الخميس، 16 ديسمبر، 2010

نحنُ .. والأحلام .. وعنترَة !

"أنا والمسيحُ على حالنا..

يموتُ ويحيا، وفي نفسهِ مريمُ

وأحيا وأحلم ثانيةً أنني أحلمُ.. ولكنّ حلميْ سريعٌ كبرقيّةٍ ..... "

هذهِ أحلام محمود درويش .. سرييييعة جداً .. كبرقيّة ، أما الأحلام في وطني فهي بطيئة .. أبطأ من أكسل حيوان كسلان احتضنتهُ أدغال القارّة الأميركيّة ..

العُماني الفقير لا يكادُ يدرك النعاس قبلَ أن يمسّ الحلم .. حتى يكونَ الغنيّ قد حلم .. وفسّر حلمهُ وصحَا من حلمهِ وخبش خشمه وارتدَى مصرّه ودشداشته المبخّرة وفرّ البي أم دبليو الخاصّة بهِ كيْ يُطيّر على حلم الفقير النعسان .. صاحب الحلم الكسلان ..

العُمانيّ الثريّ .. لا ينام الليل مرتاحاً ولعلّه لا يدرك مرحلة الحلم .. لأنها مرحلةٌ عميقةٌ جداً .. فهو يحلم أحلام اليقظة .. أو يقال أنه ينام وهو مستيقظ ..

ويا ترَى هل ينام النصّابون والسراقُون العمانيون الكبار اليوم؟!

لا طبعاً .. يشهدُ النصابُون العُمانيون الكبار هذهِ الأيّام حالة أرق عامّة .. لماذا يا ترَى؟

لأنّهم يفكّرون من منهم سيستحوذ على النصيب الأكبر من الأراضي المطلّة على شارع مسقط السريع الذي أراهنكم أن الصحراء التي تحيط به الآن والتي تشعركَ أنك في إحدى صحاري مقاطعَة تكساس الأميركيّة .. ستتحول إلى عمران تجاريّ ضخم خلال 5 أعوَام فقط من الآن ..

النصابون الأصغَر قلقونَ من النصابين الصغار .. والنصابون الصغار قلقونَ من النصابين الكبار .. والنصابون الكبار قلقون من الحيتان الزرقاء الضخمة ..

الجميع يعيش حالة قلق مرتقبة .. من سيلهف على تلك الأراضي ومن سيحصل على المساحة الأوسع؟من يا ترَى .. من؟

أو لعلّ الأراضي قد وزّعت منذ وضعِ المخططِ الأوّلي للطريق السّريع ، فأنا كبقيّة الشعب .. أحلامي وإن تحدّثت بها بطيئةٌ جداً .. ولعلّ نصابينَ كباراً قد فسّروا حلمي قبل أن أحلمه ..

وأقصى ما سيحدثُ هوَ أن يشتكي أحد المواطنين في برنامج هذا الصباح .. وحينَ يحلّ المساء يذهبُ المواطن للنوم ليحلم بقصّة أخرى جديدة .. ولنا في قصّة أراضي الدقم ، حِكمٌ وعبر !

.

.

من أكبَر المصائب لدينا في عُمان أن تقع أرضُ نصابٍ على زاويَة شارع أو ملاصقة ً لسكّة سيرٍ عامّة .. لأنّ أول ما سيفعلهُ النصابُ حين يشرع في بناء مشروعهِ البنيانيّ هو أن يقتطع نصفَ مترٍ أو مترين أو ثلاثة حسبما تستدعي الحاجة من الشارع أو السكة العامّة ..

لدينا في نزوَى مثلاً .. هنالك نماذج شهيرة يعرفها الناس .. التاجر الثري الذي بنى عمارة على زاوية يقع بها "درام كشرة" ضخم .. تم ترحيل درام الكشرة إلى بقعة مجاورة ولهفت مساحتهُ إلى العمارة بل وتعدى الأمر إلى جزءٍ من الطريق .. وبدل أن تصبح الزاوية أقرب ما تكون إلى منحنى فقد تحوّلت إلى حرف L

النصّاب العُماني مستعد أن يفعل المستحيل ليستفيد من كلّ شبر في المبنى ومستعد أن يؤجّر ولو ربع متر ويخرجَ منهُ كم ريال مقابل استثماره ..

النصاب العُماني يبني العمارة بستة أو سبع طوابق وبعشرات الشقق ولكنّه ينسَى أن يوفّر مواقف لسيّارة المستأجرين ..لأنّه لا يجني منها مالاً يذكر.. ولو كانت المواقف تنجبُ له مالاً لحوّل نصف المبنى إلى مواقِفِ سيّارات ..

النصّاب العُمانيّ لديهِ منخار طوييييييييييييل .. لا يطُول كلّما كذب كما في حكَاية بينوكيو .. وإنّما يطول كلما امتلأ رصيدهُ البنكي ولهف مساحاتٍ أوسع من الأراضي .. يطوووووول منخارهُ ليشمشم و"يبحش" عن أيّ أرضٍ بإمكانهِ استثمارها حتى لو كانتْ في قمّة جبل أو داخل كهف..

وما أكثر أصحاب المناخير الطوِيييييييلة !

يا إلهي .. لدي رغبة لأستجير بنزار قباني .. لعلّي أجدُ فيه قصيدتهِ مواساة ً تنسيني الخمسين ألف عنترة الذينَ يعششونَ على قلوب هذا الشعب المسكين .. شعبنا بطيء الأحلام !!!!


هـذي البـلادُ شـقَّـةٌ مَفـروشـةٌ ، يملُكُها شخصٌ يُسَمّى عَنترَهْ …

يسـكَرُ طولَ الليل عنـدَ بابهـا ، و يجمَعُ الإيجـارَ من سُكّـانهـا ..

وَ يَطلُبُ الزواجَ من نسـوانهـا ، وَ يُطلقُ النـارَ على الأشجـار …

و الأطفـال … و العيـون … و الأثـداء …والضفـائر المُعَطّـرَهْ ...

هـذي البـلادُ كلُّهـا مَزرَعَـةٌ شخصيّـةٌ لعَنـترَهْ …

سـماؤهـا .. هَواؤهـا … نسـاؤها … حُقولُهـا المُخضَوضَرَهْ …

كلُّ البنايـات – هنـا – يَسـكُنُ فيها عَـنتَرَهْ …

كلُّ الشـبابيك علَيـها صـورَةٌ لعَـنتَرَهْ …

كلُّ الميـادين هُنـا ، تحمـلُ اسـمَ عَــنتَرَهْ …

عَــنتَرَةٌ يُقـيمُ فـي ثيـابنـا … فـي ربطـة الخـبز …

و فـي زجـاجـة الكُولا ، وَ فـي أحـلامنـا المُحتَضـرَهْ ...

مـدينـةٌ مَهـجورَةٌ مُهَجّـرَهْ …

لم يبقَ – فيها – فأرةٌ ، أو نملَـةٌ ، أو جدوَلٌ ، أو شـجَرَهْ …

لاشـيء – فيها – يُدهشُ السّـياح إلاّ الصـورَةُ الرسميّـة المُقَرَّرَهْ ..

للجـنرال عَــنتَرَهْ …

فـي عرَبـات الخَـسّ ، و البـطّيخ …

فــي البـاصـات ، فـي مَحطّـة القطـار ، فـي جمارك المطـار..

فـي طوابـع البريـد ، في ملاعب الفوتبول ، فـي مطاعم البيتزا …

و فـي كُلّ فئـات العُمـلَة المُزَوَّرَهْ …

فـي غرفَـة الجلوس … فـي الحمّـام .. فـي المرحاض ..

فـي ميـلاده السَـعيد ، فـي ختّـانه المَجيـد ..

فـي قُصـوره الشـامخَـة ، البـاذخَـة ، المُسَـوَّرَهْ …

مـا من جـديدٍ في حيـاة هـذي المـدينَـةُ المُسـتَعمَرَهْ …

فَحُزنُنـا مُكّرَّرٌ ، وَمَوتُنـا مُكَرَّرٌ ،ونكهَةُ القهوَة في شفاهنـا مُكَرَّرَهْ …

فَمُنذُ أَنْ وُلدنـا ،و نَحنُ مَحبوسُونَ فـي زجـاجة الثقافة المُـدَوَّرَهْ …

وَمُـذْ دَخَلـنَا المَدرَسَـهْ ،و نحنُ لانَدرُسُ إلاّ سيرَةً ذاتيّـةً واحـدَهً …

تـُخبرنـا عـن عَضـلات عَـنتَرَهْ …

وَ مَكـرُمات عَــنتَرَهْ … وَ مُعجزات عَــنتَرَهْ …

ولا نرى في كلّ دُور السينما إلاّ شريطاً عربيّاً مُضجراً يلعبُ فيه عَنتَرَهْ …

لا شـيء – في إذاعَـة الصـباح – نهتـمُّ به …

فـالخـبَرُ الأوّلُــ – فيهـا – خبرٌ عن عَــنترَهْ …

و الخَـبَرُ الأخـيرُ – فيهـا – خَبَرٌ عن عَــنتَرَهْ …

لا شـيءَ – في البرنامج الثـاني – سـوَى :

عـزفٌ – عـلى القـانون – من مُؤلَّفـات عَــنتَرَهْ …

وَ لَـوحَـةٌ زيتيّـةٌ من خـربَشــات عَــنتَرَهْ ...

و بـاقَـةٌ من أردَئ الشـعر بصـوت عـنترَهْ …

هذي بلادٌ يَمنَحُ المُثَقَّفونَ – فيها – صَوتَهُم ،لسَـيّد المُثَقَّفينَ عَنتَرَهْ …

يُجَمّلُونَ قـُبحَهُ ، يُؤَرّخونَ عصرَهُ ، و ينشُرونَ فكرَهُ …

و يَقـرَعونَ الطبـلَ فـي حـروبـه المُظـفَّرَهْ …

لا نَجـمَ – في شـاشَـة التلفـاز – إلاّ عَــنتَرَهْ …

بقَـدّه المَيَّـاس ، أو ضحكَـته المُعَبـرَهْ …

يـوماً بزيّ الدُوق و الأمير … يـوماً بزيّ الكادحٍ الفـقير …

يـوماً عـلى طـائرَةٍ سَـمتيّـةٍ .. يَوماً على دبّابَة روسيّـةٍ …

يـوماً عـلى مُجَـنزَرَهْ …

يـوماً عـلى أضـلاعنـا المُكَسَّـرَهْ …

لا أحَـدٌ يجـرُؤُ أن يقـولَ : " لا " ، للجـنرال عَــنتَرَهْ …

لا أحَـدٌ يجرؤُ أن يسـألَ أهلَ العلم – في المدينَة – عَن حُكم عَنتَرَهْ …

إنَّ الخيارات هنا ، مَحدودَةٌ ،بينَ دخول السَجن ،أو دخول المَقبَرَهْ ..

لا شـيء فـي مدينَة المائة و خمسين مليون تابوت سوى …

تلاوَةُ القُرآن ، و السُرادقُ الكبير ، و الجنائز المُنتَظرَهْ …

لا شيء ،إلاَّ رجُلٌ يبيعُ - في حقيبَةٍ - تذاكرَ الدخول للقبر ، يُدعى عَنتَرهْ …

عَــنتَرَةُ العَبسـيُّ … لا يَترُكنـا دقيقةً واحدَةً …

فـ مَرّةَ ، يـأكُلُ من طعامنـا … و َمـرَّةً يشرَبُ من شـرابنـا …

وَ مَرَّةً يَندَسُّ فـي فراشـنا … وَ مـرَّةً يزورُنـا مُسَـلَّحاً …

ليَقبَضَ الإيجـار عن بلادنـا المُسـتأجَرَهْ

الأربعاء، 15 ديسمبر، 2010

الشّعراء.. تجّارٌ أم متبرعُون خيريّون؟!


عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com

سألتني صديقتي حين التقتني في بروفات حفل تخرّجي بالجامعة .. كم جنيتُ من مشاركاتي الكثيرَة في العيد الوطنيّ؟ فنظرتُ إليها ببرودٍ وقلتُ: جنيتُ "مكبّة بخور" .. لابدّ أن صديقتي توجّهت إليّ بهذا السؤال تعليقاً على أنّي كتبتُ 3 أوبريتات شعرية في العيد الوطني ويومِ المرأة لجهاتٍ مختلفةٍ إضافة ً إلى قصائد لإنشادها في أوبريتات أخرى .. والحقيقة أنّ الكثيرين راسلُوني للمشاركة في فعالياتٍ شعريةٍ مختلفة منذ حلّ شهر أكتوبر، فقبلت بعضها واعتذرت عن الأخرى وكانت أغلب مشاركاتي مبنية ً على قصائد سابقة كتبتها ومنحتها للآخرين .. وهكذا كانَ حالُ الاخوة الشعراءِ الذينَ تنافسُوا في سباق الوطنيَّة التيْ أطفأت عُماننا بها الشمعة القابوسيَّة الأربعين ..

لا أمانعُ طبعاً في أن أشارك بحسي الشعريّ .. لحظاتٍ جميلة ً يحبّها الناس .. خاصة ً الأناس الذين تجمعني بهم علاقة ٌ جميلة أخجلُ حينها أن أردّهم خائبين إذا لم يكن طلبهم مبالغاً فيه كتفصيل قصيدة بمواصفات كيت وكيت ..

يظنّ المرءُ أن الشاعر يجني ثروةً بمشاركاته تلك تكفيه لشراء أرضٍ وسيارةٍ والحصول على مبلغ تقاعد يقيه عوز الحاجة في الشيخُوخة .. إلا أن الأمر خلاف ذلك إطلاقاً ..

تأتينا المؤسسات الحكومية .. طالبة ً منا المشاركة فنلبي الدعوة بابتسامة كبيرة غير منتظرين حينها جزاءً ولا شَكورا .. وتحمّر وجوهنا حين يسألنا أحدهم هل تأخذون مقابل ما تنشرون مقابلاً مالياً؟ فنجيب باستحياء: لا والله .. عيب عيب .. عيبٌ على الشاعر أن يطلب مقابلاً على شعره.. لأن الشّعرَ لا يُساوم بثمن ..

ونعم .. حين نشارك في أوبريت غنائي .. يعطى المخرج مقابلاً مادياً والملحّن والموزّع والمؤدّي .. ويعطى الشاعر .. ساعَة موديل Fitron تباع بقيمة 12ريال في السفير وقد تجدها أقل سعراً في مطرح ..

الملحن ، ألا يقدّم عملاً وليد الإبداع .. وكذا الموزّع الموسيقيّ ، والمغنّي؟ جميعهم يستحقون مقابلاً مادياً على إبداعهم لكنْ حرامٌ على الشّاعر ذلك ..

لماذا يُعامل الشعرُ وحدَه كإبداع من العيب أخذ الأجر عليه؟!

وحين يجدّ الجدّ وتأتي المهرجانات الكبيرة نرى شعراء معينين حاضرين بكتاباتهم في لوحاتها .. بل ويتكرر اسم الشاعر مرتين واثنتين وثلاث في المهرجان ويعطى عن اللوحة كيت وكيت .. شعراء معيّنون لم نسمع عنهم قطّ .. لا التقيناهم في أمسيةٍ شعريّة ولا فعاليةٍ ثقافيّة ولا نافسوا في مهرجانٍ فلانيّ .. تظهر أسماؤهم في تلك المهرجانات لأنهم يعملون في تلك الدائرة ويعرفون فيهَا أصحاب القرار في تنظيم المهرجان والفعالية الضخمة فلا غرو حينهَا أن نجدَ كلمات أغاني الفعاليّات الضخمة تلك مكسّرة وبمستوَى فنيّ ضعيف .. وحتى الشعراء الذين نعرف .. لا يتم توزيع نصيب الكعكة بالتساوي بل يستحوذ عليها الشاعر الفلاني رغم أنه لم ينل جوائز أكثر من زملائه .. ولا يملك من رصيد فوزه بالمراكز والمسابقات أكثر من زملائه .. ويحتكرُ الشّاعر ذلك حضُوره في الفعاليّة والأخرى والعام الذي يليه وكلّما تكررت الفعاليّة بشكلٍ دوريّ حضرَ اسمهُ في المقدّمة فلا شعرَاء في عُمان كلّها سوَاه وكأننا لسنَا البلاد التي قيلَ أنّ تحتَ كلّ صخرةٍ فيها شاعر ..

يمثّل الشاعرُ مدينتهُ ومنطقته في المهرجانات الثقافية على مستوى السلطنة والخليج والدول العربيّة ويرفع رأسها بما حصده من مراكز متقدمة .. لكنّه منسيٌ حين يأتي الأمر على المهرجانات الحكوميّة التيْ ينبغي أن تكون بمثابة تكريم لهذا الشاعر الذي مثّلها في المحافل التنافسيّة عبر حضور شعرِهِ ليلحّن ويُغنّى .. ويرقص على شعرهِ المغنّى الطلاب المؤدون ويترنّم به الجميع ويتبادلُون النغمات به على هواتفهم ..

تتذكرنا المؤسسات الحكومية تلكَ في الفعاليّات "المجانيّة جداً" أو شبه المجانيَّة ، ونُنسى في التمثيل الكبير، ذاك التمثيل الذي ينبغي أن تكافئ به تلك المؤسسات شعراءها بحضورهم .. عبر شعرهم !

كنتُ أطالعُ في شريطِ التلفزيونِ أسماء الشّعراء المشاركين في الفعاليّات الكبيرة التي بثّت طوال أيّام المهرجان باحثة ً عن أسماءِ شعرَاءٍ كحسن المطروشيّ ،خميس قلم ، عبدالله المعمريّ ، عبدالله العريميّ ، عبدالله الكعبي، خالد المعمريّ، محمد السنانيّ ، اسحاق الخنجريّ ، يونس البوسعيديّ ، بدرية الوهيبي و شميسة النعمانيّ وتطول القائمة من الشّعراء الذين تصدّروا المسابقات الشعريّة داخل السلطنة وخارجها دون أن نرى أي اسمٍ من أسماء هؤلاء حاضراً .. ليسَ لأنّ هؤلاء برعُوا في الشّعر النخبويّ وعجزوا عن كتابة الغنائيّات.. وإنّما لأنّ أحداً من منظمي الفعاليّات لم يكلّف نفسهُ ليسألهم أو يطلب منهم المشاركة ..

مؤخراً بدأ بعض شعرَاء الشعر النبطيّ في طلب مقابلٍ ماديّ حينَ تطلب منهم أيّ جهةٍ المشاركة في فعاليّة معيّنةٍ بشعرِهم .. ونعم أحييهم جداً .. وأتمنّى فعلاً أن يتّحد الشعراء العُمانيون ليحذو حذوهم ..

سيقول قائلٌ: أليسَ عيباً المشاركة في فعاليّة وطنيَّة بمقابل ماديّ؟ وسأقولُ: الوطن لا يظلمُ صاحب الإبداع وإنّما يكافؤه .. يحفّزه ليكتب .. ويبدع .. ويُمنح نظير إبداعه.. فالشاعرُ في نهاية الأمر ربّ أسرة .. موظّف .. أب .. أو أمّ .. مرتبط بأقساط سيّارة ، ودين بنكيّ ، وقرض للإسكان إلخ .. فلماذا يعاملُ الشّاعر –خلاف أصحاب المهن الإبداعيّة الأخرى- كمذنبٍ حين يطلبُ مقابلاً ؟

أذكرُ أنني ظللتُ لأعوامٍ أكتب لمجلةٍ محليةٍ دون أن أسألهم مائة بيسةٍ مقابل ما أكتب .. وأذكرُ أنّي حين سُئلت عما أجنيه من مقابل لكتابتي بها.. قلتُ : الصحيفة محليّة .. وأودّ أن أدعمها ولا أثقل عليها بالمقابل الماديّ .. لأكتب لاحقاً أن المجلة تدفعُ لغيري من الكتّاب الخليجيين .. وكأنّني بصفّتي –ابنة البلد- أدعم مشروعاً خيرياً بينما الآخرون لا يفعلون ..

في الجانبِ الآخر لا ينبغيْ على الشّاعر أو الكاتب أن يتعامل بماديّة في كلّ صغيرةٍ وكبيرةٍ خاصّة حين يتعلّق الأمرُ بالاشتراك في فعاليّاتٍ أهليّة غير ربحيّة فيثقل الشّاعر على المنظّمين بالتطلّب الماديّ هنا وهناك ..

أمّا أن نتعامل مع الشّاعر بمنطق أعطِ وأعطِ وأعطِ ولا تطلب؟ فهذا بالتأكيد من بالغ الاستغلال الذي يُمارسُ مع الشّاعر ..

أذكرُ أنّ مؤسسة ً حكوميةً أقامتْ فعاليّة شعريّة .. واتّصل بي أحدُ مؤسسيها طالباً مني المشاركة منتقداً الشاعرة الفلانيّة التي اشترطتْ توفير سيارة نقل لها من مكانِ إقامتها لمكان الفعاليّة .. قلتُ له: ما المشكلة في ذلك؟ ألا يكفيْ أن الشاعر يأتي حاملاً فكرهُ وإبداعهُ ليلقيهِ "مجاناً" أمامكم .. فالمطلُوب منه أيضاً أن يدفع تكاليف أخرى ليأتي إليكم؟ والمطلوب منهُ إن لم يكن يملك وسيلة نقلٍ تقلّه لمكان الفعاليّة، أن يتصرّف ويدبّر لهُ بطريقتهِ الخاصّة وسيلة نقلٍ للفعاليّة .. هذا إجحافٌ بحقّ الشاعرة .. ونعم من حقّها أن تطلب ذلك ..

حتّى الوطنيَّة يا أصدقائي لا ينبغيْ أن تعاملَ بمجانيَّة؟! وإلا لطلبنا من كلّ موظفٍ أو مدير دائرَة أو مسؤولٍ أن يعملَ بالمجّان لخدمَة وطنهِ .. فعلَى الوطنِ أن يمنحَ مواطنهُ المعيشَة الكريمَة مقابل عملهِ لأنّ المواطن مسؤولٌ عن عائلتهِ وأطفالهِ وبيتهِ .. ولذا فعلى للوطنِ كذلكَ أن يكافئ الشاعرَ مقابل إبداعهِ ..

لا أعرف .. ولكن يبدُو أن ثمّة أزمة في فهم وضع الشاعر المجتمعيّ .. ليس مطلوباً من الشّاعر أن يُعامل كـ "آلة إنتاجٍ شعريّ" يكتب كيفمَا ووقتما أرَاد .. أو أن يتحوّل إلى "تاجر شعر" .. يُطلب في الولائم والمناسبات الاجتماعيّة "ليقصد" ويتناول شيك بمبلغ كذا في نهاية اليوم لأنّه "فصّل" قصيدَةً على مقاس أصحاب الدعوةَ .. أو أن يأتيه فلان طالباً منه أن يكتب له قصيدة ً بها اسمهُ واسمُ زوجته في حفلِ زفافهِ مقابل كيت وكيت من المال ..

ولكن على المؤسسات الكبيرة أيضاً أن تتعامل مع الشّاعر كصاحب إبداع له الحقّ في أن يكافئ على إبداعهِ وعصَارة فكره .. وإن كانتِ المؤسساتُ الحكوميّة تتعاملُ مع الشّاعر بهذا المنطقِ فأولى بالمؤسساتِ الأخرى الأقلّ شأناً أن تحذو حذوها .. ويتحوّل الشّعرُ إلى مشروعٍ خيريّ يعطِي فيه الشّاعر ولا يأخذ شيئاً ..

الثلاثاء، 14 ديسمبر، 2010

قلْ لي أنت تعمل في الديوَان.. أقل لك كم جنَيت؟!

جارنَا أبو أحمَد .. الذي أخبرتكُم عنهُ ذات مرَّة .. الرّجل الصادق الصدوق الذي نذرَ نفسهُ ومالهُ في خدمَة الناس .. كانَ كلّما أخرج صدقة ً أو زكاة ً للناس .. جاءهُ أناسٌ أثرياء آخرون يطالبُون بنصيبهم من الزّكاة .. وذلك لقولهم أنّ أبا أحمد يوزّع معونات يصرفها الديوان لهؤلاء الفقراء .. يأتون طارقين الباب مطالبين بحقّهم قائلين: نريد نصيبنا من فلوس الديوان ..

ورغم أنّ أبا أحمَد لم يتلقَ في حياتهِ فلساً لا من ديوَان السلطان ولا ديوَان هارون الرشيد .. إذ بنى نفسه بنفسه .. فامتهنّ كل المهن البسيطة التي لا تخطر على البال .. بدأ عصامياً وانتهى .. لا أقول ثرياً وإنما ميسور الحال ..

أذكرُ أنّ امرأةً أعرفها وهي من قبيلة البوسعيد .. وهي من العوائل التي تستلم نهاية الشّهر راتباً شهرياً بثلاثَة أصفار لا لشيءٍ سوَى أنها تقرب لفلان العلانيّ الذي يشغل منصب مدير دائرة الصحون والملاعق في الديوان الفلاني أو البلاط العلاني وهي أيضاً "تصير ابنة عم ولد زوجة خال الوزير الفلاني" ذهبت تشتكي مرةً من أنّ أبا أحمد لابد أنه يتلقى مبالغ أكثر منها من الديوان فلا هو ابن سفير ولا ابن أخت زوجة الوزير ولا هو من أصحاب الدماء الزرقاء .. بانيةً حديثها على ما يصرفه على الناس متوقعةً أن المبلغ الذي يتلقاه من الديوان أكبر بكثير مما تتلقاه .. بل ويقال أنّها بعثت إليه بورقةٍ مطالبةً نصيبها من معونات الديوانِ .. وأياً يكن فأنا لا ألومها ولا ألوم الناس ..

فكلما جبتُ شوارع مسقط وشوارع مدن أخرى .. وجدت منشأة للديوان هنا وهناك .. حدائق ومزارع .. قصور ضخمَة .. أراضٍ خلاء .. حتى ليشعرُ المرء أن نصف عُمان للديوان ..

وترى الموظف الفلاني في الديوان والذي خرج بشهادة ثانوية عامة وبالكاد يتهجّأ الحروف وعيّن بدرجة وظيفية جاهزة له لأنه التقى السلطان قابوس فجأة فكتب له وظيفة .. أو لأنه قريب مدير مديرية الصحون والملاعق يحصل على معونة من الديوان بقيمة عشرين ألف ريال وأكثر ..

ما يعني أنه يجني "بجرَّة قلم" ما يجنيه مهندس يكدّ لعامين .. على الرغم أن أغلب مهندسي عُمان لا تصل رواتبهم الألف ريال –وأنا منهم- بل إن المهندسين العاملين في الوزارات يبدؤون براتب 540ريال ..

ويحصل والد المدير الفلاني أو والدته .. خاله وخالته على سفرة مدفوعة التكاليف مع مرافق إلى أشهر بلدان العالم وأغلاها لعلاج "صداع في عظام الترقوة الأمامية في الربع السفلي من القفص الصدريّ".. وتمتد السفرة لأشهر مدفوعة الأكل والشراب والإقامة والتذاكر .. إنه شهر عسل مطوّل ..

كما يحصل الموظف الفلاني خريج الثانوية العامة لأنه يعمل في مكتب القصر الهارونيّ ويعمل سكرتير المدير المسؤول عن المساعدات والمنح الهارونيّة فيحصل على مساعدة لتحسين بيت أهله .. ومساعدة أخرى لزواج "شمجه" ومساعدة أخرى لأنه رزق بولي العهد من زوجته التي حصل ثلاثة من اخوانها على مساعدات لشراء أرض ..

ويمتلك الموظف الحاصل على شهادة الإعدادي لأنه سكرتير مساعد الوزير لشؤون توزيع الكلينكس على مصر تورمة ب300ريال كل عيد .. وساعة نوعية Prada وطقم عطور أمواج كلما هلّ هلال العيد أو دخل عيد الأضاحي ..

وتكتشف في النهاية أن المهندس الذي يعمل في شركة خاصة ويحصل على راتب ضعف راتب موظف الاعدادية ذلك يجنيان نفس الثروة أو ربما يقل المهندس عن ذلك إذا احتسبت سعر المصر الذي يحصل موظف الاعدادية عليهِ وسعر ساعة البرادا وطقم العطور إلخ ..

لا أقول أن كل موظفي الديوان يسبحون على بركة نفط .. إلا أن الديوان هو المكان المثالي جداً بالتأكيد لمؤلفي مسلسل "درايش" ليتحدثوا عن الوصولية والتسلقية باسم مساعدة الشعب ..

داااااااااااااائرة طويلة وعريضة جداً من المعارف والأهل والأقرباء الذين يمصّون قروش الديوان الهاروني .. حتى ليتساءل الانسان: ألا تنفد ميزانية هذا الديوان؟ بل ويشعر المرء بالصداع وهو يتخيل الأرقام الضوئية التي تصرف هنا وهناك.. هل نصف عُمان ملك للديوان؟ وأي بئر من الذهب يتكئ عليه هذا الديوان أو أي دجاجةٍ تبيض له ذهباً؟

سيقول قائلٌ: وضع الديوان لمساعدة الشعب .. لمساعدة الفقراء والمحتاجين .. فلم الحسد يا عائشة بنت محمد يا السيفي؟

وسأخبركم عن قريبي الذي ذهبَ إلى مسؤولٍ في الدولة طالباً أن يساعدهُ للحصولِ على معونَة من "بئر الذهب الديوانيّ" لعلاجِ عينهِ الخارج، فردّ المسؤول: جلالة السلطان وضع لكم مستشفياتٍ في كلّ مكانٍ تعالجُون فيها بالمجان وتريد علاج عينكِ "بفلوس"؟

وإذن الآخرون الذينَ يسبقُ أسماءهم خمسُون لقباً لماذا لا يذهبُون إلى المستشفيات الحكوميّة التي وضعها السلطان لهم في كلّ مكان؟

جيدَةٌ جداً أقلام أصحاب الطول والحول في الديوان الهاروني في التوقيع على الشيكات المدفوعة مسبقاً .. للمشايخ وأبنائهم وأحفادهم وأعمامهم وعماتهم وأخوالهم وخالاتهم وبنات الأخ وبنات الأخت وربيباتهم اللاتي في جحورهم واخوانهم من الرضاعة .. إلخ ، إلخ ..

والحمدلله .. ثمَة ديوان لمساعدة الشعب .. يصرف الشيك والشيكين والعشرة والعشرين في اليوم للفقراء والمحتاجين من أصحاب الأرصدة المتخمة والتي تتجشأ كل شهر حتى الإعياء ..

هل الديوَان في موضعٍ اتّهام الآن؟! لا أعرف .. لكنّ ما أعرفهُ أنّ من حقي التفكير بصوتٍ عال .. والتساؤل حولَ وضع الديوَان من خارطة الإنفاق الحكوميّ العامّ؟ وآليات المساعدة التي يسيرُ عليها نظامهُ!

ومن حقنَا طرح النكَات والسخريّة حينَ يأتي ود مكي ليقول لنا أنّ 94 مليار ريال عُمانيّ هو إجمالي الإنفاق الحكُومي خلال 40 عاماً ..

حقاً؟! لعلّ 90مليار منها للديوان وشؤون البلاط الرشيديّ والأربعة الآخرى لبقية المشاريع ..

من يدري؟!

حفظ الله لنا الديوان والبلاط والقصر ووو .. وأهله .. وأبقاه ذخراً للشعب العماني الحبيب ..