الخميس، 16 ديسمبر، 2010

نحنُ .. والأحلام .. وعنترَة !

"أنا والمسيحُ على حالنا..

يموتُ ويحيا، وفي نفسهِ مريمُ

وأحيا وأحلم ثانيةً أنني أحلمُ.. ولكنّ حلميْ سريعٌ كبرقيّةٍ ..... "

هذهِ أحلام محمود درويش .. سرييييعة جداً .. كبرقيّة ، أما الأحلام في وطني فهي بطيئة .. أبطأ من أكسل حيوان كسلان احتضنتهُ أدغال القارّة الأميركيّة ..

العُماني الفقير لا يكادُ يدرك النعاس قبلَ أن يمسّ الحلم .. حتى يكونَ الغنيّ قد حلم .. وفسّر حلمهُ وصحَا من حلمهِ وخبش خشمه وارتدَى مصرّه ودشداشته المبخّرة وفرّ البي أم دبليو الخاصّة بهِ كيْ يُطيّر على حلم الفقير النعسان .. صاحب الحلم الكسلان ..

العُمانيّ الثريّ .. لا ينام الليل مرتاحاً ولعلّه لا يدرك مرحلة الحلم .. لأنها مرحلةٌ عميقةٌ جداً .. فهو يحلم أحلام اليقظة .. أو يقال أنه ينام وهو مستيقظ ..

ويا ترَى هل ينام النصّابون والسراقُون العمانيون الكبار اليوم؟!

لا طبعاً .. يشهدُ النصابُون العُمانيون الكبار هذهِ الأيّام حالة أرق عامّة .. لماذا يا ترَى؟

لأنّهم يفكّرون من منهم سيستحوذ على النصيب الأكبر من الأراضي المطلّة على شارع مسقط السريع الذي أراهنكم أن الصحراء التي تحيط به الآن والتي تشعركَ أنك في إحدى صحاري مقاطعَة تكساس الأميركيّة .. ستتحول إلى عمران تجاريّ ضخم خلال 5 أعوَام فقط من الآن ..

النصابون الأصغَر قلقونَ من النصابين الصغار .. والنصابون الصغار قلقونَ من النصابين الكبار .. والنصابون الكبار قلقون من الحيتان الزرقاء الضخمة ..

الجميع يعيش حالة قلق مرتقبة .. من سيلهف على تلك الأراضي ومن سيحصل على المساحة الأوسع؟من يا ترَى .. من؟

أو لعلّ الأراضي قد وزّعت منذ وضعِ المخططِ الأوّلي للطريق السّريع ، فأنا كبقيّة الشعب .. أحلامي وإن تحدّثت بها بطيئةٌ جداً .. ولعلّ نصابينَ كباراً قد فسّروا حلمي قبل أن أحلمه ..

وأقصى ما سيحدثُ هوَ أن يشتكي أحد المواطنين في برنامج هذا الصباح .. وحينَ يحلّ المساء يذهبُ المواطن للنوم ليحلم بقصّة أخرى جديدة .. ولنا في قصّة أراضي الدقم ، حِكمٌ وعبر !

.

.

من أكبَر المصائب لدينا في عُمان أن تقع أرضُ نصابٍ على زاويَة شارع أو ملاصقة ً لسكّة سيرٍ عامّة .. لأنّ أول ما سيفعلهُ النصابُ حين يشرع في بناء مشروعهِ البنيانيّ هو أن يقتطع نصفَ مترٍ أو مترين أو ثلاثة حسبما تستدعي الحاجة من الشارع أو السكة العامّة ..

لدينا في نزوَى مثلاً .. هنالك نماذج شهيرة يعرفها الناس .. التاجر الثري الذي بنى عمارة على زاوية يقع بها "درام كشرة" ضخم .. تم ترحيل درام الكشرة إلى بقعة مجاورة ولهفت مساحتهُ إلى العمارة بل وتعدى الأمر إلى جزءٍ من الطريق .. وبدل أن تصبح الزاوية أقرب ما تكون إلى منحنى فقد تحوّلت إلى حرف L

النصّاب العُماني مستعد أن يفعل المستحيل ليستفيد من كلّ شبر في المبنى ومستعد أن يؤجّر ولو ربع متر ويخرجَ منهُ كم ريال مقابل استثماره ..

النصاب العُماني يبني العمارة بستة أو سبع طوابق وبعشرات الشقق ولكنّه ينسَى أن يوفّر مواقف لسيّارة المستأجرين ..لأنّه لا يجني منها مالاً يذكر.. ولو كانت المواقف تنجبُ له مالاً لحوّل نصف المبنى إلى مواقِفِ سيّارات ..

النصّاب العُمانيّ لديهِ منخار طوييييييييييييل .. لا يطُول كلّما كذب كما في حكَاية بينوكيو .. وإنّما يطول كلما امتلأ رصيدهُ البنكي ولهف مساحاتٍ أوسع من الأراضي .. يطوووووول منخارهُ ليشمشم و"يبحش" عن أيّ أرضٍ بإمكانهِ استثمارها حتى لو كانتْ في قمّة جبل أو داخل كهف..

وما أكثر أصحاب المناخير الطوِيييييييلة !

يا إلهي .. لدي رغبة لأستجير بنزار قباني .. لعلّي أجدُ فيه قصيدتهِ مواساة ً تنسيني الخمسين ألف عنترة الذينَ يعششونَ على قلوب هذا الشعب المسكين .. شعبنا بطيء الأحلام !!!!


هـذي البـلادُ شـقَّـةٌ مَفـروشـةٌ ، يملُكُها شخصٌ يُسَمّى عَنترَهْ …

يسـكَرُ طولَ الليل عنـدَ بابهـا ، و يجمَعُ الإيجـارَ من سُكّـانهـا ..

وَ يَطلُبُ الزواجَ من نسـوانهـا ، وَ يُطلقُ النـارَ على الأشجـار …

و الأطفـال … و العيـون … و الأثـداء …والضفـائر المُعَطّـرَهْ ...

هـذي البـلادُ كلُّهـا مَزرَعَـةٌ شخصيّـةٌ لعَنـترَهْ …

سـماؤهـا .. هَواؤهـا … نسـاؤها … حُقولُهـا المُخضَوضَرَهْ …

كلُّ البنايـات – هنـا – يَسـكُنُ فيها عَـنتَرَهْ …

كلُّ الشـبابيك علَيـها صـورَةٌ لعَـنتَرَهْ …

كلُّ الميـادين هُنـا ، تحمـلُ اسـمَ عَــنتَرَهْ …

عَــنتَرَةٌ يُقـيمُ فـي ثيـابنـا … فـي ربطـة الخـبز …

و فـي زجـاجـة الكُولا ، وَ فـي أحـلامنـا المُحتَضـرَهْ ...

مـدينـةٌ مَهـجورَةٌ مُهَجّـرَهْ …

لم يبقَ – فيها – فأرةٌ ، أو نملَـةٌ ، أو جدوَلٌ ، أو شـجَرَهْ …

لاشـيء – فيها – يُدهشُ السّـياح إلاّ الصـورَةُ الرسميّـة المُقَرَّرَهْ ..

للجـنرال عَــنتَرَهْ …

فـي عرَبـات الخَـسّ ، و البـطّيخ …

فــي البـاصـات ، فـي مَحطّـة القطـار ، فـي جمارك المطـار..

فـي طوابـع البريـد ، في ملاعب الفوتبول ، فـي مطاعم البيتزا …

و فـي كُلّ فئـات العُمـلَة المُزَوَّرَهْ …

فـي غرفَـة الجلوس … فـي الحمّـام .. فـي المرحاض ..

فـي ميـلاده السَـعيد ، فـي ختّـانه المَجيـد ..

فـي قُصـوره الشـامخَـة ، البـاذخَـة ، المُسَـوَّرَهْ …

مـا من جـديدٍ في حيـاة هـذي المـدينَـةُ المُسـتَعمَرَهْ …

فَحُزنُنـا مُكّرَّرٌ ، وَمَوتُنـا مُكَرَّرٌ ،ونكهَةُ القهوَة في شفاهنـا مُكَرَّرَهْ …

فَمُنذُ أَنْ وُلدنـا ،و نَحنُ مَحبوسُونَ فـي زجـاجة الثقافة المُـدَوَّرَهْ …

وَمُـذْ دَخَلـنَا المَدرَسَـهْ ،و نحنُ لانَدرُسُ إلاّ سيرَةً ذاتيّـةً واحـدَهً …

تـُخبرنـا عـن عَضـلات عَـنتَرَهْ …

وَ مَكـرُمات عَــنتَرَهْ … وَ مُعجزات عَــنتَرَهْ …

ولا نرى في كلّ دُور السينما إلاّ شريطاً عربيّاً مُضجراً يلعبُ فيه عَنتَرَهْ …

لا شـيء – في إذاعَـة الصـباح – نهتـمُّ به …

فـالخـبَرُ الأوّلُــ – فيهـا – خبرٌ عن عَــنترَهْ …

و الخَـبَرُ الأخـيرُ – فيهـا – خَبَرٌ عن عَــنتَرَهْ …

لا شـيءَ – في البرنامج الثـاني – سـوَى :

عـزفٌ – عـلى القـانون – من مُؤلَّفـات عَــنتَرَهْ …

وَ لَـوحَـةٌ زيتيّـةٌ من خـربَشــات عَــنتَرَهْ ...

و بـاقَـةٌ من أردَئ الشـعر بصـوت عـنترَهْ …

هذي بلادٌ يَمنَحُ المُثَقَّفونَ – فيها – صَوتَهُم ،لسَـيّد المُثَقَّفينَ عَنتَرَهْ …

يُجَمّلُونَ قـُبحَهُ ، يُؤَرّخونَ عصرَهُ ، و ينشُرونَ فكرَهُ …

و يَقـرَعونَ الطبـلَ فـي حـروبـه المُظـفَّرَهْ …

لا نَجـمَ – في شـاشَـة التلفـاز – إلاّ عَــنتَرَهْ …

بقَـدّه المَيَّـاس ، أو ضحكَـته المُعَبـرَهْ …

يـوماً بزيّ الدُوق و الأمير … يـوماً بزيّ الكادحٍ الفـقير …

يـوماً عـلى طـائرَةٍ سَـمتيّـةٍ .. يَوماً على دبّابَة روسيّـةٍ …

يـوماً عـلى مُجَـنزَرَهْ …

يـوماً عـلى أضـلاعنـا المُكَسَّـرَهْ …

لا أحَـدٌ يجـرُؤُ أن يقـولَ : " لا " ، للجـنرال عَــنتَرَهْ …

لا أحَـدٌ يجرؤُ أن يسـألَ أهلَ العلم – في المدينَة – عَن حُكم عَنتَرَهْ …

إنَّ الخيارات هنا ، مَحدودَةٌ ،بينَ دخول السَجن ،أو دخول المَقبَرَهْ ..

لا شـيء فـي مدينَة المائة و خمسين مليون تابوت سوى …

تلاوَةُ القُرآن ، و السُرادقُ الكبير ، و الجنائز المُنتَظرَهْ …

لا شيء ،إلاَّ رجُلٌ يبيعُ - في حقيبَةٍ - تذاكرَ الدخول للقبر ، يُدعى عَنتَرهْ …

عَــنتَرَةُ العَبسـيُّ … لا يَترُكنـا دقيقةً واحدَةً …

فـ مَرّةَ ، يـأكُلُ من طعامنـا … و َمـرَّةً يشرَبُ من شـرابنـا …

وَ مَرَّةً يَندَسُّ فـي فراشـنا … وَ مـرَّةً يزورُنـا مُسَـلَّحاً …

ليَقبَضَ الإيجـار عن بلادنـا المُسـتأجَرَهْ

الأربعاء، 15 ديسمبر، 2010

الشّعراء.. تجّارٌ أم متبرعُون خيريّون؟!


عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com

سألتني صديقتي حين التقتني في بروفات حفل تخرّجي بالجامعة .. كم جنيتُ من مشاركاتي الكثيرَة في العيد الوطنيّ؟ فنظرتُ إليها ببرودٍ وقلتُ: جنيتُ "مكبّة بخور" .. لابدّ أن صديقتي توجّهت إليّ بهذا السؤال تعليقاً على أنّي كتبتُ 3 أوبريتات شعرية في العيد الوطني ويومِ المرأة لجهاتٍ مختلفةٍ إضافة ً إلى قصائد لإنشادها في أوبريتات أخرى .. والحقيقة أنّ الكثيرين راسلُوني للمشاركة في فعالياتٍ شعريةٍ مختلفة منذ حلّ شهر أكتوبر، فقبلت بعضها واعتذرت عن الأخرى وكانت أغلب مشاركاتي مبنية ً على قصائد سابقة كتبتها ومنحتها للآخرين .. وهكذا كانَ حالُ الاخوة الشعراءِ الذينَ تنافسُوا في سباق الوطنيَّة التيْ أطفأت عُماننا بها الشمعة القابوسيَّة الأربعين ..

لا أمانعُ طبعاً في أن أشارك بحسي الشعريّ .. لحظاتٍ جميلة ً يحبّها الناس .. خاصة ً الأناس الذين تجمعني بهم علاقة ٌ جميلة أخجلُ حينها أن أردّهم خائبين إذا لم يكن طلبهم مبالغاً فيه كتفصيل قصيدة بمواصفات كيت وكيت ..

يظنّ المرءُ أن الشاعر يجني ثروةً بمشاركاته تلك تكفيه لشراء أرضٍ وسيارةٍ والحصول على مبلغ تقاعد يقيه عوز الحاجة في الشيخُوخة .. إلا أن الأمر خلاف ذلك إطلاقاً ..

تأتينا المؤسسات الحكومية .. طالبة ً منا المشاركة فنلبي الدعوة بابتسامة كبيرة غير منتظرين حينها جزاءً ولا شَكورا .. وتحمّر وجوهنا حين يسألنا أحدهم هل تأخذون مقابل ما تنشرون مقابلاً مالياً؟ فنجيب باستحياء: لا والله .. عيب عيب .. عيبٌ على الشاعر أن يطلب مقابلاً على شعره.. لأن الشّعرَ لا يُساوم بثمن ..

ونعم .. حين نشارك في أوبريت غنائي .. يعطى المخرج مقابلاً مادياً والملحّن والموزّع والمؤدّي .. ويعطى الشاعر .. ساعَة موديل Fitron تباع بقيمة 12ريال في السفير وقد تجدها أقل سعراً في مطرح ..

الملحن ، ألا يقدّم عملاً وليد الإبداع .. وكذا الموزّع الموسيقيّ ، والمغنّي؟ جميعهم يستحقون مقابلاً مادياً على إبداعهم لكنْ حرامٌ على الشّاعر ذلك ..

لماذا يُعامل الشعرُ وحدَه كإبداع من العيب أخذ الأجر عليه؟!

وحين يجدّ الجدّ وتأتي المهرجانات الكبيرة نرى شعراء معينين حاضرين بكتاباتهم في لوحاتها .. بل ويتكرر اسم الشاعر مرتين واثنتين وثلاث في المهرجان ويعطى عن اللوحة كيت وكيت .. شعراء معيّنون لم نسمع عنهم قطّ .. لا التقيناهم في أمسيةٍ شعريّة ولا فعاليةٍ ثقافيّة ولا نافسوا في مهرجانٍ فلانيّ .. تظهر أسماؤهم في تلك المهرجانات لأنهم يعملون في تلك الدائرة ويعرفون فيهَا أصحاب القرار في تنظيم المهرجان والفعالية الضخمة فلا غرو حينهَا أن نجدَ كلمات أغاني الفعاليّات الضخمة تلك مكسّرة وبمستوَى فنيّ ضعيف .. وحتى الشعراء الذين نعرف .. لا يتم توزيع نصيب الكعكة بالتساوي بل يستحوذ عليها الشاعر الفلاني رغم أنه لم ينل جوائز أكثر من زملائه .. ولا يملك من رصيد فوزه بالمراكز والمسابقات أكثر من زملائه .. ويحتكرُ الشّاعر ذلك حضُوره في الفعاليّة والأخرى والعام الذي يليه وكلّما تكررت الفعاليّة بشكلٍ دوريّ حضرَ اسمهُ في المقدّمة فلا شعرَاء في عُمان كلّها سوَاه وكأننا لسنَا البلاد التي قيلَ أنّ تحتَ كلّ صخرةٍ فيها شاعر ..

يمثّل الشاعرُ مدينتهُ ومنطقته في المهرجانات الثقافية على مستوى السلطنة والخليج والدول العربيّة ويرفع رأسها بما حصده من مراكز متقدمة .. لكنّه منسيٌ حين يأتي الأمر على المهرجانات الحكوميّة التيْ ينبغي أن تكون بمثابة تكريم لهذا الشاعر الذي مثّلها في المحافل التنافسيّة عبر حضور شعرِهِ ليلحّن ويُغنّى .. ويرقص على شعرهِ المغنّى الطلاب المؤدون ويترنّم به الجميع ويتبادلُون النغمات به على هواتفهم ..

تتذكرنا المؤسسات الحكومية تلكَ في الفعاليّات "المجانيّة جداً" أو شبه المجانيَّة ، ونُنسى في التمثيل الكبير، ذاك التمثيل الذي ينبغي أن تكافئ به تلك المؤسسات شعراءها بحضورهم .. عبر شعرهم !

كنتُ أطالعُ في شريطِ التلفزيونِ أسماء الشّعراء المشاركين في الفعاليّات الكبيرة التي بثّت طوال أيّام المهرجان باحثة ً عن أسماءِ شعرَاءٍ كحسن المطروشيّ ،خميس قلم ، عبدالله المعمريّ ، عبدالله العريميّ ، عبدالله الكعبي، خالد المعمريّ، محمد السنانيّ ، اسحاق الخنجريّ ، يونس البوسعيديّ ، بدرية الوهيبي و شميسة النعمانيّ وتطول القائمة من الشّعراء الذين تصدّروا المسابقات الشعريّة داخل السلطنة وخارجها دون أن نرى أي اسمٍ من أسماء هؤلاء حاضراً .. ليسَ لأنّ هؤلاء برعُوا في الشّعر النخبويّ وعجزوا عن كتابة الغنائيّات.. وإنّما لأنّ أحداً من منظمي الفعاليّات لم يكلّف نفسهُ ليسألهم أو يطلب منهم المشاركة ..

مؤخراً بدأ بعض شعرَاء الشعر النبطيّ في طلب مقابلٍ ماديّ حينَ تطلب منهم أيّ جهةٍ المشاركة في فعاليّة معيّنةٍ بشعرِهم .. ونعم أحييهم جداً .. وأتمنّى فعلاً أن يتّحد الشعراء العُمانيون ليحذو حذوهم ..

سيقول قائلٌ: أليسَ عيباً المشاركة في فعاليّة وطنيَّة بمقابل ماديّ؟ وسأقولُ: الوطن لا يظلمُ صاحب الإبداع وإنّما يكافؤه .. يحفّزه ليكتب .. ويبدع .. ويُمنح نظير إبداعه.. فالشاعرُ في نهاية الأمر ربّ أسرة .. موظّف .. أب .. أو أمّ .. مرتبط بأقساط سيّارة ، ودين بنكيّ ، وقرض للإسكان إلخ .. فلماذا يعاملُ الشّاعر –خلاف أصحاب المهن الإبداعيّة الأخرى- كمذنبٍ حين يطلبُ مقابلاً ؟

أذكرُ أنني ظللتُ لأعوامٍ أكتب لمجلةٍ محليةٍ دون أن أسألهم مائة بيسةٍ مقابل ما أكتب .. وأذكرُ أنّي حين سُئلت عما أجنيه من مقابل لكتابتي بها.. قلتُ : الصحيفة محليّة .. وأودّ أن أدعمها ولا أثقل عليها بالمقابل الماديّ .. لأكتب لاحقاً أن المجلة تدفعُ لغيري من الكتّاب الخليجيين .. وكأنّني بصفّتي –ابنة البلد- أدعم مشروعاً خيرياً بينما الآخرون لا يفعلون ..

في الجانبِ الآخر لا ينبغيْ على الشّاعر أو الكاتب أن يتعامل بماديّة في كلّ صغيرةٍ وكبيرةٍ خاصّة حين يتعلّق الأمرُ بالاشتراك في فعاليّاتٍ أهليّة غير ربحيّة فيثقل الشّاعر على المنظّمين بالتطلّب الماديّ هنا وهناك ..

أمّا أن نتعامل مع الشّاعر بمنطق أعطِ وأعطِ وأعطِ ولا تطلب؟ فهذا بالتأكيد من بالغ الاستغلال الذي يُمارسُ مع الشّاعر ..

أذكرُ أنّ مؤسسة ً حكوميةً أقامتْ فعاليّة شعريّة .. واتّصل بي أحدُ مؤسسيها طالباً مني المشاركة منتقداً الشاعرة الفلانيّة التي اشترطتْ توفير سيارة نقل لها من مكانِ إقامتها لمكان الفعاليّة .. قلتُ له: ما المشكلة في ذلك؟ ألا يكفيْ أن الشاعر يأتي حاملاً فكرهُ وإبداعهُ ليلقيهِ "مجاناً" أمامكم .. فالمطلُوب منه أيضاً أن يدفع تكاليف أخرى ليأتي إليكم؟ والمطلوب منهُ إن لم يكن يملك وسيلة نقلٍ تقلّه لمكان الفعاليّة، أن يتصرّف ويدبّر لهُ بطريقتهِ الخاصّة وسيلة نقلٍ للفعاليّة .. هذا إجحافٌ بحقّ الشاعرة .. ونعم من حقّها أن تطلب ذلك ..

حتّى الوطنيَّة يا أصدقائي لا ينبغيْ أن تعاملَ بمجانيَّة؟! وإلا لطلبنا من كلّ موظفٍ أو مدير دائرَة أو مسؤولٍ أن يعملَ بالمجّان لخدمَة وطنهِ .. فعلَى الوطنِ أن يمنحَ مواطنهُ المعيشَة الكريمَة مقابل عملهِ لأنّ المواطن مسؤولٌ عن عائلتهِ وأطفالهِ وبيتهِ .. ولذا فعلى للوطنِ كذلكَ أن يكافئ الشاعرَ مقابل إبداعهِ ..

لا أعرف .. ولكن يبدُو أن ثمّة أزمة في فهم وضع الشاعر المجتمعيّ .. ليس مطلوباً من الشّاعر أن يُعامل كـ "آلة إنتاجٍ شعريّ" يكتب كيفمَا ووقتما أرَاد .. أو أن يتحوّل إلى "تاجر شعر" .. يُطلب في الولائم والمناسبات الاجتماعيّة "ليقصد" ويتناول شيك بمبلغ كذا في نهاية اليوم لأنّه "فصّل" قصيدَةً على مقاس أصحاب الدعوةَ .. أو أن يأتيه فلان طالباً منه أن يكتب له قصيدة ً بها اسمهُ واسمُ زوجته في حفلِ زفافهِ مقابل كيت وكيت من المال ..

ولكن على المؤسسات الكبيرة أيضاً أن تتعامل مع الشّاعر كصاحب إبداع له الحقّ في أن يكافئ على إبداعهِ وعصَارة فكره .. وإن كانتِ المؤسساتُ الحكوميّة تتعاملُ مع الشّاعر بهذا المنطقِ فأولى بالمؤسساتِ الأخرى الأقلّ شأناً أن تحذو حذوها .. ويتحوّل الشّعرُ إلى مشروعٍ خيريّ يعطِي فيه الشّاعر ولا يأخذ شيئاً ..

الثلاثاء، 14 ديسمبر، 2010

قلْ لي أنت تعمل في الديوَان.. أقل لك كم جنَيت؟!

جارنَا أبو أحمَد .. الذي أخبرتكُم عنهُ ذات مرَّة .. الرّجل الصادق الصدوق الذي نذرَ نفسهُ ومالهُ في خدمَة الناس .. كانَ كلّما أخرج صدقة ً أو زكاة ً للناس .. جاءهُ أناسٌ أثرياء آخرون يطالبُون بنصيبهم من الزّكاة .. وذلك لقولهم أنّ أبا أحمد يوزّع معونات يصرفها الديوان لهؤلاء الفقراء .. يأتون طارقين الباب مطالبين بحقّهم قائلين: نريد نصيبنا من فلوس الديوان ..

ورغم أنّ أبا أحمَد لم يتلقَ في حياتهِ فلساً لا من ديوَان السلطان ولا ديوَان هارون الرشيد .. إذ بنى نفسه بنفسه .. فامتهنّ كل المهن البسيطة التي لا تخطر على البال .. بدأ عصامياً وانتهى .. لا أقول ثرياً وإنما ميسور الحال ..

أذكرُ أنّ امرأةً أعرفها وهي من قبيلة البوسعيد .. وهي من العوائل التي تستلم نهاية الشّهر راتباً شهرياً بثلاثَة أصفار لا لشيءٍ سوَى أنها تقرب لفلان العلانيّ الذي يشغل منصب مدير دائرة الصحون والملاعق في الديوان الفلاني أو البلاط العلاني وهي أيضاً "تصير ابنة عم ولد زوجة خال الوزير الفلاني" ذهبت تشتكي مرةً من أنّ أبا أحمد لابد أنه يتلقى مبالغ أكثر منها من الديوان فلا هو ابن سفير ولا ابن أخت زوجة الوزير ولا هو من أصحاب الدماء الزرقاء .. بانيةً حديثها على ما يصرفه على الناس متوقعةً أن المبلغ الذي يتلقاه من الديوان أكبر بكثير مما تتلقاه .. بل ويقال أنّها بعثت إليه بورقةٍ مطالبةً نصيبها من معونات الديوانِ .. وأياً يكن فأنا لا ألومها ولا ألوم الناس ..

فكلما جبتُ شوارع مسقط وشوارع مدن أخرى .. وجدت منشأة للديوان هنا وهناك .. حدائق ومزارع .. قصور ضخمَة .. أراضٍ خلاء .. حتى ليشعرُ المرء أن نصف عُمان للديوان ..

وترى الموظف الفلاني في الديوان والذي خرج بشهادة ثانوية عامة وبالكاد يتهجّأ الحروف وعيّن بدرجة وظيفية جاهزة له لأنه التقى السلطان قابوس فجأة فكتب له وظيفة .. أو لأنه قريب مدير مديرية الصحون والملاعق يحصل على معونة من الديوان بقيمة عشرين ألف ريال وأكثر ..

ما يعني أنه يجني "بجرَّة قلم" ما يجنيه مهندس يكدّ لعامين .. على الرغم أن أغلب مهندسي عُمان لا تصل رواتبهم الألف ريال –وأنا منهم- بل إن المهندسين العاملين في الوزارات يبدؤون براتب 540ريال ..

ويحصل والد المدير الفلاني أو والدته .. خاله وخالته على سفرة مدفوعة التكاليف مع مرافق إلى أشهر بلدان العالم وأغلاها لعلاج "صداع في عظام الترقوة الأمامية في الربع السفلي من القفص الصدريّ".. وتمتد السفرة لأشهر مدفوعة الأكل والشراب والإقامة والتذاكر .. إنه شهر عسل مطوّل ..

كما يحصل الموظف الفلاني خريج الثانوية العامة لأنه يعمل في مكتب القصر الهارونيّ ويعمل سكرتير المدير المسؤول عن المساعدات والمنح الهارونيّة فيحصل على مساعدة لتحسين بيت أهله .. ومساعدة أخرى لزواج "شمجه" ومساعدة أخرى لأنه رزق بولي العهد من زوجته التي حصل ثلاثة من اخوانها على مساعدات لشراء أرض ..

ويمتلك الموظف الحاصل على شهادة الإعدادي لأنه سكرتير مساعد الوزير لشؤون توزيع الكلينكس على مصر تورمة ب300ريال كل عيد .. وساعة نوعية Prada وطقم عطور أمواج كلما هلّ هلال العيد أو دخل عيد الأضاحي ..

وتكتشف في النهاية أن المهندس الذي يعمل في شركة خاصة ويحصل على راتب ضعف راتب موظف الاعدادية ذلك يجنيان نفس الثروة أو ربما يقل المهندس عن ذلك إذا احتسبت سعر المصر الذي يحصل موظف الاعدادية عليهِ وسعر ساعة البرادا وطقم العطور إلخ ..

لا أقول أن كل موظفي الديوان يسبحون على بركة نفط .. إلا أن الديوان هو المكان المثالي جداً بالتأكيد لمؤلفي مسلسل "درايش" ليتحدثوا عن الوصولية والتسلقية باسم مساعدة الشعب ..

داااااااااااااائرة طويلة وعريضة جداً من المعارف والأهل والأقرباء الذين يمصّون قروش الديوان الهاروني .. حتى ليتساءل الانسان: ألا تنفد ميزانية هذا الديوان؟ بل ويشعر المرء بالصداع وهو يتخيل الأرقام الضوئية التي تصرف هنا وهناك.. هل نصف عُمان ملك للديوان؟ وأي بئر من الذهب يتكئ عليه هذا الديوان أو أي دجاجةٍ تبيض له ذهباً؟

سيقول قائلٌ: وضع الديوان لمساعدة الشعب .. لمساعدة الفقراء والمحتاجين .. فلم الحسد يا عائشة بنت محمد يا السيفي؟

وسأخبركم عن قريبي الذي ذهبَ إلى مسؤولٍ في الدولة طالباً أن يساعدهُ للحصولِ على معونَة من "بئر الذهب الديوانيّ" لعلاجِ عينهِ الخارج، فردّ المسؤول: جلالة السلطان وضع لكم مستشفياتٍ في كلّ مكانٍ تعالجُون فيها بالمجان وتريد علاج عينكِ "بفلوس"؟

وإذن الآخرون الذينَ يسبقُ أسماءهم خمسُون لقباً لماذا لا يذهبُون إلى المستشفيات الحكوميّة التي وضعها السلطان لهم في كلّ مكان؟

جيدَةٌ جداً أقلام أصحاب الطول والحول في الديوان الهاروني في التوقيع على الشيكات المدفوعة مسبقاً .. للمشايخ وأبنائهم وأحفادهم وأعمامهم وعماتهم وأخوالهم وخالاتهم وبنات الأخ وبنات الأخت وربيباتهم اللاتي في جحورهم واخوانهم من الرضاعة .. إلخ ، إلخ ..

والحمدلله .. ثمَة ديوان لمساعدة الشعب .. يصرف الشيك والشيكين والعشرة والعشرين في اليوم للفقراء والمحتاجين من أصحاب الأرصدة المتخمة والتي تتجشأ كل شهر حتى الإعياء ..

هل الديوَان في موضعٍ اتّهام الآن؟! لا أعرف .. لكنّ ما أعرفهُ أنّ من حقي التفكير بصوتٍ عال .. والتساؤل حولَ وضع الديوَان من خارطة الإنفاق الحكوميّ العامّ؟ وآليات المساعدة التي يسيرُ عليها نظامهُ!

ومن حقنَا طرح النكَات والسخريّة حينَ يأتي ود مكي ليقول لنا أنّ 94 مليار ريال عُمانيّ هو إجمالي الإنفاق الحكُومي خلال 40 عاماً ..

حقاً؟! لعلّ 90مليار منها للديوان وشؤون البلاط الرشيديّ والأربعة الآخرى لبقية المشاريع ..

من يدري؟!

حفظ الله لنا الديوان والبلاط والقصر ووو .. وأهله .. وأبقاه ذخراً للشعب العماني الحبيب ..

السبت، 6 نوفمبر، 2010

وهذهِ تجربتيْ أمام المجتمَع ..

كانَ من المفترضِ أن يكونَ هذا المقال هو مادّة ردُهات التيْ تلتْ ندوَة الكاتِب .. المجتمع .. القانون .. إلا أنّ رقابة جريدَة الوطن منعَت نشرهُ فلمْ أجد مساحَة أجمل له من هذه المدوّنة الصغِيرة بمواضيعهَا .. الواسعَة بمسَاحات حريّتها ..

***


حضرتُ ذاتَ اثنين الندوَة التي أقامتها جمعية الكتّاب والأدباء بعنوان الكاتب .. المجتمع .. القانون .. ورغم أني لم أحضر الجلسة الأولى .. إلا أنّ انطباعي عن الجلسة الثانية هو حضُور الكاتب والقانون في أوراق العمل التي قدّمت والشهادات وسقُوط الوصلة بين الكاتب والقانون وهيَ المجتمع .. سقطَ أحدُ أضلاع مثلثِ الندوَة وظلمَت مناقشتهُ وكانَ من الأفضل أن يتلو اليومينِ يومٌ ثالثٌ وذلك لتوسّع محاور الطرح ونيلها حصّةً أكبر من النقاشِ.. أياً يكن .. حينَ قدّم المحامي خليفَة الهنائي ورقتهُ .. قلتُ في نفسيْ بأنني سأستغلُ تعليقهُ بأنّه سيقدم عدّة استشاراتٍ قانونيّة مجانية خلال الندوَة وقلت لنفسي: الحقي يا عائشَة واستشيري المحامي فيْ "كمّين استشَارة" قبلَ أن يحوّل خرُوجه من القاعَة ، الاستشَارةَ من مجانيّة إلى استشَارةٍ لا قبلَ لكِ بدفعِ أتعابها ..

أياً يكن .. أكتبُ تجربتي هذهِ وأنا أفكّر حول التبعاتِ القانُونيّة للحديثِ عنْ تجربتي الشخصيّة في الكتَابة وتصادمها مع القانُون .. يكمِلُ هذا العمُود "ردُهات" بعد شهرين من الآن .. خمسَة أعوَامٍ ، مررتُ خلالها بتجاربَ عدّة مربكَة كنتُ أخرجُ منها "بعافية" وأكتشفُ كلّ يَوم أنّ من أكبَر مصائب الكتابَة ألا نعرفَ ما لنا وما علينَا –نحنُ الكتَّابُ- من كعكَة القانُون ..

كنتُ أودّ في تلكَ الجلسَة أن أعقّب على مداخلَة المحامي خليفَة الهنائي حولَ قولهِ أنهُ لا ينبغيْ فتح الباب على مصراعيهِ للكاتب ليكتبَ ما يشاء.. وأنّ قضايا كتلك تعلّم الكاتب أن يحترسَ جيداً لما يكتب .. غيرَ أنّ ما أغفله المحامي هوَ أنّ ثمّة مصيبة لا تقع فقط على رأس الكاتب الذي رفعتْ تُجاههُ القضيّة بل على الكتّاب الآخرين .. بعد أيّ قضيّة يتولَّد لدى الكاتب خوفٌ داخلي وفوبيا من كتابَة ايّ شيء .. واعتبَار أي شيءٍ وإن صغر في دائرَة التحرِيم ..

لقد مررتُ بهذهِ الحالة أثناء قضايا مرّ بها زملاءٌ في الكتابة كالزميل عاصم الشيدي ، والقاصّ حمود الشكيلي وقضيّة الصحفيين الأربعة الذين تمّ استدعاؤهم من قبل الإدّعاء العام ..

أنا واثقة ٌ تماماً أنّ كلّ هؤلاء وإن خرجُوا ببرَاءةٍ من قاعَة المحكمة إلا أنّهم لم يعُودوا كما كانُوا عليهِ سابقاً .. بل سيظلّ هاجسُ الخوفِ أمامهم لا يغادرهُم كلّما ضغطوا على أزرار الكمبيوتر للكتابة وفكّروا للمرّة الألف قبل أن يضغطوا على زرّ الإرسال ليبعثُوا بمادّتهم إلى المحرّر..

كلّما حدثت ضجّة بهذا الشأن .. تولدَت داخلنا هواجس داخليّة فاعتبرنا كلّ شيءٍ وأيّ شيءٍ خطاً أحمر .. ولا أظنّ أن ثمّة أكثر إزعاجاً لأيّ ممارسٍ للكتابة كالرقيب الداخليّ الذي يحرمهُ من الاستمتاع بمسَاحات الكتابة التي يكفلهَا لهُ أيّ قانُونٍ بشريّ ..

في تجربتيْ هذهِ وددتُ أن أتحدّث عن المجتمع بصفتهِ رقيباً آخر .. وحسيباً آخر يقفُ تجاه الكاتب ..

قلتُ في وقتٍ سابقٍ أن الكاتب يستلهم من معايشاتهِ اليوميّة الكثير من أفكار الكتابة فنحنُ نصنعُ مقالاً مبنياً من فكرَة واحدة خرجت إلى النُور أثناء وجودنا في السوبر ماركت وحدوث موقف معَ البائع .. أثناء نقاشنا في إحدى المحاضرات الجامعيّة .. أثناء ثرثرَة جانبيّة مع إحدى الصديقات .. ولكنّ الاشكاليّة حينَ يعيش الكاتبُ في قريَة صغيرَة يعرفُ فيها كلٌ شخصٍ الآخر .. يوماً بعد يومٍ أدرك أنّ عُمان هي دولةٌ صغيرةٌ جدّاً يعرفُ شمالها ما يحدثُ في جنوبها .. ولا يكفل وجُودك في العاصمة مسقط مساحات التنوع التي يكفلها لك وجودُكَ في خليطٍ بشريٍ عظيم كوجودك في دولةٍ كمصر مثلاً وحديثك عن معايشاتِك ككاتبٍ هناك فمئاتِ الملايين هؤلاء يمنحونك مساحاتٍ واسعة للحديث عن الكثير من الأشخاص لأنّه من ضرب المستحيل أن يهتديْ أحدٌ لملامحِ شخصياتهم ..

كلّما كتبتُ عن موقفٍ حدث لي أو عن شخصٍ ما .. لا يمرّ يومُ الأربعاء إلا وهذا الشخص قد تواصل معيْ بعد أن يكون قد قرأ بنفسهِ أو قرأني آخرون ونقلُوا له ما كتبت .. كلّ أحدٍ في عُمان يمتلكُ محيطه الذي يصلهُ بمحيطٍ آخر ..

لم أكتب يوماً عن شخصٍ ولا عن موقفٍ ولا عن عائلةٍ إلا وأصبحُوا على علمٍ بما أكتب خلال يومِ نشر المقال أو ما بعدهُ.. ورغم أنني لجأت مع السنواتِ إلى تحوير ملامح الشخصياتِ التي أكتب عنها .. إلى تحوير الأحداث والمواقف .. إلا أنّ القارئ بالذكاء بمكان ليهتدي لمن أقصد أو لما أقصد..

ظلّ هذا الأمرُ مزعجاً دائماً يطلّ عليّ كلما رغبتُ في كتابةِ مقالٍ أستشهدُ فيه عن معايشةٍ يوميّةٍ مرتبطةٍ بفكرَة المقال .. لأنه لا تمرّ أيّامٌ سوَى والشخص الذي وردَ ذكرهُ في المقال قد تناهى إلى مسامعهِ ما كتبتُ ..

وقد تعرّضتُ عدّة مراتٍ "لبداياتِ" إجراءاتٍ قانونيّة يتخذها بعضهم بحجّة أني ذكرتهُ بعينِ النقد في مقالي ما سببَ لهُ إحراجاتٍ أمام الآخرين .. في جميعِ هذه المواقف كانَ أصحابها يتصلُون بي شخصياً متوعدِين برفع قضايا أو يتّصل محامُوهم .. ثمّ يختفي هؤلاء .. لأسبابٍ أجهلها .. يبدأ جميعهم بالتلويح برفع القضية ويقف الأمر عند ذلك .. هل لعدم كفاية الأدلة؟ أم لأنهم "غير مشكلجيين" بما فيه الكفاية لإكمال الإجراءات القانونيّة تجاهي .. كافَة ما تعرضتُ إليهِ كانَ من أفراد المجتمع لا من قِبَل مؤسساتٍ كما في أغلب القضايا التي تعرّض لها الزملاء.. وبطريقةٍ أو بأخرى فإنّ الأمر لا يتطوّر ليتحول إلى قضيَّة .. ربّما بتوفيقٍ من الله ولربّما لأنّ "الخامسَة حابسَة" .. كما قالت ليْ زميلتي التي عايشت معي أغلب ما تعرّضت له مع من كتبتُ عنهم فيْ إشارةٍ لها أنّ الموقف الخامس الذي يقاضينيْ فيه أحدهُم سيجرّني إلى "قضبَان الحبس" بعد الأربع مواقف التيْ تعرّضت لها بهذا الشأن ..

ولعلّي أسردُ لكم بعضاً منها رغمَ جهلي حولَ "قانونيَّة" الحديث عنها.. كانَ آخرها قبلَ أقلّ من عامٍ حينَ تحدّثتُ في مقالٍ حولَ نساءٍ مضطهداتٍ في مجتمعنا من قبلِ عائلاتهنّ ورغم تحويري الكثير من ملامح شخصيّات النساء اللاتي ذكرتهنّ إلا أنّه لم يمضِ شهرٌ على ما كتبتُ حتّى اتّصل بيْ زوج إحدَى النساء اللاتي ورد ذكرها في المقال مهدداً إياي برفع قضيةٍ لتشهيري بهِ أولاً وحديثيْ عن الأوضاعِ الماديَّة الصعبَة التيْ تعيشها زوجتهُ وأولاده بعد تخليهِ عنهم وانشغاله في حياة الخمر والإدمان .. وأنّ أصدقاءه بدؤوا في تعييره بسبب كاتبَة –هيَ المتحدثة- تحدثَت عن زوجتهُ ولم يكن ينقصها سوَى أن تضع "رقم الحساب الذي تستلم فيه التبرعَات لزوجتهِ وأطفاله".. رغمَ أنني كنتُ قد تلقيتُ فعلاً بعض التواصل من بعضِ القرّاء ليتبرعُوا لها وكنتُ على وشكِ أن أتواصل مع زوجتهِ لاستلام تلك التبرّعات.

لم يشعر الرجل بالحرج أمام المجتمع حينَ كانَ ينفقُ أموالهُ على الخمر بينما كانَ أطفاله يتضورون جوعاً ولا يعيشُون إلا على إحسان الناس .. لكنّه شعر بالحرج أمام المجتمعِ حينَ تحدثتُ أنا عن الوضع الذي تعيشهُ عائلته ..

ظلّ هذا الرجل يلاحقني لأسابيع مهدداً ومتوعداً باللجوء للقضاء .. غيرَ أنه توقف لاحقاً ..مرَّت تلك التجربَة بسلامٍ .. رغمَ أنّها أثارتْ حنقَ عائلتي عليَّ .. وخاصَّةً والدتيْ التيْ قالتْ لي أنّها تعبتْ نفسياً من المشاكل التيْ أجلبها كلّ مرةٍ ليسَ لنفسيْ فقط وإنّما لعائلتيْ بعدَ أن لجأ ذلك الرجل إلى عائلتيْ بالتهديد.. بعدَ تجاهليْ لهُ ..

التجربَة الأخرى سبقت هذه التجرَبة بأسابيع فقط .. حينَ ذكرتُ في مقالٍ ما .. موقفاً حدث لي .. وذكرتُ الاسم الأوّل فقط لصديقةٍ كانت معي في ذلك الموقف .. وفي صباح اليوم التاليْ .. تلقيتُ اتصالاً من صديقتي تلكَ وهي تبكيْ لأنّ عائلتها ثارت ثائرتها لذكري اسمها فلا يجُوز لفتَاة "من عائلة محترمَة" أن يذكر اسمها في الجريدة رغم أني لم أدلِ بأيّ أوصافٍ أخرى تشير لها سوى اسمها .. وحين سألتها ..ما الذيْ يخبرُ الناسَ بأنّك أنت المقصودة في المقال .. فردّت قائلة: الناس تعرفُ أنه لا صديقة لعائشة السيفي بهذا الاسم سوَاي ..

الحقيقة أني دهشتُ تماماً من أسلوب التفكير ذلك .. فليسَ اسمها نادراً للغاية ليدركَ الناس أنه من بين الخمسمائة ألف فتاة عُمانيّة تحمل هذا الاسم فإنني لن أشير في الحديث سوَى لتلك الفتاة المعيّنة .. وتذّكّرتُ حينها كم أنّ عُمان هي "قرية صغيرة" للغاية لا أستطيع الحديث فيها عن صديقة إلا ويعرفُون من تكُون لمجرد ذكري لاسمها الأوّل ..

بعد أيَّامٍ .. تلقيتُ اتصالاً من محامٍ بتوكيلٍ من عائلة صديقتيْ وذلك لإبلاغي بأنهم أوكلوه بمباشرة الإجراءات القانونيَّة لمقاضاتي .. وأنّه رفض ذلك لأني لم أذكر الفتاة بأيّ سوءٍ وأن الموقف لا يشير إلى شخصها بأيّ ملامح خاصّة ثمّ أعقب أنّ عائلتها أخبرتهُ بأنها ستستعينُ بمحامٍ آخر .. تبادلنا قليلاً أطراف الحديث حذّرنيْ خلالهُ من أنّ عليّ أن أحترس أكثر أثناء حديثي عن الآخرين.. لأنّهُ لا يوجَد حجرٌ في عُمان إلا ويعرفُ أهلُ عُمان ما يختبئُ تحتهُ ..

لا أعرفُ إن كانتْ العائلة تلك قد واصلتِ البحث عن مُحامٍ "مشكلجي" يقحمنيْ إلى قاعاتِ المحكمة إلا أنّ تلك الحادثة أنهتْ علاقتيْ بصديقتيْ تلك .. من بَابِ "كفَى الله المؤمنِين القتال" ..

تجربَة شبيهة مررتُ بها حينَ تحدّثتُ عن حالةِ امرأةٍ رفضَت عائلتها تزويجهَا لأسبابٍ هي نفسها لا تعلمها .. كلّما تقدّم شابٌ لخطبتها جرَى الرفضُ دونَ أن يتمّ إخبارها حتّى .. وعلى الرغمِ أنّ جميعَ أشقائها متعلمُون يحملُ بعضُهم شهاداتِ الدكتُوراه إلا أنّ والدها ظلّ يرفضُ دونَ أن يتدخّل أيٌ منهُم لإقناعهِ ..

وبعدَ أمدٍ تقدّم زميلُ تلك المرأة التيْ تعملُ معلّمةً في إحدى المدارس ، تقدّم لخطبتها فهمَا يعملان في نفسِ المدرسَة .. وجرَى رفضهُ كالعادة دونَ إخبارها .. فتحرّكت الفتاة لسؤالِ أشقائها ومناقشَة والدها حول ذلك ، وتطوّر الأمرُ للجوئها للقضاء .. وبالفعل استطاعتْ انتزاع حكمِ المحكمة وزوّجهما شيخُ القبيلة ..

مرّ على هذهِ الحادثَة 7 أعوَام .. أنجبتْ هذه المرة 3 أطفال خلالها ، ولم يشفع لها أيّ شيءٍ عند عائلتها .. لسبعَة أعوام تلاحق هذه الفتاةُ العزيَات والمربيَات لتلقي التحيّة على والدتها الممنُوعة من زيارتها أو الاقتراب من بيتها .. حاولت بشتّى الطرق استعطافهم خاصةً بعد أن اتضحَ أن الشاب الذي تزوجتهُ رجلٌ طيبٌ أعزّها وقدّرها ولم ترَ منهُ أيَّ سوءٍ .. كانَت حينَ تذهبُ لزيَارة أخواتها فيصادفُ مجيء أشقائها ووالدها لزيَارتهنّ تخرجُ وأطفالها من البابِ الخلفيّ خوفَ حدوثِ مكرُوهٍ لها أو لأطفالها وتجنباً لأيّ مشاكل ..

وحينَ نشرتُ المقالَ .. هبَّ أحد اخوتهَا ممن يحملُون حرفَ الدال قبل اسمهمْ أينمَا ذهبُوا .. للاتصال بي والتوعّد باللجُوء للقضاء وذلك لحديثيْ "المُهين" عن أفراد عائلتهِ وأشقائهِ ..

وأذكرُ أنيْ تحليتُ حينها بشجاعَة كبيرَة لم أعتدها –ربّما لتعاطفي الشديد مع الفتاة- وقلتُ له: يا أخي ما جدوَى الاتصال بي؟ إن شئتَ مقاضاتيْ فلا داعيَ للاتصالِ بيْ ..

وانتهَت المكالمَة ولمْ أرهُ منذ ذلك اليَوم .. أسعدنيْ طبعاً أنهُ لم تستجدّ أي ملاحقة قانونيَّة لاحقاً لكنّ الأمرَ الذيْ أحزننيْ هوَ تشددُ عائلة الفتاةِ أكثر في رفض أي بادرَة صلحٍ بينهُم بعدَ مقاليْ .. لم أكنْ أنوِي أن أشعلَ النارَ أكثر .. ولم يتبادر لذهنيْ أنّه على الرغم من تحويري لتفاصيل القصّة إلا أنّهم سيهتدُون إلى القصّة الحقيقيّة والعائلة المقصُودة ..

حتّى هذا اليَوم تقاطعُ عائلة هذهِ الفتاة ابنتَها .. ولا تزَال هذه الفتاة تلاحقُ المناسبات الاجتماعيَّة لتمتّع عينيها بالحديثِ لأمّها مكسُورة الجناح التيْ عجزتْ عن إقناعِ أولادها وزوجها لإنهاءِ هذهِ المشكلة ..

متعبٌ جداً أن يكتبَ الكاتب وسطَ مجتمعٍ صغيرٍ كمجتمعِ عُمان .. الجميعُ يعرفُ الجَميع .. ولابدّ أن يمسكَ هؤلاءِ بخيطٍ يقودُهم إلى المقصُود ..

المجتمع العُمانيّ مجتَمع صامت على السّطح .. يكتبُ الكاتب ومن النادر جداً أن يجدَ من يعلّق عليهِ أو يبعثُ لهُ ببريدٍ الكترونيّ .. لعلّ شخصاً واحداً من كلّ مائَة شخصٍ يعلّق على ما تكتب .. ويقرأ الآخرُون بصمتٍ .. فإنِ اتّضح أنّ هنالك من يعرفُونهُ وقد وردَ ذكرهُ في المقال أمسكُوا بهوَاتفهم وهاتفُوه ..

كثيراً ما أتفاجئ بأنّ مقالاً لي أثارَ نقاشاً حامياً لدَى مجموعة من القراء .. أو أنّ أحدهم علّق أمام أحدٍ من اقاربي أنهُ يتابعُني ويقرؤني دائماً فعادَةً أتلقَى "صفراً" من الردُود على مقالاتيْ أو بعددٍ لا يتخطّى الثلاث تعليقات .. وأفكّر هل هنالك حقاً من قرأ المقال؟ وراقه؟ أو حتّى اختلف معه؟

مجتمَع غير مبالٍ؟ غير مؤمن بقدرَة الكاتب على تغييره؟ مجتمَع "يضرب بالحزَام من تحت لتحت" مثلاً؟

لا أعرف .. لكنّه مجتمعٌ صارمٌ جداً ..يقرأ بصمت .. يناقشُ بصمتٍ .. ويحَاكمُ بصمت .. أعَان اللهُ الكتَّاب فلا أشدّ تعباً عليهِم من أن يكتبَوا ويكتبُوا ويكتبُوا .. ولا يجيبهُم إلا الصّمت..

الثلاثاء، 2 نوفمبر، 2010

عنِ الحشيش وحكَايات "المحشِشين" ! (1)

لمْ تتم إجَازة هذا المقال للنشر في جريدَة الوطن

عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com


لابدّ أن أياً منكُم أصدقائي القرّاء يتلقى كلّ يومٍ أو كل أسبوعٍ نكاتاً عن "المحششين" .. تتعدد النكات وتختلف المواضيع ويظلّ "المحشش" هو مدار النكَات وموضوعها .. نقرؤها ونضحك ونعيدُ إرسالها إلى العشرات .. وفي أغلبِ الأحيان نجدُ أن النكات تصوّر "المحشش" على أنّه انسان يلتقط أفكاراً غريبَة غير معتادة لا يستطيعُ الشخصُ العاديّ بقواه العقليّة الطبيعيّة أن يبتكرها .. فمثلاً قد يردك على ايميلك أسئلة في رسالة عنوَانها: "أسئلة لمحشش بس والله ذكيّة" .. وتقرأ الأسئلة : محشش يسأل إذا حبوب الخضروات تخفف من الوزن ليش ما خسّ الفيل؟ أو.. الصمغ شديد الفعاليّة لماذا لم يلتصق بالأنبوب الذي عبّأ فيه، إشارة ممنوع المشي على الحشائش المزروعة كيف تم غرسها بين الحشائش؟ إلى آخرها من الأسئلة الذكيّة والطريفة في نفس الوقت ..

وقد تردك رسالة هاتفيّة تقول: محشش داخل امتحان طب وسألوه: عرف الطفرة الوراثية؟ فيجيب المحشش: إذا مات الشايب وما تارك وراه ملايين يطفروا الورثة !

أو قد تردكَ على ايميلكَ صور رسُومات إبداعيّة مبتكرة على الطرق أو على السيارات .. وعنوان الايميل: صور لرسامين محششين بس إبداع !

فهل حقاً يرتبطُ الحشيش بالإبداع؟ وهل يعاني "المحشش" فعلاً من هذه الاضطرابات الذهنيّة والهلوسات التي تجعلهُ يتفاعل مع أسئلة من حوله ويتصرف بطريقة خارج الصندوق؟

يحكيْ لي أحد أقاربي أنهُ ذهبَ يوماً إلى حقل نفطٍ للعمل حيثُ يكثرُ هناك مدخّنو الحشيش الذينَ يمكثُون لأشهر في الصحراء فيمضون أوقات فراغهم هناك بتدخين الحشيش ..

يخبرني عن مهندسٍ قدم لأول مرةٍ إلى حقل النفط الذي يعملُ به قريبي وفي الأسبوع الأوّل من عمل المهندس الجديد علقَ أحد أصدقاء قريبي عن المهندس الجديد قائلاً: "أقطع ايدي إذا ما طلع هذا الشخص محشش" مشيراً إلى تعكّر مزاجهِ الشديد وإلى حالاته المزاجيّة الغريبة التي يمرّ بها إضافةً إلى انتشائه في بعض الأحيان ووضوح شعوره بالبهجة والسعادة المفرطَة أمام زملائهِ .. وقد علّق ذلك الصديق قائلاً أنه يعرف ذلك تماماً لأنه سبق وتعاطى الحشيش ويعرفُ تماماً الحالات المزاجيّة والذهنيّة التيْ يدخل فيها المحشش ..

عموماً .. بعد مضي شهرٍ من إقامة المهندس الجديد في حقل النفط ذلك همس لقريبي عن إدمانهِ للحشيش مخرجاً أمامه كيسة بلاستيكيّة مليئة بالحشيش ليدخّنها .. ثم أعقب قائلاً: أنه لا يستطيع قيادة السيارة دون أن يدخن سيجَارة حشيش وأنه يدخّن الحشيش أمام زوجته التيْ تظنّ أنه يدخن سجائر من ماركة معيّنة مختلفة عن ماركة السجائر الأخرى .. مضيفاً: أن زوجته تحبّ أن يدخن الحشيش-جاهلةً أنهُ كذلك- لأنّ رائحته أفضل من رائحة السجائر العاديّة بل إنّها أصبحت هي أيضاً تصاب بنوبات انتشاء غريبَة وأنه لاحظ في كثير الأحيان أنها حين تجلس معه لساعات وهو يدخّن الحشيش تضحك ضحكات هستيرية وتغرق في أمزجَة ذهنيّة غريبَة ..بالنظرِ إلى أن تدخين الحشيش لا يسبب الإدمان لمدخّنه فقط بل لمن يشمُون رائحة دخان الحشيش أيضاً ..

انتهتْ قصّة الحشيش هذهِ .. وحينَ كنتُ أستمعُ إليهَا تذكّرتُ مرةً مداخلة ً في برنامجٍ على قناةٍ مصريّة كان يناقش انتشار الحشيش في المجتمع المصريّ ثمّ انتقلُوا إلى تقريرٍ في الخليج يشيرُ إلى ازدياد تعاطي الخليجيين للحشيش خاصة ً بين الشباب .. وأنّ هنالكَ أفكار ومفاهيم خاطئة يتداولها الشباب من أبرزها أنّ الحشيش يقوّي القدرَة الجنسيّة للشباب لذا يعمدُون إلى تعاطيهِ وفي التقرير قالَ أحد الشباب الخليجيين أنّ من ضمن الهدايا التي تلقاها في زوَاجه هي لفافات من الحشيش أهداهَا له أحد أصدقائهِ طالباً منهُ أن يدّخنها قبل الدخُول بزوجتهِ في ليلة الزفاف لأنّها تقوّي القدرة الجنسيّة للشاب ..

مفاهِيم مغلوطة كهذه قد تساهِم في انتشَار الحشيش بصفتهِ منشطاً جنسياً بالنظر إلى أنّ العملة الرابحة اليوم لترويج أي منتجٍ للرجال هوَ صفة المقويّات الجنسيّة التيْ تمنح الرجل قدرَة جنسيّة فذّة .. على الرغمِ أنّ التقارير الطبيّة تثبتُ قطعاً أنّ من أهمّ الآثار السلبيّة للحشيش هو تأثيرهُ على الخلايا العصبيّة بجسد المتعاطي ما يسبب هبوطاً في التفاعل الجنسيّ لديهِ ..

هذهِ الفكرَة هيَ فكرَة قديمَة جداً وواردَة جداً في كتبِ التاريخِ فقدْ تحدّث كريستُوفر كولومبس الرحالة الذي حمَل في سفنه التيْ جابت المحيط الهنديّ .. عن نبتَة القنب الهنديّ التيْ يستخلصُ الحشيش منها بعدَ أن وجدَ السكَان المحليين يدخُنونها بشرَاهة زاعمِين أنّها تحفز القدرات الجنسيَّة وتمنح الشخص قدراتٍ ذهنيَّة عميقة .. واصفِينها بالنباتِ السحريّ ..

وقد عوملَ القنبُ فعلاً كنباتٍ سحريّ ذي مواصفاتٍ متعددة فحكَاياتهُ بدأت مع الصينيين الذينَ استعمَلوا بذُوره كغذاء في العَام 6000 قبل المِيلاد ثمّ سرعَان ما استعملُوه لصنَاعة النسيج والحبَال وفي العَام 2000قبل المِيلاد لجأ الصينيُون إلى نباتِ القنبِ بوصفهِ مستخلصاً عشبياً للعلاج من حالاتِ مرضٍ كثيرة ..

وتذكرُ مذكرَاتُ الدبلُوماسيين الأميركَان أنّ من ضمنِ الهدَايا التيْ تلقّتها الحكُومة الأميركيّة من الحكُومة العثمَانيّة إبان بدَايات العلاقات الدبلوماسيّة بينهُما هيَ لفافات من الحشيش أو "الماريجوَانا" المسمّى المنتشر لنبتَة الحشيش في العَالم الغربيّ ..

وتذكرُ المذكراتُ أنّ الأتراك المسلمين كانُوا من أهدُوا الحكومة الأميركيّة لفافات سجائر الحشيش على الرغمِ أنّ الإسلام يحظرُ على معتنقيهِ شربَ الكحُول إلا أنّ المسلمين كانُوا في الجانب الآخر يقبلُون بشدّة على تدخين الحشيش ..

لكنّ الحكُومة التركيّة لاحقاً حظرت ذلكَ بأمر من السلطَان مراد الرابع الذيْ أدرَك الآثار السلبيّة التي بدأ يتركها الحشيش على مواطنيهِ إلا أنّ القرار لم يوقفْ من رواج الحشيش الذي بدأ ينتشر في السوقِ السوداء ..

ولذا كانَ للأتراكِ الفضل "غير الحسن" في إدخال نبتَة الحشيش إلى الولايات المتّحدة والترويج لها بصفتهَا هديّة حكُوميّة ذات قيمَة واعتبارٍ عالٍ ..

وفي المقال القادِم سأحدّثكم يا أصدقائي عن الحشيش وعلاقتهِ بالإبداع والفنّ والعبقريّة وعن أبرز المحششين في العالم وعن تاريخِ المحششين في آثار الحضاراتِ القديمَة وحضُور الحشيش في تعاليم الديَانات القديمَة .. الحشيش ، تاريخٌ طويلٌ ومتعاقبٌ من الحضاراتِ والأجيَال البشريّة ومحشُشون من شتّى أصقاع العالم ومختلف الحضارات اختلفُوا في لغاتهم وعاداتهم وأديانهم واتفقُوا على "التحشيش" .. يا لهُ من قاسمٍ حضاريّ مثيرٍ للاهتمام !

الثلاثاء، 26 أكتوبر، 2010

اسميْ عائشَة وهذهِ حكَايتيْ (5)

اقرَأ أولاً:

اسميْ عائشة وهذهِ حكايتيْ (1)

اسميْ عائشة وهذهِ حكايتيْ (2)

اسميْ عائشة وهذهِ حكايتيْ (3)

اسميْ عائشَة وهذهِ حكَايتيْ (4)


خطَّت يدُ "بلقيس" قريبتيْ على الأرضِ بالطبشُور ، لترسمَ مربعاتٍ متوَازيَة ومتقاطعَة .. مربعَان كبيرَان متتاليان رأسياً فمربعَان صغيرَان متوَازيان .. فمربعٌ أسفلهما أكبر حجماً فمربعَان صغيرَان متتاليَان ..

واستعدّتْ رجلايَ للقفزِ داخلَ المربّعات استعداداً للعبِ لعبَة "بو رجيلَة" التيْ كانَ شائعاً كثيراً لعبهَا بين الأطفال ..

أصحابُ الأقدام الصغيرَة والأجسَام الضئيلة كانُوا في الغالبِ من يفُوز فأساسُ اللعبَة هوَ ألا تطأ قدَم اللاعب على حدُود المربعات الخارجيّة فإن لمسها خسرَ اللعبة وأعطى الفرصَة لغيره..

بدأتُ بالقفزِ بخفةٍ داخلَ المربّعات وعيُون الأطفال الذينَ كانُوا معيْ ترقبُ أيّ زلّة قدمٍ أطأ بها حدّ أيّ مربع ..

وانتهَت اللعبَة بفوزيْ فقدْ كنتُ الأضأل بينهُم والأكثر خفّة ..

وكالعَادة انتهتِ اللعبَة ببكاءِ بلقيسَ لأنّها كانت الخاسرَة في أغلب الأحيان ملمحَة ً إلى أني دستُ الخط أكثر من مرّة وأنّ أحداً لم يلمح ذلك وأنّي أغشّ في اللعبَة .. أمّا أنا فكنتُ مزهوَةً بفرحَة الانتصَار ..

حانَ وقتُ الغداء ونادتنا جدّتي فذهبناً جرياً لملءِ بطوننا الصغيرَة وفيمَا كنّا منهمكِين في حشرِ اللقمَة تلو الأخرَى من قبُولي الدجاج الشهيِ الذي صنعتهُ أيادي نسَاء العائلة ..

ظهرتْ تلك المغنيَّة الجديدَة في التلفَاز.. كانَ اسمهَا أحلام .. فتاة عشرينيَّة بشعرٍ أسوَد طويل وناعِم .. ترتديْ الجلابيَّة الاماراتيَّة وتغنّي: "اللي ما يذوق العنب، حامض(ن) عنّه يقول"

نظرنَا إليهَا مشدُوهين فقد كانتِ المرّة الأولى التيْ نبصرُ فيها مغنيةً خليجيَّة على الشاشَة ..

كنّا نتطلّع إليهَا باندهاشٍ وعيُوننا ترَاقبُ خصلات شعرهَا التيْ كانتْ تنسدلُ على كتفيها بانسيابٍ عجيب..

علّقت بلقيس: تو ذي كيف شعرها كذا سايل سايل..

فأجابتْ أختي الكبيرة: هذا يسووله آلة تخلي الشعر اللي مثل شعر الجيعدَة ولا أحلى منّه ..

تحدّثت النساءُ كثيراً ، بعضهنّ بغيرَةٍ وبعضهنّ باندهَاش ونحنّ نرقبُ تلك المغنيَة الجديدَة .. وأنا لم أنتبهْ لكلّ ما قيل فقد كنتُ غارقة ً في أحلامي الخاصّة ..

وتخيّلتنيْ أقفُ على المسرح وأغنّي .. وشعري ينسدلُ على كتفيَّ كتلك المغنيَّة ..

وخلفي فرقة ٌ من الموسيقيين .. الطبالُون والعازفُون وغيرهم ..

تذكرتُ حينهَا مرارَة ما حدثَ لي .. زمنَ الأبلَة عيشة وزمَن أحلامِ "الطبّالة" الصغِيرة .. كنتُ لا أزالُ أعيشُ مرارَة ما حدَث وفكرتُ قائلة ً : لماذا حلمتُ أن أكونَ طبالة ً أتبعُ من يقودنيْ بغنائهِ؟ لماذا لا أصبحُ أنا التيْ تغنّي وتوجّه كلّ من خلفيْ بآلاتهم الموسيقيّة ليطوّعوهَا لصوتيْ ..

نعَم .. شعرتُ بحمَاسةٍ كبيرَة لفكرَة أنْ أمحُو فشليْ في الموسيقا بنجاحِي في الغنَاء ..

هببتُ واقفة ً وأسرعتُ إلى غسلِ يديَّ من بقايا الأرزّ الذي علقَ في يديَّ الصغيرتين من القبُولي ..

كنتُ أبتسمُ كثيراً وأنا أفكِّر .. نعم ، هنَا سيكُون مستقبليْ ، منذ اليَوم سأبدأ بالغنَاء..

***

اسميْ عائشَة .. في يومٍ ما كنتُ على وشكِ أن أعيشَ خرسَاء طوَال حيَاتيْ حينَ فكّرت أمي أن تعقد لساني عن البكَاء وأنا رضيعَة عبر كتَابة حرزٍ ورميهِ في إحدَى خراباتِ نزوَى بعدَ استشَارةٍ جماعيّةٍ مع الجاراتِ اللواتي قررنَ أنّه على كثرَة ما أنجبنَ من الأطفال فإنّهن لم يرينَ في حيَاتهنّ قطّ طفلَة ً تبكيْ بجنُونٍ كما كنتُ أفعل ..

وحدَها الأقدار الإلهيّة .. حالتْ دونَ أن أكتبَ لكم اليَوم وأنا غير قادرَة على قراءَة ما أكتب بصوتٍ مرتفع ..

لو أنّ والديْ استمَعَ يومَها لأمّي وهي تطلبُ منهُ أن يغيَّر اسميْ وفقاً لنصيحَة جاراتهَا أيضاً اللاتيْ استعنّ بعرافةٍ من عرّافات نزوَى من أنّ سبب بكائي الشدِيد عائدٌ لاسميْ وأنّه "لم يركب علي" .. وأنّ الاسم قد يكُون "نيراني" مختلف عن طبيعَة حاملَة الاسم .. لكانَت كثيرٌ من الموَازين تغيَّرتْ ..

غيرَ أنّ والديْ لم يفعلْ أكثَر من الاستمَاع لتوسّلات أمّي بصمتٍ ولم يعلّق سوَى بـ : "استهدي بالله يا حرمَة ، عائشَة زوجَة الرسُول عسَى أن تشبّ ابنتنا على نهجِها" ..

***

بعدَ يومَينِ من مشاهدتيْ لتلكَ المغنيَّة الجديدةِ التي أثارتْ حديثَ النسَاء ، وقفتْ عائشَة أمام جمُوع الطالبات في إذاعَة الطابُور الصباحيّ.. وخلفَ اعتيَادهنّ على صوتيْ وأنا أقدّم البرنامجَ الإذاعيّ فقد تركتُ هذهِ المهمّة لإحدَى زميلاتيْ –ليست عائشَة الأخرى بالتأكيد- لتقدّمنيْ إلى الطالباتِ قائلة ً : والآن .. نقدّم لكم هذا النشيد بصوت الطالبة: عائشة السيفيّ.. علتِ الدهشَة الطالباتِ فقد كانَ صوتيْ معتاداً لتقديم الإذاعَة لكنّها كانتِ المرّة الأولى التيْ أقفُ أمامهنّ وأشدُو ..

علتنيْ رهبَة ٌ وأنا أتقدّم إلى المنبرِ والعيُون متعلّقة ٌ بيْ .. وبدأتُ بصوتٍ مرتجفٍ أغنّي.. إلا أننيْ سرعَان ما دخلتُ في الجوّ ، فاكتسَب صوتيْ مزيداً من الثقَة واختفَى التشنّج الذي بادرنيْ في البدَاية ووقفتُ أغنيْ أمام الطالبَات ، مغمضَةً العين مستمتعة ً بجمالِ الكلمَات وهي تخرجُ من فميْ .. أغمضتُ عينيَّ بعمقٍ بينمَا كانَ فميْ يتحرَّك ومع أنغام النشِيد كانَ رأسيْ يتمايلُ يمنة ً ويسرَة :

طلعَ البدرُ علينَا/ منْ ثنيَّات الودَاع

وجبَ الشّكر علينَا/ما دعَى للهِ داع

حلمتُ أنّي أقفُ على المسرَحِ حاملة ً منديلاً كمَا كانتْ تفعلُ تلك المطربَة المصريّة التيْ تلبسُ نظّارةً شمسية ً دائماً .. حلمتُ فقط بالمنديل في يديْ إلا أنّي حلمتُ بشعريْ منسدلاً على كتفيَّ .. طويلاً ، أسوَد فاحم .. وأماميْ النساء والرجالُ يستمعُون بصمتٍ .. بينمَا وحدَهُ صوتيْ يتطَاير في أرجاء القاعَة الكبيرَة ..

حلمتُ بالطبَالين يضربُون الطبل على إيقاع الكلماتِ التيْ كانتْ تتراقصُ في فميْ .. وبذلك الرجلُ يوجّه بعصاهِ فرقَة العازفينَ خلفيْ .. المسرحُ معتمٌ تماماً سوَى من تلك الدائرَة الذهبيَّة من الضوءِ المركّزة على تلك الفتاة بشعرهَا المنسدل الأسود وبمنديلهَا الأبيض ..

انتهَى النشِيد وعائشَة مغمضَة العينينِ مستمتعَة بالنشيد ومستمتعَة بأحلامها الجميلة .. انتهَى النشيد وأنا لا زلتُ مغمضَة العينين .. وحشدُ الطابُور الصباحيّ ينظرُ إلى هذهِ الفتاة التيْ أطبقتْ عينيها منذ بدأت الغنَاء لكنّها لم تفتحهمَا حتّى حينَ انتهتْ ..

وأنا؟!

كنتُ أظنّ أنّي سأستمرُ في أحلاميْ الصغيرَة حتّى يقطعها صوتُ التصفيق الحَاد من حشُود الطالبات والمعلّمات أماميْ إلا أنّ ذلك لم يحدث .. وأطبقَ صمتٌ رهيبٌ على المكان ..

أنا مستمرَة في أحلاميْ التيْ لم يقطعهَا أيّ تصفيق.. وهنّ مستمرات في التساؤل عن سببِ إطباقي على عينيَّ حتّى بعدَ انتهَاء وصلَة الغناءِ..

ولمْ يوقفْ أحلاميْ الصغِيرَة سوَى تربيت مقدّمة الإذاعة على كتفيّ منبهةً إيَاي أنهُ حانَ وقت الاستيقاظ وحينها شعرتُ بتيارٍ كهربائيٍ يسري في جسدِي ليوقظنيْ .. ارتعشتُ فاتحةً عينيَّ لأرى الجمُوع تنظرُ إليَّ .. بجمودٍ غريبٍ ولكنْ دونَ تصفيق ..

وقفتُ لهنيهَة أستوعِب ما حوليْ ثمّ تراجعتُ للخلفِ وأنا أشعرُ بكميّة خيبَة تهشِّمُ عظاميْ ..

يا إلهيْ! إنّها المرّة الأولى التيْ أنشد فيهَا أمام هؤلاء الطالبات البليدَات اللاتيْ لا يملكنَ أيَّ حسٍ للتفاعلِ مع غنائي ..

تقدّمت الطالبات استعداداً للعودَة إلى فصولهنّ وبدءِ يومٍ دراسيّ جديد وأنا مشيتُ مع طاقم الإذاعَة المدرسيَّة ورأسيْ منحنٍ على الأرض تأخذنيْ الفكرَة تلو الأخرى ..

ربتت المعلّمة المشرفَة على الإذاعَة على كتفي وهيَ تلمحَ ما أعيشهُ من خيبَة وقالت: ما عليه، المرة الجاية بتسوي أحلى..

وهنا قفزتْ إحدى زميلاتيْ قائلةً: ها الشيمَة أبلة ، لا تشجعيها على مرة ثانية !

نظرتُ إلى تلكَ الفتاة بحقدٍ وركضتُ نحوَها لأنهَال عليها بقرصةٍ أو ضربةٍ تفرغُ حجمَ ما بيْ من خيبَة .. ركضتْ أمامي بسرعَة وركضتُ خلفها محاولة ً اللحاقَ بها .. ولم أشعرْ لحظتها هلْ كنتُ أحاولُ اللحاق بها أمِ اللحاق بأحلامي الكثيرَة التيْ رأيتها للحظةٍ تسيلُ أمامي بينما أحاولُ التشبّث بها وإقناعَ نفسيْ بأنّ هنالك فرصاً أخرى لديَّ لأثبتَ نفسيْ في ساحَة الغنَاء حتّى وإنْ عرقلهَا بعضُ الحاقدِين..

***

اسميْ عائشَة .. في الحاديَة عشرة من عُمريْ ، قررتُ أن أسلكَ طريق الغناءِ علّه يعوِّض قليلاً من فشلي الذرِيع فيْ التعاملِ مع الآلاتِ الموسيقيَّة ..

وأوَّل ما فعلتهُ هوَ جمع أكبر عددٍ من القصائد المدرسيَّة التيْ كنّا ندرسهَا وتلحينها .. ظللتُ لساعاتٍ طويلةٍ كلَّ يومٍ أتدرَّب على كلّ قصيدَة ، أغيِّر فيْ كلّ مرةٍ لحنَ غنائها.. تارةً أبدأ بلحنٍ وأنتهيْ بآخر.. تارةً أبدأ بلحنٍ وأنتهيْ بغناء القصيدَة على لحنِ أغنيةٍ مشهُورة .. وتارةً أغرقْ فيْ مقاماتِ الألحَان الصعبة التيْ تعجَزُ طبقَة صوتيْ عن اللحاقِ بها .. لكننيْ واظبتُ وبإصرارٍ شديدٍ على غنائها فطريقُ الغناء طوِيل وعليَّ الاجتهاد بهِ حتّى أثبت للجميع أنّ فشليْ في الموسيقَا ألهمنيْ لأنجحَ في الغنَاء..

وبعدَها بشهرينِ كنتُ أعدُّ نفسيْ لغنَاءِ قصيدَةٍ قرأتها في كتَاب أختيْ طالبَة الثانويَّة وكانتْ مجارَاة أحمد شوقيْ لقصيدَة "البردَة" للبوصيري..

ريمٌ على القاعِ بينَ البانِ والعلمِ/ أحلَّ سفكَ دميْ في الأشهُرِ الحُرُمِ

وهكذَا ظللتُ كلّ أسبوعَين أطلّ في الطَابُور الصباحيِّ لأنشدَ قصيدَةً من تلك القصائد التيْ كانتْ عينَاي تقعُ عليها في المنهجِ الدراسيّ .. وشيئاً فشيئاً بدأت الطالباتُ في التصفيقِ لي بعد انتهَاء وصلتيْ الغنائيَّة ..

وحينهَا بدأت معلَّمة اللغة العربيَّة أيضاً إسنَادَ إنشادِ أيّ قصيدةٍ جديدَةٍ نأخذها في المنهجِ الدراسيّ لأنشدهَا أمام طالباتِ الصفّ .. قبلَ أن تبدأ بقراءتها أمامنَا ..

كنتُ مستمتعة ً تماماً بالدورِ الجديدِ الذي بدأتِ المدرسَة بإسنَادهِ إليَّ .. حيثُ بدأتِ المديرَة في استدعَائي للغنَاءِ أمام أيّ مسؤولٍ يأتي من الوزَارة لأنشدَ له النشيد الترحيبيّ:

أهلاً بكم ومرحباً..يا أجمَل الزوَّار

أهلاً بكمْ في بيتكُم.. نهدِيكُمُ الأزهَار

نهديكُم أحلى المنَى.. ونعزفُ الأوتَار

وبعدهَا بأشهرٍ ذهبتُ مع فريق الجماعة الموسيقيَّة بالمدرسَة للتنافسِ مع بقيَّة مدَارس المنطقَة على المراكزِ الأولَى ، وكانتِ الطالباتُ يقدّمن معزوفاتٍ موسيقيَّة ورقصاتٍ أمام المقيّمين بينما تم اصطحابيْ معهنّ لأغنّي قصيدَة أحمد شوقيْ على عزف الأورج الذي كانتْ تلعبُهُ فتاةٌ أخرى ..

حينَ حانَ دوريْ تقدّمتُ أمام المقيّمينَ بثقةٍ فسألونيْ ماذا ستقدِمين لنا اليَوم، فقلتُ بثقَة: سأغنّي ، وكنتُ أرتديْ الزيّ العُمانيّ التقليديّ .. وما أنِ انتهَتْ وصلتيْ حتّى علّق أحد المقيّمين وهوَ يربّت على رأسيْ: منْ علّمك حفظ القصيدَة يا حلوة؟

قلتُ له: أنا تعلّمتها بنفسيْ وحفظتهَا، ولحّنتها أيضاً.. فضحكُوا جميعاً أمام جرأة تلك الطفلَة الصغيرَة بجسدهَا الضئيل جداً ومنحُوني علامَة ً مرتفعة ً في التقييم ..

كنتُ سعيدَةً باجتيَازي أولَى اختبارات الغناءِ .. وهكذا ظللتُ كلّ مرةٍ أقرأ قصيدَةً من المنهجِ وألحّنها وأغنيها ..

ثمّ تطوّرتُ لاحقاً بعد أن شعرتُ أنّي استوفيتُ غناء كلّ القصائد ولم يتبقَ ليْ ما أغنّيه.. فبدأت في نظم القصائدِ بنفسيْ على نسقِ القصائد الأخرَى التي أنشدتهَا.. وكنتُ أفعلُ ما يليْ .. أقرّر أنْ أكتبَ قصيدَةً ينتهيْ رويّها بحرفِ النون .. فكنتُ أجمّع الكلمَات قبل الشرُوع في كتابة القصيدَة إن صحّ التعبير .. أجمعها: الأمان ، المكان ، الزمان ، عمان ، إيمان ، إحسان .. إلخ ..

وأبدأ في صياغة الأبيات لأنهِيها بتلكَ الكلمَات .. وهكذا..

كنتُ كلّما وقفتُ أمام المقيّمين ، أنشدتُ تلك الأبيات وإن سئلتُ نسبتها إلى كبار الشّعراء فتارةً أبي نوّاس وتارةً المتنبئ وتارةً أخرى أحمد شوقيْ ..

هلْ كانتْ حِيَليْ مكشوفةً أمامهم؟ لا أعرف.. غيرَ أننيْ واصلتُ ما أفعَل مخترعةً كلّ يومٍ قصيدَة ً جديدَةً وشاعراً جديداً لأنسبهَا إليه..

إلى أنْ جاءَ اليَوم الذيْ وقفتُ فيهِ أمام ذلكَ الرّجل العراقيّ بشاربهِ الكبير وجسدهِ الضّخم .. كانَ يعملُ معلّماً في مدرستيْ نفسها إلا أنّه كانَ يعلّم البنين في المدرسَة المسائيَّة بينمَا كانتِ الفترَة الصبَاحيَّة لتدريس الطالباتِ ..

وقفتُ أمامهُ حينَ قدّمتنيْ المديرَة إليهِ مرةً وقدْ دخلتُ إلى مكتبهَا وتصادفَ وجُودهُ.. فقَالت لهُ: أنّ لديَّ صوتاً جميلاً في الغناءِ واختياراتٍ موفقة ً في القصائدِ المغنّاة.. وحينها سألنيْ هل لديكِ قصيدَة كتبتها شاعرَة؟ لتغنِيها ليْ..

وقفتُ مشدوهة ً للحظَات إذْ لم أكنْ قد غنّيتُ قطّ لقصيدةٍ كتبتها شاعرَة .. غيرَ أنّي استحضرتُ لحظَتها قصيدةً كنتُ كتبتهَا بنفسيْ .. فغنّيتها أمامهُ .. وما أنِ انتهَيتُ ، سألنيْ: أيّ شاعرةٍ هذهِ التيْ كتبتْ هذه القصيدَة؟

وقفتُ للحظاتٍ أحدّق إليهِ وقد أربكنيْ سؤالهُ .. إذ لمْ أكن قد مررتُ من قبل على قصيدةٍ لشاعرَة .. ولم يخطُر بباليْ أيّ اسمٍ حينها.. فكّرت طويلاً محاولةً استحضَار أيّ اسمٍ لأرميهِ أمامه.. ثمّ فجأةً لمعَ في ذاكرتيْ اسمُ تلك الشاعرَة التيْ مرّت عليّ في إحدَى الصحف .. لمْ أتذكّر اسمها جيداً فقدْ كانَ اسمهَا واسمُ والدها وقبيلتها تحملُ جميعاً أسماءَ صفَات .. قلتُ له: هذه القصيدة للشاعرَة العمانيّة الكبيرة: خاطرة بنت فارس السعيدي ..

نظرَ إليّ لثانيتينِ ثمّ انفجَر ضاحكاً وهو يقول: تقصدِين سعيدة بنت خاطر الفارسي؟

شعرتُ لحظتها برغبتيْ أن أمتلك حلّة الاختفاء وأختفي في اللحظةِ نفسها ، قلتُ له محاولةً الهرَب بإجابةٍ مقنعَة: آه لا هذهِ شاعرَة أخرى .. هنالك شاعرَة أيضاً اسمهَا خاطرة بنت فارس السعيديّ ..

نظر إليّ بابتسامَةٍ حنُونة وقد اكتشف حجمَ ما أعيشهُ لحظتها من إحراج وقالَ ليْ: لا بأس .. هذه القصيدَة ليستْ للدكتورة سعِيدة لأنّ القصيدَة بها ما بها من الكسُور ومستوَاها بدائيٌ جداً .. هذهِ من كتاباتكِ ..

أنتِ لا تجيدين الغناءَ .. لكنّك تكتبين بشكلٍ جيد جداً مقارنةً بسنّك .. وأنا متأكّد أنّك ستكونين أفضّل بكثير في إلقاء الشّعر عوضاً عن غنائهِ ..

قالَ ليْ: تعاليْ إليّ غداً في نفس الوقت .. سأعلّمك إلقاء الشعرِ .. ومنهَا ستتعلمينَ شيئاً فشيئاً وزنَ القصيدَة.. لربّما تستطعينَ يوماً أن تكتبيْ قصيدَة موزونَة .. من يدريْ؟

نظرتُ إليهِ بنظرةٍ خجولةٍ جداً.. وغادرتُ غرفَة المديرَة ، أجرّ قدميَّ كالمصَابة بمسّ .. كنتُ أمشيْ ببطءٍ شديد وأماميْ كنتُ أرى أحلاميْ تتبخّر ..

تتطايرُ أماميْ صورَة الفتاة بشعرها المنسدل.. يتطايرُ المنديل.. يتلاشى الجمهُور .. ويتبخّر الرجل بعصَاه وهو يوجّه جوقَة العازفين .. ومعه يتبخّر العازفُون كذلك ..

شعرتُ بالإعياء الشديد كمنْ وخزنيْ بإبرَة تخدير.. كيفَ استطاع هذا الرجلُ دوناً عن البقيَّة أن يكشف حيَليْ؟ كيفَ ميّز أن القصيدَة من كتابتيْ؟ وكيفَ لم يقنعهُ صوتيْ بقدرتيْ على الغنَاء؟ وهلْ سأعُود حقاً غداً إليهِ ليعلّمني ما وعدنيْ بتعليمهِ؟

الكثير من التساؤلاتِ التيْ شعرتُ بها تدويْ في رأسيْ الصغِير .. وأنا أصعَد الدّرجَ عائدةً إلى صفّي الدراسيّ .. عينَاي معلّقتان بالسقفِ .. لا أرى من حوليْ .. فقط موجةٌ من الأفكارِ تهدرُ داخليْ ..

فجأة ً وجدتُ قدميْ تنزلقُ من الدرجِ وجسديْ يهوِي على بلاطهِ .. وكانَ آخرُ ما شعرتُ بهِ هوَ رأسيْ مرتطماً بأرضيَّة الدّرج وحينهَا تطايرَت كلّ تلك الأسئلة والأفكار .. انفجرَتْ كشظَاياً زجاجيّة ، ومعها تطَاير كلّ شيء.. وأنا؟ غرقتُ في عتمةٍ لذيذةٍ جداً انتزعتْ كلّ ذلك الفيضَان الهائل من الأفكار ، الخيبات .. والأسئلة ..

انتزعتْ مشهَد الحشدِ الذيْ يستمعُ لغناء تلك الطفلةِ في الطابُور الصباحيّ ..

انتزعتِ مشهَد الطفلة بزيّها العمانيّ وهي تقفُ أمام أربعةٍ من المقيّمين.. انتزعتِ القصائد المقفّاة التيْ كنت أنظمهَا كلّما شعرتُ بحاجتيْ للغناء ..

كانَ السقفُ بعيداً للغايَة وأنا غارقةً في أفكاري وخيباتيْ .. لكننيْ شعرتُ به يقتربُ أكثر وأكثر وأكثر وأنا غارقَة في العتمَة وأصوَاتٌ صاخبَة حولي.. "عايشة السيفي طايحة، أبلة تعالي شوفي عايشة السيفي" الأصوَات حولي تزدادُ والفتياتُ يرددنَ اسميْ المركّب دائماً : "عائشة السيفيّ" .. وعتمة ٌ لذيذةٌ تحيطُ بالمكان ..

العتمَة اللذيذًة ذاتها التيْ شعرتُ بها وأنا أغمضُ عينيّ في المرّة الأولى وأنشدُ فيها أمام الحشُود:

طلعَ البدرُ علينَا/ منْ ثنيَّات الودَاع

وجبَ الشّكر علينَا/ما دعَى للهِ داع

***

اسميْ عائشَة .. قررتُ في يومٍ ما أن أصبحَ مغنيَّة حينَ رأيتُ تلك المغنيَّة بشعرها الأسود المنسدل على التلفزيُون.. لا أعرفُ لماذا أقنعتنيْ بفكرَة الغناء؟ هل كانَ شعرهَا من فعل؟ صوتها؟ أم خيبتيْ من فشليَ الموسيقيّ؟ وأيّ قدرٍ من الأقدَار ساقَ ذلك العرَاقيّ المسمّى: جبّار حسين.. ليغيّر كلّ حياتيْ ، ويقلبها رأساً على عقِب.. مقرراً أني سأكتبُ يوماً قصيدةً موزونَة ً أجمل مما ألقيتهُ أمامه.. وأننيْ سأكون في إلقاء الشّعر أفضل من غنائهِ .. ترى ما الذي قرأه ذلك الرجل في عينيَّ ذلك اليَوم؟ وكيفَ استطَاع فعلاً أن يأخذ بيديْ ويقولَ ليْ: أنتِ هنا ، لا هناك !

اسميْ عائشة.. وكانَ اسمهُ جبّار حسين.. آمنَ بيْ ، وآمنتُ أنا بالأقدَار التيْ ستضعُ عائشَة في طريقهَا الصحيح ربّما .. ترَى لو كانَ اسميْ سارَة! أكَانت الأقدَار رسمتْ لي خطاً آخر مختلفاً عمّا رآه جبّار حسين يومها؟

اسميْ عائشَة .. وكانتْ لي حكَاياتٌ مع الموسيقا والغناء ، قدَران حاولتُ صناعتهمَا بكلّ ما أمتلك من شرَاسَة فلم أفلح إلى أن جاء ذلك اليوم الذي جمعنيْ بذلك الرجل ومعهُ بدأتْ حكَاياتٌ أخرى مع الشّعر .. ذلك القدر الغريب الذي لم أخطط لهُ يوماً وظلّ دائماً ذلك الزَائر المفاجئ ، المفاجِئ تماماً كسؤال جبَار حسين عن الشّاعرة التيْ كتبتْ تلك القصيدَة المكسُورة وإجابتيْ إيّاه.. إنّها الشاعرة الكبيرة: خاطرة بنت فارس السعيديّ !