الأربعاء، 23 نوفمبر 2011

ثرواتكَ الوطنيّة .. أمانة! يا صاحِب "التفالَة" العظيمة

لا أكثر سوءاً حينَ تخرجُ صباحاً إلى عملك .. بنفسيّة منفتحة وعقليّة مستعدة للإنتاج .. تقفُ عند إشارات المرور ، تنظرُ إلى النّاسِ بحبّ ، إلى السيّارات بحبّ ، يضربُ لكَ السائق خلفكَ "هرنهُ" بحبّ كي يحثّك على الدخول من الطريقِ الفرعيّ للرئيسيّ .. معَ ذلك تبتسمُ لهُ وأنتَ تعتقدُ أنّ يومكَ سيبدأ بالحبّ وينتهي بالحبّ.. وفيما أنتَ تنتظرُ دوركَ وسطَ طوابير السيّارات أمام إشارة المرور .. يفتحُ سائقُ السيّارة التيْ تقفُ أمامك بابهُ .. يطلّ برأسهِ وَ "ككككككخخخخخ" .. يرتفعُ صوتُ بصقهِ على الأرضِ وهوَ ينظّف حنجرتهُ من ركَام "شيشة الشوكولاتة" التيْ عبّها البارحَة عباً في حنجرته .. وركَام علكَة الكيف التيْ خبّأها البارحة خلسَة تحت لسانه .. يبصقُ على الأرضِ كيْ يمنحَ "حنجرتهُ" متنفساً قصيراً من طبقَات الأوساخ العالقة من الأمس .. وليسَ عليكَ سوَى أن تبصرَ "التفالة" الكبيرَة التيْ استقرت في الأرضِ لتدرك خبيصَة "المصائب" التيْ تعجّ بها.. تحدّق إليها بكلّ قرف وتتبخّر حينها كلّ حالة الحبّ التي بدأتَ بها يومَكَ وتفكّر .. بسينَاريُوهات مختلفَة لمعاقبَة "صاحب التفالة العظيمَة" الذي عكّر عليك يومك ..

عن نفسيْ فإنّ سيناريُوهات مختلفَة تنتابنيْ وأنا أحدّق إلى ذاك المزيج الشفّاف بألوانهِ الخضراء والسوداء والبنيّة وبتركيبته اللزج .. وأفكّر بلسَان "صاحب التفَالة العظيمة" وبغددِه "المتضخمَة" التي تدرّ كميّة التفال الكبيرَة تلك .. أحدّق إليهِ وأنا أتخيّلنيْ أترجّل من السيّارة .. أحييه مبتسمَة .. أمدّ يدي إلى فكّه .. وأفتحه بقوّة .. أمسكُ بلسانهِ وأقطعها بسكين حادّ وأذيبها أمامهُ في سائلٍ من الأسيد .. أعيدُ إطباق فكّه وأنا أحدّق إلى البخَار المتصاعد إلى الهوَاء بفعلِ احتراق لسانهِ في الأسيد ..

يبدُو هذا السيناريُو الأكثر وروداً بخاطري كلّما رأيتُ "صاحب التفَالة العظيمة" يجُود "بتفالتهِ" على أرضنا الأمّ .. ولأننا حتّى اليوم لا نملك قانُون يحظر على أصحاب "المخزونِ التفاليّ العظيم" إيداعَ مخزونهم على الأرض .. فإنّ علينا أن ننتظرَ الاخوَة المشرّعين المشغولين برفع رصيد الاقتصاد في البلد ، بتشريع قوانين الحريّات والنشر ، بحلّ مشاكل البطالة ، بمكافحَة السرقات والجريمة ، المشغولين بتنظيم قوانين القيَادة في الطريق، بحلّ التحديّات التيْ تواجه الشباب العُمانيّ ، برفع مستوَى التعليم العالي في البلاد ، بتنظيم حقوق المستهلك، فإنّ علينا أن ننتظر حلّ كلّ التحديات السابقة التيْ ينشغلُ بها "حالياً" المشرّع العُماني حتّى يتفرّغ لحلّ كافة التحديّات المتعلقة ب "تفريغ احتياطي التّفال في عُمان" ..

هذا الاحتياطيّ الذي لم يعد حكراً على اخوتنا من الشعبّ الهنديّ الشقيق ولكنّ المنافسة العمانيّة دخلت بقوّة إلى السوق ربّما .. أقولُ ربّما لتدعيم دور التواصل الثقافيّ بين الشعوب بالنظر إلى عمق وأصالة الاحتكاكِ المجتمعي بيننا والشّعب الهنديّ والذي أصبحتْ ثقافة "التتفيل" جزءاً من هذا الاحتكاكِ الضاربِ في عُمق التاريخ .. ولا أقرب مثالاً من مومبَاي العُمانيّة "مطرح" التي تعجّ أرضها بعظمة تلك الثروة حتّى أنّ على العابر في طرقها أن "يرفع دشداشته أو عباءتها" ويغضّ الطرف عن التجمع البشريّ الهائل المحيط بهِ ويحدّق على الأرضِ ليتأمّلها بخشوع خوفَ أن يمسّ بطرف دشداشتهِ خلاصَة الثرواتِ العمانيّة/الهنديّة تلك ..

وحينَ أفكّر في الدور الذي ستلعبهُ هذهِ الثقافة في تأصيلِ التبادل الحضاريّ هذا أشعرُ بالسّخف الشديد وأنا أفكّر في اخواننا بسنغافُورة الذين سنّوا غرامة ماليّة قدرها 175 دُولار (70ريال عُماني) على من "يتصدّق" بتفالته على أمّنا الأرض! بصرَاحة تامّة: اخواننا في سنغافورة مالهم حقّ! .. وبالتأكيدِ ليس لهُم الحقّ أيضاً في نشر صور المتهمين بالبصقِ في الصحفِ السنغافوريّة .. فلماذا كلّ هذا التشهير بأصحَاب هذه الثروَات الطبيعيّة الانسانيّة العظيمة .. رغمَ أنني في الجانب الآخر أفكّر لو أنّ الحكومة –بسعيها الدؤوب لابتكَار الوسائل المتعددة لسلب كلّ قرشٍ من المواطن- أفكّر لو أنّ الحكومة سنّت تشريعاً بتغريمِ أصحاب الثروات البصاقيّة العظيمة .. كم كانتِ الحكومة ستجني من الدخل .. وكم سيكُون جيّداً لمكافأة المبلغين عنهم لحثّ المجتمع على إبقاء "تفالته" في فمه بدَل تكريم الأرضِ بمكوّناتها العضويّة العجيبة ..

حسناً .. في بعضِ الأحيان يردني سيناريُو حملَة وطنيّة مبتكرَة وأنا أحدّق إلى اللافتة الجانبيّة للطريق .. "الماء ثروَة وطنيّة فلنحافط عليه" .. ويخيّل إليّ لو أننا بدأنا حملَة وطنيّة عنوانها "تفّالك ثروة وطنيّة ، فلتحافظ عليها" .. هل كانَ هذا سيغير من الأمرِ شيئاً؟

إلا أنني أعودُ حينهَا وأتراجعُ وأنا أفكّر أنّنا يجبُ أن نعنونَ الحملة بـ"ابصقُوا ، ابصقُوا على أنفسكم" وندشنَها بالعبارَة التاليَة: ابصقُوا .. ابصقُوا كثيراً ولكن على أنفسكم .. انظروا إلى المرآة .. والبصاقُ يملأ أجسادكم وأخبرونَا حينها .. إن كنتُم ستهدرُون بصاقكم مرّةً أخرى على الأرض .. أم ستبقُونَه ثروةً "لأنفسكم" !

الاثنين، 21 نوفمبر 2011

نموتُ .. نمُوتُ .. فيمُوت الوطَن!

"في بلادٍ ..

نسجَ الخوفُ

على الأعينِ

ظلّ العنكبوتْ . .

لم نعد نبكي

على مَنْ ماتْ

بل مَنْ سيموتْ"

عبدالرزّاق الربيعيّ


نعُم .. لم نعدْ نبكِي على أمواتنا .. بل على أحيَائنا الذينَ ينتظرُون دورهم في حفلاتِ الموتِ الجماعيّة التيْ تقامُ يومياً على طرقَاتنا ..

نعم لمْ نعد نبكيْ على الأموَات .. لأنّهم أصبحُوا أرقاماً حاضرَة في تاريخ كلّ أسرة عُمانية .. لا نسأل هل فقدتم في حوادث السّير ولكن نقُولُ كم فقدتُم؟!

وإن كانَ عبدالرزّاق الربيعيّ كتبَ عن أبناءِ وطنهِ في العراق الذينَ يقضُون حتفاً في صراعاتهم الطائفيّة وفي التفجيراتِ الإرهابيّة وبرشَاشات المحتلّ، وإنْ كان الشباب في البلدانِ العربيّة يقضُون حتفاً برصاص قنّاصة شرطتهم في مظاهراتهم ضدّ أنظمتهم.. ويقضُون حتفاً في ساحاتِ الجهاد .. يمُوتون في سجُون تعذيب مخابرات حكوماتهم فإنّ أياً من هذا لا يحدثُ في عُمان وإنّما يمُوتُ العُمانيّ في توَابيت حديديّة .. في أكفانٍ من معدن يقُودها فيعُودُ إلى عائلتهِ جثّة ً هامدة ..

أشعرُ بالفجيعَة وأنا أقرأُ كلّ يوم ضحايا حفلاتِ الموت الجماعيّة في عُمان .. أصَابُ بالفجيعَة حين أفكّر أنّ المجتمع بدأ يعتَادُ سبب القتلِ الرئيسيّ في عُمان .. وبدأ يعتَادُ فكرَة الموتِ في الحوادث .. وأنّ أياً من ولايات السلطنة لم ترفع حتّى الآن حالة طوارئ بينَ سكّانها ..لم يشكّلوا لجنَة طوارئ لمداراة المجازر اليوميّة التي تفتكُ بنا .. أنّهم لم يخرجُوا بأطفالهم ونسائهم ومواشيهم مستجدين "يستسقونَ" الرّحمة من الله ليكفّ عنهم "ابتلاء الحوادث" .. ابتلاء الحوادث الذي فتك بهم أكثر من جفاف الأرض التي لم يَتوقفوا عن صَلواتِ الاستسقاء ليحييها بالمطر ولكنّهم لم يخرجُوا كذلك ليستسقوا فيحيي اللهُ الصحوَة في قلوبِ أبنائهم .. أنّهم لم "يعتصمُوا" مطالبين الحكُومة بوضعِ قوانين أكثر صرَامة من مجرّد شعارات معلّقة على جانب الشارع!

يشعرنيْ بالفجيعَة أنّ الشعبَ العُمانيّ لم يستيقظ بعدُ على جديّة "المصيبَة" التيْ هوَ مقدِم عليها .. في الوقتِ الذي تشكلّ فئة الشباب غالبيّة قتلى الحوَادث .. وإنْ كانتِ البنية التحتيّة لقطاع الطرق في عُمان تلعب دوراً كبيراً في القتلى وتتحمّل مسؤوليّتها الدولة فإنّ الأرقام الضوئيّة للقتلى لا تعبّر فقط عن مشكلة في قطاع النقل وإنّما عن وجود ثغرَة خطيرة في عقليّة المجتمع العُمانيّ ..

مجتمعنا الذي يتعدّى المليونين بقليل اعتَاد على يفتحَ الجريدة ويطالع خبر وفاة 20 فرداً هذا الأسبوع في الحوادث .. أربعة قتلى في حادث واحد .. موت عائلة بكاملها في الشرقيّة .. احتراق مركبتين بركابهما في نزوى ..

البارحَة كنتُ أخبر زملائي أنّ عدد قتلى الحوادث للأسبوع الماضي في السلطنة بلغَ 22 قتيلاً .. وكم كانَ الجميعُ صعقاً لسماعِ هذهِ الاحصائيّة .. ففي دولة كالمملكة المتّحدة يمُوت فيها شخصٌ بسبب حادث سير من كلّ 17ألف شخص نسمة .. يبدُو رقماً خيالياً أن يموتَ شخص عُمانيّ من كلّ 2000شخص في عُمان! يا إلهيْ! ألا تلمحُون معي حجمَ خطورَة المسألة؟

وحينَ نتحدّث عن وصولِ أعداد الوفيّات إلى هذا الرّقم فنحنُ يجبُ أن نغطي أيضاً نمط القوانين المؤطّرة للقيادة لدينا في السلطنَة .. إذ لا تزالُ قوانينُ المخالفات تتعامل بليونَة مع المخالفين .. قيمَة مخالفة السّعر المتدنيّة فيما رفعت الإمارات العربيّة المتحدة سعر مخالفة السرعة فوق المسموح إلى قرابة 60ريال عُمانيّ .. تخيّلوا لو أنّ سعر المخالفة لدينا هكذا في عُمان فإنّ تحصّل أي قائد مركبة لمخالفة سرعَة بهذهِ القيمة فستجعله يفكّر ألف مرّة قبل أن يعيد الكرّة وهو يعرفُ أن 60ريالاً تنتظرهُ ليدفع قيمة المخالفة .. في عُمان لا يمرّ يومٌ دون أن نقف عند إشاراتِ المرور ونلمح أمامنا السيّارات تتدافع حتّى حين تتحوّل الإشارة للحمراء لتقطعَ سيّارةٌ بسرعة جنونيّة الإشارةَ الحمراء .. ألا ينبغي التعامل مع هذا الواقع اليوميّ بقانونٍ أكثر صرامة؟

لا يمرّ يومٌ ولا نلمحُ سيّارة تطيرُ بسرعة 140كم/الساعة وما أن تصلَ عند الرادار تضيء مكابحُ السيّارة الحمراء .. ولا يمرّ يومٌ دون أن نلمح عُمانياً يقودُ وهو يتحدّث على الهاتف ..

وليسَ غريباً جداً أن نمرّ على العُمانيّ وبجانبهِ في المقعدِ الأماميّ يقفُ طفلهُ ذو البضعِ أعوام ..

ثقافَة الأحزمة في المقاعد الخلفيّة للأطفال لم تُخلَق بعدُ في عُمان .. في الوقتِ الذي لو فعلها أيّ عُمانيٍ في دولةٍ كالمملكة المتّحدة فإنّ أوّل ما سيحدث هوَ سحب وصايته على طفلهِ منه ومنحها للجهات الاجتماعيّة .. ربّما حتّى ينزلَ اللهُ رحمتهُ على عبادهِ فيصدرَ قانونٌ يمنعُ الآباء من القيادة ما لم يربط أطفالهُم أحزمَة الأمان .. بل إنّ العمانيين لا يستغربُون إطلاقاً رؤية عُمانيّ يضعُ "بينَ رجليه" طفلهُ الرضيع وهو ممسك بمقودِ السيّارة .. هذا الموقف بالذّات تحدّث إليّ عنهُ بدهشَةٍ أكثر من أجنبيّ قاد في شوارعِ السلطنة وصادفَ هذا الموقف .. وقدِ استمعتُ إليهِم دون أن أخبرهم أني أعرفُ نساءً .. يرضعنَ أطفالهنّ وهنّ يقدنَ السيّارة!! تخيّلوا!

أوّل ما يدهشُ الغريب هنا في عُمان .. أنّ الفتيات يقدن السيارات في كثيرٍ من الأحيان بتهورٍ لا يقلّ عن الرجال .. بل إنني بتّ ألمح كثيراً كيف تتخطى فتياتٌ كثر في ذروة الزحام السيارات التي أمامها وتعبر داخل الخط الأصفر الجانبيّ للشارع .. كيف تقف فتيات في مواقف المعاقين .. ربّما لاعتيادهنّ ثقافة: أنتِ فتاة؟! إذن تفضّلي!

لا يمرّ وقتٌ دون أن نلمحَ عُمانياً يقودُ بيدٍ ويشربُ "شاياً ساخناً" في اليد الأخرى ..

لا يمرّ وقتٌ دونَ أن نلمحَ عُمانياً .. "يرجع للخلف" في الشارع العامّ وقد فوّت مدخلاً جانبياً محاولاً الدخولَ لهُ مجدداً..

لا يمرّ يومٌ دونَ أن نقودَ في الخطّ السريع في الشارع فتلتصق خلفنا سيّارة ملحّة تارةً بالضوءِ الأقصى وتارةً بجرس السيّارة على أن نتزحزح من أمامها بينمَا تفصلنا عن مقدّمتها "بضع سنتيمترات"

لا يمرّ موقفٌ دونَ أن يفاجئنا أصحابُ التكَاسي "بمقالبهم" اليوميّة في الشارع ..

لا يمرّ يومٌ دون أن نلمح سيّارة تعبرُ داخل الخطّ الأصفر في الصباح .. متجاهلةً عشرات السيارات التي تتخطاها ..

لا يمرّ وقتٌ دونَ أن نقرأ في الصّحف خبرَ موتِ طفلٍ رضيعٍ في حادثٍ لأنّ "والديه" لم يكلّفا أنفسهما عناء توفير كرسيّ خاصّ له في السيّارة ..

لا يمرّ يومٌ في عُمان دونَ أن نلمحَ "الآسيويين" يتقافزُون أمامنا في مشهدٍ انتحاريّ لعبُور الشّارع ..

ولا يبدُو كلّ ذلك مستغرباً وأغلبنا نتاجُ "تدريبٍ غير واعٍ" .. في مهنَة كمهنة تعليم القيادَة تديرها فئات غير "مؤهلة تعليمياً" لتعليم النشء القيادة ..في الوقتِ الذي يسبقنا فيهِ جيراننا في الإمارات بأشواطٍ ضوئيّة عبر مدارس محترفة لتعليم القيادة نظرياً وتطبيقياً .. هذا بالتأكيدُ بعيدُ المنال في عُمان حتّى ليخيّل إلينا مع كلّ العشوَائيّة التي تشهدها شوارع السلطنة أنّ ثلثي الشعب العُمانيّ يحتاجُ أن يعود إلى مقاعد الدرَاسة لدرَاسة قواعد القيَادة السليمَة ..

نسمعُ منذ سنوَاتٍ عن قوانين تنظّم عملية تعليم القيادة في السلطنة وعدا عن ذلك لم يحدث شيءٌ سوى أن يرفع معلّمو القيادة يوماً بعد يومٍ أسعار تدريبهم إلى أسعارٍ خياليّة .. فعقدُ التعليم يكلّف على الأقلّ 500ريال عُمانيّ للشخص! وإذا كنتَ محظوظاً فلن تجد معلّم قيادة يدرّبك بأقلّ من6ريالات في السّاعة.. وأقصَى ما نفعلهُ من التعليم النظريّ هو حفظ إشارات الطريق .. ولأجلِ ذلك ليسَ غريباً أن يتصرّف الشعبُ بهذهِ العشوائيّة لأنّ نظام التثقيف النظريّ والامتحان النظريّ في قواعد القيادة السليمة لم تصلْ بعدُ إلى عُمان ..

لا نزالُ حتّى اليوم نشهدُ حفلات الموتِ الجماعيّة ونتفرّج عليها دونَ أن نجدَ خطواتٍ أكثر صرامة من الحكومة .. لماذا لا تنشرُ الشرطة أعداداً أكبر من أفرادها في الطرق؟ أينَ ذهب الآلاف الذينَ انضمّوا للشرطة بعد أحدَاث فبراير 2011؟ ألا يجدرُ بنا أن نراهم يملؤون الشّوارع لحمَاية هذا الشّعب من أكفان المعدن التي نراها يومياً؟

على الشرطَة أن ترفعَ من درجَة صرامتها في التعاملِ مع المتجاوزين .. فأيّ خطأٍ يرتكبه قائد المركبة في الشارع يجبُ أن يحَاسب .. لماذا نرى سيّارات الشرطة تقفُ على جانبِ الطريق فيما النّاس لا توليها أيّ اهتمام مواصلةً ارتكَاب أخطائها أمام أفراد الشرطَة دونَ أن يحرّك الشرطيّ ساكناً؟

جيراننا في قطر والامارات والكوَيت وعوا قبلنَا خطُورة المشكلة وشخّصوها عبر تحسين شبكة الطرق وتشديد القوَانين وتركُوا العقليّات لتتآلف معها .. فالعقليّات مهمَا تبلدَت تنيرها القوَانين ومهما جمدَت فإنّ القوانين –مع الزّمن- ستكُون كفيلة ً بإعادة الحياة إليها ..

أرجُوكم .. احمُوا هذا الشّعب من طيش شَبابه .. احمُوا هذا الوطن من فقدَان ربيعِ شعبهِ .. احمُوا أجيالاً تنتظرُ دورها في هذهِ الحياة .. احمُوا أسراً تنتظرُ أن يحملها الشبَابُ على أكتافهم .. واحموا العقليّة العُمانيّة من العشوَائيّة التيْ غزت الطرقَ في عُمان ..

احمُوا هذا الوطن بالقوَانين التيْ خلقت لتعالجَ المشكلة .. وأنشأت لتنظم حياة الشّعوب .. قوانيننا لا تعايشُ المرحَلة .. ويبدُو أنّ المجتمع والحكومَة على السّواء لا يزالُون في نومَةٍ "كهفيّة" لم يوقظها العشرَات الذي يتسَاقطُونُ في الشّوارع كلّ يوم! اجعلُوا هذا الوطنَ ملاذاً آمنا لأطفالنا ومستقبلهم .. لشبابٍ أوشكُوا على أن يبنُوا أسرهم .. أو بدؤوا مع زوجاتهم حياةً جديدَة ً أنهتها آلاتُ الموتِ الحديديّة التي نقُودها كلّ يوم ..

المشكلة ليستْ نتاجَ سببٍ واحد .. وإنّما تراكم أفكَار خاطئة أنتجتها عقليّات لم تدركْ بعدُ حجم الأزمة وعقليّات اعتادت عدم احترام القوانين ، وقوانين عفا عليها الزّمن .. وزمَن تحوّل الموتُ فيهِ إلى زائرٍ يوميٍ في الطرقات .. دعُونا نحتفل بالحيَاة في هذا الوطن .. لأننا لا نريدُ أن نمُوتَ .. نمُوت .. فيمُوت الوطن!

السبت، 19 نوفمبر 2011

أزمَة "ملح" في الأسوَاق العُمانيّة!


"هرمنَا .. هرمنَا! من إعلانات الضّعف الجنسيّ" هكذا تبادرَ إلى ذهني وأنا أقلّب صفحات صحيفَة عمانيّة..

في ملحق إعلاناتٍ واحد فقط .. رصدَت كاميرتي كلّ هذهِ الإعلانات التيْ أصبحتْ واقعاً يومياً في الصحفِ العُمانيّة!

وكأنّ كلّ مشاكلِ عُمان انتهت وكأنّ كلّ مشاريع "الإصلاح والتطوير" نفّذت .. ولم يتبقّ لدَى العُمانيّ إلا "تطوير" أدائه الجنسيّ في الفراش!

وطريقَة الترويج المبتذلة وأسماء المنتجات "السمجَة" مرّت "سهواً" أمام مقصّ الرقيب في الصحف العُمانيّة فيما لا تمرّ أمامه شاردَة ولا واردة إذا تعدّى الكاتب العُمانيّ حدوده في الموادّ المنشورة إلا وانهالَ عليهَا قصّاً وقطعاً..

آه .. إنني أتذكّر الآن .. باولو كويللو في رواية 11 دقيقة .. حينَ قال أحدُ أبطال الرواية: "الجنس ، الجنس ، الجنس، إنّه ملح الأرض!"

يبدُو أنّ ثمّة أزمَة "ملح" لدينَا في البيُوت العُمانيّة!





هل نحنُ شعبُ اللهِ المختار؟

لا شيءَ يقلقنيْ في عُمرِ هذهِ المرحلَةِ الحقيقيّة من حياةِ الانسانِ العُمانيّ والشعبِ العُمانيّ كما تقلقنيْ الخطاباتُ التيْ تمجّدُ للشعبِ .. تظهرهُ على أنّه "الكمال" .. وتنفي عنهُ أيّ صفَة عيب.. تقلقنيْ الخطاباتُ التيْ تهاجم الكاتب لأنّه انتقد سلوكيّات مجتمعه .. عاب عقليّة ً محليّة .. فإذا كانَ الكاتبُ عاجزاً عن "كشف عورَة المجتمع" وتهذيبه .. عن الأخذ بيدهِ وإيضاح سلبيّاته .. إذا كانَ الكاتبُ لتمجيد المجتمع وتضخيمهِ ووضع مساحيقِ التجميل على عيوبهِ ، ففيمَ تكمنُ قيمَة الكتابَة للمجتمع وعنِ المجتمع؟

في عُمان انتشرت مؤخراً خطاباتٌ تمجّد المجتمع والشعب ، تهاجمُ أيّ مادةٍ تنتقد تصرّفات خاطئة للشعب وكأنّ مليوني عُماني نزلوا جميعاً من الجنّة .. وكأنّ العُمانيّ لم يسرقِ العُمانيّ .. وكأنّ العُماني لم يظلم العُمانيّ ، وكأنّ العُمانيّ لم يحقّر العُمانيّ ، وكأنّ العُماني لم يفترِ على العُمانيّ .. وكأنّ كلّ من فعل ذلك هُم "كائناتٌ فضائيّة قدمت من المرّيخ"..

تقلقني بشدّة هذه النبرة التي بدأت تنتشر في الخطابات .. ويقلقنيْ ندرَة وجود الكاتب الحقيقيّ الذي يتحدّث باعتدال .. عن حسنَات هذا الشعب ومساوئه .. عن ثغراتهِ وعثراته .. عن الانسان العُمانيّ غير المنزّه ، والمجتمع العُمانيّ غير الكامل .. ويقلقنيْ أكثر أنّ الشعب بدأ يرسّخ هذه الخطابات فيرفض أيّ مادةٍ تنتقده .. وهذا ما حدثَ لي شخصياً في مقالاتٍ كثيرَة ليسَ أبعدها مقالي عن الإعصار الذي انتقدتُ فيهِ حبّنا للشائعات .. فجاء بعضهم ليشكك في وطنيتي ويتهمني باستهانتي بما مرّ بالشعبِ العمانيّ في جونو وفيت .. فإنْ كانتِ الحكومة تتحمّل جزءا من تبعات ما حدث فهل فيجبُ أن نتخلى أيضاً عن مسؤوليتنا كشعب في نشرِ الوعي بينَ أبنائه؟

أخافُ أن يركبنا الغرُور ونحنُ نصمّ آذاننا عن أيّ شيءٍ سوَى القول القائل بأنّ "العمانيين شعب راكز" .. "عاقل" .. "متعاون معَ الغريب" .. "مسالم" .. ونغرقَ في هالةِ ما سبق وننصرف عن تقبّل عيُوبنا ومحاولة إصلاحها ..

الأوصافُ السابقة نسمعها كثيراً خاصّة ً من غير العُمانيين وما علينا أن نفعلهُ هوَ أن نرسّخ ما سبق ونتمسك بتلكَ الهُويَّة ونسعى إلى ردمِ العيُوب الأخرى ..

حين خرجَ العمانيّون للتظاهر في فبراير 2011 لم يخرجُوا ليتظاهرُوا ضدّ كائناتٍ هلاميّة .. بل خرجوا للتظاهُر مطالبين برحيل "عُمانيين" .. "عاقلين ومتعلّمين وهادئين وطويلي بال" وبهم من الصّفات الجيّدة ما بأيّ عُمانيّ آخر .. لكنّ ذلك لم يمنعهم من استغلال هذَا الشّعب .. وتسخير هذا الشّعب لخدمَة مصالحهم .. والاستيلاء على ثروَات هذا الشّعب ، وتحويل الوطن إلى مزرعَة لشلّتهم وجماعتهم..

هؤلاء كانُوا عمانيين جداً .. وحينَ جاء العُمانيّ بعدهم ليمسك بيدِ السلطة فالعُمانيّ أيضاً كانَ من مدّ يدهُ على أخيهِ المعلّم بـ"العصا" ..

العُمانيّ نفسه .. الذيْ يعبّئ مخازنهُ وسفنهُ بخيراتِ بحرِ شعبهِ ويبعثها إلى الخارج فيمَا العُمانيّ الآخر يشتري كيلُو "الجيذر" بـ3ريال ونصف في سُوق السمك ..

والذيْ ذهبَ إلى الفقراء وجلسَ معهم على بسطَة بيوتهم ودفع فواتير كهربائهم ومدّ يده بالعشرين والثلاثين والخمسين ريالاً ثمّ لم يروه بعدَ ذلك أبداً بعدَ أصبح بينَ ليلةٍ وضحاها "سعادَة عضو مجلس الشورى" لم يكنْ "قادماً من قصص أليس في بلاد العجائب" بلْ كانَ انساناً عُمانياً أصيلاً !

والذيْ "ضبّط موضوع" زوجته في الهيئة الفلانيّة فتوظّفت "على خشم" ثلاثين متنافس معها انتهَت أوراق طلباتهم للوظيفة إلى أقرب سلّة مهملات كانَ عُمانياً أيضاً .. وبامتياز!

العُمانيّ نفسهُ الذي نصادفهُ وهوَ يتخطى إشارة المرور الحمرَاء ويقلقُ من الرادار أكثر من قلقهِ من مخالفةِ قوانين وطنهِ ، والعمانيّ قائد التاكسي الذي يتصرّف وكأنّ شوارع عُمان مسجّلة باسمِ والدهِ .. والعُمانيّة التيْ تركن سيّارتها في "مواقف المعاقين" ..

العُماني الكسُول غير المنتج .. الذي يصل دوامهُ في التاسعة ويغادرُ في الواحدَة ويخرجُ خلال ساعَة العمل ليشتري "راشن من اللولو" .. ويقرأ الجريدة من الصفحة الأولى والأخيرة .. هذهِ النوعيات التيْ صادفتُ منها شخصياً الكثير .. ولربّما يكونُ من قرائي منهم الكثير ويحزنني أن أقولَ أنهم عُمانيّون أصيلون .. وموظفون غير منتجين .. ويحزنني أكثر حينَ استمعتُ البارحَة إلى صديقتيْ الطبيبة النفسيّة التيْ أعربتْ عن قلقها على الشعبِ العُمانيّ الذي بدأ يتحوّل إلى مجتمع متطلّب أكثر منهُ كشعب منتج متحدثّة لي عن حالاتٍ كثيرة تمرّ عليها .. عن الذي يدّعي خللاً نفسياً في شخصيتهِ ليحصلَ على تقاعدٍ مبكّر.. عن الذينَ لا يتوقفونَ عن زيارتها ليتحصّلوا على عذرٍ يبرر غيابهم عن العمل .. عن الطلاب الذينَ يبتكرُون كلّ يومٍ سبباً ليتغيبُوا عن امتحاناتهم الجامعيّة .. عن "مغتصبي الأطفال" الذينَ يتحوّلون إلى كائنات "معقّدة" نفسياً فرّغت كبتها في اغتصَاب طفل ..

هؤلاء جميعاً عُمانيُون .. ولدُوا بعمان .. ويتحدثونَ بلهجة عُمان .. ولا يختلفُون في "هدوئهم" و"طيبتهم مع الغريب" .. عن أيّ عُمانيٍ آخر لكنّهم ليسُوا كائنات مباركَة ومنزّهة عن الخطأ ..

نحنُ شعبٌ خطّاء كباقي الشعُوب .. بنا ما بنا من الحَسن وبنا ما بنا من السوء .. منّا النزيهُ والفاسد .. منّا الصالحُ والمجرم ، منّا المتسلّق والمتعفف .. ولكنّ علينا أن نصغي لصوتِ الآخر .. علينا أن نتقبّل خطابَ النقد .. وأن نعيْ لمشاكلنا وأن نعترفَ بها فأولى حلولِ العلاج هوَ الاعتراف بالمرضِ بعدَ تشخيصه .. لا تمجّدوا العُمانيّ ولكنْ كونوا صادقين معه .. ولا تقدّسوه ولكنْ كونوا واقعيين معه .. وأحبّوه لكنْ انتقدوه .. واحترمُوه لكنْ اكشفُوا أخطاءه .. فإذا لم يكتب العُمانيّ عن العُمانيّ فمن ذا الذي سيكتبُ عنه ..

نحنُ لسنا شعبَ اللهِ المختار .. فلا مكانَ للكاملين على الأرض .. آخرُ الكاملين كانَ محمّد ، ومحمّد ماتَ قبلَ أربعَة عشرَة قرناً من الآن!