانَ أماميْ من حدّة النقر ..

حينمَا شعرتُ بعجزيْ عن الانسجامُ مع "الكسيلوفُون" .. طلبتُ من "الأبلَة عيشَة" أن تنقلنيْ لأكثَر آلات الموسيقَا بسَاطة ً من الآلات المتوفّرة وهيَ "الطبل" .. كانتْ صديقتيْ –والتيْ اسمهَا بالمناسبة عائشَة أيضاً- تضربُ على الطبل .. وقد بدأنا في نفس التوقيت لكنّها اختارتْ منذ البدَاية العمَلَ على الطبلِ .. بينمَا انتقلتُ أنا من الأورج إلى الكسيلوفُون ثمّ إلى الطّبل .. وحينمَا بدأت تعلّم الدق على الطبلِ كانتْ عائشَة التيْ هي صديقتيْ قد أجَادت الدق على الطبلِ وأصبحتْ ضمنَ طاقم العزف فيْ الطابُور الصباحيّ متوليّة ً الطبل .. استغرقنيْ الطبلُ أمداً طويلاً حتّى استطعتُ معرفَة أصولهِ "الأساسيّة جداً" بعدَ أنْ استنفدتُ طاقَة الأبلة "عيشة" التيْ عهدتنيْ إلى صديقتيْ عائشَة لتعلّمنيْ الدقّ عليهِ .. وهكذا بدأت التوسّل للأبلة عيشَة بأن تعطينيْ الفرصَة للدق على الطبل في الطَابور الصباحيّ وعلى مضضٍ وافقتْ .. كانَ الطبلُ يوضعُ بشكلٍ عمُوديّ على كرسيّ بحيثُ يكُون جَانبَاه قابلين للنقرِ عليهِ فكنتُ أنا –عائشَة- على الميسرَة وكانتْ عائشَة الأخرَى على الميمَنة .. كل منا متقلّدة عصَاها الضخم لتهويْ بهِ على صفحَة الطبل البيضَاء ..

الحقيقَة أنّ الجميع –أو على الأقلّ الأبلة عيشة وطاقم العَزف-كانَ يحرصُ علَى أنّ كلّ الآلات الموسيقيّة تعزف على نفسِ التنَاغم إلا أنني كنتُ أفسدُ دائماً التنَاغم الذي يُعزفُ بهِ الطَابور الصباحيّ .. في بعضِ الأحيان كانَ العزف يحتاجُ تجاوباً خفيفاً من الطبل عنْ طريق النقرِ عليهِ بخفّة إلا أنني كنتُ أهوِي عليهِ كأنّ بينيْ وبينهُ انتقاماً شخصياً .. وفي أحيانٍ كثيرةٍ كنتُ أتقدّم في الضربِ على الطبل قبلَ الموعد المحدّد أو أتأخّر في أحيانٍ أخرى .. وفي بعضِ الأحيانِ كنتُ أضيّع الفترة الزمنيّة التيْ تلي الضربَة الأولَى للضربَة الثانيَة فالثالثة ، وفيْ أحيانٍ ثانيةٍ أسرحُ فأنسَى الضربَ على الطبلِ في نقطةٍ ما من العَزف .. غيرَ أنّ أغلبَ ما كانتْ تشتكيهِ منّي الأبلَة "عيشَة" وما تشتكِيهِ منّي "عائشَة" الأخرَى أنني كنتُ أهويْ بقوةٍ على الطبل وكأننيْ أسدّد ضربَة ً لكرَة الجولف ..كنتُ أفتقدُ تلك اللمسة الخفيّة التي يتعاملُ بها الموسيقي مع آلتهِ.. أن يعاملهَا ككيانٍ يتنفس .. لذا كثيراً ما كنتُ أنهالُ على الطبلِ بضربةٍ قويةٍ فيميلُ صوبَ عائشَة الأخرى التيْ تفرّ مبتعدةً عن الطبل خوفَ أن يسقطَ تجاهها.. لعلّيْ كنتُ أشعرُ بحمَاسةٍ مفرطةٍ لفكرَة أنّي ضمنَ الطاقمِ الذيْ يحرّك ذلك الحشدَ الكبير الذيْ يردّد " يا ربّنا احفظ لنَا جا لا لا لا السلطَان" .. أحرّكه بنقري على الطبلِ المحتفي بهذا المهرجَان الموسيقيّ المتجدّد كلّ صباح .. إلى أنْ جاءَ ذلك اليَوم الذيْ أفرطتُ فيهِ في ضربِ الطبلِ وأنا أنشدُ مع الحشُود "فليدم مؤيداً ، عاهـ(ـداً) ممـ(د)داً" .. التفتتِ الوجُوه لتشاهدَ تلك الفتاة "ضئيلة الجِسم" وهيَ تمسكُ بعصَاها الضخمِ مسددةً إيّاها نحوَ الطبل.. وهيَ تنشدُ بحمَاسٍ موازٍ لحمَاسها وهيَ تنهَال "ضرباً وركلاً" على ذلكَ الطبلِ المسكِين ..

توجّهتْ صوبيَ العيُون بينمَا كنتُ غارقة ً فيْ عالمي الخاص .. أغنّي بفرحٍ .. مبتهجة ً بالكلمَات والألحَان .. وكأنيْ كنتُ أعزفُ جوقتيْ الغنائيّة الخاصّة .. كانَ الجميعُ ينظرُ إليّ بدهشةٍ وأنا أدق الطبل في إيقاعٍ مختلفٍ عن الإيقاع الذي كانتْ تقدّمهُ عائشَة على ميمنتيْ .. كانَ مختلفاً عن إيقاعِ الكسيلوفُون .. وإيقَاع الأورج .. وأنا؟!

أنا لمْ أكنْ أكترثُ على الإطلاق بأيّ شيءٍ .. حلمتُ أثناءَها بالكثير من الأشيَاء .. حلمتُ بأنْ أرى البحرَ الذيْ كنتُ حتّى ذلك العمرِ لم أرهُ قطّ .. حلمتُ أنّ اسميْ سَارة .. وأنّ الأبلة "عيشَة" كانتْ تنادينيْ بهِ .. حلمتُ بأننيْ أشهرُ "طبّالةٍ" في عُمان .. أضربُ على الطبلِ وألبسُ "الدشداشة العُمانيّة التقليديّة الخضرَاء والحمرَاء" تماماً كعازفاتِ الأوركسترا السلطَانيّة آنذاك اللواتيْ كنّ يظهرنَ يومياً على قناة عُمان الأرضيّة كلّ يومٍ بعد أخبَار العاشرَة وكنتُ أحدّق إليهنّ بانجذابٍ لا للاستماعِ للموسيقَا بقدرِ النظرِ إلى وجهِ كلّ واحدةٍ منهنّ وهي تعزف والتفكير .. يا ترَى بماذا تفكِّرُ هذهِ المرأةُ الآن؟

حلمتُ بالكثير من الأحلامِ التيْ لم تدمْ سوَى لـ4 دقَائق هيَ مدَّةُ السلام السلطانيّ وما أنِ انتهَى حتّى سمعتُ مدِيرة المدرسَة تنادينيْ بحدّة وتنادِيْ "الأبلة عيشَة" .. وما أن اقتربتْ كلانا منهَا حتّى قالتْ ليْ بحدّة: "أشوفش بعد اليُوم تمسكيْ الطبلة" ثمّ أشاحتْ بنظرهَا عنّيْ موجهةً كلامهَا "للأبلة عيشة" .. قالتْ لها بجملة نصف عربيّة نصف انقليزيّة بالنظر إلى أنّ المديرة كانتْ في الأصل معلّمة لغةٍ انقليزيةٍ .. قالتْ لها: "أبلة عيشة.. make sure .. هالبنت ما أريد أشوفها مرّة ثانية من ضمن البنات اللي بالموسيقا".. ثمّ غادرتْ بعيداً لتستمعَ للإذاعَة المدرسيّة .. توجّهتْ إليّ أبلة عيشة ملقية ً بسياطِ لومهَا عليّ " شفتي ازاي جبتي لي الكلام؟! أهو أنا من النهردة مش هخليك تعتبي برجلك ناحية الكرو بتاع الموسيقا ، وابقي قابليني بعديها" ..

غادرتْ الأبلة عيشة أيضاً .. تاركةً خلفها الكثير من الدمُوع التيْ ذرفتُها وأنا أبكيْ .. الأحلام الكثيرة التيْ لم تتسعْ لها الأربعُ دقائق التيْ عزفَ خلالها السلام السلطانيّ رحلتْ مع مغادرَة مديرة المدرسَة .. والسيناريُوهات الجميلة التيْ رسمتُها ذابتْ وسطَ دمُوعيْ ..

ركضتُ سريعاً إلى صفي .. والدمُوع تسابقنيْ .. وأنا أفكّر لو أنّ اسميْ كانَ سارَة وليسَ عائشَة ؟! هلْ كانَ كلّ ذلك حدث؟ ولو كانَ اسميْ سارَة هلْ كنتُ دخلتُ بقوةٍ إلى عالمِ الموسيقا الصغير الذيْ كنتُ أحلمُ بتسَيُّدهِ ..

منذُ ذلكَ اليَوم لم ألمسْ آلة ً موسيقيَّة ..ولمْ أتحدّث إلى الأبلة عيشة على الإطلاق .. كنتُ أتجنّبها في الممرّات وساحاتِ المدرسَة .. وعائشَة التيْ كانتْ تجلسُ بجانبيْ حملتُ حقيبتيْ وبدّلت مقعديْ بمقعدٍ في مكانٍ آخر من الصفّ الدراسيّ.. حتّى لا أتذكّر كلّ يومٍ وأنا أجلس قبالتها .. كم أنا أحبّ الموسيقَا .. وكمْ هي الموسيقا لا تحبّنيْ ..

أحببت الموسيقا –فيْ ذلك السنّ- كما لمْ أحبّ شيئاً آخر .. أحلاميْ المنكسرَة قطعتين كمَا انكسرتْ عصا الكسيلفُون لم تعُدْ مجدداً.. ولم أفكّر في العَودة إليهَا مطلقاً ..

واليَوم كلّما رأيتُ عازفات الأوركسترَا السلطانيَّة بالدشداشة العُمانيّة التقليديّة التيْ يرتدِينها وبألوَانها الفاقعَة تساءلتُ: هلْ كنتُ أحلمُ فعلاً أن أكونَ منهنّ؟ لا .. ليسَ واسميْ عائشَة .. ربّما لوْ كانَ اسميْ سارَة أو أيّ اسمٍ آخر .. لظلّت أحلاميْ طريَّةً كما هيَ .. أحلمُ بالإمساك بأيّ آلة واللعبِ معهَا لا عليهَا كأيّ صديقتينِ حميمتَين ..

حلمتُ بالموسيقا واسميْ عائشَة .. وانتَهى ذلك الحُلم .. ربّما لو كانَ اسميْ سارة .. نعم سَارة لكنتُ لا زلتُ أحلمُ بالموسيقا بنفسِ ذلكَ الشغفِ الذيْ حلمتُ بهِ وأنا في الصفّ الرابع الابتدائيّ .. إنّها تلكَ الأحلامُ الصغيرَة التيْ تغادرُ سريعاً تماماً كما أتتْ سريعاً .. تغادرُ الأحلامُ سريعاً وتبقَى الأسمَاء كمَا هيَ .. عائشة التيْ حلمتْ قبلَ 12 عاماً هيَ نفسهَا عائشَة اليَوم .. تغيّرت الأحلام وبقيَ اسمُ عائشَة .. دونَ أن يتغيَّر .. ما الذيْ تبقّى من أحلامي القدِيمة؟! لا أعرف لعلهَا غادرتْ جميعهَا ولعلّ بعضهَا بقي .. يذكّرنيْ بأنّ اسميْ عائشة .. وأنني لم أعد أحبّ الموسيقا كما فعلتُ يوماً !

وكلّما مررتُ على صفحةٍ في جريدَة أو على على معهدٍ لتعلّم الموسيقا في أرجاء مسقط .. نظرتُ إليهِ ببرودٍ وأنا أفكِّر هل بإمكانيْ بعدَ كلّ هذه الأعوام أن أعودَ إلى مقاعدِ درَاسة الموسيقا وأمسكَ بآلةٍ موسيقيَّة وأحسنَ تعلّمها؟!

لا لا .. لا أريدُ أن أفكّر .. لا أريد .. أشعرُ بغصّة .. غصّة لمْ ترحلْ منذ 12 عاماً وبقي طعمهَا على حنجرتيْ غضاً لم يشِخْ !

اقرأ أيضاً:

اسميْ عائشة وهذهِ حكايتيْ ! (5)

الأربعاء، 22 سبتمبر 2010

بينَ "حانَة" .. وَ"مانة" !/رُدُهـات

عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com


يُحكى أنّ رجلاً من رجال العربِ كانَ متزوّجاً بامرأتين .. وكانتِ الأولى قد تخطّتِ في عُمرها الأربعين.. بينما كانتِ الأخرَى حديثَة السنّ لا تكادّ تبلغ العشرين .. كانَ اسمُ الزوجَة الأولَى مانَة .. واسمُ الزوجَة الثانيَة حانَة .. وكانَ يقضَي ليلة ً مع الأولَى ثمّ يتبعها بليلةٍ مع الأخرى .. وكانَ كلّما دخل على الأولَى أمسكتْ بلحيتهِ وبدأت بنزعِ الشعر الأسودِ وهي تقُول: كلكَ وقارٌ وهيبة ٌ يا رجلي ..والشعرُ الأسودُ يذهبُ بوقاركَ .. بينمَا كانَ كلّما ذهبَ إلى الزوجَةِ الثانيَة مضتْ إليهِ وبدأتْ في نزعِ الشعرِ الأبيضِ قائلةً: والله كلما دخلتَ عليَّ وجدتكَ أكثر شباباً لولا هذا الشعر الأبيض ..

يوماً ما .. وقفَ هذا الرجلُ أمام المرآةِ ونظرَ إلى لحيتهِ فوجدَ أنّ كثيراً من شعر لحيتهِ قد ذهب .. فذهبَ مغاضباً وهوَ يقولُ: "بينَ حانَة ومانة ، ذهبتْ لحانا" .. وضرب قولهُ منذ ذلكَ اليومِ مثلاً ..

***

يقطعُ مئاتُ الآلافِ من الموظفينَ في الحكُومة والقطاعِ الخاصّ طريقهُم ذاهبينَ من أقصَى مسقط سواءً الخوض أو الحيل أو غيرها إلى الخوير والقرم وروي .. ذاهبين إلى مقارّ عملهم .. يمضُونَ قرابَة الساعة والنصف تزيدُ أو تقلّ بقليلٍ في طريقهِم للذهابِ ووقتاً مماثلاً في طريق العَودة .. خلال الساعةِ والنصفِ تلكَ يدخلُ مزاجهُم في حالاتٍ مزاجيّة مختلفَة الأطياف والألوان .. ينفدُ صبرهم على بعضهمُ البعض .. مزاميرُ السياراتِ تعلُو .. والوجوهُ عبُوس .. والجمِيعُ يفكّر: متى ستنتهي هذه المأساةُ اليوميّة؟

يرغبُ مئاتُ الآلاف هؤلاء بأن يقيمُوا قريباً من مقارّ عملهم .. لكنّ مطرقَة الانفجَار المروري تقابلها ..مطرقَة غلاء الإيجاراتِ والأراضي .. فكلّما ازددتَ اقتراباً من العذيبة .. الغبرة فالخوير فالقرم .. كلّما زادت الأصفار التيْ على يمين أسعار الأراضي التيْ تتحوّل في تلك المنطقة إلى ترفٍ لا يملكهُ إلا المليُونيرات ..

عاصمَة تديرُ أعمالها في مساحاتٍ ضيّقةٍ جداً .. وعلى الشعبِ أن يتحمّل نتائج ذلك ..

يرغبُون في استئجار شقةٍ معقولةٍ بالقربِ من مقرّ عملهم .. غير أنّ تضاعفَ سعر الشقة للضعفين من جنُوب مسقط إلى شمالها يُخرسِهم!

الجميعُ يفكّر حينها أيّهما أرحم .. خسَارة المال في شراء أرضٍ لن تبقي ولن تذر في ميزانيّة الموظف المسكين لمدّة 50عاماً.. في بلدٍ كعُمان يصنّف متوسّط دخل الفردِ فيها ب220ريَالاً.. أم خسَارة الوقت الذي يحتّم على المرءِ أن يشطب 3ساعاتٍ على الأقل باعتبار أنه لن يخرج إلا إلى عملهِ .. ناهيكَ عن "مشاويره" الأخرى التي يعلق فيها وسط الزّحام .. أن يشطب هذهِ الثلاث ساعات يومياً من حياتهِ وهو يقود سيّارته .. ضاغطاً على كابِحِ العجلة وهو يفكّر هل سأصابُ بآلامٍ في العظام بعد 10 أعوَام من تكرار هذا السيناريُو اليوميّ؟ ( 56% من سائقي السيارات الصينيين الذين مضَى على مدّة قيادتهم للسياراتِ أكثر من 10 أعوَام يعانُون من آلام في عظَام الأرجل تحديداً بالنظر إلى ضغطهم لساعاتٍ طويلة على كابحِ السيارة وسطَ الزّحام) ..

بينَ ارتفَاع أسعار الأراضي كلّما مضيت شمالاً في مسقط .. وبينَ ارتفَاع ضغطِ الانفجار المروريّ اليَوميّ يتذكّر المرءُ "حانة ومانة" وهو يتساءل: وسطهُما؟ أين ذهبَت لحَانا؟

***

العَاملَة رقم 20 .. التي يستجلبها ذلك الموظّف وزوجتهُ للعمَل في منزلهما .. أحضرا كلّ الجنسيات التيْ تخطر على البال ..

مكاتبُ استجلابِ العاملات .. وبعدَ أن فتحَت لها الحكُومة "الباب على الغَارب" أصبحتْ تقدّم ضماناً لمدّة شهرٍ لربّ الأسرة لكي يختبر العاملة .. وقبلها بأعوامٍ كانت المدّة 3 أشهر ..

على كلّ عاملةٍ يُفرغُ الموظّف ما يزيدُ عن 700ريَال حتّى تتحقّق أمنيَة إحضار العاملة إليهِ ..

يهمسُ لها صاحب المكتب أو مندُوبة المكتب التيْ تكون من نفسِ جنسيّتها: أحسنيْ الصنعَ خلال الشهرِ الأوّل .. وبعدُه .. "خلّي كفيل مال انتي يولّي" ..

الأولَى سرقَت نصف ممتلكاتهم .. والثانية سافرت بعد تحوِيل بيتهم إلى ماخُور وعادت وبطنها "مليانة" دونَ أن يعرفَ والدُ الطفل .. والثالثة اكتشفُوا أنها مريضَة ٌ بمرضٍ معدٍ لم ترسل بياناتهُ حينَ استجلابها ، والخامسَة اعتدتْ جسدياً على طفلِهما ، والسادسَة استعملت السحر ... إلخ ..

وإذا "دقّت في رأس" العاملة أن تضربَ عن العمَلِ فإنّ أقصى ما يمكن أن يفعلهُ المكتب هوَ توبيخها" ببالغ الرقّة" .. فلا وسائل رادعَة تعوّض هذا المسكين ما دفعه..

ثمّ تأتي المطالب الأخرى: تريدُ هاتفاً ، تريدُ يوماً في الأسبوع إجازة للخرُوج مع البُوي فريند .. وووو

كلّ هذا والسيناريُو يتكرّر .. لا تزال العاملة رقم 20 في ذمّته رافضاً أيّ أحدٍ أن يقبلَ تنازلَ كفيلها الأوّل عنها .. يضطرُ لاستجلابِ العاملة باسمِ أم العيال .. فإن اتضح أنها تعمل براتبٍ معقول فلا بأس .. وإلا فليشرب "ماء البحرِ" حتّى يجد الشخص "تعيس الحظّ" الذي يقبلُ أن يكفلَ عاملته الخمسين ..

بعدَ أن يستصدرَ شهادةً براتبِ زوجتهِ .. يقرّر أخذ إجازةٍ من عملهِ في مسقط، لكي يذهبَ إلى الجهة الحكُومية المسؤولة عن استصدار ترخيصِ العاملة رقم 21 في "البلد".. يذهبُ منذُ "يصيحُ الدّيك فجراً" إلى تلكَ الجهة وينتظر وينتظرُ حتّى يأتي دوره .. وأمامهُ يتخطّى فلان الفلانيّ قريب الموظف الفلانيّ طابُور المنتظرين .. ويتخطّى الهَامور الفلانيّ المائة شخص الذينَ ينتظرُون أمامه .. ويدخلُ قريب المدير من الباب الخلفيّ لكي ينهيْ معاملتهُ .. ينتهيْ اليَوم وهوَ لمّا يصل دورهُ إلى الموظفِ المناوب .. ويتمّ تأجيل رقمهِ لليوم التاليْ..

يتّصل بمديرهِ متوسّلاً أن يمنحهُ إجازةً في اليوم التالي وإن أذنَ لهُ مديرهُ ذهبَ إلى تلكَ الجهة الحكُوميّة في اليَوم التالي..

وبعدَ أن يصلَ دورهُ عند الموظّف في الساعةِ الثانية ظهراً .. يقولُ له موظف تخليص المعاملة .. اليُوم الأحد ، واليَومان المخصصانِ لتخليص معاملات عاملاتِ المنزل هما الثلاثاء والأربعاء .. بلا مبالاةٍ يكملُ دونَ أن ينظرَ إلى المسكين الواقفِ أمامه: "سوري صديقي ، تعال ف يوم ثاني"

وبينَ "هبشة" المال التيْ دفعها للمكتب، وبينَ "مرمطَة" الحكُومة ، وبينَ العاملة التي لا يدريْ هل ستأتي وتغادرُ بمصيبَة ! يقعُ ربّ الأسرَة المسكين بين المطرقة والسندَان .. تماماً كآلافِ أرباب الأسرِ العُمانيين الذينَ لديهم سيناريُو شبيه بما وردَ أعلاه .. وبينَ حانَة الجهَة الحكُومة ، ومَانة مكاتِب العاملات يتساءلُ ربّ الأسرَة: بينَ حانَة ومانَة.. أينَ ذهبَت لحانا !

الأربعاء، 15 سبتمبر 2010

نحنَ والقمَر جيرَان !/ردُهـات


عائشَة السيفيّ
ufuq4ever@yahoo.com


فيْ عام 1969 ميلادِيّ وتحديداً في الحاديْ والعشرين من يوليُو .. وطئ نيل آرمسترونج .. رائد الفضاءِ الشاب سطح القمَر .. كاسراً كلّ الحكاياتِ القديمَة باستحَالة الوصولِ إلى إلى القمر ومحققاً أحلام ملايين الشعراء والقصاصِ على مرّ التاريخ بالتحليق إلى القمر .. تلك الأيقونة الرومانسيّة التي لم ترد في أيّ نصٍ أدبي إلا كانتْ مشاعاً للحب والرومانسيّة والسلام..
وطئ نيل آرمسترونج القمر وعيُون 500مليُون شخص تتابعهُ .. وفي اللحظةِ التيْ غرسَ فيها آرمسترونج العلم الأميركيّ في تربَة القمر .. استعدّ ملايين الصحفيين حولَ العالمِ ليكتبُوا بالبنط العريض في مقدمَة صحفهم : هل أصبح القمَر مُلكاً "أميركياً" ؟!
وسارعَ الرئيس الأميركيّ آنذاك كينيدي إلى نفيِ ذلك مؤكدا أنّ "حركَة العلَم تلك" كانتْ فقط احتفائيّة بنجاح أوّل دولة في بلوغ القمَر .. وكان كلامهُ في باطنهِ تبريراً لكون هذا النجاح "نغزَة في عين الحسُود" .. الاتحَاد السوفييتي الذي كانَ له السبق في إرسال جاجارين ليكُون أول انسانٍ يزُور الفضاء الخارجيّ ..
وقبلَ آرمسترُونج حاولَ السوفييت والأميركان إرسال كائناتٍ حيّة في مركباتٍ فضائيّة إلى القمَر فأرسلُوا في أولَى محاولاتِهِم ذبابَة الفاكهَة ثمّ الكلاب ثمّ الشمبانزِيْ قبلَ أن ينجحَ الأميركَان في أن ينالُوا سبقَ إرسال الانسَان إلى سطحِ القمَر ..
كانَ الاتحادُ السوفييتي آنذاك المنافس اللدود في صناعَة الفضاء للأميركيين .. وقد عرضَ الأميركيونَ وقتها مراراً فكرَة العمل المشتركِ بينَهم ونظرائهم السوفييت الذينَ رفضُوا مبررينَ في ذلكَ خوفَهُم منْ فكرَة سرقةِ التكنولوجيا الفضائيّة الخاصّة بهم من قبل الأميركَان ..
ولمْ تمضِ سنواتٌ منذ أن وطأتْ قدم آرمسترونج القمَر إلا ظهرتْ المقالاتُ والدراساتُ محاولة ً إقناعَ العامّة أن الهبُوط على القمَر لم يكنْ إلا مسرحية ً باهظَة الثمن .. وأن أحداثها لم تجرِ كما ظهرَ أمام العيان على سطح القمر وإنما في إحدَى صحاري كولورادُو بتوقيعٍ هوليوودي محتَرف .. وأياً كانتْ صحَة ذلك من عدمهِ .. فإنّ صناعة الفضاء ظلتْ تتطوّر أكثر وأكثر ..
وظلّ الناسُ يغنُونَ بكلّ الحميميّة لفيرُوز أغنيتها:
"نحن والقمر جيرَان..
بيتُو خلفِ تلالنَا .. بيطلَعِ من قبَالنا
يسمَعِ الألحَان ..
نحنَ والقمَر جيرانْ ..عارفِ مواعيدنَا / وتاركِ بقرمِيدنا .. أجمَل الألوَان .."
ظلّ الناسُ يغنُون عن القمَر بكلّ هذه الحميميّة ولعلّ كثيراً منهُم لم يفكّر إن كانَ الحديث عن القمر سيصبحُ يوماً ما كحديثنَا عن رحلتنا إلى البلدِ الفلانيّ والمكانِ الفلانيّ .. عن قضائنا شهرَ العسل في الجزيرة الفلانيّة ..
أو حينَ نتحدّث عن قضائنَا إجازَة العيد في القمَر تماماً كقضائنا إيّاها في "البلاد" خارجَ العاصمَة .. وكأنها رحلَة عاديّة لا تستغرقُ منا سوَى يومينِ ذهاباً وإياباً ..
وبمجرّد ازديَاد تسيير الرحلاتِ إلى الفضاءِ الخارجيّ .. بدأت فكرَة تسيير رحلاتِ إلى القمرِ كمشروعٍ تجاريّ لدرّ الملايين في جيُوب أصحابِ هذهِ المشاريع وإن كانَ بالإمكانِ تحوِيلُ القمرِ إلى وجهةٍ سياحيةٍ مغريَةٍ لآلافِ الناسِ من سكّان الأرض وتحويله إلى مشروع متوسط التكلفَة بدلَ كونهِ حكراً على "كبَار الهوامير" ..
إلى اليومِ ظلّ القمرُ بما خططَ لهُ من رحلاتٍ وما صنعَ لهُ من معدّات وآلات منذ حدثَ عام 1969م .. ظلّ مشروعاً حكُومياً تديرهُ الحكُوماتُ رسمياً لعلّ أبرزهُ مشرُوع الكوكبَة الذي كان محاولَة فاشلَة من جورج بُوش الابن لتسيير رحلَة جديدَة إلى القمر يغرسُ فيها العلمُ الأميركيّ أمام الملايين ويعادُ التأكيد على أنّ رحلَة القمرِ كانَ حقيقَة ً واقعَة..
كثيرٌ من الرحلات غادرتِ الأرض .. روسيّة ً وأميركيّة وحتّى أوروبيّة وآسيويّة .. إلا أنّ جميعها كانَ حكُومياً إن لم يكُن 100% .. فبتمويل حكوميٍ يزيدُ عن 50% .. وإن حدثَ ودخلَ القطاعُ الخاصُ بهِ ودفعَ المليُونيرَات الأثرياء فيهِ مبالغَ طائلَة ليصافحُوا الفضاء الخارجيّ كما فعلَ الأمير سلطان بن سلمَان آل سعُود فإنّ فاتُورة زيارات القمَر المكلفَة ظلتْ تدفع بتوقيع حكُوميّ ولو جزئيٍ..
غيرَ أن بادرَة تحوّل في هذهِ السياساتِ برزَت في خطَاب الرئيس الأميركيّ باراك أوباما هذا العَام وتحديداً في شهر إبريل أثناءَ زيارتهِ لمركَز ناسا وتبريرهِ أنّ تحويل رحلاتِ الفضاء الخارجيّ وتحديداً إلى القمر والمريخ إلى مشرُوع تجاري هوَ غرضهُ خلق مزيدٍ من فرص العمل وتسديد الكثير من التكاليف التيْ تستهلكهَا الرحلات خارجياً ..
وكبَادرة حسنِ نيّةٍ قدّم الرئيس الأميركيّ مبلغ 50مليُون دولار كإكراميّة لناسا غرضهَا تحويل هذا المبلغ للشركَات التي تعاقدَت معها ناسا لتطوير أبحاث حول استحدَاث رحلات سياحيّة وتجاريّة للعامّة إلى القمر والفضاءِ الخارجيّ وتحويل هذا القطاع إلى قطاعٍ تنافسيّ كفيلٍ بإثارة المنافسَة بين الشركَات الخاصّة لتطوير معدّاتها وأجهزتها الفضائيّة خاصّة بعد أن بدأت ناسا منذ ثلاثَة أعوام تقريباً فيْ التعاقدِ مع شركَات خاصّة في بناء معدّات مركبَاتها الفضائيّة ..
وبرر أوباما مشروعهُ ذلك بقولهِ أنّه رغبَة منه في تركيز جهُود ناسا في الأبحاث التيْ تتخطّى حدود المجمُوعة الشمسيّة بالنظر إلى أنّ أبحاث ناسا المموّلة حكومياً قدّمت بحثاً وتغطيَة شاملَة للمجموعة الشمسيّة وأن ما تمّ إرساله من مركباتٍ فضائيّة على مدَى السنوَات الأخيرَة كان كافياً لإعطاء نظرَة شموليّة جيّدة عن الكثير من الاستكشافات الفضائيّة للمجموعة الشمسيّة ..
هل سيشهدُ العالمُ بعد أعوَام نجاح مشرُوع الرحلاتِ الفضائيّة التجاريّة هذه؟ وهل سيكُون بالإمكان بعد عشرين عاماً أن أقضي برفقَة زوجي وأطفالي إجازة عيد الفطر فيْ القمر؟!
وكيفَ ستتم إدارة هذه الرحلات بالنظر إلى أنّ الفضاء هوَ ملكٌ مشاعٌ للجميع وليسَ ملكيّة أميركيّة أو روسيّة أو أياً يكن؟
الكثير من الأسئلة تنتظرُ الإجابَة .. ونحنُ ما علينا سوَى أن ننظرَ للقمرِ كلّ يومٍ ونتساءل إن كانَ بإمكاننا زيارتهُ .. ثمّ نغنيْ : نحنَ والقمَر جيرَان !

الثلاثاء، 14 سبتمبر 2010

أسرعُ الطرُقِ لتصبحَ مليُونيراً/ردُهات



عائشَة السيفيّ
ufuq4ever@yahoo.com

حسناً .. كم يبلغُ عددُ المليونيرات لدينَا في عمان؟! 100 أو 200 ربّما .. أو أكثر بصفر على اليمين أو أقلّ بقليل .. بالنظرِ إلى أنّ مليونيراتنا في عُمان يمشُون في الظلام .. يحسبهُم العاقلُ "فقرَاء من النزقَة وراء البيسَة الحمرَاء" وما هُم بذلك ..
ينظرُ المرءُ إلى ما يمتلكُون ويتساءلُ ما الذي ينبغيْ فعلهُ لأصبحَ مثلهُم .. حسناً ! لعلها طريقَة صعبَة للغايَة أن تصبحَ مليُونيراً في عُمان دونَ أن تضطرَ للعمل "تحت الطاولة" لتكسبَ ملايينكَ.. لكنّك لو كنتَ في دولَة أجنبيّة لما كانَ ذلكَ صعباً بشكلٍ كبير ..
فيْ أحدِ أيَّامِ عام 2007م دخلتْ إيرينا إبراموتشُوف المحكمَة في التاسعَة صباحاً وهي لا تملكُ أكثر من بضعِ آلاف من الدُولارات في حسَابها البنكيْ وخرجتْ بعد ساعَةٍ ونصف وهيَ ليستْ مليُونيرة فقط ! بل مليارديرَة ، إذ كسبت دعوَى الطلاق التيْ رفعتها ضدّ زوجها رومان إبراموتشوف مالك نادِي تشيلسي للكرَة بعدَ إثباتهَا ارتباطهُ بعلاقَة عاطفيَّة مع امرَأة فيْ سنّ أولادهمَا ..
وفي العَالم العربيّ ومن نفس المبدأ الذيْ يقالُ فيها أنّ شيئين لا يمكنُ أن تسمعَ عنهمَا هما فضائحُ الأغنيَاء الذينَ يكتمُون بملايينهِم على أيّ رائحة تخرجُ من فضائحهم.. وموت الفقير الذيْ لا يسمعُ أيّ أحدٍ بوفاتهِ لأنهُ ببساطة ! لا أحدَ يكترث !
في العالمِ العربيّ لو أنّ فضيحَةً مثل هذهِ انتشرَت فما على الزوجِ سوَى الزواج بالفتاة التيْ ارتبط عاطفياً بها لكيْ لا تخرجَ زوجتهُ بربعِ فلسٍ لو قررتْ رفع دعوَى عليهِ .. كما أنّ قوانينَ القضاءِ لدينا ليستْ سخيّة إلى هذا الحدّ في أمور دعاوَى الطلاق التيْ ترفعها السيدات بتهمَة خيانة أزواجهنّ ..
ما أجمَل أن تصبحَ المرأة مليُونيرة أو مليارديرة ليسَ لشيءٍ سوَى لأنّه صادفَ وتزوّجت مليارديراً ؟! دونَ أن تكدّ وتشقى على فلسٍ واحدٍ مما جنَاه في ثروتهِ ..
حسناً .. لماذا نذهبُ بعيداً ؟
آخرُ درَاما المليُونيريّة المفاجِئَة هوَ طلاق تايجر وودز من زوجتهِ بعدَ اكتشافهَا خيانتهُ لها وكمْ كانتْ حصّة الكعكة التيْ جنتها زوجتهُ بعد طلاقها منه؟!
750مليون دُولار عداً ونقداً .. مسجّلة ً أعلى فواتير الطلاق التيْ يدفعها المشاهير في الغَرب لزوجاتهمْ هذا العام ..
حسناً .. لو كنتَ في عُمان وأنتَ في طريقكَ للعمل وتوقّفت لشربِ القهوة في الكوستا أو ستاربُوكس أو أيّ مطعم آخر .. وفيما كنتُ تحملُ كوبَ القهوة الورقيّ اندلقتِ القهوَة من القاعدَة السفليّة للكوب ملطخة ً دشداشتك فإنّك في الأغلب ستتمتم ببعضِ الشتائم .. قد تعُود إلى المقهى الذي أخذتَ منهُ القهوَة لتتشاجرَ قليلاً مع العاملينَ بهِ أو لتستبدلهُ بآخر .. هذا أقصى ما ستفعلهُ .. وستعُود أدراجكَ للبيت لتستبدلَ دشداشتكَ .. وستقولُ نهاية اليَوم: هذا ما قدّر الله .. وخيرها بغيرها !
لكنّ هذا ما لمْ يفعلهُ رجلٌ أميركيّ رفعَ دعوَى قضائيّة ضدّ إحدَى شركَات القهوَة الشهيرَة فيْ الولاياتِ المتّحدة .. وذلكَ بعدَ أن مرّ لشراء القهوَة في طريقهِ إلى مقابلَة توظِيف .. واندلقتْ القهوَة الساخنَة في بنطالهِ ملطخة ً إيّاهُ مما أدّى إلى تأخرهِ عن موعدِ المقابلَةِ وبالتاليْ إلغائها .. هلْ كانَ الرجلُ يتوقّع أنهُ سيتحوّل من عاطلٍ عن العمل مفلسٍ إلى مليُونير .. بعدَ أن كسب الدعوَى القضائيّة وجنَى 3ملايين دُولار من شركَة القهوة .. دولار "ينطَح" دولاراً !
في الغَرب –عكسَنا نحنُ العرب- آلافُ الطرقِ لتصبحَ مشهُوراً ومليُونيراً .. وليسَ أبعدَ من ذلكَ برامجَ الواقع التيْ لا تفعلُ أكثر من عملِ امتحاناتِ أداءٍ لشرائح مختلفَة من المجتمع .. مراهقيَن ومراهقَات وغيرهم .. تختارُ بعضاً منهُم لتصوّر للعالم مشاهد يوميّة من حياتهِم .. لا يفعلُون شيئاً أكثر من أن تلاحقهم كاميرا البرنامج حتّى أسرّة نومِهم ويجنُون من ذلك الألُوف المؤلفَة .. وهوَ ما صدّر مليُونيرات ومشاهير ككيم كارديشيان ، ليندساي لوهان ، باريس هيلتُون وهايدي مونتَاج التيْ أذكرُ أنيْ شاهدتُ لها مقطعاً من إحدَى حلقات مسلسل الواقع الشهير The Hills الذيْ تظهرُ فيهِ وهيَ تتذمّر من أنّ أحدهم سكبَ فنجاناً من الشاي على الأرضِ ملطخاً حقيبتها التيْ تبلغُ 10 آلاف دُولار ..
لا يفعلُ هؤلاء أكثر من أن يرتدُوا ملابس فاخرَة ويقتنُوا أفخم العطُور والظهُور بـ"نيُولوكات" ملفِتة بينَ حينٍ وآخر .. وتقبلُ الناسُ على مشاهَدَةِ تفاصيل حياتهِم باستمتاع .. قد يكنّ مراهقات مدللات.. لا يملكنَ من مقوّمات الشهرَة أيّ شيءٍ .. ولكنّهن يجنين الملايين دونَ أن تعرفَ أيّ ميزةٍ أو سببٍ لذلك .. وتعجبُ كيفَ بالإمكانِ أن يتحوّل شخصٌ عاديٌ جداً مثلهُ مثلَ أيّ شخصٍ آخر .. لهذهِ الشهرَة والثرَاء .. فقط لأنّه يتمّ تصوِير "مغامراتهِ الساذجَة" وَ"حواراتهِ الطريفة" بشكلٍ يوميّ .. وتعالي يا ملايين !
أو تحتَاجُ لترتديْ ملابسَ غريبَة الشكل .. ملفتَة .. خارجَة عن المألُوف وذلكَ لتنال الاهتمام وتتحوّل لمليُونير .. لأنّ الناس تبدأ في متابعَة ما تلبسُ .. وتلفِتها الطريقَة الغريبَة التيْ تظهرُ بها تماماً كالمغنيّة ليدي جاجا التيْ أصبحتْ واحدَة من أشهر وأثرَى المغنيّات الأميركيّات .. فتارةً ترتديْ قمصاناً ملطّخة بالدماء وهي في طريقَها للتسوّق .. أو ترتديْ معطفاً من الحديد وهيَ تحضرُ إحدَى حفلاتِ الغناءِ .. أو ترتديْ قبّعة على شكلِ الكرَة الأرضيّة وهي تحضُرُ حفلَ توزِيع جوائز "غراميْ" الموسيقيّة ! والناسُ تتابعها .. وسيديهَات أغانيهَا تزدادُ مبيعَاتها .. وهكذا تجدُ أنّ ثمّة من يدفعُ لها بسخَاءٍ فاتُورةَ أزيائها الغريبَة .. أمّا في العالم العربيّ .. فلا أظنّ أحداً سوفَ تكُون ردّة فعلهِ على مغنيّة تضعَ عشاً من الطيُور على رأسهَا –كما فعلتْ ليدي جاجا قبلَ شهرين- أكثر من الضحكِ والسخريّة ..
فيْ العَالم الغربيّ هنالك فئَة تسمّى صيادِيْ التعويضَات .. فهمْ جاهزُون لرفع دعوَى قضَائيّة ضد شركَة أحذيّة لأنُهم خسروا مثلاً مباراة كرَة قدَم بسببِ آلامٍ سببها الحذاءُ الرياضيّ الذي كانُوا يرتدُونه ..
أو يرفعُوا دعوَى قضائيّة ضدّ شركَة فلانيّة للمشرُوبات لأنهُم وجُدوا أنّ علبة المشرُوب التيْ اشترَوها نصف فارغَة ..
أو قد يرفعُ دعوَى قضائيّة لأنّه تعثّر بإحدَى الصخُور المتساقطة من إحدَى مواقعِ الإنشاءِ دونَ أن تكتبَ شركَة المقاولات .. تحذيراً بذلك ..
هلْ هذا جيِّد؟!
لا أعرف! لكنّ ما أعرفهُ بالتأكيدِ لو أنّ كلّ أحدٍ في عُمان بدأ يفكّر بنفسِ الطريقَة الغربيّة لانتهَى الجميعُ إلى إعلانِ إفلاسهِم .. فهذا سيرفعُ دعوَى قضائيّة ضد الآخر لأنّه "كشطَ" بشكلٍ خفيف سيارتهُ في إحدَى مواقفِ السياراتِ ..
وهذا سيرفعُ دعوَى قضائيّة على المطعم الفلانيّ لإصابتهِ بإسهالٍ بعدَ أكلهِ من المطعم (وما أكثر ما يحدُثُ هذا) ولا يكُون التعويضُ بريالين أو عشرين ريال بل بمبلغٍ من ثلاثَة أصفار فما فَوق .. وهكذا سندخلُ في دائرَة جديدة .. يظهرُ فيها مليُونيرات من العدم .. "شافطِين" ملايينَ أخرَى من مليُونيرات آخرين يتخفّون في الظلام لا يعرفهُم أحدٌ سوَى القيّمُون على أرصدتهم البنكيّة المتخمَة بالريَالات ! حسناً .. سيناريُو طرِيف ولكنّ بهِ بعضَ العدلِ ربّما في توزِيع الثَروَة و"إعطاء" الأثريَاء درُوساً قاسيَة في ملايينهِم المُجمَّدة ..