الاثنين، 16 مايو، 2011

عن المثقف الذي نريدُ .. ولا نريد ..




الذيْ يجمعُ عليهِ الجميعُ أنّ الاعتصَامات خرجَتْ بإرَادةٍ شعبيّة محضَة وأنّ عمُوم الشّعب كانَ المحرّك الرئيس في تفعيلِ دور الاعتصَاماتِ .. إيمَانهِ بها ، وبصدقهَا وبحاجتهِ إليها .. خرجَ الشعبُ إلى الشّارع ليسَ لأنّهُ كانَ موجّهاً لذلك ، خرجَ بشكلٍ عفويٍ جداً ليعبّر عن سخطهِ على الكثير من السياسَات الحكُوميّة ولكنّهُ أثبتِ في نفسِ الوقتِ أنّه واعٍ يعرفُ إدارتهُ ويفهمها .. خرجَ ذلك المواطن البسيط بأحلامهِ الشرعيّة حينَ شعرَ بضرُورة وجُود الاعتصَامات وإيجَابيّتها وانفضّ الشعبُ –أو لنقل غالبيتهُ- حينَ شعرَ أنّ مطالبهُ التي خرجَ لأجلها تحققت أو لنقلْ –تحقّق أغلبها- .. الموَاطن العُماني نفسهُ الذي خرجَ في مسيرةٍ خضراء ذَات يَوم مطالباً بمطالبَ وإنْ عُدّت بسيطَة .. ولكنّها كانت جوهريّة .. هادئَة .. غير غاضبَة ومتعنتة .. مطَالب مدرُوسة وأهمّ شيءٍ أنها كانَت مطالب واضحَة .. تعرفُ تماماً ما تريد .. هذا الشعبُ البسيط كانَ واعياً بأهميّة مرحلَة التقاط الأنفاس .. مرحلَة التفكِير ومرحلَة انتظَار الآتي .. المرحلَة التيْ هدأ فيهَا منتظراً المطلب الأكثر أهميّة على مستوى الحراك السياسيّ وهوَ التعديلات في النظَام الأساسيّ للدولَة بناءً على المرسُوم السلطانيّ الذي صدر في مَارس 2011 .. وانتظَاره لمرحلَة انتخابات مجلسِ الشُورى في دَورة انتخَابيّة مختلفَة جداً حسّاسَة جداً ، وهامّة جداً في تاريخ العُمانيّ لأنهُ يمنحُ اليَوم صوتهُ للشخصِ الذي سيمنحُ مجلسَ الشورَى شرعيّة التمثيل الشعبيّ في صنَاعة القرار ولأنّ الشخصِ الذي سيذهبُ العُمانيّ لمنحهِ صوتهُ قد يصبحُ وزيراً في أعلَى هرمِ إحدَى المؤسساتِ الحكُوميّة الحسّاسة ..




هذا العُمانيّ الذي ما أنْ صدرَتْ المرَاسيم الوزَاريّة "الإصلاحيّة" تباعاً حتّى عادَ إلى منزلهِ ليؤمِّن الجوّ والمنَاخ للحكُومة للتفكِير بهدوء بلا ضوضَاء .. في الفترَة التيْ كانتِ الحكُومة لا تفعلُ أيّ شيءٍ سوَى التوجّه لإخمَاد حريقَةٍ تلوَ أخرى إثر سلسَلة من أحداثِ عُنفٍ و إضرابَات واعتصَاماتٍ طَالت كلّ شبرٍ في عُمان ، مرحلَة المخَاض هذهِ وإن كانتْ صعبة للغَاية إلا أنّها كانتْ ضروريّة جداً وصحية جداً لامتحَان صبرِ الحكُومة وقيَاس درجَة ضبط النفسِ الحكُوميّ تجَاه كلّ ما يحدث ..




ومعَ إصدَار مرسُومِ إنشاء جَامعَةٍ حكُوميّةٍ أخرى وإنشاءِ بنكٍ إسلاميّ انفضّت الأعدادُ الأكبر مانحَةً الضوء الأخضر بقربِ نهَاية الاعتَصامات التيْ شهدت انسحَابَا شعبياً كبيراً منذ حزمَة المرَاسيم السلطانيّة في مطلع مَارس غيرَ أنّ الذي حدثَ هوَ تحوّل مسَار الاعتصَامات إلى آخر فئويّ طَالبَ بإسقَاط الديُون ومنعِ الاختلاطِ في المؤسساتِ التعليميّة في منَاشير كانتْ توزّع تباعاً كلّ أسبوع .. ولتخرجَ ثلّة من المطالبين بهذهِ المطالب كلّ جُمعَة .. وبمسميَات مستوحَاة من الثوراتِ المجَاورة .. فهنالكَ من سمّاها جمعَة السّلام ، وجمعَة الإصرار ومسميَات أخرَى .. هلْ كانتْ ستقود إلى تدرّج في المسميّات إلى جمعَة الرحِيل أو جمعَة الغضب؟ لمْ يكُن ذلك مستبعداً في ظلّ تصَاعد أصوَات استفزَازيّة كانتْ تدفعُ دفعاً إلى موَاجهات مبَاشرَة مع الأجهزَة الأمنيّة إن لم تتحقّق مطالبَها .. ولذا كانَ متوقعاً جداً تدخّل الجيشِ بعدَ قرَابة 15 أسبُوعاً من الاعتصَامات وممَارسَة أقصى درَجات ضبطِ النفس والأهمّ من كلّ ذلك بمسَاندَة شعبيّة ما انعكَس في فتُور تغطية عمليّة إنهاء الاعتصَام على مستوَى الانترنت والمنتديَات وغيره بلْ كانَ صادماً للغَاية حالَة فقدَان الشعبِ لتعَاطفه مع المعتقلين مؤخراً.. وسطَ كلّ ذلكَ أينَ كانَ موقعُ المثقّف وإلى أيّ جهةٍ كانَ حضُور المثقف يدفعُ المطالبَ الشعبيّة؟ وإلى أيّ مدَى اشتغَل هذا المثقّف لأربعَة عقُود على رفعِ وعيِ الموَاطن العاديّ بحقوقهِ؟ بالقَانون؟ بمؤسساتِ المجتمعِ المدنيّ؟ بأهميّة التعلِيم؟ بأهميّة الشُورى؟ بأهميّة الإعلام؟ بأهميّة الدورِ نفسهِ الذي يقدّمه المثقّف؟




منْ يصدّق أنّ هذا المثقّف نفسهُ الذيْ ملأ الصحف بقصَائد الاحتفاء والتهاني بمرور أربعِين عاماً على الحكمِ القابُوسيّ سيخرجُ مطالباً بإصلاح .. وأحياناً بـ"إسقاط النظَام"؟ ومنْ يصدّقّ أنّ عشرَات الأسماء التيْ أضافت قصائدها قصصها ، خواطرها لتعبئة صفحَات كتبٍ صدرت في العيدِ الوطنيّ الأخير باحتفائيّات ضخمَة شهدَت رعَاياتٍ وزَاريّة في أفخَم الفنَادق؟ ومن يصدّق أنّ الأوبريهَات الغنَائيّة والشعريّة التيْ تنَاسلتْ في العيد الوطنيّ لمْ تكُن انعكَاساً لحَالة استقرار وهدُوء في السلطنَة؟ ومنْ يصدّق أنّ المثقّف الذي كانَ "يضارب" ليحصلَ على دعوَة لحضُور الوليمَة الرمضَانيّة التيْ يقيمها معَالي الوَزير ليزيّن بها مائدته بمثقفينَا وأدبائنا في مجلسِ كبيرٍ يغصّ بالقاصين والصحفيين والكتّاب والشعراء والموسيقيين والخطَباء .. المثقّف الذي كانَ حاضراً في قوَائم أصحَاب المنحِ والهبَات والمكافآت الديوَانيّة السنويّة.. المثقّف الذي –بتزكيَة الآلة الثقافيّة الحكُوميّة- يمثّل بلاده في كلّ مؤتمر بنفسِ الأسماء المتكررة هوَ نفسهُ اليَوم الذيْ ينَادي بمفاهيم الحريّة والعدَالة واتّهام السلطَة التيْ خرجَ لتمثيلها في المؤتمرات والمهرجانات بالاستبدَاد والظلاميّة والتعسّف ..




الشاعر النبطيّ الذيْ تنَافس لتجهِيز 40 قصيدَة نبطيّة احتفاءً بالأربعينيّة في ملاحِق خاصّة صدرت في الصحف تزامناً مع العيد الوطنيّ تبعهُ الشّاعر الفصيحُ الذيْ جهّز هوَ الآخر 40قصيدَة فصيحَة بعد قصَائد النبطيّ من باب "محد أحسَن من حَد" !







المثقّف الذيْ كتَب عن الحبّ والسلام ومَاركِيز وكَافكَا والسينمَا والمَسرح والقصّة القصيرَة والنّظم .. ولكنّه لم يكتب يوماً عن الموَاطن العَاديّ المهمُوم المسحُوق المهمّش يحاولُ اليَوم أن يقنعَ الموَاطن بأفكَاره ورؤاه التي عدمهَا الموَاطنُ لأربعَة عقود .. المثقّف الذيْ سبحَ لأربعَة عقُود في خيَالاته وأحلامهِ واحتفَائيّاتهِ وقصائدهِ ولمْ يُرهق نفسهُ أن يكتب مرة ً كلّ أسبوع ، كلّ شَهر ، كلّ عَام عن حقُوق الموَاطن ، ما يهمّه في النظَام الأساسيّ للدولة ، عن صَلاحيّات مجلس الشُورى ، عنْ قَانون الاتصالات ، عن أهميّة فصل السلطَات ، عنْ توعيَة الموَاطن بالفسَاد ، عن الحوَادث والسّرعة، عن تدهوُر مستوَى التعلِيم العَالي ،عنِ الطفل، عن انتهَاء صلاحيّة التعليم التجَاري ، عن أدَاء الوزرَاء السيّء ، عنْ الثروَات البتروليّة التيْ كانَ الديوَان يوزّعها بجُنون على أصحَاب الألقاب المنتَفخَة.. عنِ ارتفاع سعرِ الطمَاطم، وعنِ احتكَار مزَارع الخيَار لعليةِ القَوم ..




لمْ يفعلِ المثقّف ذلكَ -غالباً وليسَ تعميماً- وبدلَ تنوِير النَاس تحوّل إلى جزءٍ من منظُومة الفسَاد في التصفيق لعليَة القَوم والغضّ عن عثرَات الحكُومَة ، واستلام شيكَات المكافآت وملاحقَة وتزيين مآدب الكبَار!.. غيرَ أنّه حينَ جَاءتِ الاعتصَامات كانَ نشيطاً جداً في ممَارسَة دَور المخلِّص ، المنظّر ، صَاحب السلطة العُليا في توجيهِ الشّعب ، المنَادي بقيمِ الحريّة والعدَالة ، ممثّل الله في الأرض.. النَاشط الحقُوقيّ السيَاسيّ المرمُوق الذيْ يلتقيْ السينَاتُورات الأميركَان في فنَادقهِم ويتحدّث عن "الاستبدَاد والظلم والعنجهيّة والصّلف" الذيْ تمَارسهُ تلك الحكُومَة الشيطَانيّة التيْ كانتْ ملاكَا طاهراً منزّهاً كانَ يقبّل أقدَامها ويتبرّك بهَا قبلَ شهرين ..




حتّى المثقفون المعتدلونَ الذيْن لم يدخلُوا فيمَا مضى في دَائرة "مسّاحي جُوخ الحكُومة" ارتَدوا فجأة ً "بشتَ الوعّاظ" متهمِين الحكُومة حينَ أنهَت اعتصَام صحَار بالبَطش بالمعتَصمين وليتهُم حمّلوا أنفسهُم "قليلاً من المسؤوليّة" لأنّهم بسكُوتهم لعقودٍ طويلة ضللوا هذا الشّعب الذيْ ظن أنّ الأمور "تمام" وكلّ شيء بخير والحمدلله ولازم نبُوس ايدنا "وشّ وقفى" شُكراً.. ولكنّهم تخلّوا عن اعتدَالهم ففي الوقتِ الذيْ كانُوا يطالبُون فيها بمحَاكمة الوزرَاء الفاسدين ، كانُوا يطلقُون ألقاب التمجِيد والتحيّة والنضَال للذينَ كانوا يقطعُون دوّاراً حكُومياً عاماً هوَ ملك للوَطن والموَاطن .. مُلكٌ للصغير والكَبير .. ولمْ يحمّلوا نفسهُم ولو قليلاً من المسؤوليّة لشحنهِم هؤلاء البسطَاء وتأييدهم ومساندتهِم على علاج الخطأ الحكُومي بخطأ آخر لنْ يجرّ سوى إلى سلسلَة طويلَة من الأخطاء كان أهمّها فقدان التعاطف الشعبيّ بسبب ممَارسة ابنِ البلد "الفتوّة" على ابن بلدهِ بقطعهِ للدوّار ...




طوَال الأعوَام التيْ مضَت كانتْ هنالك الفجوَة بين المثقّف وعمُوم النّاس .. تلك الفجوَة التيْ خلقهَا تحليقهُ في عوَالمهِ الخياليّة ونخبويّتهِ التيْ فصَلتهُ عن همّ الموَاطن العاديّ .. واليَوم بعدَ انتهَاء هذهِ الأزمَة .. خرج المثقّف وثمّة فجوَة أكبَر يعكسهَا الرأي العَام الشعبيّ في المنتديَات الانترنتيّة وغيرها .. خاصّة ً مع كلّ بيَان استنكَار نشط المثقّف في إصدَاره واحداً تلوَ الآخر .. مذيلاً البيَان بعشرَات الأسماء التيْ تجَاورهَا ألقَاب : ناشط حقوقيّ ، ناشط ريَاضي ، نَاشط إعلامي ، شاعر ، قَاصّ ، فنّان تشكيلي إلخ .. أسماء تتعدّى المائة إذا تمحّصت قليلاً فيها لوجدتَ أنّ 10أو 20 اسماً منها فقط كتَب مقالاً " حول الأزمة ، الاعتصَامات ، المستقبل ، الشعب ، السلطَة ، القضاء " إلخ.. بينمَا لم يكلّف أيّ واحدٍ من المذيّلة أسماؤهم بكتَابة مقَال واحد.. مقَال واحِد لا غير يعبّر فيهِ عن رأيهِ المستقلّ بدلَ قصّ و"لزق" اسمهِ كلّ مرّة في بيانٍ تلوَ آخر لا يفعلُ أكثر من إثَارة حَالة من السخريّة والتندّر تجَاه الدور الذيْ نصّب المثقّف نفسهُ على القيَام بهِ ..




لمْ يُنافق المثقّف الحكُومة بانضمَامهِ لدَائرة التمجِيد والولاء ولكنّه نافقَ الشعبَ كذلك بأنّ الأمور على مَا يرَام وأن الحاضرَ جميلٌ والقَادم أجْمل بسكُوته عنِ الخطأ منذ البدَاية.. لكنّه اختَار اليَوم أن يجعَل من الحكُومة نداً .. أن يصنَع منهَا بعبعاً كبيراً .. وأنْ يحوّلها إلى مسخ مشوّه .. مهمَا قدّم من بوَدار حُسن النيّة فهوَ شرّير وسيّء وقَامع للحريّات وهوَ ما زَاد الطّين بلّة في نظرَة النَاس للمثقّف وثقتهم بهِ.. واليَوم يستمرّ ذلك النفَاق بتزيين أحلام ورديّة من شعارات المقَاومة والتحرير التيْ أغرقَ بها الموَاطن .. وكأننا في ميدَان تحرير تنزلُ فيه الحكُومة علينا بالرصَاص صبَاح مسَاء!




وفي الوقتِ الذيْ أثبتَ الشعبُ وعيهُ وإدراكهُ بضرورَة الدخُول في مرحلَة التهدئة حتّى يستطيعَ الشعبُ نفسهُ امتصَاص التغييرات التيْ حدثَت وتستطيعَ الحكُومة ترتيب أورَاقها بعدَ أن أدركَتْ أن الشعبَ يعرفُ ما يريدُ ويعرفُ ما يدورُ في الخفَاء ويعرفُ أنّ عُمان يجبُ أن تختلفَ إلى عُمان أجمل وأكثر شفافيّة وأكثر عدلاً .. لكنّ المثقّف أصرّ أن يقفز على الوَاقع وأن يحصلَ على كلّ شيءٍ مرّةً واحدَة .. ناسياً سننَ التدرّج التيْ هيَ سنة ٌ إلهيّة ٌ أزليّة منذ خلقت الأرضُ في سبعَة أيّام .. لم يرد المثقّف لهذا الشّعب أن يستوعِب التغييرَ حتّى يُحسنَ استخدَامهُ .. وحتّى يعرفهُ جيّداً ويخبرهُ ويفهمهُ ويحسّه ويعيشهُ ثمّ ينتقلَ لمرحلةٍ لاحقَة بعدَ استيعَابه .. هذا الشّعب المتأنّي وجدَ أمامهُ مثقفاً غاضباً مزمجراً مستحضراً لبطُولاتٍ جيفَاريّة في الزمَان الخطأ والمكَان الخطأ ..




على المثقّف- وأتّفق مع قَاسم حدّاد في ذلك- ألا ينقَاد بشكلٍ أعمَى لحركَات وموجَات التغيير العالميّة .. بل عليهِ أن يمحّصها ويدرسهَا ويختَار ما يتفقُ مع مجتمعه .. وعليهِ أن يتدرّج فيها لأنّ موجَات التغيير تلك لم تخرُج في شهرٍ ولا عامٍ ولا عقدٍ ولا عقدين .. بل تطوّرت بتدرّج مجتمعاتها في فهمِ تلك الحريّات وإحسَان استخدَامها .. لأنّ التّسرع لن يأتي بنتيجَةٍ سوَى بخطأ آخر .. ونحنُ –وفيْ هذهِ المرحلة تحديداً- لا نحتمِلُ مزيداً من الأخطاء المتسرّعة .. ولأنّ موجَات التغيير تلك أصبحت بشكلٍ ما في بعضِ الأحيَان لعنَة ً على تلك المجتمعَات التيْ وجدَت نفسها يوماً وقد فُرضَت عليهَا قوَانين "متطرّفة في العَدالة والحريّة" .. ومسلسَلاتهم التيْ تضيءُ شاشات قنوَاتنا الفضَائيّة خيرُ دليلٍ على ذلك ..




دَعوا هذا الشّعب يتنفس ، ويعرفُ تماماً ما يريد ، وإنْ كانَ ثمة ما يُراد من المثقّف اليَوم فهوَ أن يكفّر عن سكوتهِ وصمتهِ لعقود ، أقولهَا للجميع لا أستثنيْ نفسيْ.. لا بالتطرّف في المطَالبة بالحريّات والعدَالة والقفز على وَاقع المجتمع وإنّما بتنوير هذا الشّعب .. بتنويرهِ شيئاً فشيئاً .. بالأخذ بيدهِ درجَة ً درجَة ، بانتقَاد أخطائهِ وبمحَاول تغيير ثقَافة الفَساد انطلاقاً من الفردِ العُمانيّ نفسه ، طريقة حياته ، عمَله .. حلّه وترحالهِ وبمتَابعة أداء الحكُومة فإن أحسَنت قيلَ لها وإن أساءت قيلَ لها أيضاً .. وترك نظرَة الشكّ والريبة جانباً لأنّ لعن الظلام لا يُنيرُ طريقاً.. بأن يكونَ المثقّف مسؤولاً عن موقفهِ التاريخيّ .. وإنْ كانتِ العقُود الأربعَة عكسَت تخاذلاً من قبَلهِ في تنوِير أبناءِ وطنهِ الذين أثبتُوا أنّهم أكثر فهماً لطبيعَة وطنهم وحكومتهم منهُ فإنّ عليهِ اليَوم أن يتحمّل تلكَ المسؤوليّة التَاريخيّة لا بحشر الشعب في خَانة والحكُومة في خَانة أخرى ولكنْ في تنظِيم هذهِ العلاقَة ، تفعِيلها ، وتحوِيلها إلى علاقَة تكَامليّة يتحمّل فيها الطرفانَ مسؤوليّتهما الكَاملَة .. في الخطأ والصّواب في الرّخاء والمحنَة .. فيْ كلّ الأخطاء المتراكمة بعمرِ عقُود .. على المثقّف ألا يكُون أدَاة ً للحكُومة لتضليل الشّعب كمَا عليهِ ألا يكُون أداة "على الحكُومة" لتضليل الشّعب أيضاً.. عليهِ أن يقفَ من بعِيد .. أن يبصر من زَاويَة بعيدَة وينوّر .. عليهِ ألا يتّكئ على صفٍ ضدّ آخر وإنما عليهِ أن يقفَ في الوسَط .. في مكَانٍ وسطٍ لا يتطرّف فيه للتطبيل للحكُومة ولا قذفها بالحجَارة .. في خطٍ ينتصفُ فيهِ الرأيُ والعقل .. وعليهِ أن يُمارس ذلك بحزم بعيداً عمّا يفعلهُ الآن من رفع عصَا الاتّهام تجَاه أيّ رأيٍ يرَى فيمَا تفعلهُ الحكُومة خيراً أو رفع عصَا التخوِين تجَاهَ من يرى الشرّ في الحكُومة ، عليهِ أن يُمارسهُ بعيداً عن "شخير الإعلام" الذيْ ضلّل الشّعب لأمدٍ طويلٍ بمسَاعدة ومبَاركة من المثقّف الذي استخدمهُ الإعلام ذاكَ ليقنَع الموَاطن أنّ الأمُور تمَام وعَال العَال.. عليهِ أن يأخذ بيدي الطرفين .. لصنَاعة حوَار وعلاقَة تكَامليّة واضحة المعَالم .. قفُوا موقفاً واحداً لا تغيّرهُ ريَاح ولا تحرّكه موجَة لأنّ هذا الشّعب ذكيٌ جداً وواعٍ جداً ليعرف المتملقين،المطبّلين، الأدعياء ، الخوَنة ، متصيّدي الفرص .. يعرفُهم تماماً .. وأتمنّى أن يعرفهُم المثقّف تماماً .. أن يخرجَ من هذهِ التصنيفات ويقفَ موقفَ العقل وموقفَ المنوّر .. أن يدركَ دورهُ الحقيقيّ لأنّ هذا الشّعب أثبتَ أنّهُ مسؤولٌ أمام وطنهِ وحاكمهِ .. حَاكمه الذي أثبتَ كذلك أنّه يعرفُ شعبهُ ويقدّرهم مهمَا حَاول أيّ أحدٍ أن ينَال من نوَايا وصدقِ هذا التقدير، هذا الشّعب الذي أثبتَ بعدَ الأزمَة كمْ هوَ معتَدل في موَاقفهِ تجَاه هذا الوطن يَعرِفهُ ، يُدركهُ ويقدّرهُ.. وآن للمثقف أن يعرفَ وطنهُ وشعبهُ أكثر .. يدُركهُ ويقدّره!

الأحد، 15 مايو، 2011

الخطَاب الدينيّ في السلطنَة .. بينَ ثقافَة البشر ، والحَجر!







لمْ يكنْ غريباً على الإطلاقِ ما حدَث من تصَاعد التيّار الدينيّ في أسابيع الاعتصَام الأخيرة التيْ تلتِ التغييرات الحكُوميّة الكثيرَة التيْ شهدتهَا السلطنَة بعدَ أيّامٍ من أحدَاث صحَار وما رَافق ذلك التصَاعد من مغَادرَة الأغلبيّة الشعبيّة لمواقعِ الاعتصَامات كردّةِ فعلٍ على استجَابة الحكُومة لكثيرٍ من المطالبِ التيْ خرجُوا للاعتصَام لأجلها ॥ ولمْ يكنْ غريباً كذلك تصَادمهُ مع التيّار الليبراليّ الذيْ كانَ حاضراً منذ البدَاية في المشهدِ الاعتصَاميّ .. وما تلا ذلك من تصَاعد مطَالبات خرجَ التيّار الدينيّ بها تركّز أغلبهَا حولَ سياسَات وزَارة الأوقاف والشؤون الدينيّة ، الوزَارة المعنيّة بالدرجَة الأولى بإدارَة السياسَة الدينيّة في السلطنَة .. وما تبعَ ذلك من أحدَاثٍ أبرزها واقعَة حصن الفليج التيْ أثارت الكثير من اللغطِ حولَ صحّتها من عدمهَا .. وحولَ مسبّباتها الحقيقيّة .. إلا أنّ سؤالاً كانَ يلُوح في الأفق: لماذا صعد التيّار الدينيّ بقوّة في فترةِ الاعتصَامات ولماذا غادرَ الكثيرُون وبقيَ أصحَابُ اللحَى والعمَائم ليوَاصلوا المطالبَة بحقوقهم التيْ من الواضحِ أنّهم كانُوا الأقلّ حظاً من جملةِ التغييرات الحكُوميّة التيْ طالتِ البلاد؟ المطالبَات بتغيير السياسَة الحكُوميّة في التعامل مع الدين في السلطنَة لم تكُن وليدَة لحظَة .. وإنّما خرجتْ ولكنْ بصوتٍ خافتٍ جداً .. وعلَى الرّغم أنّ الحكُومة أبدتْ انفتاحاً كبيراً للاستمَاع للمطالبِ الشعبيّة إلا أنّ خطوَاتها في إحداث تغييرات على مستوَى السياسَة الدينيّة المتّبعَة كانتْ ضعيفَة للغاية ..






************************






توقّعتُ ॥ ككثيرٍ من أبناء الشعبِ ، أن تطالَ التغييراتُ الوزَاريّة التيْ صدرت في مَارس الأخير وزَارة الأوقاف والشؤون الدينيّة ووزارة التعليم العالي ووزارَة الإعلام ॥ وكنتُ أتمنّى فعلاً أن أرى وجُوهاً جديدَة ، شابّة ، وطمُوحة كتلكَ التيْ رأينَاها في عددٍ من الوزَارات التيْ طالتها التشكيلَة الوزاريّة الجديدة ॥ فأمّا وزارَة الإعلام فقد خرجت الكثيرُ من الرُؤى والمقالات لتبيَان أسباب ضرورَة بثّ دماء جدِيدَة فيها ॥ وأمّا وزارة التعليم العالي فربّما نفردُ مقالاً مطوّلاً يخصّها وأمّا وزَارة الأوقَاف والشؤون الدينيّة فالحديثُ يطُول فيها ॥ إذْ يشهدُ هذا العَام ॥ العام الرَابع عشر منذُ تولّي وزِير الأوقَاف والشؤون الدينيّة الحاليّ مقعدَ الوزَارة ॥ أربعَة عشرَ عَاماً كانتْ كَافيَة جداً لتعمِيق الهوّة بينَ الشّعب ، والدِين .. وإطبَاق قبضَة حديديّة على أيّ تصَاعد دينيّ قد تشهدهُ السلطنة ..


***************************





خلالَ الخمسَة عشر عاماً الماضيَة مَارستِ الدولة متمثّلة في الحكُومة أقصَى درجَات التغييب للخطَاب الدينيّ وحضُورهِ في صلبِ المجتمع العُمانيّ متعَاملَة معه وكأنّه قنبلَة موقُوتة أو بعبُع قد يكشّر عن أنيَابهِ في أيّ لحظَة. تعَاملت الحكُومة مع الخطَاب الدينيّ كـ"مصدَر خَطر" يهدّد أمنها .. وبدَل احتوائهِ ومحَاولةِ فهمه .. كانَ الحلّ هوَ قمعهُ وتغييبهُ عن المجتمع. واليَوم فقدَت الكثِير من القوَاعد الدينيّة معطَياتها فتحوّلت المسَاجد إلى مجرّد دُور عبَادة لأداء الصّلاة بعدَ أنْ كانتْ مرَاكز تعليميّة وثقافيّة قبلَ عشرينَ عاماً .. كانتِ المساجدُ تخرّج الطلبَة ويمضيْ الطلبَة ابتدائيّتهم فيهَا باعتبَارها نظَاماً تعليمياً ممنهجاً بكوَادر تعليميّة مؤهلة ومخرجات مؤهلَة كذلك سرعَان ما تلتحق بعد تخرّجها من مدرسَة المسجد إلى المدَارس الحكُوميّة ذات التعليم النظَامي ولعلّي شهدتُ تخرّج جمِيع أشقائي الذينَ يكبرُونني سناً من هذهِ المعَاهد التيْ لمْ تكُن تقدّم المَادّة العلميّة فحسب بلْ كانتْ تكافئ طلاّبها بروَاتب شهريّة رمزيّة ما حفّز الكثيرين على الدرَاسة بهَا ، لقد كانتْ باختصَارٍ منظُومة تعليميّة راقيَة ومستقلّة وقائمَة على أسسٍ وأهداف ॥ وفي الزّمن الذيْ كان المسجِد يقدّم حركَة وعظيّة حقيقيّة ونشاطاً اجتماعياً مكثفاً ، تنَاقصت الحركَة الوعظيّة شيئاً فشيئاً وظلّت على مكَانها وأفكَارها جامدَةًلا تتحرّك ॥ ظلّ الخطابُ الدينيّ نفسهُ بذات العقليّة والأفكار لا يتغيّر ॥ وفي زمنِ الفيسبُوك وتويتر وغيرها لا يزَال الخطَاب الوعظيّ لدينَا يمَارسُ بتقليديّة عجيبَة حديثهُ عن النحل والأفلاج وإماطَة الأذى عن الطريق ॥ هذا الشبَاب المتفجّر بمفاهِيم الحريّة ورؤى العدَالة والثورَة الانترنتيّة المصَاحبَة॥ الشبابُ الذي يعرفُ عن بطُولات جيفارا وغاندي وماندِيلا أكثر مما يعرفُ عن عمّار بن يَاسر وبطُولات الصحَابة॥ وجدَ هؤلاء الشباب جداراً صلباً يحجبهُم عن الخطَاب الدينيّ .. جدار جَامد متين أصّلته الدّولة بمسَاعدَة ومبَاركة من الوزَارة المذكورة ..


وسَاهمَ تجفيفُ موَاد التربيَة الإسلاميّة في المنَاهج الدرَاسيّة وتسطيحهَا في فصلِ أجيالنا الحاليّة عن منظُومة الدِين وأهميّته في الحياة ॥ حتّى الأناشيد الدينيّة طالتهَا عصَا المنعِ في فترَة زمنيّة ما ॥ وعادتْ مؤخراً وإن بشكلٍ خجولٍ ..


وإذا عَادَ أحدكُم إلى خطَب يومِ الجمعَة قبلَ عشرينَ عاماً لوجدَها كتبتْ بنفس العقليّة والفكر الذيْ لا تزَالُ عليهِ اليَوم ॥ عقليّة لا تتطوّر فيمَا يتطّور كلّ شيءٍ حولها .. حتّى عقليّة البناء والتعمير .. عقليّة الحجر اختلفتْ في السلطنَة في العقد الأخير بينمَا خطب يوم الجمعَة ماكثَة على ما هيَ عليهِ .. وفي الوقتِ الذيْ كانتِ الثَورات تدوِيْ في الوطنِ العربيّ أجمَع ، ظلّ العُمانيّ يذهبُ للصلاةِ كلّ جمعَة ويستمعُ للخطَاب المملّ المكرور الذي مَارستهُ عليهِ الآلَة الدينيّة للحكُومة "فكرّهتهُ" في الربعِ ساعة التيْ يقضيها مستمعاً للخطيب في حصّة دينيّة مملّة متخلّفة عشراتِ السنين عن عصرِ التطوّر والحدَاثة الذي يعيشهُ العَالم أجمع ، ويمثّل الانسانُ العُمانيّ جزءاً لا يتجزَأ من منظُومته ॥ حصّة دينيّة في وادٍ ، والعالم وأحداثهُ وثوراتهُ في وادٍ آخر!


مُورس هذا التغييبُ على أشدّهِ بعدَ اعتقالاتِ عام 2005 وفيْ الوقتِ نفسهِ كانتِ السلطنَة تدخلُ سباقاً قوياً على مستوَى الاستثمار والمشاريع التنمويّة الضخمَة التيْ جذبتْ إليهَا رأس المَال الأجنبيّ وكانَت السلطنَة تسيرُ بقوّةٍ تجَاهَ الانفتَاح السيَاحيّ ، ولا عجبَ أنّ السلطنَة اليَوم تصنّف واحدَةً من أكثر دولِ الخليجِ تساهلاً في سياساتها على مستوَى التدَاول الكحُوليّ والليونة التي تبديها الحكُومة تجاهه متقدّمة ً على دولٍ أخرى كقطر التيْ تبيحُ تناول الكحُول ولكنْ داخلَ الحاناتِ فقط ، والكويت التيْ تحظرها تماماً أما في عُمان فيُتاح للأجنبيّ تناول الكحُول واصطحَابها خَارج الحانات॥ هذا الانفتَاح الذي أبدتهُ الحكُومة سياحياً وسياسياً قابلهُ في الجَانب الآخر قمع واضح تجَاه الخطاب الدينيّ في السلطنَة في الخمسِ سنوَات السّابقة ॥


وفيمَا تعَالت أصوَاتٌ كثيرَة تشتكِي من استشراء الفسَاد والمحسوبيّة في توزِيع بعثَات الدرَاسة للوعّاظ والموظفين والأئمة ومعاقبَة الأئمة الذينَ يرفعُون اصوَاتهم بالشكوَى عبرَ نقلهم إلى أماكن بعيدَة عن سكنَاهم ، كانَ الخطاب الدينيّ يوَاصلُ تدهورَه وسط َ مجتمعٍ بدأ يشهدُ حالَة من التخبّط الأخلاقي الذي انعكسَ في ارتفاع معدّل الجرَائم الجنسيّة التيْ تتكدّس يومياً بالعشرَات في أدرَاج الادعاء العَام وجرَائم العُنف والسرقَة التيْ أصبحنَا نراها رؤية العينِ ونقرؤها كلّ يومٍ في الصحف في موَاجهة تيّار من الأفكار المنحرفَة والموَاد غير الأخلاقيّة التيْ يبثّها الانترنت والقنوَات الفضَائيّة ॥ أمام هذا الكمّ الهَائل من الهيَاج الجنسيّ والتدهوُر الأخلاقي غابَ الخطَاب الدينيّ المتحضّر الذيْ ظلّ دائماً باعتدَالهِ واتّزانهِ حالَة ً صحيّة ً مهمّة ً في أيّ مجتمعٍ مسْلم ॥


وفيمَا انشغَل الوَزير الشيخُ التاجرُ باستثمَاراتهِ التجَاريّة المختلفَة بينَ الكسّارات والموَاد الصابُونيّة وإدارة استثمارتهِ في التعليم التجاريّ بالجامعَات الخاصّة المحليّة واستثمَارات مُربحَة أخرى ॥ كانتِ الوزَارة تتخبّط في تقدِيم دورهَا المنَاط بها


هذهِ الوزَارة التيْ عجزتِ اليَوم عن إنشاء مرَاكز ثقافيّة للنشءِ تخَاطب رؤاهم وأفكارهم ، مراكِز ثقافيّة توجّه احتياجاتهم للطريق الصحيح .. تُخرجُ فكراً معتدلاً لا متطرّفاً ، فِكراً متزناً لا أصولياً .. فكراً يخَاطب فيهِم روح الانسانيّة والعدَالة والإيمَان والفِكر والتطوّر والتقدّم العلميّ .. مرَاكز صيفيّة حقيقيّة لا تقدّم خطاباً دينياً فحسب .. وإنّما رؤى حيَاتيّة .. رؤى شبابيّة اجتماعيّة .. هيَ جزءٌ من العقيدَة الاسلاميّة التيْ لم تكُن يوماً قاعدَة دينيّة فحسب وإنّما قاعدَة حيَاة لكلّ شيء .. للسياسَة للاجتماع للتعلِيم ..


ما نحتاجهُ اليَوم هوَ بثّ دماء جديدَة وشابَة وزيرٌ جديدٌ بعقليّة متفتحَة ॥ لنتيحَ الفرصَة ليتفرّغ الوزير الحاليّ لمشاريعه الاستثماريّة لأنّ حساسيّة دورِ هذه الوزارة والنتاج المنتظَر منهَا في الوقتِ الرَاهن لا يستطيعُ إدارتهُ وزيرٌ تاجرٌ أضف إلى أنّ فرصَة أربعَة عشر عاماً للاشتغال على الشأن الدينيّ في السلطنة كانت أكثر من كافية لإعادة تقييمِ أدائه ॥ ولأنّ إعادة هيكلَة التعامل مع الخطاب الدينيّ المحليّ يحتَاجُ تفرغاً ذهنياً وكلياً وليتركَ سدّة المنصب لوزيرٍ آخر جديدٍ بعقليّة متفتّحة عاصرت الفيسبُوك وتويتر وتفهم تماماً الجيلَ الذي تخاطبهُ وجدليّات فهم الواقع الحاليْ الذي يفرضُ أن يطوّر الخطاب الدينيّ الحكوميّ أدواتهِ ॥نحتَاج لتجربَة دينيّة جديدَة حيّة وشَابّة॥ ولوعّاظٍ بأفكارٍ واعيَة ومنفتحة ॥ ونحتَاجُ لضخّ مالٍ كبير لهذهِ الوزَارة حتّى تمَارس دورهَا الثقافيّ في صنَاعة النشء ، ونبذ دورهَا الحاليّ القائم فقط،على كونهَا مؤسسة دينيّة ينتهي دورُها عندَ بابِ المسجد باعتبَارهِ داراً للصلاة والشعائر الدينيّة ॥ نحتَاجُ لضخّ الكثير من الأموال لتقدِيم دوراتٍ -بمهنيّة لا محسُوبيّة- لأئمة المساجد الشباب الذينَ تعَاملتْ معهُم الوزَارَةُ حتّى اليَوم وكأنّهم باعَة سلَع بالقطعَة ॥ تمنحُهم روَاتب متدنيّة بالقطعة مقابل أن يؤمّوا الناس كلّما حَان موعِد إحدى الصَلوات ، وكأنّه أتَى لأداء مهمّة معيّنة ينتهيْ دورُهُ بانتهائها ॥ تغييب دور إمام المسجد الواعي المثقّف الذي لا يقتصرُ دورهُ على أمّ عُمومِ الناس الذينَ يستطيعُ أيّ واحدٍ منهُم -وقد خبرَ الصلاة في المسجدِ- أن يؤمّهم..

**************************


أجهلُ تماماً ما الذيْ لعبهُ مكتبُ الإفتاء بكلّ ثقلهِ في مقاومَة هذا التغييب المنظّم الذيْ كانتِ الوزَارة فيه عصَا الحكُومة التيْ تقمعُ بها الدّين.. هذا المكتب الذي ظلّ وحدهُ ضمنَ منظُومة الوزَارة المذكورة يحتفظ بمكَانتهِ الدينيّة في المجتمع وبموقعِ الاحترَام والتقدير الذي يكنّهُ الشعبُ لهُ في الوقتِ الذي انفصلِ فيهِ الشّعبُ عن بقيّة الدور الدينيّ الذي تقدّمه الوزارة.. ولماذا لا يوَاصل مكتب الإفتاء تدعيم دورهِ بعدَ إنشاء موقعهِ على الانترنت بإنشاء صفحَة على الفيسبُوك مثلاً وأخرى على تويتر ومواقع الشبكَات الاجتماعيّة الأخرى وذلك لتعميق العَلاقة التيْ خفتت كثيراً بين الشباب والمؤسسة الدينيّة .. لماذا لا نرى حراكاً مغايراً يقدّمه المكتب الافتائيّ في الوقتِ الذي يئس الناسُ من الخطاب الدينيّ الممَارس من قبلِ الوزارة المذكُورة ..

*******************************


لمْ يكنِ القمعُ وتغييب الدينِ بشكلٍ إجبَاريّ منظّم حلاً لموَاجهة التطرّف ، لمْ يكُن حلاً في تجَارب مماثلَة كانَ على الحكُومة أن تأخذٌ منها درساً كتُونس التيْ غيب الدينُ لحدّ التطرّف فيها لأكثر من عشرينَ عاماً لكنّه عادَ مؤخراً معَ أوّل سقوطٍ لهرَم السلطَة فيهَا ॥ زين الدّين العَابدين..


ولأنّ موَاجهَة التطرّف لا توَاجهُ بتطرّف آخر كانَ على الحكُومة وبمسَاعدَة الوزَارة المذكورة احتواءَ الخطاب الدينيّ ومحَاولة فهمه ॥ والتعَامل بمرُونة معه لأنّ الدِينَ خرجَ للبشريّة معتدلاً ولا حلّ إلا في الاعتدَال بالتعاملِ معهُ ولدَينا أمثلَة رائعة في ذلكَ كالتجربَة الماليزيّة التيْ تعاملتْ مع الخطَاب الدينيّ برفق ॥ وأتاحتِ الفرصَة للجيل الماليزيّ ليتعرّف أكثر على المفَاهيم الجميلة والقيم النبيلة التيْ يُمكنُ للدينِ أن يقدّمها لحيَاتهم ॥ والتجربَة الكويتيّة التيْ تشهَد تعَايش كَافة الأطياف الليبرَاليّة والشيُوعيّة وغيرها مع التيّارات الدينيّة باختلاف حركَاته ومذاهبها..


التغييبُ لنْ يقدّم حلاً ॥ والظلاميّة لا تُشعلُ نوراً ॥ وعلى الحكُومة أن تعِي جيّداً أن موَاصلة تغييب الخطَاب الدينيّ باعتبَارهِ ممارسَة متطرّفة لن يحلّ الأزمَة بل سيقودُ إلى أزماتٍ أخرى ॥ أليستْ أكبر الحركَات المتطرفة في العَالم –وأقربها الجَارة إيران وأفغَانستَان- جاءتْ كردّة فعلٍ على سياسَات منظَّمَة استمرّت عقوداً طويلة لتغييبِ الدين؟


نحنُ أمام أزمَة حقيقيّة ، صامتَة ربّما ॥ قد لا تظهرُ أدخنتها على مدَى قريب لكننا بالتأكيدِ سنوَاجهُ يوماً النتيجَة الكارثيّة على الطرفين ॥ التدهُور الأخلاقي والتطرّف الدينيّ الذي لا حلّ له إلا بفهمه .. ونبذهِ من قبلَ الأجيال الحاليّة التيْ أبصرتِ النُور وهيَ ترى الأداةَ الحكوميّة تعاملُ الخطَاب الدينيّ كفزّاعة ، ومصدَر قلق ..


آن الأوَان لأنْ تتصدّر هذهِ الوزَارة دورِها الحقيقيّ ، دورِها الذي غيّب وراء لهَاثها في بناء المسَاجد الضخمَة الكبيرة المليئة بالنقُوش والأحجار الكريمة ونسيتْ يوماً أنّ الحضَارة الاسلاميّة على مرّ الأزمنَة انتعشتْ وأثمرتْ حينَ استثمرتِ الدينَ في الانسَان .. استثمرتِ الدينَ في حيَاةِ الشُعوب ، باعتدَالٍ وفكرٍ ووعي وفهمٍ حقيقيّ للدين وتعايش سلمي بوجُوده مع كلّ الفئات المجتمعيّة .. وأنّ الحضَارة لن تقُوم يوماً على أكتَاف الحَجر وإنّما على ثقافَة البشر ..

السبت، 14 مايو، 2011

اسمِي عائشَة وهذهِ حكَايتيْ (6)





اقرَأ أولاً:



اسميْ عائشة وهذهِ حكايتيْ (1)



اسميْ عائشة وهذهِ حكايتيْ (2)



اسميْ عائشة وهذهِ حكايتيْ (3)



اسميْ عائشَة وهذهِ حكَايتيْ (4)







اسمِي عائشَة وهذهِ حكَايتيْ (5)









لا صوتَ يخترقُ هدوءَ الليلِ إلاّ صوتُ المكيّف المركزيّ الخافت .. خيط ُ نورٍ يتيمٍ كانَ يدلفُ إلى الغرفَة منَ الحمّام .. ذلك النُور البسيط الذيْ يمنحنيْ الإذنَ بممارسَة النَوم الطبيعيّ .. أنا المصَابَة بفوبيَا من الظّلام .. لم أستطِع يوماً رغم كلّ القوة التيْ حاولتُ التدرّع بها دائماً في حيَاتيْ أنْ أمارسهَا في الظلام .. كانَ خيط ُ النورِ ذلك يمارسُ معي دورَ الحرَاسة الليليّة .. على جانبٍ من السريرِ تقرفصَ زوجيْ كالعَادَة في وضعيّة الجنين .. كنتُ غارقَة في نومٍ طويلٍ كأنّهُ ماكثُ إلى الأبديّة .. قطعَ عليّ صوت نوميْ صوت كسرِ بابٍ بدَا لي بابَ شقتيْ الخارجيّ .. هببتُ مفزوعَة وأنا أحَاولُ أن أميّز بينَ كوني في الحلمِ أم في اليقظة .. لمْ يمهلنيْ الوقتُ كثيراً إذ كانَ صوتُ الطرقِ انتقلَ إلى بابِ غرفتيْ وبدَا ليْ أنّهم .. -المجهُولين الذينَ كسرُوا باب الشقّة- يعرفُون تماماً إلى أين يتجّهون .. أصبتُ بالرعبِ وحاولتُ إيقاظ زوجيْ مراتٍ عدّة .. كانَ كمنْ غرق في غيبُوبة .. كنتُ أصرخ: استيقظ .. استيقظ .. أرجُوك سيقتلُوننا .. لم تُجدِ محاولاتِي اليائسة فيْ إيقاظ زوجيْ فهببتُ إلى هاتفيْ .. الذي أشارتِ الساعة ُ فيهِ إلى الثالثَة فجراً .. حاولت الضغطَ على أزرارهِ دون جدوَى .. كانَ كمنْ تحوّل إلى قطعَة معدنيّةٍ صمّاء لا تصدرُ صوتاً ولا ضوءاً .. حدث كلّ ذلكَ في وقتٍ قصيرٍ جداً .. ربّما ثوانٍ .. قبلَ أن يتمكّن المجهُولون من كسرِ الباب .. وأنا؟! لم أفعلْ شيئاً أكثر من تثبيتِ عينيّ على المجهولينَ الذينَ هاجمُوا ليلتيْ الهادئة .. سقط َ البابُ ودخلَ المجهُولون وهم يتكرّعون بالسوَاد التامّ سوى عن عيونهم .. تقدّم أحدهم ونزعَ قنَاعهُ .. لم أتمكّن منْ تمييز ملامحه .. لقد خذلنيْ خيط ُ النُور الذيْ ظلّ لأمدٍ طويلٍ حارساً أميناً على نوميْ .. تقدّم ذلك الرجل .. مصوباً تجَاهِي مصبَاحهُ النيُون .. ومسدّسه .. وأنا؟ كنتُ أحاولُ أن أقولَ شيئاً .. أنْ أقفز .. أن أدافعَ عن نفسيْ .. لكنّ كل ذلك لم يحدُث .. نظرتُ إليهِ ولمحتهُ –رغمَ غمُوض وجههِ- يبتسِم .. لم يمهلنيْ الوقتَ لأفعلَ شيئاً .. أطلقَ رصَاصة في رأسِيْ .. وانتهَى حينها كلّ شيء ..



ما الذيْ حدثَ بالضبطِ بعدها؟ أذكرُ أنّيْ حينهَا استيقظتُ على صوتِ زوجيْ وهو يحاولُ إيقاظي .. كانتْ مخدّتيْ قدِ ابتلتْ من البكاء .. صحوتُ مفزوعَة .. وأنا أتحسسُ أثرَ الرصاصَة في رأسيْ .. يا إلهيْ! لقدْ عدتُ إلى الحيَاة مجدداً ..



سألنيْ زوجي: الكوَابيس مرّة أخرى؟



قلتُ له: نعَم، هذهِ المرّة مُتُّ برصَاصة فيْ الرأسِ



عدتُ للنومِ وأنا أفكّر ما الذيْ كنتُ أريدُ أن أقولهُ لذلك الرجل



***********





اسمِيْ عائشَة ॥ ولدتُ قبلَ ثلاثَةٍ وعشرينَ عاماً من الآن .. اللحظَة الأولى التيْ تلتْ خرُوجيْ إلى الحيَاة .. كانتْ حينَ فتحتْ عرّافة ٌ يديّ الغضّتين اللتينِ امتزجتَا بآثار الدمِ وماءِ الرحمِ الذيْ سبحتُ فيهِ تسعَة أشهر .. ذلكَ اليَوم قالتِ العرّافة ُ الكثيرَ من النبوءاتِ –الجميلَة وغير الجميلة- لوالدتِي .. وبعدَ ثلاثَة وعشرين عاماً من ولادتيْ لا تزالُ والدتيْ على الأقلّ تذكرُ تماماً ما قالتهُ العرّافة .. طوَال سنّي حيَاتي كانتِ العرّافة تزورنا بينَ حينٍ وآخر .. وحينَ تصلُ كانتْ تقولُ بالسوَاحليّة لأمّي: أينَ الشيخَة؟ فيْ إشارةٍ إليّ .. كنتُ كلّما أتيتُ إليها تحتضنني بقوّة وتهمِسُ ليْ: ألمْ يأتِ صاحبُ السيّارة الزرقاء بعد؟ ॥ فيْ إشارةٍ منها إلى نبُوءتها بأنّي سأتزوّجُ من رجلٍ يمتلكُ سيارَة زرقاء ॥ أعرفُ بعضَ ما تنبأتْ بهِ العرّافة ॥ وحاولتُ لسنوَاتٍ كثيرَةٍ أنْ أعرفَ النبوءَة الكاملة ॥ التيْ ربّما تحقق أو لم يتحقّق منها شيء ॥ ما أنَا أكيدَةٌ منهُ أنّي لم ألتقِ الرجلَ صاحبَ السيّارة الزرقاء قطّ ॥ أذكرُ فقط السؤَال الذيْ سألتهُ زوجي ليلَ زفافنا ونحنُ في صالة الزفَاف بينمَا تعالَى صوتُ الموسيقَا وضجّة الحاضرَات॥ ، متأكّد ما عندك سيّارَة زرقاء؟ ॥ ضحكَ كثيراً على السؤال الذي سألتهُ عشراتِ المرّات منذ المرّة الأولى التيْ التقيتهُ فيها ॥ المرّة الأولى التي رأيتهُ فيها وسألتهُ: ما لونُ سيّارتك؟ ॥ منذ ذلك اليَومِ حدثَ كثيراً أن أعدتُ طرحَ السؤال عليهِ ॥ وكانَ يجيبنيْ بالنفي ॥ والمرّة الأخيرَة ॥ الأخيرَة التيْ قررتُ فيها سؤالهُ: متأكد ما عندَك سيّارة زرقاء؟ قال لي: لا ॥ أغمضَت عينيّ وتنفّستُ الصعدَاء ॥ أخرجتُ زفرَة ً طويلَة طالَ مكُوثها في صدرِي ॥ كنتُ كمنْ وجدَ الخلاصَ من تلكَ النبوّة ॥لن أرى الرجلَ صاحبَ السيّارة الزرقاء قطّ !



مرّة ً ادّعت شقيقتيْ أنّها سمعتِ النبوءَة الكاملَة مرّة ً بينَ أمّي وجارتها .. كانتَا تتحدّثان بالسوَاحليّة .. السوَاحليّة التي اعتَادت أمّي الحديثَ بها حينَ ترغبُ ألا نعرفَ ما تقولهُ .. أو حينَ تدخلُ في حوَارٍ للكبَار لا شأنِ للصغَارِ به .. قالتْ لي شقيقتيْ بعدَ أن ابتزّتنيْ بإعطائها دفتَر إهداءاتٍ جديد .. لتكتبَ صديقاتُها إهداءاتِ نهايَة العَام لها .. قالتْ: أنّ النبُوءَة الكاملَة تقولُ بأنّي سألقى مصرعيْ في السيَارة الزرقَاء لزوجيْ .. وأنني سأمُوت شابّة ، شابّة ً جداً !



لمْ تنهِ شقيقتيْ سردَ ما سمعتهُ حتّى كانتْ عينَاي قد اغرَورقَتا بالدمُوع .. لمْ يكنِ المَوتُ يوماً فزّاعة ً في حيَاتيْ ، لمْ يكنْ يوماً هاجساً ، لمْ يكنْ حتّى كابُوساً عابراً يَأتِيْ ويُنسَى ..



هُرِعتُ وصَوت بكَائي يتعَالى المطبخِ حيثُ كانتْ أمّي هناك.. احتضنتها بقوّة ، احتضنتهَا وكأنِي أهربُ من الموتِ إليها .. لقدْ شعرتُ في تلك اللحظَة السريعَة جداً والخاطفَة جداً أنّ الموتَ أصبحَ احتمالاً وارداً جداً لطفلةٍ في العاشرَة .. شعرتُ حينها أنَ بإمكانيْ الموتِ الذي لا أعرفُ شكلهُ ولا طبيعتهُ ولا مآله أنّ بإمكانهِ أن ينتزعنيْ من حضنِ عائلتيْ ودفءِ أمّي .. شعرتُ حينها أنّ بإمكانِ الموتِ في لحظةٍ ما أنْ ينتزعَ كلّ الأشياء الجميلَة وغير الجميلَة منّي .. كنتُ أبكيْ بحرقَة وفيمَا حاولتْ أمّي أن تهدّئني صرختُ قائلة: ماهْ أنا ما باغيَة أتزوّج .. ماه ما باغيَة أموت.. حاولتْ أمّي استيضاحَ ما أعنيهِ وابتسَامة كبيرَة على وجهها.. ليش ما باغيَة تتزوجي؟ كل البنَات الحلوات يوم يكبرن يتزوجن ..



قلتُ له بصوتٍ تقطعهُ شهقاتُ بكائي: ما باغية أتزوج وأموت في السيّارة الزرقَاء ..



احمرّ وجهُ أمّي بشدّة .. واحتضنتنيْ بقوّة .. وعلا صوتُ صراخَها وهيَ تنادِي شقيقتيْ التيْ اختبأتْ خلفَ دولابِ الملابس.. يبدُو أنّ حواراً سابقاً بينَ أمّي وشقيقتيْ حذّرها من إخبارِي بمحتوَى الحوَار الذيْ تعرفهُ شقيقتيْ .. ذلكَ اليَوم نالتْ شقيقتيْ علقَة ساخنَة ً جداً من أمّي .. وأنا نسيتُ أو لربّما تنَاسيتُ ما تبقّى من النبوءَة الكاملَة التيْ ظننتُ أنيْ عرفتُها ..



هلْ جَفّ ذلك الهلعُ الذيْ أصابنيْ يومها حينَ سردتْ ليْ شقيقتِي سينَاريُو مَوتيْ؟ هلْ اختفَى ذلكَ الشعُورُ بمدَى قربِ الموتِ منّي بعدَ ذلك اليَوم؟



لا أعرفُ الإجابَة تماماً .. لكنّ ما أعرفهُ أنّي متُ منذ اليَوم كثيراً حتّى هذا اليوم .. متّ في سيناريُوهاتٍ مختلفَةٍ وأماكنَ مختلفَة .. وأوقاتٍ كثيرَة في نَوميْ ..



حتّى حارسِي الأمين .. خيطُ النور الضئيل الذيْ خلتُ أنهُ سيحرسنيْ لم يمنع تلكَ الكوَابيسَ المُميتَة من زيَارتيْ لما يزيدُ عن عشرَة أعوَام .. هيَ عُمر سينَاريُوهاتِ مَوتيْ ..



جرّبتها جميعاً .. جرّبتُ الموت بالسقوطِ من أعلى قمّةٍ شاهقَة .. وشعرتُ بتلكِ اللحظةِ التيْ تفصلنيْ عن حتفيْ .. اللحظَة التيْ أسبحُ فيها بالهوَاء .. كنتُ أشعرُ أنّ الوقتَ توقّف وأنّ تعلقيْ في الهوَاء سيدُومُ طويلاً .. ولكنّ شعوريْ بتهشّم عظاميْ وهيَ ترتطمُ بسطحٍ صلبٍ كانَ يُخبرنيْ أني انتهيت ...



جربتُ الموتَ شنقاً .. وجربتُ جداً ذلك الشعُور الذي ينتابُ المشنُوق حينَ يحتكُ الحبلُ برقبتهِ .. تلكَ الدغدغَة اللاذعَة .. المُميتَة .. وجرّبتُ ذلك الشعورَ الشديدَ بالتلاشيْ فيمَا ينفصلُ رأسيْ عن جسَدي المعلّق في الهوَاء ..



جرّبتُ كثيراً سيناريُو مَوتي في حَادثِ سيارَة .. وكيفَ كنتُ أبصرُ دِماغيْ وهوَ يسيلُ من رأسيْ ..



جربتُ المَوتَ صعقاً والمَوتَ غرقاً والموتَ في سقوطِ طائرة ..وجرّبتُ حتّى موتَ الفجأةِ الذيْ كنتُ أسير فيهِ فأرى عزرائيل على شكلٍ طائرٍ كبيرٍ جداً .. أكبر طائرٍ رأيتُ .. طائر يشبه الصقر .. أبيضٍ جداً معَ نقاطٍ سوداء في أجنحتهِ .. كانَ يقولُ لي: هل أقبض روحكِ ، فأقولُ نعَم وأقرأ الشهَادة .. وحينها أشعرُ كأني أحلّق .. أتخففُ من جسَدي الدنيوي وأغادرُ سابحَة في الهوَاء إلى مستقرِي الأخير ..



وجربتُ حتّى المَوت برصَاصَةٍ بالرأس .. في سينَاريُو شبيهٍ بمقتلِ بن لادن .. ولكنّه سيناريُو سبقهُ بأسابيع .. كانَ هذا سينَاريُو الموت الأخير لي .. السينَاريُو الذي زَارنيْ فيمَا كنتُ أمرّ بحَالة إعياء شدِيد مما يجريْ في وَطنيْ الجَميل .. أحدَاث العُنف والاختطاف والسجن والتخريب .. والمتملقين والخوَنة وصيَادي الفرص ، والمُزايدين على الوَطن ، والمحتفِين بطعنهِ في الفضائيّات والإعلام .. زارونيْ كثيراً في سيناريُوهات مَوتيْ ، كانوا سفاحِين محترفين في كوَابيسيْ .. يقتلُونني بدمٍ بارد .. بينمَا أستسلمُ أنَا بكليّاتيْ لموتِيَ الجَميل ..



الشيءُ الوحِيد الذيْ لم أتذكّرهُ يوماً هوَ أنني كنتُ دائماً أحاولَ أن أقولَ لقتلتيْ حديثاً مهمّاً .. كنتُ دائماً أموتُ دونَ أن أقولَ لهُم عبارتيْ الأخيرة .. وكنتُ كلّما صحوتُ أجهِدُ نفسيْ لأتذكّر بالضبطِ ما الذيْ كنتُ أنوِي قولهُ .. غير أنيْ لم أنجحْ يوماً في تذكّر ما الذيْ وددتُ قولهُ .. لقدْ بدا ليْ مستحيلاً .. أو ربّما ميؤوساً منه..



أشتاقُ للقاءِ العرّافة .. أشتاقُ لأنْ أخبرها أنّ نبوءَتها فيمَا يخصّ الرجلَ صاحبَ السيَارة الزرقاء لم تحدُث .. وأشتاقُ أن أقولَ لها أنّي متُ كثيراً منذ ذلك اليوم .. متّ في كلّ السينَاريُوهات التيْ تخطرُ في بالها والتيْ لم تخطر .. متّ كثيراً حتّى شعرتُ أنيْ استنفدتُ سيناريُوهات الموتِ المحتملَة .. متّ كثيراً كأنّي بلغتُ الخمسين .. وأنا لمّا أغادر عتبَة العشرين بعدُ ..



اسمِيْ عائشَة .. وتقولُ القوَاميس أنّ معنَاهُ العيشَة الهانئة الممتدّة ..وأنا؟ لا أعرفُ في حقيقَة الأمرِ متَى وكيفَ أمُوت؟ إلا أنّ ما أعرفهُ أنّ لعنَة تلكَ النُبوءة .. علّمتنيْ قيمَة المَوت في الحيَاة .. أو لنقلْ: المَوت في النَوم ..



والشيء الوحِيد الذي لا أتذكرهُ بالضبط في سينَاريوهاتِ الموتِ المختلفَة والمتعدّدة التيْ تنتهيْ بموتِ بطلَة القصّة التيْ هيَ أنا .. لا أعرفُ ما اسمِي في الحلم؟ هلْ كانَ اسمِي هوَ عائشَة؟ أم سارَة؟ بطلَة أحلامِي الكثيرَة غير المنتهيَة ..



سارَة .. الانسَانة الأخرى في داخليْ التي لا يعرفهَا أحَد .. سارَة النقيضْ لعائشَة .. سارَة الفتَاة المتوحّشة ذات المخالب .. سارَة الفتَاة التيْ تصعد بلا مبَالاة للمنبر لتلقي الكثير من القصائد دون أن تشعرَ برجفَةِ خوفٍ واحدَة .. سارَة التيْ تحاولُ دائماً أن تقضيْ على هدوءِ قرينتها عائشَة .. تحاولُ أن تسيطرَ على هوَاجس عائشة وخجلها وترددها وإيمانها .. سارَة التيْ تنقذنيْ دائماً من حالةِ التصالحِ مع الآخرين .. سارَة التيْ كفرتْ بالنفَاق والدبلومَاسيّة والحبّ والسلام .. سارَة التيْ تتلبسنيْ وأنا أٌقولُ الشعر ، وتحملنيْ بعيدَاً عن زيفِ هذا العَالم إلى عَالمٍ أملكهُ أنا وأحكمهُ أنَا .. سارَة التيْ لم تكبُر يوماً ، رغمَ أنّ عائشَة ربّما شاختْ قبلَ أن تبلغ الشيخُوخَة ..



سارَة التيْ تحَاربُ العَالم دونَ أن يرَاها أحد .. تجرحُ العالمَ بمخَالبها .. تخربشُ في وجهِ ظَلاميّتهِ دُونَ أن يرَى لها أثراً .. سارَة الشّبح الذيْ تلبّسنيْ منذُ ولدتُ .. يقولُ ليْ دائماً: اسمكِ عائشَة لكنّك خلقتِ سارَة .. وأبصرتِ النُورَ سارَة .. وستمُوتينَ واسمكِ سارَة !