الأحد، 13 يونيو 2010

اسميْ عائشَة . . وهذهِ حكايتيْ ! (1)


ملاحظَة للقارئ قبلَ الشّروعِ في القرَاءَة:
عائشَة
حياتهَا. . صفحة بيضَاء جداً ! أشاركُ قليلاً من بيَاضها إيَّاك وأودعُ الباقيْ لهَا ولمن تحبّ .. إذا كنتَ تحملُ مسبقاً أيةَّ "مخلّفات داخليَّة سوداء" فالرجَاء عدم القرَاءة

حولَ عائشَة:

عائشَة .. قد تكُون أنا أو قد تكُونُ أنتَ .. وليس بالضرُورَة أن تكُونَ من تقرأ لها الآنَ في هذهِ المدوّنة
قد يتضمّنُ أدناهُ حكَاياتِي أنا .. وقد يكُون خليطاً من حكاياتِ صديقاتٍ أخريَات .. أجمعها في حياةٍ واحدَة حافلة تستحقُ أن يمتلكَ صاحبها حلماً جميلاً
عائشَة التيْ أحكي عنها هنَا.. كائنٌ يحلمُ بحياةٍ جميلة رغمَ يقينها أنّ الحياة لن تكونَ ذلك بالضرُورة ..

وهي فتاة ٌ بسيطَة جداً ..
يحكيْ بعضهُم .. أنّها لا تزالُ طفلة ً ترفضُ أن تكبر .. ويقولونَ أنّها تحوَّلتْ إلى زوجةٍ عاديةٍ غارقةٍ في تفاصيلِ حياتهَا اليوميَّة بعد زواجها ..
يقولُ بعضهمْ أن عائشَة لم تعُد تهتمّ كثيراً بمن حولهَا .. وأنّها تحوَّلتْ -كآلافِ البشر حولنا- إلى كائنٍ غير معنيّ بالضرورة بجدالاتنا الثقافيَّة اليوميَّة المملة .. التيْ قد أثيرها أنا أو أنتَ أو عبيد أو جوخة أو علياء من المثقفين ..
منْ هيَ عائشة؟ لا تملكُ الإجابةَ إلا هيَ ربَّما .. وهي غير معنيَّة كما يبدو بالإجابَة عن ذلك السؤال ..
لا تعتبرُ أنّ حياتها مهمّة لتكتبَ هنا .. لكنّها تعرف أنّ جميعنا يحملُ قيماً في حياتهِ من المهمّ أن تقرأ .. للتذكّر للنسيَان ، لا يهمّ !



اسميْ عائشَة ..
ولدتُ قبل قرابَة الاثنين والعشرينَ عاماً . . يزيدُ أو يقلّ بقليل! حينَ أبصرتُ النّور كانَ أوّل من رآنيْ بعدَ والدتي هوَ شقيقي الكبير الذي يكبرنيْ باثني عشرَ عاماً. . يحكيْ أنّه حينَ أبصرنيْ هُرِع إلى بقيَّة اخواني وأخبرهم: زايدة لنا أخت حلوة واجد واجد!
حينَ وضعتنيْ أمّي قالتْ أنّ وجهي يقولُ أنّ اسميْ سارَة !
غيرَ أنّه ككثيرٍ من العائلاتِ العمانيَّة آنذَاك! حيثُ "الشور" الأوّل والأخير للأبِ .. فقد خيَّر والديْ أمّي باسمَين: عائشَة أو خديجَة !
ولعلّ اسمَ عائشَة كانَ أقرب إلى قلبهِ لأنّه اسمُ خالتهِ . . ولأنّ أمّي لا تحبّ اسمَ خديجة لأنّه اسمٌ طويل جداً كما ترَى.. لذا كانَ اختيَارها علَى "عائشَة" .. وهكذَا أبصرتْ "عائشَة" النّور!
طوَال حيَاتيْ كنتُ أفكِّر .. ترَى لو أنّ اسميْ كانَ "سارة" ما الذي اختلف؟

لقد أهدرتُ سنواتٍ طويلة ً جداً وأنا أفكِّر .. يا ربّي لماذا "لستُ سارَة" وإنّما عائشَة؟

وإرضاءً لغروريْ فإنّ صولاتي الانترنتيّة الكثيرة في عالم المنتديَات منذ 10 أعوَامٍ كانَ باسمِ سارَة..

لطالمَا شعرتُ بالغيرَة منَ "الساراتِ" الكثيرَات اللاتيْ التقيتهنّ .. وفيْ عُمان حيثُ لا تخلُو عائلة ٌ من اسمِ "عائشَة" كانَ عليَّ أن أتحمّل أن أمضيْ سنوَات دراستيْ كلّها وفي صفوفي الدراسيّة قرَابة الثلاث أو الأربعْ "عائشَات" .. وكنتُ أمتعضُ بشدّة .. كانتْ هنالك عائشة يعُقوب وعائشة يحيَى وعائشَة صالح واثنتَان اسمهمَا "عائشَة محمّد" إحداهمَا المتحدّثة.. لذا كانوا ينادوننَا في الصفّ بأسمَاء غير طويلَة إطلاقاً : فقط.. إمّا "عائشَة محمّد ماجِد" والتيْ هيَ أنا .. أو "عائشة محمّد خميس" وهيَ الأخرى .. وفي بعض الأحيَان كانُوا يشيرُون إليَّ بـ"عائشَة بو الإذاعة" بالنظرِ إلى صوتي الإذاعيّ الذي كانَ على كلّ طالبات المدرسَة الاستمَاع إليهِ صباحاً .. شئنَ أم أبينَ !

شيئاً فشيئاً تحوّل الجميع من مناداتيْ بعائشَة إلى عائشَة السيفيّ .. وكأنّ عائشة والسيفيّ اسمٌ واحِد ..

أمرّ في الممر فتناديني صديقَة: عائشَة السيفيّ .. لحظَة !

تسألنيْ المديرَة عن فقرَات برنامج الإذاعَة ذلك الصبَاح قائلةً: عائشة السيفيّ ماذا لديكِ اليَوم؟

أرفعُ يديْ للإجابة في إحدَى حصص الصفّ فتردّ المعلّمة: عائشَة السيفيّ جاوبيْ !

ورغمَ محاولاتيْ المناهضَة لهذا الدمجِ غير المشرُوع بينَ اسميْ وقبيلتيْ إلاّ أنّهما أصبحَا اسماً مركباً -غصباً عنّي- .. كانَ اسميَ المدرسيّ : عائشَة السيفيّ .. ابنَة محمّد بن ماجد !

* * * * * *

اسمِي عائشَة . .


فيْ عُمان ينادُونني "عايشَة" وفي بقيَّة دول الخليج ينادُونني "عاشَة"
أمّا معلّماتي المصريَّات فكنّ ينادينني وفقاً للعرفِ لديهنّ "عيشَة" . .
أنا نفسيْ كنتُ في البداية أتذمّر من هذا اللعب غير المبرّر باسميْ وتمنّيتُ أن يناديني أحدهُم –بشكلٍ عفويّ غير متكلّف: عائشَة !
ينطقها بعضهُم بهذا الشّكل لكنْ تشعرُ أنّهم يتكلّفونها .. لذلك فقد سلّمتُ أمريْ من البدَاية وقررتُ أن ينادينيْ الجميعُ كما يشَاء ..

وحينَ بدأت في تعلّم الانجليزيَّة .. اكتشفتُ أنّ اسمي لا يمكنُ أن ينطقَ كما هوَ وفقاً لأبجديّة الحرُوف الانجليزيّة وهوَ ما زادنيْ نقمة ً على اسميْ .. قلت فيْ نفسيْ .. لو كانَ اسمي سارَة لكتبت Sara بدُون أيِّ صداع

كتبَ اسميْ بالانجليزيَّة Aisha ولطالمَا تذمّرتُ من هذا الموظّف الظالم الذي سجّلني في شهادَةِ ميلادي بهذا الاسم .. حيثُ كنتُ أفضّل أن أكتبَ بالانجليزيَّةِ Aysha غيرَ أنّني اضطررتُ للتسالمِ مع الاسم الانجليزيّ الاوّل بالنظر إلى أنّ كل بياناتِيْ أصبحت باسمِ Aisha وكلّما كبرتُ كان عليَّ التأقلم عليهِ بدءاً بجوازِ السفرّ مروراً بالبطاقة الشخصيَّة فبطاقتيْ الجامعيَّة فبيانات توظيفيْ ولاحقاً ربّما شهادة الوفَاة.. كلّما كبرنا أدركنَا أكثر أنّ هنالك أموراً كثيراً ينبغي أن نتسالم معها ولا حلَّ آخر .. الخياراتُ التي نملكهَا كالتاليْ: التسالم مع الحياة أو التسالم مع الحيَاة والخيَار الثالثِ مع الأسفِ الشّديد: التسَالم مع الحيَاة أيضاً..


بعضُ الأسمَاء لا يمكنُ أن تحمّل أيّ اسمِ تدليل يقدّم دلالة التدليلِ نفسها ، ومن هذهِ الأسمَاء اسميْ ..
فأنا أكرَه أن أنادَى بـ"عيّوش" ، "عوّاش" ، "عويش" . . من أيّ من صديقاتيْ !
ولمْ أحبّ من أسماء التدليل سوَى اسمين ! أحتفظُ بهما لنفسيْ لأنّني لا أرغبُ أن ينادينيْ بهمَا سوَى صاحباهمَا الأقرب إلى قلبيْ !
كما أنّني بالتأكيد أستشيط غضباً حينَ يناديني أيّ من القراء أو الاخوَة الكتّاب بذلك ، بالنظرِ إلى أنّه لا ينبغيْ –وفقاً للرسمياتِ المتّبعة- أن يناديْ أحدهم فتاة ً باسمِ تدليلٍ أمام العامّة دونَ أن يثيرَ ذلك سين وجيم من سين وصَاد من النّاس..

وأستشيطُ غضباً كذلك حينَ تفتفدنيْ أختٌ أو أخ ويبادرونَ بالاتّصال قائلين: عايشة. . انتي عايشَة ولا مايتة؟
وأشعرُ أنّها عبارة تهكّمية تارسَة غبَار ! كما أنّ نسبة الفكاهة فيهَا أقلّ من الصفر بقليل . .



* * * * *




اسميْ عائشَة . .


ويعنيْ وفقاً لقاموسِ الأسمَاء "العيشة الهنيئة" .. لكنّ العيشَة لمْ تكُن عيشة هنيئة دائماً بالنسبة ليْ !
نشأتُ طفلة ً هادئة وحينَ أعنيْ طفلة ً هادئة فأنا أتحدّث عنْ فترةِ الروضَةِ إلى يومنَا هذا ..
أمّا ما قبلها فتخبرنيْ أمّي أنّها لم تنجِب من أشقائي طفلاً مزعجاً في البكاءِ مثليْ .. ففي أولى أعواميْ كرضيعَةٍ كنتُ أبكيْ بشكلٍ جنوني ..
وأيّامها كانتْ أمّي تدرسُ في مدرسَة تعلِيم الكبَار. . تخبرنيْ شهاداتُ أمّي أنّها كانتْ متفوّقة ً للغاية فعلاماتها كاملة ٌ جميعاً إلا في الرياضيّات الذيْ اعتادتْ أن تنقصَ فيهِ درجتين فتحصدَ 48 من 50 . . ولأجلِ ذلكَ أعزُو في كثيرٍ من الأحيَان عدمَ حبّي للرياضيّات رغم عدمِ سوءِ درجاتي بهِ إلى ورَاثة جينيَّة عن أمّي .. كنتُ أقولُ لأمّي دائماً حينَ توبخنيْ على درجاتِ مادّة الرياضيّات ، فأردّ: مو أسوي يوم أمي ما كانت شاطرة فيه؟ تراني والله ما أريد أكون آينشتاين !
هل كنتُ أعرفُ حينها أنّي سألتحقُ بالهندسَة وأدرسُ 9موادّ رياضيَّات بحتَة كل واحدٍة منها أكثَر إزعاجاً من الأخرى؟!
كانتْ هذهِ هي سخريَّة الأقدَار التيْ لا أحدَ يقفُ في طريقها..

اضطرَّتْ أمّي لتركِ المدرسَة بعدَ إنجابها ليْ بالنظرِ إلى أنّي كنتُ "رضيعة ً غير مزعجة إطلاقاً" . . غيرَ أنّه حتّى انقطاعها لم يحلّ المشكلَة فقدْ كانَ بكائيْ مستمراً لا يتوقّف . .
الجاراتُ أخبرنَ أمّي أنّ اسميْ قد يكُون "نيرَاني" بمعنَى أنّه لا يتوَاءم معيْ وأنّه لابدّ من تغييرهِ لأعُودَ "طفلة ً عاديةً تبكيْ بالقدرِ اليسير كما يبكيْ أبناءُ العالم والنّاس"
بكائي جعلَ أمّي تفقدُ ملاحظَة أسباب بكائي . . فالأمّهاتُ عادة ً يتعرّفن بعدَ أمدٍ إلى أصوَاتِ أطفالهنّ .. صوتُ البكاء حينَ الحاجة للطعام يختلفُ عن صوتِ البكاءِ أثناءَ مغصِ البطن .. وهكذَا ! أمّا أنا فكنتُ في دوّامة بكاء متواصلة لا تتوقّف..
قررتْ أمّي أنْ تذهَب إلى "كاتِب حرُوز" ليكتبَ ليْ حرزاً عن البكاء ! ووفقاً لهذا الحرز فإنّ الرجلَ "سيقوم بربطِ فميْ" يعنيْ بالمعنَى الأصحّ : لا بكاءَ على الإطلاق !
إنْ كنتُ مدينة ً لجدّي لأمي بشيءٍ فهوَ أنِّه تصدّى لتلكَ الخطوَة العتيدة التيْ كانتْ أمّي بصددها بعدَ أن أصابهَا الاكتئابُ منْ بكائيْ الشّرس!
مانعاً إيَّاها من هذه الخطوَة التيْ قد تترتّب عليها عوَاقب وخيمَة . . ولربّما كانَ من الممكن أن أعيشَ خرسَاء أبدَ الدّهر.. لا لعاهةٍ أو مرضٍ سوَى أنّ لسانيْ عقدتْ في ورقة صغيرَة بها بعض الطلاسم ، كتبهَا رجلٌ ينادُونهُ "صالح ودْ الكخ" ودسَّها فيْ إحدَى خرابات نزوَى القديمَة .. منْ أينَ لي بعدَ أن ماتِ الرجلُ بعد ولادتيْ بسنتين أن أبحث عن لساني المعقُود المرميّ في المليون ونصف من بيُوت الطّين في نزوَى؟!

لا أستغربُ تماماً سببَ بكائيْ . . لعلّي منذ طفولتيْ كنتُ ناقمة ً على هذهِ الحيَاة . . لعلِّيْ حينَ ولدتُ سمعتُ أمّ كلثُوم تغنّي: "سوفَ تلهُو بكِ الحيَاة وتسخَر" فعبَّرتُ عن استيائي من سخريَّة الحياةِ بالبكاءِ، فما الذيْ تملكهُ طفلة ٌ لا يتعدّى عمرها الشهر لتقفَ مواجهَة هذه الحياة الساخرَة وهي لا تملك وسيلة احتجاجٍ وسخطٍ غير البكَاء؟
إلا أنّ الأيَّام تكفّلتْ لاحقاً بأنْ تخفّف من حدّة بكائي، فيْ الرّوضة . .كنتُ كما أسلفتُ على النقيضِ تماماً ! طفلة ً هادئة للغايَة .. تحكيْ ملفَّاتي الدرَاسيَّة التيْ لا أزال أحتفظ بها أنّي كنت طفلة ً عادية ً للغاية . .
وإليكُم بعضاً من العلاماتِ الطريفَة التيْ حصدتُها:
- التفاعل في أنشطة اللعب والرياضة (جيد)
- التواصل مع بقية الأطفال (جيد)
- مستوى استخدام عبارات الشكر والثناء مثل (شكرا لك) وإلقاء التحية (متوسط)
- الإلمام بأن الله هو خالق الدنيا (مقبول)
- القدرة على التفريق بين الخالق والمخلوق (مقبول)
- الاستجابة مع الموسيقى وترديد الأغاني (ممتاز)

اطلعتُ على هذهِ العلاماتِ مع إحدَى صديقاتيْ والتيْ سحبت كشف العلاماتِ من يديْ قائلة ً أنّها ستذهبُ لتصويرهِ وتبعثُ بنسخةٍ منهُ إلى فلانة الفلاني . . مسمية ً كاتبة ً اعتادتْ على الحديثِ عنِّيْ باعتبَاري مصدَر قلقٍ على المستوَى الدينيِّ .. كونيْ وهيَ نختلفُ حولَ تصنيف عددٍ من الشخصيَّات التاريخيَّة الدينيَّة التيْ ظلّ المؤرخُون يلعنونها إلى يومنا إضافة ً إلى أفكارٍ معيَّنةٍ أناديْ بها على المستوَى الدينيّ وترفضها هيَ ..
قالتْ لي صديقتيْ: يعنيْ من وانتِ صغيرة أفكارك مبيّنة أيّتها المغضوب عليكِ .. سأنسخُ الملفّ لعلّي أكسبُ شيئاً من المالِ بتسريبيْ هذا الملفّ أو لعلّي أبتزكِ عبرهُ ..
قلتُ لها: خذيهِ . . فوالله ليس لي في هذهِ الحياةِ سوَى قولِ الجاحظ: عجبتُ من حالِ الدنيَا وأناسهَا ! كلّما أرادُوا بي شراً أصابني من ورائهِ الخير الكثير وكلّما أرادوا خيراً أصابنيْ من ورائه الشرّ الكثير ! وما ذلكَ إلا لتقلبِ الدنيَا فلا تؤمنُ على مخلوقٍ قطّ

* * * * * *

اسميْ عائشَة. . كانَ من الممكنِ اليَوم أن أكونَ خرسَاء ! هلْ يا ترَى كانَ جدّي يعرفُ أنّ حفيدتهُ ستتعلّق بالشعرِ وتحترفُ إلقاءَه ربّما أكثَر من كتابتهِ؟
حدثَ ذلكَ منذ بداياتِ دراستيْ الأولى .. في مدرستيْ ، بدأتُ منذ الصفّ الثاني الابتدائيّ كملقيةٍ في الإذاعَة المدرسيَّة..
في تلكَ الأيَّام .. كنتُ أحبّ تقليدَ طريقَة إلقاء الشيخِ أحمَد الخليليّ المفتِي العام للسلطنَة .. وكانَ ذلك مصدرَ إعجاب الجميع .. ولعلّي لم أكنِ الوحِيدَة.. لكنْ لحداثَة سنّي ومواظبتيْ على التدرّب على طريقةِ إلقائهِ كنتُ الأسرع في الوصولِ إلى منصّة الإذاعة .. حيثُ كان صوتيْ يصدحُ يوماً بعدَ يومٍ في أرجاءِ الإذاعة ..
كانتْ مديرتيْ مغربيَّة.. وفطنتْ إلى مستوَاي الجيّد في الإلقاءِ فعهدتْ بيْ إلى أستاذينِ عراقيينِ معلّمة ٌ اسمها نعمَة في نفسِ مدرستيْ وآخر اسمهُ جبَّار ولكنهُ كان يدرّس في مدرسةِ البنين التيْ كانتْ تداوم في التوقيتِ المسائيّ بعد مدرستيْ ..
والحقيقَة أنّه لا يوجَد شعبٌ كالعراقيينَ أقدر في إلقاءِ القصَائد منهُم .. وقدْ وقفُوا بجانبيْ وواظبُوا على تدريبي الدّائم يوماً بعد يَوم .. كانا عامانِ فقط.. إلا أنّهما صنعَا فارقاً كبيراً في مستوَاي الإلقائيّ على مستوَى الشّعر .. وقرّبني الإلقاءُ إلى الشّعر وبدأت معانيهِ تنحدرُ إليَّ بسلاسَة ..
في الصفِّ الخامسِ الابتدائيّ بدأت محاولاتي الشعريَّة الأولى .. بدايَة ساذجَة قليلاً لكنّها جديرَةٌ بالحديثِ عنهَا.. أوّل ما كتبتهُ هيَ أبياتٌ مكسُورةٌ في مدحِ قبيلتيْ .. بمجرّد أنْ كتبتها حملتُها إلى والدي الذي أعرفُ حبَّه للغَةِ عامة ً .. وأسمعتُه إيَّاها: فما كانَ منهُ سوَى أن نهرنيْ .. قائلاً: ما أهلكَ الناسَ إلا التغنّي بأمجادٍ لا يدَ لهُم فيها.. فما فخركِ فيْ أصلٍ لم تصنعِيه بيدك وإنّما قدّركِ اللهُ عليهِ وشاءَ أن تكُونيْ بهِ بلا حولٍ منكِ ولا قوَّة .. كانتْ مرّة ً وحيدَةً .. الأولَى والأخيرَة التيْ أسمِعُ فيها والديْ ما كتبتُ ..
منذ ذلك الحين وبعد قرابَة الخمسَة عشرَ عاماً هوَ ما يفصلنيْ عن ذلكَ الوقتِ .. لم يسمَعْ والديْ بأذنهِ بيتاً من الشّعر من فمِيْ ..
لقدْ خُلِقَتْ داخليْ رهبة ٌ كبيرَة . . ستكرِّسُ لها الأعوَام ، وسآتيْ على ذِكرهَا في القادمِ القريب ..


* * * * * * *



اسميْ عائشَة .. ولِدتُ منذ قرَابة اثنين وعشرينَ عاماً .. وما بينَهما تغيَّرت الكثير من المفاهِيم.. اندحَرت قناعَات ووُلِدَتْ قنَاعات وتبنَّيتُ الكثير من المفاهِيم وبدّلتها بعددِ ما يبدِّلُ كلٌ منا قميصهُ !
سأخبركمْ في الحلقةِ القادمَة .. عن عائشَة ، والمدرسَة ، والجبل ، والدرَاجة الهوَائيَّة !

الأربعاء، 9 يونيو 2010

أنْ تعيشَ بلا انتمَاء . . فيْ زمنِ الانتمَاءات !


http://portal.s-oman.net/articles/201006/4757.htm

عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com

قالَ ليْ ذلكَ الرّجل قبلَ 5 أعوَام : أنّه غيرُ منتمٍ . . وظللتُ لسنوَاتٍ أعيشُ صراعاً داخلياً : كيفَ يستطيعُ أيّ انسانٍ أن يعيشَ وهوَ لا ينتميْ إلى أيّ مذهبٍ دينيّ أو اجتمَاعيّ أو سياسيّ . .

استغرقتنيْ سنوَاتٌ طويلة ٌ وأنا أحاولُ أن أتعَايشَ مع فكرَة اللا انتمَاء !

غيرَ أننيْ أدركتُ أخيرَاً . . ربّما قبلَ عامٍ تقريباً ! أنّ أجمَل هبَاتِ الحيَاة أنْ يعيشَ الانسانُ حياتهُ غيرَ مستعبدٍ لأيّ انتماءاتٍ تطحنُ الشّعوبَ تحتَ قدَميهَا . .

كلّ يومٍ أدركُ أنّي متخففَة من أثقالٍ عظيمَة يرزحُ تحتَها الآلاف . . وأتمنّى أن أعيشَ لليَوم الذي لا يعُود أحدٌ يسألنيْ لأيّ مذهبٍ أنتمي؟ !

أن أعيشَ وأقرأ شهادَة ميلاد أطفاليْ ولا توجَد خانَة "مذهب" في شهاداتِ ميلادهم !

* * *

اليَوم سألتنيْ تلكَ الفتاةُ وهيَ تدعُوني للصلاةِ قبلَ أن نتناولَ وجبَة الغداءِ سويّة ً في الجامعَة . . قالتْ لي: نصلّي وبعدها ناكِل؟

صمتتْ للحظَة ثمّ قالتْ: ولاّ جمعتيْ الصلاتين؟ أنتِ سنّة ولا اباضَة؟

فأجبتها ( بلهجَةِ بلدِها العربيّ ) : متل ما بدّك خيتُو . . الاثنين يمكن . . أو خليني قولّك: مسلمَة. .

ضحكتْ وذهبنَا سويَّة للصلاة. .

* * *

أخبرتكُم سابقاً في مقالِي: "صنَاعة الغبَاء في مجتمعاتنا" عن رفضيْ التَام للتبعيَّة لأسماء معيَّنة من رجالاتِ الدين فقطْ لأنّهم المراجع الدينيّة في المذهبِ الذي نولدُ عليهِ . . وحينَ أقولُ المذهب الذي نولَد عليهِ أعني ما ينتميْ إليهِ والدانا. .

ولأجل ذلكَ فإنّ أغلبنا حينَ تصدرُ فتوَى فهوَ يتقبّلها لأنّها صدرَتْ من فلان الفلانيّ .. رجلُ الدين الأوّل في المذهب الفلانيّ وليسَ لأنّه مقتنعٌ تماماً بالفتوَى!

فيْ هذا الزّمن لم أعد معنيَّة بالجدليّات حولَ أنّ الشيخ الفلانيّ هوَ أعلم أهلِ الأرضِ اليَوم . .

وأعتقدُ أنّ هذا الزّمن أصبحَ يُجبِرُ كلّ امرئٍ بشكلٍ أو بآخر لأن يجتهِد . . بسبب ازديَاد تضَارب الفتاوَى وبونهَا منْ مذهبٍ لآخر . . بلْ من المذاهبِ الفرعيَّة داخل المذاهبِ الرئيسيّة !

أن يقولَ كلّ عالمٍ ثقةٍ كلمتهُ وأنْ يحكّم كلّ منا عقلهُ فيمَا يُرضيهِ ! بعيداً عن كلّ التدخلات العاطفيَّة "ومصلحجيَّة" الانتمَاء!

***

ما الذيْ أعنيهِ بقوليْ "مصلحجيَّة" الانتمَاء؟

الحالَة الأولى التيْ صادفتُها: هيَ رجلٌ طلّق زوجتهُ في حالَةِ سُكرٍ؟

مذهبهُ لا يجيزُ لهُ إسقاطَ طلاقهِ لها. . فجاءَ بورقةٍ منْ رجلِ دينٍ في مذهبٍ يسقط طَلاق السُكْر !

الحَالة الثانيَة: رجلٌ أحبَّ فتاةً ترفضُ عائلاتهمَا ارتبَاطهما . .

الفتاة يتيحُ مذهبها زوَاج المتعَة والرجلُ يحرّمه . .

تزوّجا زوَاج المتعَة عملاً بمذهبها دونَ علمِ عائلتيهِما!

الحالة الثالثَة: فتاةٌ حمَلت وهيَ لا ترغَب بالحمل أو ستترتبُ مشاكلُ معيَّنة على حملها . . مذهبها لا يجيزُ إسقاط الحمل كلياً بينما يجيزُ مذهبٌ آخر إسقاط الحمل قبلَ مرورِ 40 يوماً علَى حدوثِ الحمل . . تجهضُ وفقاً للمذهبِ الثانيْ لكنّها ضمنياً تتبع المذهبَ الأوَّل !

* * *

تقسيمَات المذاهِب هذهِ . . جلبَت "بلاوي" لهؤلاءِ البشر! واستغلوها بشكلٍ شنيعٍ للغاية. . هؤلاء البشر لابدّ أنّهم مقتنعونَ من الداخلِ بحكمٍ معيَّن بعيداً عن "مصلحَة أهوائهم" وانتقاءِ الفتاوَى وفقَ ما تحتاجهُ ضرورَاتهم !

ينبغيْ أن نتخفّف من هكذا مصالح . . وأن نحكّم عقولنا في الفتاوى تلك! ينبغيْ أن نقتنعَ بكلّ فتوى نقومُ بها –وفقَ مساحاتِ قدراتنا الفكريَّة والعقليَّة- ليسَ فقط لأنّها صادرَة من فلانٍ شيخِ مذهبنا بل لأننا -مستبعدِين أهواءنا الشخصيَّة- مقتنعِون تماماً بتلك الفتوَى ولا توجَد ذرَّة شكّ بعدم اقتناعنا بهَا فليسَ ثمّة كارثَة في الحيَاة أنْ نفعلَ ما نجهلُ سببهُ . .

* * *

تناولنيْ جدّتي أحياناً جريدَة ً وقدْ جذبتها صورَة في الجريدَة . . تسألنيْ عمّا كتب تحتَ تلك الصّورة!

جدَّتيْ أميَّة . . لا تجيدُ القراءة ولا الكتابَة ولا تعرفُ من القرآن سوَى قصَارِ السُّوَر ما يكفيها لتقيمَ الصّلاة. .

وأشفقُ عليها . . وأحياناً أشعرُ بالغيرَة منهَا !

أشفقُ عليهَا لأنّها لا تملكُ مساحاتِ الاجتهاد العقليِّ ومساحات الاختياراتِ التيْ أملكهَا! وأنْ يكونَ لكلّ انسانٍ فرصهُ في اختيَار ما يقتنعُ بهِ هوَ نعمةٌ كبيرَة . .

وأغارُ منها أحياناً لأنّها ليستْ معنيَّة –بمستوَاها الفكريِّ- بكلّ تلك الجدليّات الغريبَة التيْ انجرَّ إليهَا الكثيرونَ حولَ إشكاليَّات المذاهِبِ وتفاصِيلها

متحرّرة من كلّ ذلك. . ولعلّها مؤمنَة أكثر من كلّ أولئك الغارقين في جدليَّات مذهبيَّة دينيَّة لا تنتهيْ . . تصلّي كل يوم . . قلبها مطمئنٌ بذكرِ الله .. تمسكُ مسبحتها طوالَ اليَوم ويكفيها ذلك فقط للعيشِ كمسلمَة . . لو سألتُها يوماً: ما الذيْ يعنيهِ كونُك اباضيَّة؟

لنظرتْ إليَّ وصمتتْ ! فهيَ لا تعرفُ الإجابَة بالتأكيد ..

* * *

تخيَّلْ أنّك تسيرُ في طريقٍ لا تعرفُ وجهتهُ . . خالٍ من الاشاراتِ !

السيّاراتُ تدخلُ عشوائياً على بعضهَا ! ولا توجَد قوانين تحكمُ السّير! ما الذيْ سيحدث؟

كارثَة بشريَّة عظيمَة . .

هؤلاءِ تماماً هم علمَاء الدّين . .

علمَاء الدّين وُجِدُوا لينظمُوا حياتنَا ! وليكُونوا نوراً لنا لا ظلاماً ! ليأخذُوا بأيدينا إلى الوجهةِ الصحيحَة . .

عودَة ً مرةً أخرى إلى الشارع .. لو أنّ تلك الاشاراتِ وُجدتْ ولو أنّ القوَانين وجدتْ أيضاً غيرَ أنّك تمسكُ مقوَدَ سيارةٍ لا تحسنُ قيَادتها وتقودُ في الشَارع المليء بالاشارَات واللافتَات المروريَّة لكنّك لا تعرفُ القيَادة . . فما الذي سيحدث؟ كارثَة أخرَى كبيرَة !

على كلٍ منّا أن يمتلكَ مساحتهُ العقليّة الخاصّة في اختيَار الفتوَى التيْ يقتنعُ بها لابدّ أن يكونَ هنالك "اجتهاد موضوعيّ" اجتهَاد غير مشخصن ! لا يتبعُ هوَى صاحبهِ ومصالحهِ الشخصيَّة !

معَ وجودِ العلمَاء . . همْ يجتهدُون ويفتُون لنا ! ولكنّ علينا أيضاً أن نكونَ على درَاية بكلّ فتوَى نتبعهَا فلا نؤمنُ بهَا بشكلٍ أعمَى . .

هذا لا يعنيْ أن يتحوَّلَ كلٌ منّا إلى مفتٍ .. يجتهِد في صياغَة فتاواهُ الخاصَّة . . هذا الأمرُ متروكٌ لعلماءِ الدِين . . واجتهادنا فقط في اقتناعنا بالفتوَى .. فقد تطمئنُ عقولنا وفقَ خلفياتنا الفكريَّة ومستوياتنا التعليميَّة إلى فتوَى شيخٍ أكثر من فتوَى أخرى لشيخٍ آخر. .

* * *

إنْ كانَ ثمَّة جدليَّات استنزفتِ الشعوبَ المسلمَة من وقتها واجتهادها ومؤلّفاتها هوَ الجدليَّة الأزليَّة حولَ "من المذهَب رقم (1)؟"

أو المذهَب الحقّ !

وأعتقدُ أنّه آن الأوَان لجيلنَا أن ينبذ هذهِ الجدليَّات ويلقيهَا خلفَ ظهرهِ بما أننا كمسلمينَ غارقُون أساساً حتى قمّة رؤوسنا في إشكاليّات كثيرَة سياسيَّة فرضتها علينا حكُوماتنا "المعفّنة" . . وتكالب الآخرين علينَا . . وحينَ أقول الآخرين فأنا أقصدُ غير المسلمِين!

وثمّة سؤالٌ مهمّ : إنْ كانتْ غايَة كلّ المذاهبِ أن تمسكَ بأيديْ أصحابهَا وتقودهُم إلى الجنّة ! فهلْ هذا يعنيْ أنّ أتباعَ مذهبٍ سيدخلُون الجنّة وأتباعَ بقيَّة المذاهبِ يدخلونَ النّار؟

أليسَ الاحتكام أوّلاً وأخيراً للخاتمَة النهائيَّة التيْ من أجلهَا وُجِدَ الدين؟

فإذنْ لمَ نهدرُ أوقاتنا في الحديثِ عن المذهبْ درجَة "أولَى" ومذهب درجَة ثالثة؟ يا إلهيْ ! بحقّ كمْ هذا الأمر محزنٌ!

* * *

ثمّة مذاهب كثيرَة منحرفَة ! وحينَ أقولُ منحرفَة فأنا أستثنيْ المذاهب الثلاثَة الرئيسَة . .

هنالكَ المذاهب التيْ تشعرُ أنّها "شوربَة" ظاهرَها مسلم وباطنها بوذيْ

يتقربُون للشيطَان ويقدّسون الموتَى إلخ . .

بالتأكيدِ فأنا لا أعنيها من قريبٍ ولا بعيدٍ بدعوتيْ إلى اختيَار الفتاوَى التيْ يقتنعُ بها العقل!

ويعرفُ منْ يقرأ القرآن تماماً ! أنّها لا تمتّ للإسلامِ بصلَة !

دعُونيْ أقتبسُ من الأخِ معاويَة الرواحيّ حديثهُ عن الشيخِ أحمَد الخليليّ حينَ سئلَ عن البهائيَّة هلْ هيَ من مذاهبِ الإسلام؟ فأجابَ: أنّها ليستْ من الإسلام .. قالَ أنّها ليستْ من الإسلام ولكنّه مع ذلكَ لمْ يأمرْ بقتلهِم !

* * *

لأنّ علمَاء الدينِ هُمْ مهندسُو حيَاة الشعُوب ! فأنا أدعُو لاحترَامِهم جميعاً ! وأعتقدُ أنّ منْ أسوَأ ما يقترفهُ فرقاء المذاهِب هوَ قذفهم لشيوخِ المذاهبِ بعضهم لبعض !

قالتْ ليْ صديقتيْ: أنّها حزينَة لأّنَّ محمّد العريفيْ لمْ يأتِ إلى عُمان !

صمتتْ قليلاً ثمّ قالتْ: قيلَ أنّ عدم مجيئهِ هوَ بتصرّف حكُوميْ من تداعيَات ما قالهُ عن السيستانيْ ! المرجِع الدينيّ الشيعيّ

قلتُ لهَا: إنْ صحَّ عدم مجيئه لهذا السبب فأنا بودِّيْ أن أقبِّلَ رأسَ الحكُومة لأوَّلِ مرّة!

نظرتْ إليَّ مندهشة ً ودخلنا فيْ جدالٍ طويلٍ جداً

وخلاصَة ما قلتُه لها: أنيْ أحترمُ شيوخَ المذاهبِ الثلاثَة ! وأعتقدُ أنّ من الواجبِ علينا جميعاً أن نحترمهم! لأنّ من لا يحترم الآخرين لا يحترمهُ أحد !

فما باليْ إذا كنتُ داعيَة كبيرَاً ليْ جمهُوري وقاعدتيْ من المتبعينَ لأفكَاريْ وفتاويَّ وأستغل كرسييْ ومنبري الإعلاميِّ لإشعال مشاعلِ الكراهيَّة من جمهُور المتابعين لي ضدّ شخصيَّة دينيَّة لمذهبٍ آخر ؟!

كيفَ أحترمُ شيخاً لا يحترمُ شيخَ مذهبٍ آخر؟! بلْ وينعتهُ بأسوَأ الألفاظ التيْ ينعتُ بهَا أيّ انسانٍ على هذهِ الأرض!

إنْ كانَ لا يرضيكِ أن يشتمَ فلانٌ . . الشيخَ فلان .. شيخ المذهبِ الذيْ تنتمينَ إليهِ فكيفَ ترضينَ أنْ يَشتمَ شيخٌ من مذهبِكِ . . شيخَ مذهبٍ آخر؟! وبهذهِ النوعيَّة من الشتيمَة؟! وفي منبرٍ إعلاميّ لا أوسعَ من انتشَارهِ هو التلفزيُون !

لقدِ استأتُ من توجيههِ الشتيمَة لشخصيَّة شيعيَّة –رغمَ اختلافيْ مع أفكارِ السيستانيْ- لكنّي أعرفُ أنّ شتيمتيْ لهُ تجرحُ أصدقاءً شيعَة ً كثراً أكنّ لهم ويكنّون ليْ بالغ الاحترَام !

فإنْ لم أحترمْ شيخَهم فإنّ احتراميْ لهم كأشخاصٍ . .

لقدْ انتهَى زمَان التكفيرِ منذُ زمنٍ بعيدٍ ! ولنْ يأتيْ ليحييهِ لا العريفي ولا غيرهِ ! وإنْ أتَى أحدهم فمنْ واجبِ الجميع مقاطعتهُ !

* * *

سنواتٌ طويلَة والمذاهبُ ورجالاتها يتصَارعُونَ حولَ أمورٍ لا يعرفهَا سوَى خالقهم . .

غيبيّات يحددونَ بها توجَّه كلّ مذهب ! ولا أحدَ منهم أوتيَ مفاتيحَ الغيبِ ليعرف!

آنَ لزمَن الانتمَاء للمذاهبِ وفقاً لما تدعُو إليهِ من غيبيَّات أنْ ينتهيْ . . فإنْ شئنا أن ننتميْ لمذهبٍ فليكنُ لاقتناعنا بهِ كمذهبِ حيَاة لا كمذهَبٍ أخرويّ لأنّ الآخرَة ليستْ من شأننا بلْ من شأنِ خالقنَا . . نحنُ خلقنَا لنهتديْ لتعَاليم ديننا في الحياة أمّا الآخرَة فهيَ خلاصَة حياتنا في الدنيَا ! الحيَاةُ الدنيَا هيَ السبب . . والآخرَة هي النتيجَة !

الإيمان بهِ كمذهبٍ يصلح لمعالجَة مشاكلنَا الحياتيَّة اليوميَّة . . لا فيْ أمورٍ لا تعني العوَامّ ولا تجلب لأصحابها سوَى الصداع ولا تهدرُ سوَى الورق والحبرَ في كتابةِ المجلّدات لتفنيدِ ماهيَة الصراط المستقيم أو ماهيَة حوض الرسول في الجنّة!

* * *

ليْ ما ليْ من مآخذ على كلّ مذهبٍ !

زواج المتعَة ، زواجُ المسيَار ، تحريم إجهاض المغتَصَبة ، الخلود في النّار ، نمط الصّلاة وحتّى طريقَة الأذَان للصلاّة. .

كلّ مذهبٍ على صوابٍ . . ولكنَّ علينَا فقطْ أن نحترمَ انتماءاتِ الآخرين وأن نفعلَ ما نقتنعُ بهِ وفقَ إيمانيّاتنا الداخليَّة ! إيمانيَّاتنا التيْ لا تخرجُ عن "لا إلهَ إلا الله ، محمّد رسول الله"

وعن أركَان الإسلام . . والإيمان التيْ سنّها محمّد قبلَ 1400 عام! قبلَ ولادة هذه المذاهب . .

* * *

قلتُ لكمْ منذ زمنٍ في إحدَى مقالاتيْ بمدوّنتيْ الشخصيَّة أنّ من أجمَل مزايا الإسلام أنّه وضع أركانَ الإسلام والإيمان ولم يسهبْ كثيراً في الدخول في تفاصيل ماهيَة الإيمان لأنّه أراد لأفرادهِ أن يجتهدُوا وفق مساحاتهِم دونَ الخروج من الأركان أو الأطر التيْ سنّها لهُم . .

ولعلَّ هذا من لطفِ الإسلامِ بأتباعهِ. .

* * *

منْ أجمَل ما يمتلكهُ شعبُ عُمان . . وهوَ الشّعب الذي عرفَ بهدوئهِ وَ"طولة بالهِ" عدمَ انطحانهِ حولَ صراعِ المذاهب الشّائك والتفرقَة المجتمعيَّة والسياسيّة بناءً على المذهب الذي ينتميْ إليهِ الفرد ! أو تفرّد عيّنة من المجتمع بالمالِ والحلال لأنّها تنتميْ إلى المذهبِ الفلانيّ !

كما يحدثُ في دولٍ أخرَى يعاملُ أتباعُ مذهبٍ معيّنٍ فيها كأنّهم "مواطنون درجَة أولى" بينما يعاملُ أتباع مذاهبَ أخرَى سواءً كانوا أقليَّة أو أكثريَّة كمواطنينَ "درجَة ثانيَة"

ويوجدُ لدينَا جميعنا على اختلافِ مذاهبنَا احترَامنا لشيوخِ الدين العمانيين لدينَا !

غيرَ أنّنا أيضاً غير مبرئين من طائلَة المذاهبِ سوَاءً على المستوَى الاجتماعيِّ في الزواج أو في تفرِّد مذاهب معيّنة بمساجدها التيْ لا يذهبُ إليها سوَى أتباعُ مذهبٍ معيّنٍ . .

أتمنّى أن تختفيْ هذهِ الفروق تماماً فيْ يومٍ ما! وأن نتجاوزَ جميعاً كلّ ذلك!

* * *

نسمعُ بينَ حينٍ وآخر تحوّل فلان إلى مذهبٍ آخر . . وتحوّل فلان آخر إلى مذهَب الأوّل ! وبينَ ليلةٍ وضحاها تجدُ أفراد المذهب الذي تحوَّل إليهِ الفردُ يهللونَ ويكبرونَ ! ويذيعُ صيتُ ذلك الشخص بينهم ! وينال قدراً كبيراً من الاحترام على المستوَى الدينيِّ في المذهبِ الذي تحوَّلَ إليهِ ونجدهُ "ملعوناً" من المذهبِ الذي غادرَهُ . .

كلّما سمعتُ ذلكَ : فلتُ فيْ نفسيْ: المهمّ أن يكونَ وجدَ نفسَه !

* * *

عنْ أبيْ هُريرَة رضِيَ اللهُ عنهُ، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهِ عليهِ وسَلمَ قال :( كلّ مولودٍ يولدُ علَى الفِطرَةِ فأبوَاهُ يهوِدّانهِ أو ينصّرانه أوْ يمجّسّانه ) متفقٌ عليهِ

أنا غير منتميَة يا أصدقائيْ . . مسلمَة لا أكثَر . .

ولذا فلكمْ انتماءاتكمْ . . وليْ لا انتمائيْ !

الثلاثاء، 1 يونيو 2010

ما بعد قراءة مقال " لوْ لم أكُن مسلماً لمَا أسلَمتُ" !

في نفسِ اليومِ الذي طرحتُ فيهِ مقاليْ "لو لمْ أكن مسلماً لما أسلمت" وصلتنيْ هذه الرسالة من أحدِ القرّاءِ باسمِ

Knowledge Seeker


تقرؤونَ المقالَ هنا

http://portal.s-oman.net/articles/201005/4668.htm

دعُونيْ أقولُ لكُم أولاً: أنّه رغم أنّ الكثير من الاخوَة الذينَ يوافقونني الرأيَ فيمَا كتبتُ –ومنهُم الشخصُ الذي كانَ محورَ المقالِ- تشاءمُوا من ردودِ الفعلِ وشعرُوا أنّ ثمّة وقتاً طويلاً يحتاجهُ المجتمعُ لتقبّل النقد . .

أعودُ لأؤكّد على مقولَة الأخ الكاتبِ العمانيّ عبدالله حبيب على أنّ مجتمعنَا جديدٌ جداً على النقدِ خاصة ً حينَ يأتي النقدُ من أفرادهِ أنفسهم . .

أنا سعيدة ٌ للغاية بردود الفعلِ لأنّ كثيراً منهَا أشعرتنيْ أنّ هنالكَ من يرَى فعلاً أنّ ثمّة خطأ ما في التعاطي مع تعاليم الاسلام وتطبيقها بشكلٍ يوميّ في حياتنا . .

وأنّ النظامَ ينبغيْ أن يكونَ في الفردِ نفسهِ انبثاقاً من الدين . .

لماذا حينَ نخرجُ عيوبنا إلى السّطحِ نعدّ انهزاميين؟ وهل من المفترضِ أن نخفيها بالماكياج؟

وإذا كانَ الغرب لديهِم ما لديهم من مساوئهم الكثيرة فهل هذا يعني أن نقول:

"أوووه يللا ، ع الأقل نحن أحسن في كذا وكذا"

أم أنّ من الجيد أن نتظاهر أنّه لا توجد مشكلة بينما هنالك مشكلة ومشكلَة حقيقيّة. .

الحديثُ يطول ! وعموماً أحببتُ مشاركتكم برسالة الأخ الذي كتبَ لي هذه الرسالة وحقيقة ً مضَى زمنٌ بعيد لم أقرأ قدراً من التشويق كما وردَ في الرسالة . .

لكُم أن تقرؤوها وتشاركونني آراءكُم ..

محبّتي

.

.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اختي الفاضلة عائشة السيفي



قرأت مقالا لك في سبلة عمان بعنوان " " لوْ لم أكُن مسلماً لمَا أسلَمت" وقد حدث لي موقف هنا في غربتي يثبت بعض الأمور التي ذكرتيها في مقالك

فوجدت نفسي أكتب سطور مبعثرة مرتبطة بما حدث معي، وبعد ذلك قررت أن أرسل ما كتبته لك "الملف المرفق"

فآمل أن أكون ما كتبته ليس مضيعة لوقتك


بارك الله فيك

وتقبلي خالص تحياتي

في إحدى الدول الأروبية تعودت قبل غروب الشمس أن أمشي من سكن الجامعة إلى المدينة؛ لتناول العشاء بعد يوم طويل من الدراسة والقراءة والتحليل والكتابة، وهو موعد أيضا مع لمسات الهواء الباردة، والسير وأنا مستمعا لبعض البرامج الجادة للإذاعة البريطانية المعروفة- بي بي سي- وهي أيضا لحظات لرؤية اناس آخرين بمختلف المشارب والألوان، فأبتسم في وجه هذا وذاك، أو يستوقفني منظر طفل جميل يحلق في وجهي، فأحيانا أشير إليه بيداي ملقيا التحية وغالبا ما ترد أمه أو أبوه بدلا منه بإبتسامة الإنسان لأخيه الإنسان.

حدث مساء أمس (الأربعاء 26-5-2010م) أني كنت أسير قاطعا أحد الجسور التي يمر تحتها نهر محاطة جوانبه بمناظر غاية في الروعة والجمال، وإذا بشابين صغيرين- تقربيا هما في نفس مرحلتي العمرية- يقتربان مني بإبتسامة وتحية المساء، وبدأ حديثهما عن نبي الله عيسى عليه السلام(في تصورهما هو إله)، ويتحدثان عن حاجتي لمعرفة المسيحية وأعتناقها لأكون من أصحاب الجنة، وبقيت منصتا حتي أنتهيا من حديثهما؛ وذلك إكراما وتأدبا لهما، وبعدها شكرتهما على الإخلاص والحماس لتبليغ عقيدتهما واستأذنت بأحترام أن أطرح عليهما أسئلتي لتحليل الكلام الذي سمعته منهما:

1- من أين أنتما؟ (لهجتما تبدو أنجليزية أمريكية)

2- هل تعرفان أني أؤمن بنبي الله عيسى؟ هل تعرفان أني أحب عيسى؟ هل تعرفان أن أثنين من عائلتي يحملان اسم عيسى؟ هل تعلمان أن امرأتين من أقربائي يحملان اسم مريم؟

3- هل أحد من أقربائكم يحمل اسم مريم أو عيسى؟ (كان جوابهم لا)

4- هل تعرفان أن المسلم لا يمكن ان يكون مسلما إلا إذا آمن بنبي الله عيسى؟

5- هل تريدون مني أن أؤمن بإله غير عادل وظالم وذلك بإختيار عيسى (ابنه كما يدعون) ليموت من أجل ذنوب الخلق؟

6- هل تريدون مني أن أصدق بيقين تام أن هناك 3 آلهة تدير الكون؟ هل هناك 3 رؤساء لأمريكا؟

7- هل يمكن أن يكون عيسى إلها وقد تم قتله؟ أي إله هذا الذي يموت؟

8- لما أحس بشئ من الغموض في عقيدتكم، وأجد عقلي لا يستوعبها؟ (الذي أعرفه أن الحقيقة يمكن التعبير عنها بوضوح وبساطة فلما أجد صعوبة في فهمي لمعتقدات المسيحية؟)

9- لماذا علي أن أهتم بذنوبي إن كان عيسى مات من أجلها؟

10- أليس بإعتقاد أن عيسى مات من أجل ذنوبنا تشجيع على الفساد في الأرض؟

11- لو أردت أن اقرأ عن المسيحية فاي أنجيل ترشحان لاقرأه- فانتم لديكم أناجيل عديدة؟

12- إن كان الإلهة كامل فمعنى ذلك أن كتابه الإنجيل يجب أن يكون كاملا ايضا وخاليا من الأخطاء والتناقضات مع الواقع العلمي والتاريخي وغيره؟ فلما أناجيلكم ليست كذلك؟

الشابان عملهما متخصص في التنصير، وقد تم تدريبهم على ذلك، ولكن لحسن الحظ أني قد تعودت كثيرا على مثل هذه الحوارات والمناقشات مع النصارى، وهذا العام الأكاديمي فقط (2009-2010م)، ألتقيت خمس مرات بأشخاص يشرحون لي المسيحية.

ما حدث أن الشابين قد قررا زيارتي حيث مكان سكني للإجابة على أسئلتي- ربما أحسا بصعوبتها وحاجتها للتفكير والمنطق المقبول- وطلبا رقم هاتفي والعنوان، وأيضا كانا يودان لقائي غدا الخميس (27-5-2010م) في الساعة 6مساء، ولكن اعتذرت وأجلت الموعد ليوم الجمعة في نفس الموعد. وأنا في أنتظارهما بعون الله.

ولم استطع رؤيتهما يوم الخميس بسبب أن في ذلك الوقت ألتقي كل أسبوع بطلبة من الجامعة من عدة جنسيات(من بريطانيا والسويد وأمريكا وألمانيا والصين وغانا والمغرب ولبنان وبلدي الغالي عمان) ونجلس نتحاور فيما بيننا لما يقارب ساعة ونصف في مواضيع مختلفة ومتفرقة.

وطلبا مني ملخصا لما أعتقده ليكونا على بينة بالكيفية التي سيتم الإجابة بها عن أسئلتي.

فكان جوابي: أنا أرى أن الدين يجب أن يحسن من حياة البشر، ويجب أن يكون واضحا ويتقبله المنطق السليم، وأردفت أني أؤمن بالإله الذي خلقني وخلقكم وخلق السموات والأرض، وهو موجود في كل مكان، والدليل عليه في كل مكان، وهذا الإله يتصف بكل صفات الكمال الذي لا يمكن تصوره العقل البشري بسبب عدم كماله، فعقلنا مثل العين يملك طاقة محدودة، فالعين المجردة لا تبصر ما خلف الجدار، وكذلك العقل لا يمكن أن يتعدى حدود طاقته، والخالق عادل وليس بحاجة لأحد؛ ولذا لا يمكن ان يكون له أبن كعيسى، فالابن معناه وجود نقص في الآله ذاته لإدارة منظومة الكون، ولا يمكن أن يكون عادلا وهو أختار عيسى البرئ ليموت من أجل ذنوب الخلق، فأنا لا أثق بإله يضحي بأبرياء، وأنا لست بحاجة لوسيط بيني وبين خالقي، فهو خلقني ويعلم بحالي، وإذا أذنبت فعلي بالتوبة الإيجابية البناءة الملموسة، فمثلا لو سرقت منك أنت شيئا فعلي إعادته بطريقة ما إليك قبل توبتي إلى ربي، واما إن كان ذنبي مع خالقي فعلي فقط طلب العفو منه، ولذا فأنا لست بحاجة لمخلوق آخر يقف بيني وبين إلهي، وأؤمن أني مسئول مسئولية كاملة عن أعمالي وعيسى كان نبيا عظيما جاء مثل غيره لنقل رسالة نقلها بقية الأنبياء، وليس إلها أبدا، وأرى من واجبي أن أكون شخصا جيدا في كل مكان وفي كل زمان ومع كل شخص بغض النظر عن عقيدته وتصوراته، واؤمن أن خالقنا سيجمعنا في يوم هو يعلمه ليحاسبنا على كل صغيرة وكبيرة، وهنا تكمن العدالة الإلهية وهو أن الظالم ولو فرَ من عدالة قوانين الدنيا فسيجد عدالة كاملة مع خالقه.

وقلت: عموما أنا مسلم وأؤمن بالإسلام ولكن إن أردتم أن تعرفوا المزيد عن الإسلام فاقرأوا عنه ولا تنظروا لحال المسلمين فهو لا يسر أبدا وللاسف الشديد، وتراجع-من يسمون أنفسهم مسلمون- من الناحية الحضارية ليس بسبب الإسلام ولكن بسبب ضعفهم عن إدراك مقاصد الإسلام، فتخيل لو كانت لديك سيارة من نوع (بي أم دبليو) وانت لا تجيد قيادتها، فهل المشكلة من سيارة (بي أم دبليو) أم من الشخص الذي لا يجيد قيادتها؟؟ هكذا هم المسلمون وللأسف لا يجيدون تطبيق دين الله ليصبح واقعا ويصبح له اثر إيجابي على أنفسهم أولا ومن ثم على العالم.

وبعدها قالا: "نحن من الولايات المتحدة الأمريكية" أحدهم من ولاية أريزونا والآخر من ولاية يوتا، فقلت لهم: كنت هناك في بلدكم لعام كامل للدراسة، وأمريكا شعبها رائع، وهي دولة كبيرة بها أشياء مميزة جدا كالمكتبات والمتاحف والجامعات والكنائس وغيره.

أبتسم الشابان وقالا: " سعدنا بلقائك وسنراك الجمعة للمزيد من الحوار والنقاش" وودعتهما مواصلا طريقي إلى مكان تناول العشاء، وأعدت السماعة لمواصلة أستماعي لقناة بي بي سي التي أجدها دوما تحترم عقل مستمعيها بطرحها أشياء جادة ونقاشات هادفة بعيدا عن الترهات والخزعبلات التي تملأ فضاءتنا هناك...وآسفاه.

سبحان الله...بعد رجوعي من تناول العشاء فتحت الأنترنت ودخلت سبلة عمان وقرأت موضوعك "لوْ لم أكُن مسلماً لمَا أسلَمتُ !"، والذي شد أنتباهي وربط ذهني بالموقف الذي حصل قبل ساعات من ذلك الشابين. فقررت كتابة هذه الخاطرة التي وجدتها تدور في ذاتي لأخبرك أني اتفق معك في الكثير مما طرحتيه في المقال يا أختي الفاضلة عائشة، فنحن المسلمون – للأسف الشديد- ينقصنا تجسيد الإسلام ليقتنع به العالم، وأنني اقرأ وأستمع دوما شكوى المسلمين السلبية من سيطرة الآخر عليهم، وأني مقتنع أن الخلل في المسلمين فهم من صنعوا الظروف المواتية لجعل الآخر يقودهم، ويملي عليهم إرادته، وأصبح الإسلام هناك مخلوط بثقافة المجتمع، بل والأدهى من ذلك تأطير الإسلام بالثقافة وليس العكس (تأطير الثقافة بالإسلام)، فنجد أشياء لم يحرمها الإسلام ولكن ثقافيا وأجتماعيا غير مقبولة فتم إعطائها صبغة دينية ليصبح الأمر أكثر قبولا في نسيج المجتمع.

وأعذريني على هذه السطور المبعثرة التي تدل على أن صاحبها ضعيف في فنيات الكتابة، وأنه متعثر في نقل أفكاره بصورة ترقى بالمقام، فأنا لست متعودا على الكتابة باللغة العربية، ونشأت في بيئة غير متعلمة، فأبي وأمي يعانيان من ظلام الأمية، وأذكر أني لما كنت طالبا في جامعة السلطان قابوس أوفر مصروفا من أجل شراء كتابين كل شهر لقراءتهما فبيتنا المتواضع كان خاليا تماما من أي كتاب إلا كتب المدرسة في حقائب أخوتي، وقدر الله سبحانه وتعالى أن أحصل على منح دراسية متتالية لأمريكا ودول أروبية، فكانت بالنسبة لي نقلة نوعية، من شاب نشأ وتربى في قرية صغيرة، ودرس في جامعة السلطان ومن ثم وجد نفسه يعيش في دول الغرب بكل ما فيها، ورأى بعض أرقى جامعتها (مثل براون وبرينستون وجورج تاون وأميري ودوك) وألتقى باغلب شعوب الأرض، وبدأ يرى العالم والبشر من زوايا أوسع وهذا من فضل الله العليم الحكيم.

يوم الجمعَة جاءوا إلى مقر سكني (لم يحضرا وحدهما فحسب بل كانوا أربعة!)ودام الحوار لساعة ونصف

كان نقاشا شيقا جدا، فأشكر الله وأحمده وهبني القدرة أولا الحوار بلغة إنجليزية مفهومة وعلى طرح نقاط عقلية واضحة تجعلهم يودون هم معرفة ما لدي وليس
تعليمي ما لديهم، وأشكر الله أن وهبني القدرة على بقائي هادئا ورزينا أثناء النقاش، ورأيت فعلا أننا أستفدنا من الحوار وهذا بتوفيق الله

ولكن هناك نقطتان ظهرت أثناء الحوارات وعلقتا في ذهني وهما: قضية إن الله على كل شئ قدير ولذا بقدرته جعل عيسى إله على صورة بشر
والنقطة الأخرى هي عقيدة وطمع المسلمين بقيادة العالم

وأذكر أن جوابي وبكل وضوح: الله الخالق قادر على كل شئ ولكن هذا "الشئ" لابد أن يكون في إيطار الحكمة بحيث أن القدرة لا تتنافى مع الحكمة
فمثلا: لا أعتقد أن الإله الحق يأمرنا بالصدق والعدل ومن ثم هو ذاته يكذب ويظلم بحجة أنه على كل شئ قدير فهذا يتنافى مع الحكمة والمنطق

وجوابي للنقطة الأخرى: القرآن يطالب المسلم أن يكون رحمة للعالمين وليس مسيطرا على العالمين، فالذين يسخرون دين الله لأهداف سياسية فهؤلاء يلعبون بعاطفة العامة ويجردوهم من الهدف الأسمى لدينهم فقد قال الله تعالى "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" وليس "مسيطرا على العالمين" فالمسلم الحقيقي هو دواء للعالم من أمراض الضياع والتشتت وغياب الهدف ويجب أن يكون مثالا للإنسان الضابط لشهواته، والساعي لإصلاح ذاته الداخلية قبل إصلاح غيره، وإعادة نبض العدل والسلام والطمأنينة وبناء عالم قائم على الأخوة الإنسانية، والمصالح المتبادلة.....

وقلت لهم بعدها، بعد أن رأيت تفاعلا جدا رائع منهم: " رغم ذلك اعذروني فأنا لا أمثل الإسلام كما ينبغي، فلا زلت جاهلا للكثير من جوانبه، ولكن أعلم أن الله وهبني القدرة على التفكير، ولذا أخبركم بقناعاتي وما وصلت إليه حتى هذه اللحظة، وأعلم أني بحاجة لعامل الزمن لفهم أكثر، فأني ما زلت فتى صغيرا مثلكم لم ير الكثير، وأظن أني لم أر الصورة الكاملة لأسرار وجودنا، ولكني دوما اسأل الخالق أن يهديني للطريق المستقيم"

وأيضا حدث حوار عن الإعلام العالمي والأقتصاد وغيره

بعدها تم إكرامهم كضيوف بالقهوة والفاكهة والمكسرات وغيره...!!!!!


وغادروا بعد ذلك والعلم عند الله أنهم سمعوا أشياء أستفادوا منها

دمت في رعاية الله وتوفيقه وحفظه