الأربعاء، 25 نوفمبر، 2009

بينَ ازدواجيّة التديّن واللاتديّن..

http://www.alwatan.com/dailyhtml/culture.html#5

عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com

باستطاعتيْ أنْ أسمّيهِ "مقَالَ العام" بالنسبَة لما نشرتهُ هذا العام منْ موادّ ردهاتيّة .. مقاليَ الأخير الذيْ نشرتهُ قبلَ أسبوعينِ بعنوانِ "أن أكونَ متديّنة وصُورتيْ على الفيس بُوك" .. وأصدقكمُ القولَ أنّي كنتُ قد جهزتُ حينها مادّة أخرى كاستكمَالٍ للمادَةِ الأولى لتخمينيْ أنّ المقالَ سيثيرُ من الهجُوم الكثير لكنني صدمتُ فعلاً لردودِ الفعل الإيجابيّة التي أبدَاها القرّاء المجهولونَ خاصّة .. في بريديْ وفي حسابيْ على الفيس بُوك وفي مدوّنتي أسعدتني الردُود كثيراً وشعرتُ أنّ هنالك العشرَات ممن يفكّرون بنفسِ الطريقَة لكنّهم غير قادرين على تلخيصِ أفكَارهم وتقدِيمها علانيَة ..

قبلَ أيّام .. استضَافت جماعَة الخليلِ للأدبِ مجمُوعة من الكتّاب السرديينَ كان منهُم عبدالله حبيب وقد لفتتنيْ جملَة مؤثّرة قالها هي أنّ مجتمعنَا لا زالَ جديداً على النقد .. والنقد الصحيّ خاصّة .. النقد الموضوعيّ الذي لا يجرّح فيْ شخصِ كاتبِ النصّ وإنّما "يهزّق النصّ" نفسهُ ..

قال عبدالله حبيب: "نحنُ نخرجُ إلى الحيَاة وثقافَة النقد غائبَة عنّا .. لا نستطيعُ نقد المجتمعِ ، ولا السُلطة ، ولا الثقافَة .. لا نستطيعُ انتقَادَ أبوينَا ولا زملائنا ولا معلّمينا.. ولذا فإننا نخرجُ متشربينَ فكرَة رفض النقد حتّى وإنْ كانَ علمياً وغير عاطفيّ .."

لأجلِ ذلكَ كانَ من الطبيعيّ جداً أنْ يثيرَ ما ذكرتُ ردودَ فعلٍ معارضَة جداً .. معَ أنّ كثيراً من الكتّاب العرب كتبُوا عنِ "ازدواجيّة التدين" خاصّة ً في الوطن العربيّ لدينا ، رغمَ عدمِ انتشَار كتاباتٍ كهذهِ فيْ عُمان .. ونحنُ حينَ نمسّ هذهِ الخطُوط نقابلُ في الجهَة الأخرَى بردود أفعالٍ غريبَة بعيدَة عن الوسطيّة ..

لعلّها كانت قليلَة .. لكنّها فعلاً تستحقُ تسليطَ الضّوء .. بعضهُم بعثَ يقولُ ليْ أنتِ العضوُ فلان وفلان اللذينِ يدافعانِ عن أفكارك في مقالكِ المنقولِ بمنتدَى الانترنت الفلانيّ والحقيقَة لم أستغرِب أن أتّهم بالتخفّي تحت اسم مستعارٍ رغم أنّي لم أفعلها في حياتي كلّها سوَى بمعرّف واحد أتسوّق بهِ في إحدى منتدياتِ الانترنت ولا أحبّ أن ينتهكَ أحدٌ خصوصيّتي

الإشكاليّة الحقيقيّة أن ظنّ الكثيرين في أنّ الكاتبِ يدافعُ عن نفسهِ باسم مستعَار لأنهم غير قادرينَ على التفكيرِ أنّ هنالكَ آخرين ممن يفكّرون بنفسِ تفكيرهِ .. أنا لا أعرف على الإطلاقِ أيّ كاتبٍ منتدياتيّ باسمٍ مستعار .. لكنّ ما أدهشنيْ هوَ غيَاب الوسطيّة في التعاطيْ مع أيّ فكرَة حوَار .. وتحسّس كل أحدٍ البطحَة على رأسهِ خاصّة في المنتديات وكأنني من أقصدهُ شخصياً في قاليْ فهذا يقولُ هي كتبتْ بناءً على نقدي السّابق لها.. وأنا يا جماعَة لم أكتبْ لا عن مداخلَة فلان الانترنتيّ ولا عن علان..

أكثر ما أدهشنيْ يا أصدقاء هو تلقيَّ رسائل منْ مجهولينَ يشكروننيْ على المقالِ وخاتمينَ رسائلهم بِ "تيّار اللادينيين العمانيين" ، وكأننيْ كرّستُ لمفاهيمِ إبعادِ الدينِ عن تصرفَاتنا في الحياة .. وهوَ ما لم أعنهِ على الإطلاق.. ثمّة تطرّف في التعاطي وفهم أفكَار المقالاتِ الناقدَة لتصرفاتٍ تربطُ بالدين وقد لا تمثلهُ بشكلٍ من الأشكالِ..

مقاليْ الطويل جداً لخّصهُ أحدُ القرّاء المثقفين في مداخلةٍ صغيرَة للغايَة أجدنيْ لا أستطيعُ تفويتها أمامكُم وهيَ لمثقّف انترنتيّ اسمهُ ناصر العميريّ قالَ في تعليقهِ:

(الفهم الخاطئ للدين والانتقائية (Selectivity) في تطبيق الممارسات الدينية... كل هذا يقود إلى الأفكار المريضة وازدواجية المعايير(Double Standards)... الانتقائية مثل حمل الفتاة للعطر حرام وعيب... أما سرقة واجب زميل فشئ عادي...
ازدواجية المعايير مثل: شيء طبيعي أن تكون صوري في الفيس بوك لأنني رجل بينما يعتبر عيبا و عارا أن تضع عائشة السيفي صورتها المحتشمة في مدونتها...
أيضا هناك مسافة هائلة بين ما نؤمن به وبين ما نطبقه في حياتنا اليومية... هذا يؤدي إلى التعارض، مثل الغيبة والنميمة حرام... لكن شاعرنا-في المقال- لا يتورع عن اغتياب زميلته وتلويث سمعتها... وأراهن لو سألناه لقال أنه لن يغتاب أحدا أبدا...لأنّ الغيبة حرام)

أوْ ظنّ بعضهم أنّي أرمي باللمزِ إلى الملتحينَ في المجتمعِ وكأننيْ أحتكرُ ازدواجيّة استخدام الدين عليهم فقط وهوَ ليسَ صحيحاً على الإطلاق

بلْ أغلب الفئات التيْ ذكرتها في موضوعيْ من الرجالِ خاصّة هم أشخاصٌ غير ملتحين يحضرُون الدين فقط حينَ "يدقّ" في مزاجهم .. ويقصُونه وقتما شعرُوا أنه يتنافى مع ما يودّون فعلهُ ..

يظنّ كثيرُونَ أنّ الازدواجيّة مرتبطَة فقط في استخدامِ الدين لكنّ هذا ليسَ صحيحاً على الإطلاق .. فالآخرينَ الذينَ يعارضُون استخدامَ الدين كطريقَة حياة نادراً ما نجدُ منهُم المعتدل .. وهوَ ما ألمحهُ في كتاباتِ كثيرٍ من المدوّنين ..

مؤخراً سادتْ موضَة الانتقاص من الدين بين المدوّنين الخليجيين .. وقد كنتُ أقرأ في كثيرٍ من الأحيان مواضيعَ متطرّفة للغايَة لا مبرّر لأصحابها سوَى رغبتهم في الانتقاصِ من فكرَة الدّين .. ومن يطبّقه ..

وأصبحتْ على الجانبِ الآخر تدارُ "قهاوي" المقالات والحكَايات عن فئات "المطاوعَة" المتعارفُ على تسميتهم بهذا الاسم في مجتمعاتنا رغمَ تحفظيْ على ذلك ..

ومنْ ثمّ شهدَ العامانِ الأخيرَان نشر عددٍ من الرواياتِ الخليجيّة تتركّز حولَ نفسِ النقطة ..

سأقولُ لكم أنيْ أستغربُ من مدوّنين ينادُون بقيم الحريّة والانفتاح على الآخر ويهاجمُون فئات كهذهِ من المتدينين بصيغَة الجمعيّة وهوَ أبعد ما يكُون عن مهنيّة الطرح ..

أذكرُ مرة ً على الفيس بوك كانَ هنالك شاعر خليجيّ علاقتيْ جيّدة معه لكننيْ كنتُ في كلّ مرة أراهُ يلطّش في الكلام.. وآخر ما وصلنيْ منهُ على صفحَة الفيس بُوك كانَ في عيد الفطر وقد علّق قائلاً : (كيف حال إلهِ الذبح والدم لديكم .. هل شبع من ذبائحكم؟) أوْ قبلها وهوَ يسخر من اختلاف أوّل أيام العيد من دولَة لأخرى حسب رؤيَة القمر .. وهوَ يقول ( هل أذن ربّ القمر في عاصمَة الدولة فلانيّة بالعيد ورفض ربّ القمر فيْ الدولة الأخرى ببدءِ عيدِ عبادهِ؟) وكانتْ كلّ ردودهِ على هذا المنوَال ..

فرددتُ عليهِ قائلة ً : (أيها الأخ الكريم .. تنادي باحترامِ آرائك وحريّة مبادئك وتدّعي الليبراليّة وأنت غيرُ قادرٍ على تطبيقِ أبسطِ معتقدَات ما تنادي بهِ وهوَ احترام مقدّسات الناس وأنتَ تلطّش عليها برماحكَ يميناً وشمالاً .. أهذا ما علّمتكَ إيّاهُ حياةُ الحريّة التيْ تعلكُ بها طوالَ الوقتِ؟)

نفسُ الفكرَةِ كرّرها رجلٌ آخر يدعيْ ما يدعيهِ سابقهُ .. وكنّا في جلسَة على هامشِ مهرجَان الشارقة قبلَ عامين .. كنّا نتحدّثُ عنْ ازدواجيّة تطبيقِ المفاهِيم لدَى كثيرٍ من المتزوّجين .. فالزوجُ يحلّ لهُ أن يفعلَ كذا وكذا بينما لا يحلّ للزوجَةِ ذلك رغمَ عدم رفض الدينِ لفعلها ..

فعلّق أحد الحاضرين بطريقَة ملفتَة جداً قائلاً أنهُ يؤمنُ بالمسَاواةِ ولذلكَ فإنّه حلفَ على زوجتهِ في أوّل يومِ زواج وهما في الطريق للمطار قائلاً : (والله ما تطلعين للمطار إلا وانتِ خالعَة زي ما أنا خالع ) .. ألقاها وكأنهُ يلقي نكتَة ظريفَة ثمّ أكمل: ومن يومهَا تعوّدت زوجتي على الخروجِ دونَ حجاب..

كنتُ أديرهَا في رأسيْ وأقولُ لعلّ تفكيريْ قاصرٌ في فهمِ ما قالهُ وفيْ فهمِ نكتتهِ التيْ أضحكَتِ الجميع ..لكنْ بأيّ منطقٍ يعتبرُ أنّ إجبار الزوجِ امرأتهُ على تطبيقِ مفاهيم لا يمارسهَا باسمِ الدّين هوَ ازدواجيّة لكنهُ لا يعتقدُ أنّ إجبارهُ امرأتهُ على خلعِ حجابهَا هوَ أيضاً انتهاك لمفاهيم حريّة الفكر والمعتقد التيْ ينادي بها !

حياتنَا مليئة بهكذَا مفاهيم .. الفصل بينَ ما نؤمنُ بهِ وما نمارسهُ .. تقولُ الأمّ لطفلها لا تكذب بطّيح النار.. لكنّه في جلسَة واحدَة برفقتهَا وهي مع جاراتهَا يكتشفُ أنّ أمّه "بطّيح النار كثيراً" ..

ويسمعُ معلّم التربيَة الاسلاميّة وهوَ يقدّم درساً في الأمانَة وإخلاص العَمل ومراقبةِ اللهِ لنا في كلّ ما نفعل .. لكنّ الطالب يلمحُ المعلّم وهو يتغاضَى عن طلابهِ وهم يغشُون في الامتحان ..

نماذجُ كهذهِ صادفتُها ولابدّ أن كثيراً منكُم صادفهَا .. كلّ هذا يميّع مفهُوم حضُور الدين لدينا ونبدأ شيئاً فشيئاً بالإيمان أننا نحنُ السلطة المخوّلة ونحنُ المرجعيّة العليا في انتقاء الدين واختيَار وقتِ إسقاطهِ على تصرفاتنا ووقتِ إقصائهِ ، وحتّى حينَ ندعيْ الحريّة والليبراليّة وننادي باللاتدين فإننا بطريقَة وبأخرى ننافي أبسط قيم ما بنينا عليهِ ادعاءاتنا وهوَ الموضوعيّة في رفضِ ما لا نؤمن بهِ دون الانتقاص أو التجريح غير الموضوعيْ ودونَ أن نكونَ متطرفين في آرائنا .. لأنهُ صحيحٌ جداً أن الحريّة كذلك قد تكونُ متطرّفة ومزدوجَة حين ننادي بها ولا نستطيعُ جعلها وسيلَة لاحترام شعائر وإيمانيات الآخرين .. المتدينين تحديداً ..

نعم لدينا ازدواجيّة في التدين ، شئنا أم أبينا وأراهن أن أحداً منكُم صادفها ولو مرّة في حياتهِ .. ازدواجيّة كهذهِ كانتْ سبباً في تنفير الكثيرين من حضُور الدين في حياتهِم ..

ازدواجيّة كهذهِ .. تنبّأ بها القرآنُ قبلَ 15 قرناً حينَ تنزّل عزّ وجلّ قولهُ .. ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾

السبت، 21 نوفمبر، 2009




وَ .. لعلّيْ !


حينَ تكتظّ مسَاءاتيْ أصلّيْ ..


لحبيبٍ وقعهُ فيْ القلبِ .. من وقعِ التجـلّيْ !
.
.
عائشَة

الجمعة، 20 نوفمبر، 2009

كفَى مَوتيْ بأنّ دميْ حزين ٌ
وكيفَ يموتُ منْ دَمـُهُ حزينُ ؟!
.
.

عائشَة

الأربعاء، 18 نوفمبر، 2009

عن ندوَة المرأة.. وهذيانات "حريميّة" جداً !

لم تتم إجازَة المقال للنشربالجريدَة
.
.
عائشَة السيفيّ
أراجعُ مع رئيسيْ في العملِ بعضَ الحساباتِ فيدخلُ مهندسٌ من دائرَة أخرى ليقدّم ورقَة لرئيسي قائلاً : خذ ، هذا قرار جديد صادر مطلوب توقيعك .. أطالعُ القرار بفضول فيقدّمه ُ رئيسي في العملِ لي فأقرأ في القرار ..أقر أنا الزوج( ..... ) بعدم ممانعتي لخروجِ زوجتي ( ....)من البيت في الساعة (..) وذلك يوم ( ..) متوجهة ً إلى (.... ) مع عودتها في الساعة (.... ) فيما انفجرَ المهندس ضاحكاً بالقول : هذا القرار من إفرازات ندوة المرأة !يغادر المهندس فيدخل آخر ويقرأ القرار "المفتعَل" ضاحكاً ويقول : هذا بو تستاهلنه ، الدخول والخروج من البيت بتصرِيح .. عب نحن الرجال من يسوي لنا مؤتمرات؟ حينَ عدتُ إلى طاولتيْ سألني زميلي في المكتب المجاور: عائشَة ، يعني بشو طلعتن من هالمؤتمر؟ ، ظللتُ طويلاً أفكر ثمّ أجبت : يا ود الحلال لا تستعجل ، القادمُ أجمل !
(***)
بعد انقضَاءِ الندوَةِ بأيام اتصل بي زميلٌ صحفي ليسألني ما رأيي في ندوة المرأة وهل أدّت دورها المعوّل عليه؟ فأقولُ لهُ : والله ما المسؤولُ بأعلم من السائل ! بعدَ مقالي الذي كتبتُ فيه عن صديقاتي المجهُولات بعث لي أحدُ الكتّاب العمانيين قائلاً : ( مقالك جميل يا عائشة لكن قولك في المقالِ أنّ الندوة تعقدُ على جانبٍ عال من المستوَى والحرفيّة .. هذا عليهِ كلام! ) .. قلت له : (لماذا؟ هل تريدني أن أشتم بها وهي بعدُ لم تبدأ؟ ) فردّ قائلاً : ( لم يطلب منكِ أحدٌ أن تشتميها لكن أحداً أيضاً لم يطلب منكِ أن تتملقيها ! ) ..
(***)
مضَى أسبوع وأسبوعان وآخران غيره بعدَ الندوَة .. وأنا أفكّر .. ما الذي قدمتهُ لي الندوَة كفتاة عمانيّة؟ ما الذي استفدتُ أنا منهُ كمواطنة عمانيّة بعيداً عن كل المسميَات الثقافية التي قد تحضر معي.. ما الذي من الممكنِ أن تغيرهُ هذه الندوة في حياتيْ أنا كفتاة عمانيّة تعيش على هذه الأرض كأيّ امرأة أخرى هي إيمان أو فاطمة أو علياء !وما الذيْ خرجتْ منهُ نساؤنا المدعوّات للندوة .. بملابسهن المكويّة النظيفة وعباءاتهنّ المزركشة .. وحقائبهن غالية الثمن .. وبأناقتهنّ التي تشدُ المشاهد وهوَ يطالعهنّ في شاشة التلفزيون التي تنقلُ تفاصيل الندوة أولاً بأول.. من حضر من النساءِ العمانياتِ للندوةِ! ومن غاب أو غُيِّبَ عنها؟

حسناً .. ظالمٌ جداً القول أن الندوة لم تخرج بتوصيات جيّدة جدا..ومن الظلمِ بمكان أن نحكم بفشل الندوة من نجاحها .. لأن نجاحها يقاسُ على المدى البعيد .. وأي نعَم ، الحَاجة موجودَة لهكذا ندوات .. وهي كأوّل ندوة تعدّ بداية موفّقة لاستصدار قوانين وحقوق جديدة تخصّ المرأة ودورها في المجتمعِ سياسياً واقتصاديا إلخ..

لا أودّ أن أكون متطرفَة في آرائي .. مستعجلَة في أحكاميْ .. وهجوميّة .. لكننيْ حزينَة .. حزينَة لأنّ ليس باستطاعتي أن أقدّم لنسائنا العمانيّات المهمشات أكثر من كلمة في جريدَة أو مدونة .. وحزينة أكثر لأن المرأة نسيَتِ المرأة.. ولأن الندوة أقيمت بنسائها المدعوّات "بالبطاقات" فقط !
حزينَة .. لأنّ "وطني حزينٌ أكثر مما يجب" .. ونساؤهُ كذلك ..
ثمة كلام ينبغي أن يقال.. لعلهُ هذيان .. لعلهُ أدخنة مجنونَة صعدت في الهواءِ واختفت.. هنا هذيانُ امرأةٍ عن ندوَة المرأة ..

(***)
يحدثنيْ أخي القاطن في إحدى بيوت الخوض المستأجرة التي يقصدها طلابُ الجامعة عن المرأة القاطنة جوارهُم .. التي كثيراً ما يسمعُ صراخها وزوجها ينهالُ بالضرب عليها .. ترى هل عرفتْ تلك المرأة بأنّ ثمة ندوة في الجوار تقام لتكريس حقوق المرأةِ العمانيّة؟ ترى لو عرفت هل كانتْ وقفت وسألت: أيها المجتمعون؟ أينَ حقوقي أنا؟
ليت الندوَة خرجتْ ولو استناداً على أرشيف قضايا العنف في المحاكم بقراراتٍ تخدم المرأة العمانيّة المعنفة.. مثلاً خط ٌ للتبليغ عن حالاتِ العنفِ والاعتداء الجسدي والجنسي .. خطٌ ساخنٌ يستطيعُ من خلاله أي فردٍ أن يؤدي دورهُ في حمايةِ امرأة مستضعفة يعتدي عليها زوجها أو أخوها أو أيّ شخصٍ آخر ..سألتُ قبل أن أكتبَ هذا المقال الكثيرين إن كانَ ثمة وجود لمثل هذا الخط فنفى الاغلبية..
فإن كان هذا الخط موجوداً .. ألا يستحق أن يروّج له في الشوارع والمحلات والواجهات التجاريّة؟إن كانت هؤلاء النساء المُعتدى على حقوقهنّ مجبرات على السكوت أو عاجزاتٍ عن كسر خوفهنّ فلماذا لا نترك للآخرين المجهولين فرصَة التبليغ عن حالاتهنّ الانسانيّة دونَ أن يعرفَ أحدٌ بهويّة المبلّغ؟
ولماذا لم تكلّف أي من نساء المجتمع البارزات نفسها بتكوين جمعيّة حقوقيّة للدفاعِ عنهنّ مجاناً؟ مجموعة محاميّات أو قانونيّات مثلاً ! أو تشكيل لجان توعيَة للنسَاء اللاتي يجهلنَ حقوقهنّ في ضمان معاملة كريمَة لهنّ..
(***)
قبلَ عامٍ من الآن.. لم يكنْ حديث النساء الشاغل في مدينتنا سوى عن المرأة العجوز التيْ استنكرتها جاراتها صباحاً وحين ذهبن إلى بيتها وجدن العجوزَ غارقة في دمائها بسبب اقتحام أحدهم لمنزلها واغتصابهَا .. العجوز العمياء تعدّت التسعين من العمر.. حملتها جاراتها بجسدها المليء بآثار العنف والكدمات التي أحدثها ذلك الحيوان البشري وغطينَ آثار الدماء وحملنها للمستشفى ليخبرنَ الأطباء أنها سقطت ودونَ أن يكلفَ الأطباء نفسهم بتفحصِ صدق تلك النساء من كذبهنّ منحوها سقايَة وانتهَى الأمر ..
أذهب مع أمي لزيارة إحدى قريباتنا فأسمع امرأة تقول لأخرى: سمعتِ ما حدث للعجوزِ فلانة؟ فتجيبُ الأخرى: نعم سمعت بس تراها ما أول مرة تصير لها!امرأة في التسعين من العمر .. لا ابن لها ولا ولد.. سوى أخٍ كان يسمحُ لها بالنوم ليلا في بيتهِ إلا أن تبوّلها اللا إراديّ جعلهُ يرفض استقبالها حتى لترفِ قضاء الليل في حمايةِ بيتهِ ..من يحميْ هذه المرأة؟ ومن يؤمن لها حياة كريمة في مشيبها؟
لماذا لا تؤجد ملاجئ لمثل هذهِ النساء الوحيدات.. كنتُ سألتُ قبل ذلكَ إن كانَ ثمة وجود لها فسمعتُ أن ثمّة ملجأ لكبار السنّ لكنهُ غير معلن حتى لا يشجّع الأبناء على عقوق آبائهم وأن استقبال نزلائه يتم بقرار وزاريّ شخصي ..والسؤال.. هل سيفكّر ابنٌ على وضعِ أبيه في ملجأ إن لم يكن عاقاً بالفعل؟ ، فلماذا لا نضمنُ لهم على الأقل أدنى مستويات العيش الكريم في آخر سنين عمرهم؟
لماذا ننكل بهم تحت رحمة ابنٍ عاق!وهذهِ المرأة المقطوعة من لها؟ ومن يتكلّم باسمها؟ هل ترى فكّرت أي من النساءِ الجميلات المتأنقاتِ وهن يحضرنَ تلك الندوة ويناقشنَ وضع المرأة اجتماعياً أن حالاتٍ كثيرة كهذه المرأة موجودة في مجتمعنا تحتاجُ أصواتهنّ ومساعدتهنّ؟
(***)
بعد الندوةِ بأيّام اتصلتْ بي معلمَة وهي تكادُ تبكي محتجة على قرارٍ وزاري صادر بإلغاء إجازة مرافق مريض وبدلا منها تحديد 5 أيام كإجازة طارئة كحدٍ أقصى..المعلمَة التي يعاني اثنان من أطفالها من فقر الدم الحادّ ودعتني بسؤالٍ متعبٍ جدا وهي تقول: "أولادنا يا عائشة شو نسوي بهم؟ كيف تطالبني وزارة التربية والتعليم أن أخلص في عملي وأذهب للمدرسة وأدرّس طالباتي حصّة ولا أروع .. ولدي طفل صغير يرقدُ في المستشفى يتلوّى ألماً؟"
كنتُ أفكرُ أن القرار لم يخرج إلا لأن كثيرين أساؤوا استخدامَ إجازة مرافق مريض ، لكن يا جماعة.. امرأة عاملة لديها ثلاث أو 4 أطفال.. ألا تعتقدونَ أن 5 أيام إجازة طارئة هو قرارٌ مجحف لكل أمٍ لا يمرُ العام دونَ أن يمرض أطفالها مرتين أو ثلاث في السنة ..
أليسَ هذا محاربَة لأمومَة المرأة العاملة؟ ترى ما الذي استفادت منهُ عشرات الأمهات المعلمات من ندوة المرأة التيْ خرجَ القرار بعد انتهائِها بأيام؟ما الذي قدمتهُ ندوة المرأة للأم العمانية العاملَة التي لا تملكُ ساعَة رضاعة يوميّة كالتي تملكها نظيراتها الخليجيّات وأقربها البحرينيّة مثلاً؟
(***)
قطعَ علي كتابة هذا المقال اتصالٌ من صحفيّ .. سألني هل أنتِ مشغولة؟ قلتُ له أكتب ردهات عن ندوَة المرأة! فقالَ لي: لديك تحفّظات؟ .. قلت له نعم.. فقال لي: يا ستي لا تكتبي .. أنت أكبر مستفيدَة.. كل 17 أكتوبر من كلّ عام سيقيمون أمسية شعريّة وسيدعونك لإحيائها وستربحينَ من خلفها نقوداً ! ما الذي تريدينهُ أكثر من ذلك؟
(***)
جميلةٌ تلك الندوة .. ظهرتْ فيها نساؤنا العمانيّات مبتهجات.. سعيدات بالنقاشات فيها.. ظهرت الطاولاتُ أنيقة ومهندمَة والأضواء هادئة والديكور جميلٌ للغاية.. كانَ كل شيءٍ جميلاً جداً ومشجعاً على التقاط الصور ونقلها في التلفزيُون .. لكنّ فاطمَة التي تحمل بطاقة شخصيّة غير مختلفة عن المدعوّات وتحمل جواز سفر عمانيّ ككل المشاركاتِ في الندوة ..
كانت لا تزالُ تتعرضُ للضرب من زوجهَا.. والعجوز التيْ اغتُصِبت .. عادت إلى بيتها الطينيّ بينما مغتصبها يسيرُ ربما أمام البيت يومياً دون أن يعرف أحدٌ أنه من اعتدى عليها.. والمعلمَة تلك واصلت طريقها إلى مدرستها وطفلها الصغير راقدٌ في المستشفى .. والندوَة انتهتْ وعادت المدعوّات كلٌ إلى حياتها.. حضرَ كلّ شيءٍ في تلك الندوة.. وغابتِ المرأة العمانيّة التي لا يعرفها أحد .. تلك المخفية في حواري القرى .. وأزقّة المدن.. تلك التي لا تملكُ عباءة مكويّة لتظهر بها أمام عدساتِ الكاميرَا !

لأنـّهُ وطنٌ ..






وها أنَا طفلة ٌ في البحرِ سابحة ٌ
يقبّل الموجُ أضلاعيْ ويحتضنُ

أقولُ للبحرِ سلّمْ ليْ على وطنٍ
خبّئتهُ فيْ فمٍ قيثَارهُ الشجنُ

أغمضتُ عينيَ حتّى ملّ من وسنيْ
ظلّيْ وأشغلنيْ عنْ فقدِهِ الوسنُ

وفي فميْ الزمنُ المطعُونُ يصلبنيْ
وقدْ يموتُ على فرطِ الأسَى الزّمنُ

ها الرّيح ، هالليلُ .. ها صوتيْ يعمّدنيْ
سجّادة ً فيْ ثراها نائم ٌ وطنُ .

.مضيتُ دونَ دميْ .. أشكُو إليهِ دميْ
كالرّوحِ إنْ خَانها في حزنهَا البدَنُ

وها أنَا الرّيحُ تذرونيْ وتجمعنيْ
وليسِ ليْ من نجاةِ الرّيحِ مؤتمَنُ

يا صاحبَ السّجنِ نزّهنيْ .. أنا لغة ٌ
عذرَاءُ يعبُدنيْ .. شِعريْ ويفتتنُ

واكتُب على الرّمل .. لا يفنَى المكان بها
ولا تشيخُ وإنْ شاختْ بها المدنُ

ولا تموتُ وإنْ يعرَى الرّجالُ بها
ولا تضيقُ ولو فيْ جوفِها دفنُوا

وسوفَ تحيَا حيَاة َ الصّمتِ يمنحهُ
الغيابُ قبلتهُ الكبرَى ويحتضنُ

نذرتنيْ أنْ أكونَ البحرَ فيْ جسدٍ
لا تمتطيْ قِفرَهُ الأفلاكُ والسّفنُ

وها أنا فيْ دميْ أغرقتنيْ جسداً
كقاربٍ ملّ منْ أسفارهُ الوَهَنُ

لكنّهُ لنْ يوَارَى لوْ بهِ غرقَ الموتَى
ونامتْ على أجداثهِ المحنُ

لأنّهُ وطنٌ مستوطنٌ وطنا ً
وكيفَ فيْ البحرِ يلقَى حتفَهُ الوطنُ؟

.
.
عائشَة السيفيّ

الثلاثاء، 10 نوفمبر، 2009

أنْ أكونَ متديّنة وصورتيْ على الفيس بُوك !

عائشَة السيفيّ
ufuq4ever@yahoo.com



أتلقَى عادة ً بين الحين والآخر تعقيباً على مقالاتي رسائلَ غاضبَة من أشخاص مجهولين يتهمونني تارةً بالعلمانيّة وتارةً بالليبراليّة وتارةً بأنني متحرّرة وقد يأتي أحدهُم للقولِ أنّ أفكاري تشكلُ خطراً على "فِكر المرأة العُمانيّة المحافظَة" إلى آخرهِ من رسائل قد يتعرّض إليها أيّّ كاتبِ صحيفَة فما بالكُم بكاتبة قادمَة من بيئَة محافظَة جداً كبيئتي؟
ويهاجمنيْ آخرون لوضعِي صورتي في مدوّنتي وأنّ ذلكَ يخالف الدين رغم أني أضع صورتي بحجابي الكامل دونَ أن أخرج عن الذوق العام في الحشمَة كأيّ صورة أخرى منشورة في الصحفِ أو كصورة أيّ فتاة محجّبة تمشي في الشارع !
وتصبّ أغلبُ هذهِ الرسائل على دعوتيْ إلى "التديّن" أو كمَا قال أحدهم (العودَة الحقيقيّة للدين) وإعادة النظر في منهج الكتابَة التي أنهجُها من بَاب قولهِم أنّ الدين يكرّس ارتبَاط مفهومين همَا المرأة والستر .. والكتابَة تتنافى معَ هكذا مبادئ ..
خلاصَة القول أنّ أغلبَ هؤلاء يُقدّمون في رسائلهم بطريقَة أو بأخرى مفاهيمهم الخاصّة في فهم التديّن كأسلُوب حيَاة وكفكر .. وهوَ ما يدفعني للتساؤل: ما هي فكرتنَا عن التدين؟

مؤخراً نشرت قناةُ البي بي سي درَاسة نقلتهَا عن معهدٍ ألمانيّ أقام دراستهُ عن التدين على شريحَة واسعة من الألمان ومن المعروف أنّ ألمانيا من أكثر الدول التي تشهدُ التنوع الدينيّ وحريّة ممارسة العبادة كما أنّها تفتح المجال واسعاً للملحدين والطوائف الأخرى بإعلان أفكارها ومعايشتها جنباً مع جنبٍ مع بقيّة الأديان .. الدراسة شملت كافّة الأديان .. المسلمين اليهود والمسيحيين بطوائفهم المختلفَة وخلصت الدرَاسة إلى أنّ جميع الشرائح تشتركُ في مفهُوم واحد .. أنّ أغلب المتدينينَ يحتكرُون التدين في فكرَة ممارسَة الشعائر الدينيّة أكثر من مسألة عكسها بشكل واقعيّ على حياتهم الحقيقيّة وأنّهم بطريقة أو بأخرى في أسلوب حياتهم يخالفُون ما تنصّ عليه شعائرهم الدينيّة وأنهم إن طبقُوا تعاليم تلك الشعائر الدينيّة فإنهم يخالفونهَا في ممارسَات أخرى إن تعارضتْ مع غاياتهِم..

بالمعنَى البسيط أنّ أغلب من شملتهم الدرَاسة يأخذُون من أديانهم ما يروقهم ولا يطبقُون جزءاً منها في جوانبَ أخرى سواءً بعمدٍ أو دون عمد ..

ذكرتنيْ الدراسة بمقال جميلٍ جداً للروائيّ علاء الأسواني يتحدث فيه عن دراسَة مماثلة صنّفت بلدهُ "مصر" كأكثر البلدان تديّنا في العالم .. وتساءل علاء الأسوانيّ أنه بالرغم أنّ مصر تسجل نسب عاليَة من التحرش الجنسي مثلاً وتنشط فيها السوق السوداء أكثر من دول مجاورة وترتفع بها نسبة الجريمة فإنّ هذا لا يتنافى مع حقيقَة أنّ شعبه هوَ أكثر الشعوب تديناً؟

لتفهموني أكثَر سأحكي لكم قصّة حدثت لي مع إحدى زميلاتي التي تربطنيْ بها علاقَة سطحيّة والتيْ يحلُو لها كثيراً تبرير تصرفاتها باسمِ الدين .. حيثُ كنا سوياً في استراحة الطالبات بالكليّة وبتلقائية شديدة سألتها إن كان لديها عطر لأني نسيتُ عطري ولم أضعهُ بالحقيبة ..

فردّت علي بصورة عنيفة ومتجهّمة قائلةً : عفوا نحن ما نتعامل مع هالأشياء ولا الدين يرضاها ..
طبعاً أنا لم أكن أتوقع ردة فعلها تلكَ وتناسيتهَا مع الزمن.. لكنني عدتُ وتذكرتها في إحدى الأيام ونحن متعسرُون في حلّ مسألة بإحدى الواجبات الدراسية بمقررٍ ندرسه سوياً .. وحينها مرّ أمامنا طالب من زملائنا ووضعَ واجبه في صندوق البريد الخاصّ بدكتور المادة وهذا الصندوق يكون مفتوحاً عادةً لأي أحد .. وحين غادرَ قالت لي الفتاة : (ما رأيك أن نذهبَ ونأخذ واجب الطالب من صندوق بريد الدكتور وننقله ثمّ نعيده وكأنّ شيئا لم يحدث؟)
الحقيقة أنني أمضيتُ لحظات أحدّق إليها ثم ضحكتُ كثيرا وأنا أقولُ لها ( لا يا ابنتيْ ، "عفوا نحن ما نتعامل مع هالأشياء ولا الدين يرضاها" !

رغم أنّ موضوع العطر لو قسناه من مبدأ الحريات فهوَ حريّة شخصيّة بينما سرقة واجب دراسي ومجهود طالب آخر هو تعدٍ صريح على حريته فأيّهما أكثر ارتباطا بالدين؟

مثلُ هذه المواقف كثيرَة .. فنحنُ نأخذ من الدين ما يحلُو لنا ونتركهُ بمنطقِ الغايَة تبرّر الوسيلة .. وشخصياً تعرضت لها وزميلاتي بشكلٍ كبير .. ومن أمثلتها صديقتي غير المحجّبة التي كانَ ثمة طالب يبعث لزميلتها رسائل يدعوها لنصحها بارتداء الحجاب والاحتشام وترك السفُور .. فما كانَ من هذا الطالب سوَى أن يقوم بسرقة بريدها الالكترونيّ الذي استحوذ عليه إلى يومكُم هذا .. هذا الطالب نفسهُ أصبح يلاحقني في ردودهِ مؤخراً بمدوّنتي ناعتاً إيّاي بالمتحرّرة ومدعيَة الحريّة ومهدداً بسرقة بريدي الالكترونيّ ..

الطالب هذا تذكّر الدينَ حينَ رغب في دعوة الفتاة إلى ترك السفُور لكنهُ نسي الدينَ حينَ قام بسرقة خصوصيتها وسرقة أكثر ممتلكاتها سريّة من مبدأ أنّ الدينَ يبرر له ما فعلَ !

في الساحةِ الثقافيّة كذلك يتم إساءَة استخدام الدين أيضاً ولعلّ أبرز ما يحضرني حول ذلكَ هوَ أنّ شاعراً عمانياً عرف أخ شاعرَة عمانيّة وحين علم أنها شقيقتهُ بدأ في الحديث عنها بشكلٍ سيء قائلاً لأخيها: "ليش مفلتين أختكم بهالطريقة؟ ، وليش مخلينها ما شي شاعر إلا وتعرفه؟ ، يا أخي أين الدين؟ أين الغيرَة؟" رغم أنّ تلك الشاعرة منعزلَة جداً ونادرَة التواصل مع الوسط الثقافيّ .. لكنّ أفكاره المريضة دفعتهُ لاختلاق كلّ ذلك ما أدى لمنع أخِ تلك الفتاة منْ مشاركتها في أيّ فعاليات ثقافيّة بعد تلك المحادثة رغم توسطيْ بشكل شخصي لمشاركتها ورفض عائلتها..


الشاعر نفسهُ أعلاهُ .. كانَ يؤمّ في كثير من الملتقيات الثقافيّة المصلّين ويفعل ذلك أيضا في المسجد المجاورِ لسكنهِ .. لكنّ هذا الشاعر نفسهُ أوقع بإحدى الفتيات اللاتي أعرفهنّ بل وظلّ يهددها بالرسائل إن لم تستجِب لطلباتهِ ووصلَ الحدّ إلى تدخّل عائلتها في الموضوع بعدَ أن تجاوزَ هوسُهُ الحدّ المسموح .. نفس هذا الشاعر سمعتهُ بعد إحدى الأمسيات الشعريّة التي جمعتنا يشتمُ في شاعرٍ عمانيّ كبير بطريقَة سيئة للغاية فسألتهُ : هل سبقَ والتقيتَ به؟ فقال لي: لا .. قلتُ له: طيب لماذا تشتمهُ؟ فأجاب: لأنهُ مترفّّع ولا يخالط بقيّة الشعراء!
وبهذهِ الطريقة ظلّ هذا الشاعر يستخدم الدين ليبرّر ما يفعلهُ وينبذهُ حينَ يشعرُ بتعارضِ الدين في ذلكَ الموقف ..


الأصنافُ التي ذكرتها أعلاهُ تظنّ في قرارَة نفسها أنها متديّنة .. تمارس الشعائر الدينيّة على أكملِ وجهٍ وتزيدُ عليها .. بالإمكانِ أن يكونوا مصلّين قوامين ، صائمين لكنهُم في نقطةٍ ما ، يحضرونَ الدين وقتما يشاؤون ويغيّبونه وقتما أرادُوا ..
ولعلّ أبرز ذلك هو الفيلم المصريّ الذي طرحَ قبل عامٍ تقريباً "كباريه" ويسلّط الضوء على صاحب الكباريه ذي اللحية الطويلة التي لا تفارق المسبحَة يدهُ وَالذي يضع مكتبهُ في أعلى الكباريه ويعزل جدران مكتبهِ عن الصوت حتى لا تصلَ إليهِ أغاني الكباريه ولكنهُ يدير الكباريه ويردّ نقوده ويتصدّق بها وقبل تفجير الكباريه بيوم واحد كانَ قد حجز للذهابِ للعمرة..

كاتبُ سيناريُو الفيلم قدّم بعبقريّة مدهشَة نمط صاحبُ الكباريه هذا .. الذي هوَ نسخَة مكررة من ملايين حولنَا .. يعتبرونَ أنهُم "متدينين" بطريقتهم الخاصّة في فهم الدين والتديّن .. تماماً كتلك الراقصَة التي تعمل في الكباريه من أجلِ أن تؤمّن النقود لوالدتها لتذهبَ للحجّ !

ثمّة حديث شريف يحضرنيْ ولا أتذكر تفاصيلهُ لكننيْ أذكر فيهُ أنّ صحابيا مرّ على النبي صلى الله عليه وسلّم فقالَ النبي لأصحابه أنّ هذا من أهل الجنّة! فعجب الصحابة عن السبب وأرادَ أحدهم أن يعرف ما هوَ المميز في هذا الصحابيّ ليكون من أهل الجنّة لذا ذهب للمبيت في بيتهِ يوماً كضيف .. ليرى ما المميز في هذا الصحابي .. ومرت الليلة والصحابي الأوّل لم يلمح أيّ شيء مختلف في شعائر عبادَة المبشّر بالجنة .. وحين جاءَ النهار ذهب الصحابي للمبشر بالجنّة وأخبرهُ عن سبب مبيته وقالَ له والله ما رأيتكَ أكثر صلاةً مني ولا أكثر قياماً مني .. فما الذي حمل الرسولَ على أن يبشّرك بالجنة؟ فقال له المبشّر بالجنة : أنه لا يصوم ولا يصلي ولا يقوم الليل أكثر من بقيّة الناس ولكنّه لا يحمل نية سيئة تجاهَ أحد ولا يحمل غلاً وكرهاً تجاه أيٍ من الناس .. هذا الحديث يحاول أن يصحّح للناس فكرَة أنهُ لا يشترط لتكونَ صالحا أن تكونَ من العابدين القائمين الصائمين .. وإنما التزامك بالشعائر الدينيّة وتطبيقها بشكل عملي في حياتك هوَ السرّ في صلاح الدينِ والدنيا ..

وهوَ ما يقوله النبيّ في حديثه (ربّ صائمٍ ليسَ له من صيامهِ إلا الجوع وربّ قائم ليسَ له من قيامهِ إلا السّهر) فممارستنا للدين لا تعني بالضرورة أننا حينها أصبحنا متدينين !

وهوَ ليسَ في بلداننا العربيّة فقط ففي كتابٍ قرأتهُ ، ذكرَ مؤلّفهُ أنّّ دراسة ً شملت تجّار المخدّرات المسجونين في ولاية شيكاغُو أبرزت أنّ هؤلاء التجار ورجالات المافيَا يذهبُون بشكل دوريّ للكنيسة وللاعتراف ولقدّاس الأحد رغمَ أنّهم قد يقتلونَ في نفس اليوم أحدَ العملاء أو رجال عصابات أخرى ويوزعُون المخدرات لكنهُم في حياتهم كأيّ متدين يمارسُون الشعائر الدينيّة ولا يتخلفون عنَ جلسات الوعظ والإرشاد التي تقيمها الكنيسَة ..

خلاصَة القولِ أنّ أكثرنا يجهلُ ما معنى كلمَة التدين؟ رغم أنّنا نتكئ على الدين في تبرير أغلبِ تصرفاتنا .. وأغلبُنا انتقائيّ في ممارسَة الدين .. نحضرهُ وقتما نريد ونبعدهُ وقتما نشعرُ أنّه يتعارض مع ما نريدُ فعلهُ .. قد نصلّي ونصوم ونقرأ القرآن .. ولكننا نغشّ في عملنا .. ونرتشيْ في تمرير معاملاتنا إلخ ..

يا أصدقائي الذينَ يدعوننيْ للتديّن .. قد أكونُ "متحرّرة" وقد أضع صورتي في مدوّنتي وأنشر وأشارك في الأمسيات وقد ترفضُون أنتم ذلك لكن ليسَ بالضرورة أن تكونُوا أكثر تديّناً مني .. أو من الآخرين الذين يفعلُون ما أفعل .. نعم ، ما التعارضُ في أنْ أضعُ صورتيْ على الفيس بوك وأصلي وأصوم وأقرأ القرآن وأكتبَ عنكم وعن العمل الخيريّ والحياة الجميلَة والثقافة والفنون والشّعر والمرأة وميشيل فوكُو ومحمود دروِيش والآخرين؟ وربّما أكونُ حينهَا أكثر تديّناً منكُم ! من يدريْ؟

الأربعاء، 4 نوفمبر، 2009

لأنهُ لا مكَان للعملِ الخيريّ بيننا (2)

عائشَة السيفِيّ

ufuq4ever@yahoo.com

بعثَ لي بعضهُم يخبرنيْ أنهُ لا ينبغيْ المقارنَة بين العمل الخيري في عُمان ودول كالمملكة المتحدَة واسبانيَا وَالولايات المتّحدة لأن التعداد السكاني في تلكَ الدول يتخطّى بكثير تعدادنَا السكانيّ بعمان .. فهل هذا سببٌ فعلاً لعدمِ ظهور العمل الخيريّ الشعبي لدينا في عُمان على السّطح؟ ربّما !

رغمَ أني ركزت في مقاليَ السابق على النسبَة المئوية التي لا علاقة لها بالتعدَاد السكانيّ بل بنسبَة الكلّ من الجزء ..

لقد آلمنيْ فعلاً أنه بعد كتابَة مقالي الأخير ، لم أجد من يتفاعلُ "بشكل عملي" مع قضيَة المرأة التي ذكرتُها سوَى قارئ مثقّف اعتاد الردّ بريدياً على مقالاتي .. وهوَ كأيّ موظف في الحكُومة لديهِ التزاماتهِ الماليّة لكنه بعث مشكوراً ليقولَ لي أنه يمرّ بأزمَة وضغط ماليّ وأن أقصى ما يمكن أن يقدّمه لهذه المرأة 500ريَال وإلا لقدّم أكثر ..

آخر بعثَ لي يقولُ لي –استجابةً لحديثي بأنّ كلاً منها لا يشترط أن ينشط في العمل الخيريّ بالنقود إنما باختصَاص عملهِ- لذا أبدَى استعدادهُ على أنْ يقدّم بورشتهِ تلك أيّ مساعدة لمحتَاج ..

ثالثُ أبدى استعدادهُ لجمعِ تبرعاتٍ للمرأة لكنّه عاد في اليوم التالي يخبرني بخيبَة أمله في رفض جميع من أبلغهم بالتبرّع ولو بريَال واحد ثمّ عقب أنّ أحد مَنْ طلبَ منهُم ردّ قائلاً : ( كيف نتبرع ونحن ما محصلين ناكل تمرة ببيتنا) بينمَا يملكُ قائلُ العبارة السابقَة سيّارة بورش تتخطى قيمتها الثلاثينَ ألفاً !

أحزنني كثيراً ردود بعض من قرَؤوا المقال وهم يقولُون أنّ الشحاتة انتقلت لكتّاب المقالات وحقيقة ً شعرتُ بالإشفاق الشديد على أننا غير قادرين على فهم أنّ الكتَابة أيضاً قد تكونُ جزءاً من العمل الخيريّ ، وأنّ الكتابَة لا خيرَ فيها إن لم تكن وسيلَة للأخذ بهمُوم المجتمع ..

نحنُ نكتبُ أيها الأصدقاء لا لتستقبل حساباتنا البنكيَة تبرعات أحد ، ولا لأن يخرج ريال من جيبكُم ليدخلَ في جيبنا ، نحنُ نكتب عن فقرَاء يعيشون بعيداً عن بيوتكم الاسمنتيّة الضخمة .. ربما على بعد أمتار أو كيلُو أو أميال .. لكنهم موجودون بيننا ، يتنفسُون نفس هوائكم وإن لم يملكُوا مكيفاتٍ مركزيّة ولا سيارات رياضيّة كما تملكُون .. ينامُون تحت تشينكو أو يتكدسُون في غرفة واحدة ، وهم شئتم أن تخفُوا وجودهم موجودون ، ونعم .. منسيُون لا تطالهم "تبرعاتكم العظيمة" التي رسمتم خيالهَا في الهواء .. نحنُ نملكُ أقلاماً خلقت لتمثّل أولئك الذينَ لا يجيدونَ كتابة حياتهم المسحُوقة على الورق ..

نعم من حقنا أن نكتبَ للعمل الخيريّ وننتصرُ للعمل الخيريّ ، ولنساءٍ مهمّشات تحت خط الفقر ، وسنكتبُ لأننا من جسدِ هذا المجتمع .. نتحدثُ عنه لا عن شعُوب في المرّيخ

امرأتي المجهُولة أبلغتني باكيَة قبل يومين أنّ صاحب البيتِ أبلغها بإقلاعهِ عنْ فكرَة البيع رغم موافقتهِ المسبقَة وحقيقَة ً كنت أفكر قبل أن أعرف بهذا أن صاحب البيت لو باعهَا بيتهُ بذلك المبلغ فهوَ قدّم لها خدمة انسانيّة أعظم من خدمَة أي انسانٍ آخر بإمكانهِ المساعدة .. لكنْ الحياة دائماً "تلهُو بنا وتسخَر" !

لا أحبّ أن أفرد لكم أرقاماً في العمل الخيريّ في الدول الأخرى حتّى لا يقولَ قائلٌ: لهم أوضاعهم ولنا أوضاعنا .. مالياً واجتماعياً إلخ .. لكنيْ سأكتفيْ بعرض رسالة وصلتني من عُمر .. شاب عُماني درَس في كندَا ويعملُ حالياً في عُمان .. يتحدّث عن تجربتهِ الشخصيّة التي شهدها في العمل الخيريّ بكندا .. يقولُ عمر في رسالتهِ ..

( حينَ جئتُ إلى كندا قرأت مرة في إحدى الصحف أن الحكومة سجلت عمل 99.2% من الكنَديين في العمل الخيري في الصيف وحقيقة لم أصدق ذلك الرقم إلا حين أتاح لي الزمن فعلا العيش بين هذا المجتمع ومراقبة سلوكهِ ..

في كندا يتم تعويد الطفل على العمل التطوعي في الصيف ، ولذلك ينشأ الطفل منذ صغره وهو مبرمج على هذا العمل كل صيف .. لديهم مؤسسات لإدارة العمل الخيري وشركات ضخمة لاستيعاب المتطوعين.

في جامعتي ورغم أنها جامعة حكومية إلا أن أغلب المنشآت التي تبنى في الجامعة يتم بناؤها بتمويل مالي من شركات كبرى تخصص جزءا من ريع أرباحها للعمل الخيري

في كندا عشرات المتبرعين لتمويل دراسات الدكتوراه والماجستير مجانا للطلاب وتمويل مختبرات أبحاث ودراسات ، مثلا رجل عجوز وزوجته.. أو رجال أعمال يقدمون هذه التبرعات لآلاف الطلبة المستفيدين) ويختِمُ عمر حديثهُ بالقولِ ( لقد أحزنني فعلا أنه على كثر عدد رجال الاعمال والمستثمرين في عمان لا يوجد سوى اسم أو اسمين في الساحة فقط من الاثرياء ممن يقومون بطرح بعثات للطلاب المحتاجين ولم أسمع من قبل عن رجل أعمال عماني خصص جزءا من أرباحه لتمويل بحوث علميّة أو دراسات في الوقتِ الذي استغربت فيه من جريدة اقتصادية أجنبية ابرزت مسحا للتطور الاقتصادي في دول الشرق الأوسط أظهر أن عُمان تنمو اقتصاديا بنسبة 89% سنويا وأن هنالك 350 مليونيرا في عُمان ... هل تصدقين ذلك؟ )

انتهَت رسَالة عمر.. بعدَ رسالةِ عُمر تصادفَ أن شقيقيْ الطالب الجامعي الذي يستأجر غرفة ً في إحدَى بيوت الخوض أخبرني أنّ صاحبَ البيت قالَ لهم أنّ امرأة ً مطلقة كانت تقيم في تلك الغرفَة مع 4 من أطفالها! تخيّلوا .. امرأة تعيشُ مع أطفالها .. تطبخ ويأكلون وينامون في غرفَة واحدة مساحتها 3في 4 متر ! هذه المرأة أينَ هيَ من انتصَارنا لحقوق المرأة العُمانيّة؟ وأين هي من مساعدة شقيقاتها نساء الأعمال العُمانيّات "الثريّات"؟

لماذا لم يُخلق حتى اليوم تجمع من محامية أو اثنتين أو ثلاث أو عشر ممن يتخرجنَ سنوياً وفكرنَ في أن يخصصن جزءاً من أنشطتهنّ للعمل المجانيّ لنساء فقيرات يجهلن كيفَ يطالبنَ بحقوقهنّ؟

أو مهندسين معماريين أو مدنيين من أصحاب شركات البناء ومقاوليها يخصصونَ جزءاً من العمل الخيري لتصميم خرائط أو متابعَة بناء أملاك لأسر فقيرة تؤويهم ولو تحت سقف كرفَانة !

أمرّ معَ أمي على مزرعَة كبيرة تتعدّى مساحتها كما تظهرُ الألف متر بمئات النخيل .. تشيرُ أمي بإصبعها إليهِ وتقول لي: اسم المزرعة (بستان ديت كفن) أستفهم عن سببِ تسمية المزرعَة بهذا الاسم فتقولُ لي أنّ صاحب هذه المزرعَة الذي توفي قبلَ 30 عاماً نذر هذا البستان ليتم "طنيُ" نخيلهِ والتبرع بريعهَا لشراء الأكفان للناس .. وصرف ما يتبقَى منه للفقراء ..

اليوم .. أينَ نحنُ من ثقافة "الوقف الخيري" للتركة .. نقبض في كثير من الأحيان أوقافاً من هنا وهناك .. لأناسٍ رمّوا في التراب لكنّهم خالدُون بيدهم الطيبَة .. هؤلاء هم أجدادنا .. أميُون .. لكنهُم امتلكُوا الوعي فعلاً للأخذ بيدِ المجتمع.. ليتَ أبناءهم وأحفادهم بشهاداتهِم العلميّة ولغاتهم ودراساتهم يفعلُون مثلهم .. وليتَ حكومتنَا كما فتحتِ الباب أمام أبنائها ليستثمروا في أرضها ويرفعُوا رصيدها اقتصادياً ليتها تفتح الباب واسعاً للاستثمار في العمل الخيريّ والخروج من بوتقَة الجمعيّة الخيريّة الواحدة إلى عشرات الجمعيات التي تشتدُ المنافسَة بينها لمستفيدٍ واحدٍ هوَ المجتمع ..

لا أريدُ أن أتطرّف في آرائي وأطالب الجميع بأن يصبحَ "سوبر" في العمل الخيريّ ولا لا أريدُ أن أكتب بعاطفيّة لأستدرَ شفقَة أحد .. ونعَم ، أعرف كم يرزح شعبنا تحت طائلة الديُون وارتفاع الأسعار واللهاث خلفَ تدبير لقمَة العيش اليوميّة .. لكنْ إن لم ألتفت أنا ولم تلتفت أنتَ ولم يلتفتوا هم لفقرائنا المنكسرينَ بهمّ العَوز والفقر ، فمن يلتفتُ إليهم؟ وإن لم أكتب عن فقرَاء مجتمعي فعمّن أكتب؟ أشعلوا النور جميعاً يا أصدقاء .. لنبصر العمل الخيريّ في بلادنا وينكسَر ظلامُ هؤلاء المنسيين تحتَ شبح الفقر !