الأحد، 30 مايو 2010

مرةً أخرى: إذاعاتنا المحليّة . . وصناعَة السخف !

أصدقائي . . أحدُ القراءِ بعث ليْ هذا الردّ تعقيباً على مقاليْ : "كلّما فتحتُ أثير إذاعاتنَا". .
وأعتقدُ أنّه من الجميل مشاركتكم إيّاه:
السلام عليكم عائشة
قبل أيام قلائل قرأت مقالك
كلما فتحت أثير إذاعتنا
شدَّ انتباهي كل كلمة في مقالك
فأحببت أن أشاركك بعضا من آهات إذاعتنا
منذ أشهر خلت كنت أستمع إلى إذاعة الشباب
وهناك إعلاميتنا (ن،ب) تتلقى إتصالات ومداخلات المتصلين
أتدرين أي عنوان حمل إسم تلك الحلقة
ربما تنصدمين
وربما لا
إن كان مر عليك ذلك اليوم واستمعتِ فيه إلى كلمات وقهقهات المتصلين معها
لن أُسهب ولن أُطنب
فحوار البرنامج كان
الْوِحام عند النساء
تتبَّعتُ البرنامج إلى آخره
واستغربت عمَّا دار بين ثناياه وجنباته
متصل يخبر ندى أن زوجته وحمت على أكل الطين
وآخر يخبرها أن زوجته وحمت على كرهه
وآخر يتمنى أن توحم زوجته بأن يتزوج عليها
ويطول مسلسل المتصلين كلُّ منهم يخبر بأسرار بيته في الوِحام
وما دار بينه وبينها في تلك الفترة
لم أُصدق ما سمعته من عشرات المتصلين والمتصلات
لا حياء
ولا خجل
يخجل البعض منا أن يسترجع مع زوجته فترة الوحام
وإذا بنا نسمع جهارا وأمام الملأ أمورا في الوحام تخجلُ آذاننا ان تسمعها
في بداية البرنامج شوقَّت المذيعة جمهورها أن تخبرهم بوحامها لأحد أطفالها
وكما وعدت
فقد أوفت
ويا له من وفاء مُخجل
أعلنت في آخر دقيقة من البرنامح أنها وحمت على صوص أصفر صغير
كلَّفت زوجها به ليبحث عنه حيثما كان في المزارع
ولكنه لم يجده
لينتهي وحامها دون إحضار الصوص

هذه هي برامجنا
هذه هي ثقافتنا
أتمنى يوما أن أُهاجر إلى بلاد من بلاد الغرب لأغير بعضا من هذه الثقافات
ولكني أخاف أن أهدم جزءا من ثقافتي الغالية
فلا أضحي بشيء بدل شيء
فربما أكسب شيئا وأخسر أشياء
أذكر جدي رحمة الله عليه أنه كان يتأفف ولا يتوق لسماع إذاعتنا
حيث لا يجد ضالته منها
فيتركها ليستمع إلى إذاعات أخرى يستفيد منها
كإذاعة الشارقة وأبو ظبي وطهران
رحمك الله يا جدي

عن الحقيقَة التيْ يريدها الوطَن !

أصدقَائيْ . .
قالهَا الكبيرُ جداً ، كرم ملحِم : " علّمتنيْ الحقيقَة ُ أنْ أكرههـا فما استطعتُ " . .
وأنا كرهتُ الحقيقة َ كثيراً لكننيْ أحببتها في عيونكُم وهي تقرأ مدوّنتيْ !
أشكركم كثيراً لأنّ ما أكتبهُ يعنيْ لكُم . . ولأنّكم تعتقدُون أنّ ما أكتبهُ يعنيْ لهذا الوطن !
وسأكتُبُ عنكُم وعنّي وعن الكثير من الخطأ الذيْ يحيطُ بنا يمنة ً ويسرَة !
أصدقائيْ:
هيَ كلمَة حقّ -وإنْ أريدَ بها باطل- إنْ حبستْ ، لحبستْ خلفها حياة ٌ كانَ بالإمكان أن تغيِّرَ شيئاً !
فلنكُنْ على خطأ ! ولنختلف! فلعلّ اختلافنَا يخلُقُ فكرَة في زمنِ الأفكَار التيْ تمُوت كلّ يوم!
أحبِّكُمْ/
عائشَة !

عُمان . . دائماً بخير!

تصَادمتْ سيّارتَان في طريق الخُوض المؤدّي إلى الجامعَة ، فسَارعَ فاعلُ خيرٍ للاتّصال بأقربِ مركز شرطَة وحينَ رفعتْ سمّاعة المركَز ، تحدّث فاعلُ الخير قائلاً: حدث تصادمٌ بينَ سيّارتين بالقربِ من منزلِ فلان الفلانيّ .. مسمياً أحد الهوامير الكبَار الذين تصطفُ بيُوتهم الشاهقة على الشَارع وتكتبُ عبارة "طريق خاص" على بعد كيلُومتر عن بواباتهم الفولاذيّة . .

فردّ الشرطيّ من المركزِ على فاعلِ الخيرِ ذلكَ: "نحن ما نعرف فلان الفلانيّ ، نحن نعرف "السيّد" فلان الفلانيّ" موبخاً فاعلَ الخير ذلك على إسقاطه غير المتعمد لألقاب التضخيم التي ينبغيْ أن يصدّر بها أسماء رجالات حكوماتنا حتّى حين المسارعة بعمل الخَير في التبليغ عن الحَادث. .

بالرغمِ أنّ الهامور المذكور لا يملك لقب سيّد وإنما "صاحب المعالي الوزير". . يللا .. سقط لقبٌ وبقيت ألقاب !

نصيحَة مستقبليَّة أيّها المواطن:

فيما لو حدثَ أن رغبتَ في التبليغ عن حادثِ لسيارتين فعليكَ أن تتوخى الحذر وتتأكد جيداً من جملة الألقاب التي يملكها الهامُور الذي وقعَ بقرب قصرهِ الحادث فقد يأتيكَ بدلَ كلمَة: "نشكركَ على التبليغ يا أخي المواطن" . . سيأتيك ردّ: إياك ثم إياك فقد ارتكبت خطأ فادحاً يعاقبكَ عليه رجالاتُ مالك بن سليمان المعمريّ. .

لا أدريْ لم أسقطتْ ندوَة التوعيَة المروريّة أهميَّة مراعاة بروتوكولات الدولة في التبليغ عن حوادث السير . . ولذا أنوِّهُ بدوريْ بأن يتمّ اعتبار اقتراحي هذا في الندوةِ المروريّة القادمَة

***

فيْ إحدى قاعات التصارِيح فيْ إحدَى المجمّعات السكنيّة للطالباتِ بجامعة السلطانِ قابُوس. . حيثُ اكتظتِ القاعةُ بالطالباتِ وأقاربهنّ المصرحينَ لهم . . حملتْ تلك الطالبَة ُ التصريحَ لكيْ يوقّعهُ قريبها. . أخرجَ قريبها قلمهُ الأحمَر ووقّع على خانةِ التوقيعِ . . وما أنْ سلّمت الطالبةُ التصريح للمشرفة المناوبةِ في القاعةِ لاعتمادِ التصريحِ وختمهِ . . حتى ارتعدتِ المشرفةُ صارخةً: لا يحقّ لأيِ شخصٍ التوقيع بالقلم الأحمَر إلا السلطان . . ممزقة ً الورقة على مرأى من الجَميع . .

فإنْ صحَّ ذلك : فأقولُ . . قاتلَ اللهُ البروتوكولات الغريبَة التيْ يدخلُ فيها هذا البلد يوماً بعد يَوم ! وسامحَ اللهُ من سنَّ علينا بأن "نسمعَ فنطِيع" !

.

.

فيْ آخرِ امتحَانِ قيادةٍ رسبتُ فيهِ . . وفي طريقِ عودتيْ كانتِ المدربة ُ تتذمرُ من طريقَة المعاملةِ التيْ يعاملُ بها الفاحصُونَ المدربِين. . وللأمانةِ فقدْ لمحتُ بنفسيْ كميَّة الإهاناتِ التيْ يغدقها أفرادُ الشرطَة الفاحصين للمدربينَ أثناء اختباراتِ القيادة للمتدربِين . .

قالتْ لي مكسُورةً بعدَ أن صرخَ في وجههَا الفاحصُ وهيَ تسألهُ بعد كم سيارة دوري؟ (متساءلة ً عنْ عدد الممتحنين الذينَ يسبقوننيْ كمتدربَة لديها في الاختبار) فما كانَ من الفاحصِ سوَى أن صرَخ بها: "لا تسأليني ، تجلسي مكانك تنتظري! تروحي تشربي قهوة ولا تروحي لي مطعم ما شي . . وإذا جا دورك وما حصلتك ومتدربتك موجودات باكتبك غياب" . .

انكمشت مدربّتي على نفسهَا وعادتْ أدراجها أمام نظرَات الجميع. . قالتْ ليْ: هذيلا ما دواهم غير نخبر عليهم الحكومة! تأدبهم. . سكتت قليلاً ثم عقّبت بلهجة بريئة للغاية كمن لا يعرفُ شيئاً: الحكومة مسوية مكان يسويوا فيه شكاويهم الناس على الشرطة وتاخذ بحقوقهم ف ذاك المكان. . مكان في الانترنت اسمه. . ( انتظرت فترَة لتتذكر) وهي تنطقُ: سبلة . . . سبلة . . . قلتُ لها: سبلة عُمان. . فردَّت: نعم نعم هوَ. . هذا يسجّلون فيه الشكاوى على الشرطة والحكُومة تلبي الشكَاوى . . هل سمعتِ بهذا المكَان؟

فرددتُ عليها وعينايَ على الطريق: نعم ، سمعتُ بهِ !

قالتْ لي: والله الدنيا بخير والحكومة صارت تسمع شكاوي الناس

حدَّقتُ إلى مدرّبتيْ طويلاً وقلتُ: نعم الدنيَا بخير. . ثمّ فكرتُ: منذُ متَى لم تكُن عُمان بخير؟

لا توجَد بطالة وإنّما ربعُ الشَعبِ باحثين عن عمَل. . والرّبع الآخرِ حاصلُونَ على عملٍ براتبِ 120ريَال . . والربعُ الآخر توفاهُ الله في حادثِ سير ، وأمّا الربع الأخير: فهمْ أطفالٌ ينتظرُون أن يكبروا . . فإمّا ينتهيْ بهم الحال باحثين عن عمل. . وإمّا يحصلُون على عملٍ راتبِ ب120ريَال . . وإمّا يتوفّاهم الله في حادثِ سَير . .

والحمدلله . . هلْ قال أحدٌ أنّ عمان لم تكُن يوماً بخير؟

***

أشفقُ كلّ يومٍ على أطفالي الذينَ لم يروا النُور بعد . . العَيش في وطنيْ الجميل الذيْ تخنقهُ أيادٍ هيَ -للأسفِ- من أبناءِ البلدِ ومنْ أناسهَا !

وطني الغارق وسطَ المحسوبيَّة واحتكَار الثروَات ، وتوسّع الفروق المعيشيّة ، وتطَاول أصحاب الألقاب على أبناءِ البلدِ وانحدَار مستوَى الذوقِ العَامِ ، وانتشَار الجرائم الأخلاقيَّة . .

أشفقُ على أطفَالي وأخافُ عليهِم . . وأخافُ أن يستمرّ الوضعُ بعدَ عشرينَ عاماً أو خمسينَ عاماً وبلادي تغرقُ وتغرقُ وتغرقُ . . ثمَّ يأتينيْ أحدهُم ليطمأننيْ قائلاً: أنّ الدنيَا لا تزَالُ بخير ! فإنْ أتَى ذلكَ اليَوم . .حملتُ شهادتيْ العلميَّة وأطفاليْ . .وهاجرتُ تاركة ً الخيرَ لأهلِ الخير !


الأربعاء، 26 مايو 2010

كلّما فتحتُ أثيرَ إذاعاتنَا المحليّة !




عائشَة السيفيّ
ufuq4ever@yahoo.com

1/ قرأتُ لأحدِ آبائنا من الكتّاب العمانيين القدَماء هذا المقطعَ من مقالٍ طويل:
" فإنّ من علاماتِ فقرِ المجتمع وإفلاسهِ فكرياً هو الحديث الذي لا طائلَ لهُ ولا منفعَة فيه دنياً ولا آخرة ، وإنّ من علامات فقرِ المجتمعِ استوَاء الصغير والكبير في التفكير فلا يفاضلُ الكبير على الصغيرِ لا بحفاصةِ المنطقِ ولا بواسعِ الحكمَة فكلاهمَا سواءٌ في مرتبَةِ الجهل"

لا أدريْ إن فهمَ أيٌ منكُم العبارةَ أعلاه . . لكنْ صدقاً كلّما فتحتُ أيّ إذاعةٍ من أثير إذاعاتنا المحليّة
شعرتُ بالأسفِ لمستوَى الضحالة الفكريّة التي يمرّ بها المتصلونَ والمذيعُون على السوَاء !
وأدركتُ تماماً كم تنطبقُ عليهم صناعة الغباءِ التيْ ذكرتها في مقالٍ سابقٍ تكرسُ لها إذاعاتنا المحليّة "مشكُورة"

2/ اتصالات "هايفة" . . فتيَات "يتأوهنَ" عبر الأثير وكأنهنّ في محادثة غراميّة ولسن على الهوَاء! يتمسّحن بالمذيع كأنّه "البوي فريند" . . ومذيعَة كلمَا بعثَ لها أحد المستمعينَ إهداءً ردّت بنبرَة متصنّعة الأنوثة : فدِيتك يا أبو علي الفلانيّ . . فديتك يا قيس الفلانيّ
ودخلتْ في دوّامة "تفديَّة" لا تنتهيْ !

3/ كلّما فتحتُ أثير إذاعاتنا المحليّة ! وجدتُ أناساً يتصلونَ لتفريغ الهمُوم اليوميّة غير ممانعين في الدخول في أحاديث سخيفَة جداً لابدّ أنهم يدركُون حجم سخفها مع المذيع الحاصلِ على شهادَة السخف الدوليّة !

4/ كلّما فتحتُ أثيرَ إذاعاتنا المحليّة . . عجبتُ من استوَاء الصغير والكبير في "مصوخيّة" الحديث! يتّصل رجل من الواضح من صوتهِ أربعينيّته في السن . . ويبدأ في كيل التخاريف على الهوَاء . . ويسمّونها في العرف الإذاعي "مداخلَة" وقيلَ في مسندٍ آخر "إهداء" !

وتتصلُ بعدها فتاةٌ لا تكادُ تتخطّى الإعداديّة لتهديْ "الغالي" الذي يسمعها تلك اللحظَة . . الأغنيَة الفلانيّة ! ثم تهديها لرحّوم ووفوي وشوشة وندّوش وعلاوِي وشموسَة وأسومة وتعدّد بنات الصفّ والحلّة كلها !

5/ ساعتَان على الهوَاء والمذيع يتلقّى الاتصالات من المستمعين ليفتُوه في موضوع الزوَاج فقد أعلنها على الهواء . . برغبتهِ في الخطبَة . . يرن الهاتفُ فيعلن المذيع: والحين نستقبل الاتصال من عريسنا القادم . .
- والحين بناخذ اتصال من العريس أبو حمد . . أهلين بعريسنا!
- ها شـ يريد يقول العريس لي بخصوص الزواج !

6/ يعقّب المذيع وكأنّه سيذهب غداً ليزفّ الفتاة التي لم يتقرر حتّى اللحظة من تكُون !
- مشكلة لما السوق ما يفتح 24 ساعة وانت محتاج تروح تتسوق عشان العرس . . الواحد يتمنى لحظتها أنه الدكاكين تكون مفتوحة 24 ساعة عشان يخلص جهاز العرس . .

تتصلُ متصلة وتسلم على المذيع وكأنها لم تلتقهِ منذ عامين . . تقول له: عرفتني. فيقول : لا . . مين العروس المتصلة؟
فترد : أفا ما عرفتني . . طيب حزّر .. ما ميّزت نبرة صوتي !؟
ونستمعُ حينها إلى حوار تعارفي يتضح في النهايةِ أن اسم صاحبتهِ: شـ . . .!

7/ يستقبلُ المذيع اتصالاً جديداً من متّصلة يتضح من صوتها أنها لا تزال مراهقَة !
تقول للمذيع: ناوي تعرس؟
فيرد المذيع: ايه والله ناوين. .
فترد عليه بقمة الوقاحة وقلّة الأدب: شو رايك تعرس بي أنا؟
فلا يملك المذيع سوى أن يقول : أوهو !! قويّة !

8/ لمدّة ساعَةٍ تستقبلُ المذيعَة اتصالاتِ المستمعين لكي "يغنوا على الخطّ" . . تستقبلُ الاتصالَ وراء الأخير لكي يغنّي المستمع و"يهزهز" طبقاتِ صوتهِ عبر الأثِير ! ومنْ "هشاشة" البرنامج يشعرُ الواحدُ منّا بأنه "سيزوع" قدّامه في تلكَ اللحظَةِ ! لماذا؟ لأنّ هنالكَ كرنفَال "نشاز غنائيّ" مدّتهُ سَاعة !

9/ أصبحَ الشبابُ -لانتشار "موضة السخافة الإذاعيّة" - يتناقلون بلوتوثوهاتٍ لهذه الاتصالات ملقينَ النكات على هؤلاء المتصلينَ الذينَ أصبحوا محط استهزاء وسخريَة . .
يعرفُ كثيرُون أسماءهم المستعارة التيْ يتصلُون بها ويتساءل البعض كيف لا تزال الإذاعَة تسمحُ باستقبال اتصالاتهم المسيئة لجديّة برامجها . . ويعمد البعض لإرسال إشارات حول استئجار الإذاعاتِ لهؤلاء المتصلين. .

.
10/ سيقولُ قائلٌ: الناس مهمُومة . . تريد أن تفرّغ وإن لم يرقكِ ما تسمعين فأغلقي الإذاعة . . وسأقولُ أنا ما قالهُ ذلكَ الكَاتب:

" فإنّ من علاماتِ فقرِ المجتمع وإفلاسهِ فكرياً هو الحديث الذي لا طائلَ لهُ ولا منفعَة فيها دنياً ولا آخرة ، وإنّ من علامات فقرِ المجتمعِ استوَاء الصغير والكبير في التفكير فلا يفاضلُ الكبير على الصغيرِ لا بحفاصةِ المنطقِ ولا بواسعِ الحكمَة فكلاهمَا سواءٌ في مرتبَةِ الجهل""

وإنْ صحّ ما قيلَ أعلاهُ فلا أقولُ سوَى: قاتلَ اللهُ الفقر . . قاتلَ اللهُ الهموم اليومية التيْ ينسحقُ تحتهَا هذا الشّعب . . قاتلَ اللهُ الإفلاس الفكريّ !

الاثنين، 24 مايو 2010

ما هوَ الإيمــَان؟

أصدقَائي . .
أحبّ حينَ أقرأ القرآن . . أن أمسكَ المصحفَ وأفتحهُ عشوائياً ! وأرى أيّ صفحةً ستفتحُ عليَّ . .
اليَومَ فتحتهُ وكانتْ أوّل آيةٍ تقعُ عينايَ عليهَا . .
(آمنَ الرّسولُ بما أنزِلَ إليهِ من ربِّهِ والمؤمنُونَ كلٌ آمنَ باللهِ وملائكتهِ وكتبهِ ورسلهِ ، لا نفرِّقُ بينَ أحدٍ من رسُلهِ ، وقالُوا سمعنَا وأطعنَا غفرَانكَ ربّنا وإليكَ المصِير) ، البقرَة.
.
.
منذُ قرأتها ولهذهِ اللحظَة أفكِّرُ في ماهية الإيمان؟
يعرفُ أجمعكُم أركَان الإيمَان التيْ بسطَ الله من خلالها الأسس الحقيقيَّة التيْ ينطلقُ منهَا المسلمُ . .
ما هوَ الإيمَان؟
هذا السؤالُ قديمٌ جداً قدمَ الرسالة المحمّدية فمحمّد عليهِ الصلاةُ والسّلام أجابَ حينَ سئلَ : ما هوَ الإيمان؟
" أن تؤمنَ باللهِ وملائكتهِ وكتبهِ ورسلهِ واليَوم الآخر والقدرِ خيرهِ وشرّه "
وتركَ المساحَة مفتوحةً ليجتهدَ كلٌ منا في معرفَة عمقِ كلّ ركنٍ من الأركان التي ذكرَها !
لمْ يحتكر الإسلامُ الإيمَانَ في شعائرَ معيّنة ، في ملبسٍ معين ، في فكرَة معيّنة وإنما وضعَ الأطر الرئيسة التيْ من خلالها يقولُ للمسلم: تستطيعُ أن تؤمنَ وفقَ الأطر هذهِ . .
وأعتقدُ أنّ هذا من رحمَة الله بالبشر . . لأنّ احتكار إيمان الانسان في تفاصيل دقيقَة جداً سيليغيْ جانبَ الاجتهادِ الشخصيّ لديهِ في صياغةِ حياتهِ وفقَ ما يراهُ شخصياً حولَ ماهيَة الإيمان لديهِ . . وتفسيره . .
كمَا أنّ تقنينَ الإيمان في تفاصيل صغيرَة جداً سيجعلُ كلاً منّا يكفّر الآخر لخروجهِ عن أيّ تفصيل صغير من مظاهر تطبيق الإيمان الذي سنّه الله وأوضحهُ نبيّه محمّد
أتذكّرُ الآنَ قولَ مفكّرٍ غربيّ سمعتهُ أثناء ركوبي السيّارة في شريطٍ مسجّلٍ لهُ يقولُ فيهِ : أنّ من نقصِ الدياناتِ السماويّة أنّها تقولُ لأتباعها: آمنوا ، الإيمان مهمّ ، الإيمان أساس الحيَاة . . لكنّ أياً منها لم يوضحْ ما هوَ الإيمان؟
أخطَأ . .
وأنا أرَى أنّ من أجمَلِ ما في دينيْ أنّه قالَ ليْ : آمنيْ يا عائشَة ، بالله وملائكتهِ وكتبهِ ورسلهِ واليَوم الآخر والقدر خيرهِ شرّه . . ثمّ قالَ ليْ: ولكِ أنتِ المساحةُ في أن تعرفيْ كيف تؤمني بهذهِ الأركان !
لقدْ منحنيْ الإسلامُ المفتاحَ وقال ليْ : هذا بابٌ مغلقٌ ، افتحيهِ وانظريْ ما خلفهُ !
منحنَا نصفَ الإجابة . . وقالَ لنا لتكملُوا أنتُم "بإيمانيّاتكم" نصفهَا الآخر . .

الأحد، 23 مايو 2010

إنّه عصركَ الذهبيّ أيّها التملّق !

يحكيْ ابنُ سعد في طبقَاتهِ عن سعِيد بن المسيّب وهو من أشهَر التابعِين وأوسع أهل زمانهِ تفقهاً في الدين . . يحكيْ أنّ سعيد بن المسيّب حجّ عاماً في مكّة ووافقَ ذاكَ العام حجّ الخليفة آنذاكَ الوليد بن عبدالملك . .

ويحكيْ ابنُ سعد في واقعةٍ وردَت كذلك في كتاب محمّد مرسي "عظماء الإسلام" أنّ الخليفة بعثَ رجالهُ إلى سعيد بن المسيّب طالباً أن يلتقيهِ . .

وفيمَا كان سعيد بن المسيّب في الحرم إذ جاءَه جند الخليفة يطلبونهُ قائلين: أنّ خليفة المسلمين يطلبكَ . . وببرودٍ شديدٍ ردّ سعيد بن المسيّب: ماليْ والوليد بن عبدالملك؟ لا حاجَة لي بخليفتكُم !إنّما جئتُ قاصداً بيتَ الله وما أنا بقاصدٍ بلاطَ أحَد !

ولعلّ أشهَر مواقف سعيد بن المسيّب في ذلك هوَ ردّه لطلب عبدالملك بن مروان الزواج بابنتهِ وتفضيل سعِيد تزويجها لرجلٍ فقيرٍ من البصرة بمهرٍ قدرهُ درهمَان !

كانَ هذا قبلَ ألفٍ وثلاثمَائة عام! يا ترَى لو أنّ هذا السيناريُو تكرّر بعد ألفٍ وثلاثمائةِ عامٍ من حادثَة سعيد بن المسيّب يا ترَى كيفَ ستكون ردّة فعلنا؟

لو طلبنا مسؤولٌ في الحكومة .. مدير دائرة أو والٍ أو وكيل وزارة أو وزير أو حتّى حاكِم !

لظلّ الواحدُ منّا أسبوعاً لا يأتيهِ النّوم فرحاً وابتهاجاً ! ولأعدّ القصائد والمديحَ والمعلّقات ليلقيها أمام صاحبِ اللقب !

ألفٌ وثلاثمائة عام ! إلى أيّ هاويةٍ يقودنَا التملّق؟ وكم من المنافقينَ المتملقِين المستلقينَ مسَاحي "الأحذية" صدّرتهم إلينا هذهِ الألف والثلاثمائة عام !

الثلاثاء، 18 مايو 2010

عنِ المجتمَعِ وصنَاعة الغبَاء ! /ردُهات

عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com

يتحدَّثُ ديلْ كارنيجي الأشهرُ عالمياً في علمِ البرمجَة العصبيّة أنّ كمَا لصنَاعة الذكاءِ فنٌ فلصنَاعة الغباءِ أيضاً فنّها الخاصّ . . ويضربُ بذلكَ مثالاً ما فعَلتهُ الدولُ الاستعماريّة التيْ كانت في الأغلبِ تشنُّ باسمِ "الرجل الأبيض" أو الشعوبِ ذاتِ البشرَة البيضَاء في احتلالها لدولٍ أخرَى حينَ استطَاعت توطِيد فكرَة ستعيشُ عليها تلكَ الشعُوب لسنوَاتٍ طويلةٍ جداً عليها وهوَ الشعُور بالدونيَّة الدائمَة أمام المحتلّ حتّى بعد رحيلهِ وانتهاء كابوسهِ أو بمعنَى آخر اعتبَاره جنساً أرقَى منْ جنس الشَعبِ الذي تمّ احتلالهُ ، فكرَة وإن رفضتهَا تلك الشعُوب علناً إلا أنّها ستظل في داخلها تتصرّف لا تلقائياً بعبُوديَّة كاملَة للمحتلِّ . .

حدثَ ذلكَ فيْ إحدَى مطاعم الأكلاتِ السريعةِ المشهُورة وفيمَا كانَ الناسُ يصطفُونَ في طابُورٍ طويلٍ على "كاونتر واحد" لصّرف الوجبَةِ . . دخلَ مجمُوعةٌ من الأجَانبِ ذوي البشرَةِ البيضاء إلى المطعَم وما أن رآهُم رئيس فرعِ ذلك المطعَم وكَانَ آسيوياً حتّى هبّ واقفاً ليفتح "كاونتر" آخر ويقُوم بمحاسبتهِم!

لمْ يكُن يعرفُهُم . . ولكنّه بنزعتهِ هبّ واقفاً لخدمتهِم دوناً عن الكلّ . . ترَى لوْ كانَ من دخلُوا من شعُوبِ ذوي البشرَة السّمراء أكان حدثَ ما حدث؟

فيْ إحدَى محلاتِ السيتيْ سنتَر وفيمَا كنتُ أستفسرُ العاملَة التيْ بالمحل عن إحدى المنتجاتِ وجدتُها تنسحبُ تلقائياً وتتحوّل إلى زوجَين أجنبيين دخلا المحلّ . . ظلّت بجانبهما لا تفارقهمَا ! وتعرضُ عليهما ذاك العطرَ وذاك! حتّى أنها رافقتهمَا إلى أن غادرا المحلّ . . كنتُ أحدّق إلى كلّ ما يحدثُ وأتساءلُ: لماذا؟

يكملُ كارنيجيْ قولهُ بأنّ صنَاعة الغباءِ هوَ برمجَتنا على فعلِ شيءٍ دونَ أن نستفسرَ عنهُ . . وهذهِ مصيبَة خاصّة على المستوَى الدينيّ !

أذكرُ أني تابعتُ عن كثبٍ إحدَى المحاوراتِ التيْ جرتْ بينَ مسلمِين وأجانب تعقيباً على فيديُو مسيءٍ للإسلام نشرَ في اليُوتيوب واحتلّ أعلَى نسبَة مشاهدَة لأسَابيع. .

كانَ بعض الأجانبِ –ومن الواضح أنّهم قرؤوا كثيراً عن الإسلام أو عايشُوا مسلمين لأمدٍ بعِيد- لماذا تصلُون 4 ركعَات ظهراً و3 ركعات في المغرب؟ ما الفَرق؟ ولماذا تصُومُون لشهرٍ واحدٍ وليسَ لشهرين أو نصف شهْر؟

كانُوا يسألونَ عن مغزَى كلّ حركَة من حركَات الصلاة! لماذا البدء في الوقُوف ثمّ الركُوع ثمّ السجُودِ ثمّ الجلُوسِ وليس العَكس؟

الحقيقَة أني كنتُ مندهشَة ً تماماً من دقّتهم وتساءلتُ لماذا وأنا أتخطّى العشرينَ لا أعرفُ أيّ إجابةٍ على ما سبق! بل إنّه لم يثرنيْ مطلقاً أن أتساءلَ هكذا تساؤلات! رغمَ أني أصلّي كل يومٍ 5 صلواتٍ وأصومُ شهراً كلّ عام !

هذا تماماً ما أعنيهِ . . أنْ نعيشَ وفقَ نمطٍ معيّن ونعتَاده ونرفضَ ما سوَاه ولا نتسَاءل يوماً عن ماهِيَتهِ؟

أتجوّل في الشوَارع والمحلاتِ التجاريّة وأصادفُ فتياتٍ يرتدينَ عباءاتٍ غريبَة ! لماذا ترتديْ فتاة ٌ عباءةً ترتفعُ لتكشفَ النصفَ الأسفلَ كاملاً من كتفها؟

أو فتاة ٌ أخرَى ترتديْ عباءةً مفتوحَةً بينمَا تلبسُ داخلَ العباءَة بنطالاً قصيراً يكشفَ عن أسفلِ ساقيهَا "الملمعتَين" جيّداً في الصالُون !

ولو أنّك سألتَ هذهِ الفتيَات هل بالإمكانِ أن يخرجنَ من البيتِ بلا عباءةٍ لأجبنكَ لا . . لأنّه عيب!

وما مغزَى أن أصادفَ البارحة فيْ حديقةٍ عامٍ فتاةً محجّبة ولكنّها ترتديْ قميصَاً من الشَبكِ يكشفُ عن كتفهَا كاملاً؟

مقالٌ جميلٌ قرأتهُ قبلَ أمدٍ لنارت اسمَاعيل يتحدّثُ فيهِ عن دور التربيّة في برمجَة سلُوك الفرد الذيْ يتحوّل إلى كائنٍ لا يفكّر وإنّما ينفّذ ما يمليهِ الخارجُ عليهِ . .

إنّ من أكبَر نتاجاتِ الغباءِ هوَ ما يسمّى العُرف العامّ الذيْ بموجبهِ فإنّ على المرءِ أن يتّبع من الألفِ إلى الياءِ ما تمليهِ عليهِ تقاليدُ الخارجِ بصرفِ النظرِ عن تقبلهِ هوَ لهَا أو رفضهِ . . لا أحَد يدعُو إلى مصادمَة جوِّ أي مجتمعِ بقدرِ ممارسَةِ أعرافهِ بطريقَة عقلانيّة يعرفُ كلّ امرئٍ لماذا يفعلُ هذا وذَاك !

ليسَ على المستوَى الاجتماعيّ فحَسب بلْ على مستوَى الدِين نفسهِ . . يخرجُ منّا الفردُ وهوَ يقدّس الاسم الفلانيّ والاسم الفلانيّ من شيُوخ المذهب الذيْ ينتميْ إليهِ ! ليسَ لهُ الحقّ في الاعتراض على أيّ من كتاباتهِم الدينيّة أو فتاواهم ! يتحوّل من تبعيَّة الدينِ لتبعيّة شيُوخ المذهبِ الذي ينتميْ إليهِ . . وهكذَا ينشأ هوَ ومن ثمّ أولاده وما يليهِ من أحفاد !

مشاكلنَا تتضاعفُ كلّ يومٍ بسببِ عجزنَا عن الوقُوف للحظَة واحدة ومجابهَة كلّ ما سنّه السابقُون بفكرٍ أكثَر وعياً . .

هاتفتنيْ صديقتيْ وهيَ تخبرنيْ بعقدِ قرَانِ أخيهَا . . سكتتْ قليلاً ثمّ قالتْ ليْ : طلبُوا منّا 7 آلاف ريالٍ مهراً مع جهَاز الملكَة الذي يقتربُ للألفِ ! قالتْ ليْ أنّ أمّ الفتاةِ قالتْ أنّها زوّجت بناتها بهذا المهرِ وهكذا ستزوّج ابنتها تلكَ ! سألتُها: وما كانتْ ردّة فعلِ أخيكِ! أجابتنيْ: شو بعد بنقول! فضيحَة نجلس ننقص المهر ! اقترضَ من بعض المقربينِ ودفعَ إلى عائلة الفتاة مهرهَا !

يدهشنيْ بالفعلِ اعتبَار مناقشَة أهل الفتاة في المهرِ المشترطِ عيباً ! أو مساً برجُولتهِ "والشحطة" التيْ يبديها فهوَ على وشكِ قرَان! وبياض الوجهِ أمام عائلة الفتاةِ أساسيّ .. إذا لم يكنْ بإمكان الرجل توفير ذلك المهر فأيّهما أفضّل أن يقترضَ لتشتريْ الفتاةُ بما اقترضهُ ملابسَ وماكيَاج وحليّاً؟ ويقعَ هو في الديُون! ألن يكونَ ذلكَ زوجها!

لا يوجَدُ إنقاصٌ في رجُولَة أيّ رجلٍ حينَ يرفضُ مبدأ وحينَ يقال: لا مجالَ للتراجِع فقد خطبها وتمّ الأمرُ !

أنا أعتقدُ أنّها مسألةُ مبدأ . . وعلى الرجلِ أن يعبّر عن مبدئهِ! أليسَ ضرباً من ضرُوب الاحتيَال أنْ يتمّ مفاجأة الرجل بالأمر الواقع . . عليك أن تدفع كيتَ وكيت من المال وإلا فلا زوَاج!

ولماذا لا يفعلهَا الرجالُ فعلاً ! أن يتراجعُوا عن الإقدَام على زيجَةٍ تبدأ منذ البدَاية بمصّ كل قرش من جيبهِ! ما هذهِ التسلقيَّة الغريبَة والطمَع غير المبرر! كيفَ يصاهرُ رجلٌ عائلة ً لا يهمهَا أن يقعَ في الدَين فالمهمّ أن تترَس ابنتهم "دولابها" بالمجوهرَات ويشربَ هوَ من البَحر!

مفاهِيم غريبَة للغايَة تزرَع داخلنَا عبرَ المجتمع وعبرَ عوَامل خارجيَّة كثيرَة نسخَّرُ نحنُ تحتَ طائلتها ونحملُ إثمَ من سبقُونها وإثمَ من سيلحقُوننا !

إنّها صنَاعة الغباءِ فعلاً ! أن تتحوَّل إلى آلَة يُملَى عليها ما تفعَل لا مجَال للنقاش ولا حوَار . . عقولٌ مبرمجَة تعملُ بشكلٍ الكترونيّ دونَ تفكِير . . وفي مقدّمتها زرٌ أحمَر كبير كتبَ عليهَا كلمَة (عَيب) يُمنع المسَاس بهِ !

الثلاثاء، 11 مايو 2010

صدِيقَ "القواطي" يصمتُ بعدَ 8 أعوَام/ردُهـات

عائشَة السيفيّ

http://ayshaalsaifi.blogspot.com

أذكرهُ قبلَ 8 سنوَات . . يوماً وأنا أمرُّ في طريق العودَة إلى منزليْ بمريُول المدرسَةِ حيثُ أنزلني البَاص ..

شمسُ نزوَى كانت في وسطِ السّماء ، والصّيفُ بدأ يجترُ العرقَ من وجُوهِ المارّة.

مررتُ بجانبهِ وقد اختبأ رأسهُ في حاويَة القمامةِ الضخمَة.. كانَ يتمتمُ بجملٍ غير مفهُومةٍ وأنا أحدِّقُ إليهِ .. أحدّقُ إلى نصفِ جسدهِ المتسخ ، بدشداشتهِ البيضَاء التيْ استحَالت إلى لونٍ آخر مختلف ! خمّنتُ أنها كانت بيضَاء يوماً وفكّرتُ كم مضَى عليهَا ولم يمسّها الصابُون..

مررتُ بجانبهِ بمشيتيْ السّريعَة وصوتُ الكتب يعلُو وهيَ ترتطمُ يميناً ويساراً بجدرانِ حقيبتي الثقيلَة. رفعَ الرجلُ رأسهُ في حركةٍ سريعَة محدّقاً إليَّ .. أذكرُ تماماً تلكَ الارتعَاشة التي انتابتنيْ ونظرَاتِ عينيهِ الحادّة تصوّبُ نحوِيْ ..

استطعتُ أن أميّزَ رغمَ سطوعِ الشمسِ التيْ كانتُ تهاجمُ عينيهِ كم منَ التجاعيدِ التيْ غزَتْ وجههُ ! وفمهُ الملتوِي على نفسِه ينمّ عن سقوطِ أسنانهِ منذ أمدٍ بعِيد! بشرتهُ السمرَاء جداً التيْ بدَا أنّ الزمنَ انتهكَ حرمتهَا إضافة ً إلى أعوانٍ آخرين كشمسِ نزوَى . . بدتْ بُشرةً كادحةً للغايَة . . لم يعكّر صفوَ لونها الغامقِ إلا لحيَتهُ البيضَاء جداً وقد تفرقتْ على عرضِ وجههِ . . نظرَ إليَّ طويلاً ثمّ سألنيْ فجأةً : لدَيكِ قوطي؟ ( كانَ من الواضحِ أنهُ يبحثُ عن "قواطي" معدنيَّة ليجمعها فيْ "جونيتهِ" التيْ لفّ بهَا جسَدهُ ) . .

رغمَ توجّسيْ منهُ وإسراعيْ في المشيِ أجبته: لا ما عنديْ ، وفيمَا كنتُ أعدُو مسرعةً تناهَى إليَّ صوتهُ وهوَ يقولُ : ( الفقير مو يسوي ف هالدنيا؟ مكانه ذا التراب قبل لا يموت وبعد ما يموت )

مضَى يحدّثُ نفسهُ طويلاً . . ظلّ صوتهُ مستمراً وإن بدأ في الخفوتِ وأنا أبتعدُ عنهُ . . قال كلاماً كثيراً لم يعلقُ منهُ سوَى تلك الجُملة ..

ذلكَ اليَوم ظللتُ أفكّرُ لماذا هنالك فقرَاء؟ ولمَ لا يسَاعدهُم أحد؟ قلتُ في نفسيْ في طفوليَّةٍ شديدَةٍ أنني حينَ أكبرُ سأصيرُ مُخرجَة ً مشهُورة وسأصوّرُ هؤلاءِ الفقراء وأضعُ صورهُم في الصحف وفي شاشاتِ القنوَاتِ الفضائيّة !

أضحكُ كثيراً حينَ أتذكرُ أنني ظننتُ حينهَا أنّ أحداً لم يرَ ذلك الرجلَ بالمنظار الذيْ رأيتهُ بهِ ولم يحدّقْ إليهِ بالزاويةِ التي نظرتُ إليهِ من خلالهَا. .

قلتُ في نفسيْ : هل لمحَ أيٌ من المارةِ الذينَ كانوا حولي كمْ كانَ بائساً هذا الرجل؟

التقيتُ لمراتٍ طويلةٍ ذلك الرجلَ بعد ذلك اليَوم . . كنتُ أتساءلُ لمَ لمْ أصادفهُ قبلَ ذلك؟ أينَ كان؟ ومنْ أيّ بلادٍ جاء؟ أهوَ من مدينتيْ؟ ولمَ ساقتهُ الأقدارُ إلى حاويَة القمامة تلك بجانبِ بيتنا؟ ليحدثَ بيننا ذلك الحوَار غير المخطّط له . .

خلالَ ثلاثِ أعوَامٍ ربطتنيْ صداقة ٌ خفيَّة بذلك الرجل. كنتُ وأنا أتّجهُ إلى دكّان "عبدالستار" الهنديّ الذي كانَ يبيعُ في بقالةٍ صغيرةٍ بجانِب بيتنا أدسّ يديْ إلى حاويةِ القمامة بحثاً عن قوطي أو اثنين. . وأذكرُ أنيْ كنتُ أسأل عبدالستار إن كانَ لديهِ قواطي معدنيّة لا يريدهَا وفي وقتٍ من الأوقاتِ عقدتُ صفقة بينيْ وبين عبدالستار . . كنتُ أعطيهِ "حطبة" الآيس كريم التيْ كانَت شركَة الآيس كريم تكتبُ عليها أنّ بإمكاني الحصُول على آيس كريم آخَر مجانيّ مقابلَ أن يعطينيْ 4 قواطي معدنيَّة. كنتُ أدسّها بعدَ أن أقفزَ عليها بجسديْ الضئيل كيْ تنسحقَ في دائرةٍ صغيرة وأخبئها داخلَ جيبٍ في حقيبتيْ. . وكنتُ أرقبهُ في طريقِ عودتيْ حتّى إذا ما صادفتهُ مددتُ إليهِ بالـ"قواطي" التيْ جمّعتُها لهُ!

كنتُ أجمِّعُ عدداً لا بأسِ بهِ وحينَ تمضيْ أيَّامٌ عدّة أقلقُ وأنا أفكِّرُ . . هل ماتَ الرجلُ؟

كانَ صوتُ القواطي يعلُو كلّما زادَ عددها وكنتُ أحرجُ بشدةٍ أمام زميلاتي وصوتُ ارتطامها المعدنيّ يصدرُ منْ حقيبتيْ.. أذكرُ مرةً وفيمَا كنتُ قد وصلتُ متأخرةً إلى المدرسَة وكانَ دوريْ لألقيْ مقدّمة الإذاعَة المدرسيّة .. رميتُ بحقيبتيْ بقوةٍ على الأرضِ متجهةً إلى المنصّة وهنالك اندلقتْ "القواطي" من حقيبتيْ لتتبعثرَ على الأرضِ ، أذكرُ كيفَ أن الجميعَ حدَّقَ إليَّ بدهشةٍ فيمَا كانتْ نظراتُ المعلّمات وزميلاتيْ تلتهمنيْ. ذهبتُ عدواً إلى القواطي لأجمعها وأعيدَ إدخالها لحقيبتيْ . . وأذكرُ أنّ زميلةً ليْ أسرعتْ بمجرّدِ أنِ انتهيتُ من إلقاءِ المقدّمة إلى سؤاليْ : وطلعتيْ تجمعي قواطي بيبسي؟

نظرتُ إليهَا بصمتٍ ولا أعرفُ لم اغرورقتْ عينَاي بالدموع يومهَا ونبرةُ الكذبُ تظهرُ جلياً من تبريريْ: لا ما أجمع بس هذيلا القواطي باغتنهم لمشروع بسويه لجماعة أصدقاء المختبر.

توقفتُ منذ ذلكَ اليَومِ عن حمل القواطيْ في حقيبتيْ إلا أنني كنتُ أدسّها في الدولابِ الذي يضعُ فيه أشقائي أحذيتهُم.. كانُوا يشكُون دائماً منها وهم يمدّون بأيديهم فيجرحهُم معدنهَا وكنتُ أقولُ لهم دائماً : "الأبلَة مال أصدقاء المختبر قايلة نجمع قواطي واجد"

كنتُ حينَ أشاهدهُ أركضُ سريعاً إلى المنزل حيثُ أدسّ القواطيْ في كيسٍ بلاستيكيّ وأمدّها إليهِ . .

وكانَ ثمّة َ شعُور غريب ينتابنيْ وأنا أحدّق إليهِ وهو يتناولُها من يديْ . . لمْ يبتسِم يوماً ! كانَ عابساً دائماً ولم أكنْ أشعُر أنّه ممتنٌ وأنا أقدِّمُ لهُ القواطي . .

لا أعرِفُ لمَ لم يتحدّث إليَّ يوماً سوَى تلك المرَة الأولى التيْ سألنيْ فيها إن كانَ لديّ "قُوطي"؟

حتّى أنني كنتُ في كثيرٍ من الأحيانِ يخيَّلُ إليَّ أنه يتحدّث ليْ وكنتُ ألتفتُ إليه بعد أن أكونَ قد ولّيتهُ ظهريْ وأقولَ : "ها؟" مستفهمة ً إن كانَ قد وجّه لي حديثاً لم أسمعهُ إلا أنهُ كانَ دائماً يجيبنيْ بالصَمت .. الصَمتِ لا غير ، ولا مبالاة ٌ عجيبة ٌ تعلُو وجههُ . .

كنتُ أحبُّ وأنا أمرّ بجانبهِ مبطّئة ً سيريْ أن أستمعَ إليهِ وهوَ يحدِّثُ نفسهُ . . أحببتُ ذلكَ لأنني كنتُ أستمتعُ كثيراً في الحديثِ إلى نفسيْ بصوتٍ عالٍ وفي كثيرٍ من الأحيَان حتّى اليَوم أمشيْ وأنا أديرُ حواراتٍ مع نفسيْ وأقهقهُ أحياناً ولا أنتبهُ إلا حينَ تحدِّقُ إليَّ فتاةٌ أو مارٌ بجانبيْ وهوَ يصوِّبُ عينيهِ إلى هذهِ الفتاة "غريبة الأطوار" التيْ تتحدّثُ إلى نفسهَا بصوتٍ عالٍ ..

كانَ يشكُو أحياناً من انخفاض سعر جونيَّة القواطي : (كلهُم علينَا أولاد الـ...... ) وكنتُ أتخيلنيْ أوجِّهُ إليهِ عدسَة كاميرَتي وأنا أصوِّرهُ ! لماذا تخيّلتنيْ في فيلمٍ سينمائيّ؟ ولماذا تخيّلتني مخرجة ً بالذات؟ ليسَ كاتبَة أو مذيعة ً أو حتّى وزيرَة ً تلتقيهِ صُدفَة !

حينَ دخلتُ الجَامعَة .. مضَى زمنٌ بعيدٌ لم أرهُ ! غادرَ ذاكرتيْ تماماً ولا أعرفُ كمْ من الأعوَام مرَّت دونَ أن ألتقيهِ ! في كثيرٍ من الأحيانِ كنت أتذكرهُ وكنتُ أتساءلُ أني إذا التقيتهُ هل سيتذكّرني؟ لماذا لم أعد ألتقيهِ؟ أين غادرَ؟ وهلْ لا يزَال في نفسِ الوقتِ كلّ يوم يمرّ على حاويَة القمامةِ باحثاً عن القواطي..

قبلَ عامٍ قالتْ لي أمّي وهي تناولنيْ صينية ً عليها خبزٌ وشاي .. وتحدّثنيْ عن الرجلِ الأشيَبِ المسكين الذي لا يتحدّث أبداً .. يأتي بينَ يومٍ وآخر إلى البيتِ . . يتكئُ على جدارٍ وينكفئُ على نفسهِ.. حملتُ إليهِ الصينيّة وكدتُ أسقطهَا وأنا أجدُ أماميْ الرجلَ الذي لم ألتقهِ منذ أعوَام! لمَ لم أخمّنْ أنّهُ هوَ .. لماذا لم يخطرْ في باليْ بأنّ ذلك الرجل الذي أصابهُ الخرفُ حتّى أسكتَ لسانهُ كانَ هوَ صديقيَ القديم الذي جمعتنا سوياً صداقة "القواطي" ؟

منذ تلك المرّة وبعدَها لاحقاً . . كنتُ ألتقيهِ حاملة ً إليهِ بعض الطعَام . . احدودَب ظهرهُ كثيراً ونحَلَ. وتشعَّثَ شعرهُ ! غيرَ أنهُ كانَ صامتاً تماماً ! لم يعُد يحدِّثُ نفسهُ. . وشعرتُ حينهَا بالوحدَة وأنا أفكِّرُ أني أصبحتُ وحديْ من أستأنسُ بحديثيْ مع نفسيٍ بصوتٍ عال!

البارحَة صادفتهُ وأنا في السيّارة . . افترشَ رصيفَ إحدى الطرقِ وظلّ بنظراتهِ ساهماً يحدّق إلى نقطةٍ معلُومة . . تذكرتهُ للمرَةِ الأولَى صدِيقيْ! الرجلَ نفسهُ بدشداشتهِ التي غادرها البياضُ منذ زمنٍ طويل ! بشرته السّمراء الكادحَة . . فقدَت عينَاهُ تلك النظرَة الحادَّة ! وأصبحَ صامتاً أكثَر مما يجِبُ .. تمنيتُ حينهَا أن أنزَل إليهِ بحقيبةٍ ترتطمُ داخلها الكتب وأن يحدّق نحوي بحدّة ويسألنيْ : عندك قوطي؟ ، فمنْ منّا تغيّر؟ هل كبُرتِ الطفلة داخليْ؟ أم كَبُر هوَ ! ومنْ منَّا سقطَت منهُ ثمَانيَة أعوَام دونَ رجعَة ؟