الاثنين، 24 أكتوبر 2011

وهُم يحسبُونَ أنّهم يحسنُون صُنعـَا!

حدثَ في إحدَى الشركاتِ التي تدرّبتُ بها..أنّ أحدَ زملائي البريطانيين في العملِ طلبَ أن تسكِّنه الشركَة ُ في "فيلا" بدلَ تسكينهِ في شقّة .. ورفضَ مديرنا ذلكَ وحينَ جاء ليحتجَّ لدى المدير –وهوَ بريطانيّ أيضاً- سألهُ المدير: من أيّ مدينةٍ في بريطانيا أنتَ؟ فردّ الموظّف: من ليفربول .. فقالَ لهُ المدير: في ليفربول .. هل تقيمُ في فيلا؟ فأجابهُ الموظّف: لا .. فقالَ لهُ: إذن لماذا تطلبُ فيلا هنَا .. وأنتَ تقيم لوحدك وتستلمُ علاوَة "العمل ما ورَاء البحار"، لو أنّك جئتَ مع عائلتكَ وأخذتْ منكَ هذهِ العلاوَة لأقمتَ في فيلا.. أما وأنتَ وحدك فلا ..

حينَ غادرَ الموظّف غاضباً قال لي مدِيري أنّه علم من لكنَةِ الرجل الانجليزيّة أنّه من الطبقَة الاجتماعيّة الدنيا في بريطانيا وعلمَ تماماً في أيّ الأحياء يقطنُ في ليفربُول.. ثمَ تابعَ قائلاً أنّ من أكبرِ الأخطاء أن نقنع أنفسنا باستحقاقِنا للحصُول على ما لا نستحقّه ..

قبلَ أن يأتي هذا المديرُ ... كانَ ثمّة مدير آخر قبله .. وكانَ الموظفونَ يتصرّفون في تلكَ الشركَة كيفَ يشاؤون .. أحدهُم اشترى لشقتهِ تلفزيوناً "بألفِ ريال" وآخر مهندس عربيّ كانَ يترجِمُ الرسائل العربيّة التي تردنا من الوزارات للمدير الذي لا يتحدث إلا بالانجليزيّة .. يترجمها بـ15ريال للورقَة حتّى وإن لم يتعدّ ما كتبَ بها سطران .. وحينَ يأتي موظفُون من خارج السلطنة ويقيمُوا لبضع أيّامٍ في فنادق الخمس نجوم التيْ توفّرها الشركَةُ لهم ، ويغادرُوا بفواتير بمئات الريالات بسبب مصاريف الشّراب الذي لا تعدّ الشركة مسؤولةً عن دفعهِ إلا أنها تتكفّل بدفعهِ عنهم ..

لم يكنْ يدهشنيْ التسيّب الذي كانَ يحدثُ بقدرِ ما كانَ يدهشنيْ هوَ أنّ جميعَ هؤلاءِ الموظفين كانوا يتصرّفون وكأنّهم يستحقُون ما يحصلُون عليه .. أنّ ذلك من حقهم وأنّ حرمانهم منهُ ظلمٌ له ..

وحينَ استبدل المدير بمديرٍ آخر بعد تدهور الأوضاع الاقتصاديّة ثارَ الموظفون نظراً لصرَامة الأخير في الانفاق .. وكنت مندهشَة ً للغاية .. كيفَ يبرر موظفٌ شراءهُ تلفزيوناً بألفِ ريال لشقتهِ .. والآخر الذي يستخدمُ سيّارة الشركة ذات الدفع الرباعي رغم أنهُ يستلم علاوة سيّارة .. كانَ يدهشنيْ جداً كيفَ أقنعُوا أنفسهم باستحقَاقهم لما سبق ..

كانَ ذلكَ هوَ تفسيري دائماً لتدهُور الأوضاع الاقتصاديّة في هذا الوطن .. وتفشي سيَاسة الفسَاد والمحسُوبيّة والسرقة .. نحنُ نؤمن دائماً أننا –ومهما كانت طرقنا ملتويَةً في الحصول على الشيء- نعتقدُ أننا نستحقُ ما نحصلُ عليهِ .. ما نسرقهُ .. ما نلطشهُ من أموَال العامّ والخاصّ .. نعتقدُ أننا "نحسنُ صنعاً" ونحنُ نفعلُ ما نفعلهُ ..

وما يدهشنيْ أكثر هوَ وصولِ هوسَ البعضِ على الاستيلاء على كلّ شيءٍ هو "مضاربتهم" لموظفيهم في كلّ صغيرة وكبيرة ..

المديرُ العامّ يوصّي بكم جرَام زيادة في الزعفران العُمانيّ المخصص للمديريّة الفلانيّة في الوزارة الفلانيّة .. حتى يصطحب "الزيادة" لزوجتهِ المصون لتطبخَ لهُ قهوَة الصبَاح ..

المدير العامّ الذي لا يعذر حتّى من "كرتُونة الكلينيكس" ليصطحبها للبيت .. المدير العامّ الذي يوصّي بمؤونة هيل تكفيهِ ل10أعوَام قادمة لتضييف زوّار مكتبهِ بالقهوَة ومكاتب المديريّة بأكملها حتّى يتمّ شحنُ الكميّة لاحقاً للمطبخ.. ليسَ مطبخ المديريّة بالتأكيد .. ولكن مطبخَ زوجَة المدير العام ..

الموظّف الميكانيكي الصغير في شركَة البترول المعروفة الذي يدخلُ في حربِ منافسَةٍ شرسةٍ مع زملائه في من سيسرّب قطع خردَة من ورشَة الشركَة أكثر ليبيعها بضعف سعرها في السوق ..

الموظّف الحكوميّ الذي لا يشتريْ أقلاماً لأبنائه .. لأنّ أقلام "الحكومة" أحلى و"أغوَى" ..

رئيس مكتب الوزير .. الذي يوصي في كلّ توقيع اتفاقيّة بشراءِ قلمين بثلاثمائة ريال .. القلم السحريّ الذي سيخطّ الوزيرُ عليهِ بتوقيعهِ في دقيقتين ويتبادل الابتسامات والمصافحة مع الطرف الآخر .. وتضيء فلاشات الكاميرات وما أن ينتهي الحدث الإعلاميّ "يركض" الموظّف ويخشّ القلمين السحريين في جيبِ "دشداشتهِ" ..

أعضاء مجلس الشورَى الذينَ اختفَوا عن ولاياتهم لسنوَات وحينَ اقتربت ساعَة الصّفر أمّوا الناس في المساجد .. عطفُوا على الصغير .. مدّوا يدهم من الباب الخلفي بمائة ريال لهذهِ العائلة .. كرتُون خضروات لتلكَ العائلة .. قمصَان رياضيّة وأحذية أديداس لفريق الكرَة المحليّ .. هؤلاء كانُوا يؤمنون أنّ "الإحسان" الذي نزلَ عليهم من السّماء إنّما هوَ لأنّهم دونَ غيرهم يستحقُون تمثيل الولاية .. ومن المبرر جداً أنّ عضو مجلس الشورى "الرَاشي" يُحَاسب وزيراً على الفسَاد .. لأنّه يستحق أن يمثّل الولاية وإن تعدّدت الطرق والوسَائل

حتّى المؤسسات الحكوميّة المفترض بها تقدِيم يد المساعدَة للمواطنين تدهورَت بسبب أنّ الجميعَ يؤمن أنّه يستحق منحَ الديوَان دونَ غيره .. أنّه أحقّ بذهاب "الغوازي" لجيبهِ بدل أن تذهب لجيُوب آخرين ..

ولأجلِ ذلكَ فقدَ الديوَان مثلاً قيمتهُ الحقيقيّة في مساعدَة "المحتاجين" الحقيقيين .. ووجدَ كثيرٌ من المتسلقين والوصوليين طريقهُم إليهِ .. لأننا حينَ نؤمنُ جميعاً أننا نستحقّ جميعاً! فلا يعودُ حينها بيننا من "لا يستحقّ المنحة" . .

موظّف الاسكان الذي يتاجرُ بالأرَاضي ويأخذ العمولات مقابل توزيعها على من يدفعُ "لهُ" أكثر .. هوَ أيضاً يعتقدُ أنّ تصرفه وكأنهُ ورثَ تلك الأراضي عن أبيه .. أن تصرفهُ ذلك سليم وأنّ ذلك من حقهِ!

المواطن الذي يصحُو من النومِ فجأةً في يومٍ ما ويقرر أن يستأجرَ عاملينِ آسيويين .. ليسوّرا سور أرضٍ مجاورة له ، ثمّ يقول للمحكمةِ حينَ تستدعيهِ: والدي –رحمهُ الله- كانَ يروّح "سح" قبلَ ستينَ عاماً في هذهِ الأرض! .. المواطن أيضاً يعتقدُ في داخلهِ أنّ هذهِ الأرض إرثُ أصيلٌ له من والدهِ المرحوم!

حتّى المثقفين الذينَ لبسُوا جبّة المدافعينَ عن حقوق المواطنين بينما استلموا في يومٍ ما وفي زمنٍ ما منحاً ديوانيّة بأربعَة أصفار .. فعلُوا ذلك لأنّهم يعتقدُون أنهم يستحقُون مساعدَة الديوان وأنّ مدّ يدهم لطلب المساعدَة الديوَانيّة لا يتنافى مع مدّ يدهم لـ"كفخ" الحكومة في الجانب المقابل .. حتّى وإن كانَ ذلك المثقّف يمتلك وظيفَة أجمل ما يكون ، وسيّارة أجمل ما يكون .. فإنه يؤمنُ في داخلهِ أنّه يستحقّ كمواطن مساعدَة الديوان .. في الوقتِ الذي ندخلُ فيهِ يومياً مواقع الانترنت ونقرأ عن عائلاتِ تعيشُ بعشرَة أفراد في غرفَة مساحة 4 في 4 متر ..

نقرأ قصص العائلاتِ التي لا تمتلك ترف امتلاك "مكيف تبريد" في الوقتِ الذي تتجاوزُ درجاتُ الحرارةِ لدينا الخمسينَ درجَة ً أحياناً ..

نرَى حولنا المعدمين والفقراء والمهمّشين .. لكننا نعتقدُ أننا –بطريقَةٍ أو بأخرى- نستحقّ ما نحصلُ عليه .. نستحقّه وإنْ لجأنا لقريبنا "ليضبّط لنا موضوع المساعدة" .. وإن مددنا بشويّة "بقشيش" للموظّف المسؤول .. وإن حصلنا على المنحَة قبلَ جارنا الذي طلبها قبلنا بعامين!

إذنْ .. إنْ كنّا جميعاً نعتقدُ أننا نستحقّ المساعدَة .. فمهلاً!! من لا يستحقّها إذن؟

حتّى كبار الحراميّة في البلد .. الوزراء الذينَ خرجَنا في اعتصاماتنا مطالبينَ بإقالتهم .. المسؤولين الذينَ استولوا على أكبر مشاريع البلد .. الهوَامير الذينَ مصّوا دماء الوطن قطرَة قطرَة .. جميعهم ربّما حينَ مدّوا يدهم على أوّل ريالٍ "بالحرام" إلى آخر ريالٍ قبلَ إقالتهم ، كانوا يعتقدُون في دواخلهم أنّهم يستحقُون ما يستولونَ عليه.. مهلاً! هم في دواخلهم لم يكُونوا يعتقدُون أنّهم يستولون على شيءٍ لا يملكونه .. بل كانوا يؤمنُون أن ذلكَ حقٌ لهم .. لهم لا لغيرهم ..

ليسَ هذا في ثقافة وطننا فحسب بل في أوطاننا العربيّة جميعاً .. هؤلاء الديكتاتورات الذينَ حكمُوا الشعُوب بقبضةٍ من حديد وأزهقوا أرواحَ شعوبهم من أجلِ أن يبقوا في كراسيهم آمنُوا دائماً أنّ موتَ الشّعب مبررٌ لبقائهم .. وأنّ من حقّهم أن يجزّوا أعناق الشعوب مقابلَ بقائهم في كراسيهم .. هم في دواخلهم يؤمنون تماماً أنهم على حقّ .. وأنّهم يستحقون .. وأنّهم الأفضل لهذا الشعب .. ولأجلِ ذلكَ لم يكنْ غريباً صراخ القذافي على الثوّار أثناء اعتقاله: ارحمُوني ارحمُوني، ألا تعرفُون الرحمَة.. كانَ الرجل في تلكَ اللحظة الواقعيّة جداً يؤمن أنّه كانَ رحيماً ونبيلاً مع شعبهِ .. ولعلّه حتى لحظَة مقتلهِ كان يؤمنُ أنّ سقوط 20ألف قتيلٍ ليبيّ خلال الثورة .. كانَ أمراً مبرراً لبقائهِ "كقائدٍ للثورة" ..

أتذكّر تماماً الآن باولو كويللو وهو يقولُ أنّ من أكبرِ أخطاءِ الانسان هو إيمانُهُ بأنّه يستحقّ الخير الذي يحصلُ عليهِ .. بينما لا يستحقّ ما يصيبهُ من شرّ!

لمْ يقذفْ بهذا الوطن إلى مستنقع العمَالة والمحسوبيّة و"اللصوصيّة" كما قذفَ بهِ إيمانُنا جميعاً بأننا نستحقّ ما نحصلُ عليهِ .. ما نسعَى إليه .. ما نأخذهُ "بالطيب أو بالغصب" ..

فقط حينَ يتعلّم كلٌ منا ما لهُ وما عليه .. حينَ يفصلُ الموظف بينَ مالهِ ومالِ الوزارة أو مال الشركة. حينَ يؤمنُ كلٌ منا أنّنا لا نستحقّ بالضرورةِ كلّ ما نحصلُ عليهِ .. حينها فقط ستختفي هذهِ الثقافة.. لكن هذا الوطنَ لن يغادرَ أبداً هذا المستنقع .. إن اجتمعَ شيئان .. مالٌ سائب ومواطنٌ يمدّ يدهُ على ذلك المال مؤمناً أنهُ يستحقّه دونَ غيره ..

خاتمَة:

"قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)"

سورَة الكهف