الأربعاء، 30 ديسمبر 2009

أحاديثُ عمانيّة جداً (1)


عائشَة السيفيّ

** فيْ إحدَى إذاعاتنَا المحليّة يطلّ علينا كل سَاعة أو نصف ساعَة إعلانٌ عن مسَابقة خاصّة بالهواتف والأرقام .. يبثّ الإعلان بصوتِ امرأة تنطقُ الإعلانَ باللغة العربيّة الفصحَى ولكنْ بأخطاء مؤذيَة جداً لأذن السامع .. فكلمَة إذاعَة تحوّلت إلى "إزاعَة" وكلمَة "بيسَة" تحوّلت بقدرَة قادر إلى ما يُشبه برج بيزَا المائل وهي تنطقُ "بيزَا" .. وتحوّل الرقم ثلاثة إلى "سلاسة" .. نحنُ لا نطالبُ الإذاعاتِ بأن تبثّ لنا إعلانات منقّحة لغوياً وتشكيلياً حين البثّ لكن على الأقلّ الحفاظ على أساسيات نطق الحروف العربيّة صحيحة ..

ثمّة مذيعين في قنوات كبيرَة كالجزيرة وغيرها يعانونَ من لثغة الرّاء أو حرف آخر .. لكن في الإعلانِ السابق أعلاه يتمّ مزج نطق اللهجَة المحليّة لتلك الحروف مع النطق الفصيح لها .. أي أنّ المرأة لم تستطِع أن تفصل لهجتها المحليّة في نطق الحرُوف عن اللغة العربيّة الفصيحة التي بثّ بها الإعلان .. ألا يوافقنيْ مسؤولو تلك الإذاعَة الرأي؟!


** اعتدنَا في طريق دواماتنَا أن نقفَ كعشراتِ الآلاف من الموظفين على جانبِ إحدى محطاتِ الوقود لنطلبَ من محلّ التسوّق هنالك شاي عاديّ أو بالنسكافيه من الآلَة .. نخرجُ من جيوبنا "مئة بيسة" ونتوكّل مواصلين طريقنا للعمل .. الحالُ اختلف اليوم فتلك الآلات العتيقة استبدلت بآلات أطول وأعرض وامتدّت أمامنا عشرات الخيارات .. اختفى الشاي الذي بمائة بيسَة وحلّ محله الهوت تشوكليت والكاباتشينو إلخ..

كوبُ الشاي أو القهوَة المحترَم من الآلة الجديدَة لا يقلّ عن 400 بيسَة ! يا جماعَة حرام عليكُم ..

موظف عادي .. سائق أجرَة .. سائق شاحنَة .. يدفع يومياً 400 بيسَة مشان 100مل شاي

يرتفعُ السّعر 400% ! .. تطوّروا لكنْ ليس على حسَاب جيُوبنا .. اليَوم أصبحت لدينا فوبيا من شيء اسمه "تطوّر" لأنهُ سيقابلهُ في المقابل "خرفة كبيرَة" لجيوبنا .. أعيدُوا لنا الآلات القديمَة وضعوها بجانب الآلاتِ المتضخّمة تلك التيْ تعبئ أكواب الشاي وتعبّ جيوبنا في الجانب الآخر..

القهوَة الفرنسيّة واللاتيه والاسبريسو لذيذة .. لكن ليست للشربِ اليومي الذي يكسرُ ظهر موظّف مستور على قدّ حالهِ أو عامل بناء أو غيره ممن يماثلهُ الحالُ..

سألتُ البائع في المحلّ أين ذهبتْ آلة الشاي القديمَة؟ فقال .. خلاص تخلصنا معها وتعاقدنا مع شركة فلانيّة لتزويدنا بهذهِ الآلات في كلّ فروع المحلّ بالسلطنَة .. تمتمتُ : أبوي عاذرين عن الكاباتشينُو !


** في إحدى طاولاتِ الكوستا .. اقتربَ منا ذلك الشابّ .. بدا في أولى عشرينيّاتهِ بدشداشَة وكمّة عمانيّة .. دونَ أن ينبسَ بكلمَة اقتربَ ومدّ ورقةً إلينا وعادَ مبتعداً عنّا مسافَة متر .. نظرَة سريعَة على تلك الورقَة أخبرتنا أن الشابّ يطلبُ المالَ للمساعدَة في عمليّة جراحيّة تكلّف 5آلاف ريَال .. صرفناهُ بقليلٍ من المال فغادرَ باحثاً عن زبائن آخرين في الكافيه ليمدّ بورقتهِ إليهم .. بعضهُم أدخل بضع مئاتِ البيسة داخل الورقة والبعضُ الآخر صرفهُ خاليَ الوفاض ..

مشاهدُ كهذهِ أصبحتْ مألوفة ً جداً في مسقط .. امرأة ترتدي عباءة رأس أمام سُوبر ماركت في الخوض .. تجلسُ ساعاتٍ عند بابهِ تمدّ يدها سائلة ً الداخلينَ والخارجين .. من بينِ كلّ عشرة يقررُ واحدٌ أو اثنان أن يمدّ إليها بالمال .. وفي إحدى محطاتِ الوقود تطرقُ امرأةٌ وفي يدها طفلهَا الزجاجَ على سائقي السيّارات وهم يعبئونَ الوقود سائلة ً إيّاهم المال ..

آخر صرعَات التسوّل الاحترافيّة والتيْ كنت أسمع بها ولا أصدّقها لولا أني رأيتُها بأمّ عيني وقريبيْ يترجّل من السيّارة فيعترضه رجلٌ يرتدي غترَة إحدى دول الخليج المجاورَة وإليكُم سيناريو التسوّل الاحترافي .. يوقفُ الرجل أي رجلٍ عابرٍ أمامه .. يرصدهُ من بعيد ليرى نوعيّة سيارته ويقرر إن كانَ سيخرج منهُ بكم ريال أو لا .. يتوجّه إليه ويقُول له أنّ عجلَة سيارته ثقبت وأنهُ ذهب بها للجاراج ولكنهُ أضاع محفظتهُ واتصل بأصدقائه ولا يردّون .. ثمّ يطلب 20 ريال ويتبعها بطلب رقم هاتف الشخص الآخر حتى يردّ لهُ المبلغ حينَ يستعيدُ محفظتهُ .. رجلٌ "شدّة عدّة" لا يشتكي نقصاً ولا علّة .. غير قادر على العمل لكنهُ قادر على هذا التسوّل الاحترافي ..

يحكي لي قريبيْ عن صديقهِ الذي تعرض لنفسِ الموقف وأعطى ذلكَ "النصّاب" 80ريَال بعد أن حلّفه بأنه لا يكذب فأقسم الرجلُ وغادر وقد امتلأ جيبهُ بالثمانين ريالاً ولم يعد !

لم يعدْ غريباً اليوم مشاهدَة شباب مكتملي الرّجولة يمدُون بأيديهم للمارّة .. لا يستحُون فعل ذلكَ .. لكنّهم يترفعون عن العمل الشريف .. تجدُه بكامل أناقتهِ .. متحلّقاً ونظيفاً .. أصبحُوا عصاباتٍ تمارسُ التسوّل بحرفنَة !

أينَ هي وزارَة التنميَة الاجتماعيّة عن هكذا ظاهرَة بدأت تتفشّى بشكلٍ مقلقٍ مؤخراً .. ألا ينبغيْ تشكيل لجان للوصولِ إلى هؤلاء ومعرفَة ظروفهم الاجتماعيّة .. مثلاً إن كانَت تلك المرأة يصرفُ لها راتبٌ من الشؤون الاجتماعيّة أو إن كانَ لها معيل .. ومعرفَة إن كان ادّعاء ذلك الشاب بحاجتهِ لعمليّة جراحيّة صحيحاً أم لا .. فإن لم ينقصهُم شيء تمّ تطبيق إجراءات عقابيّة لهم .. فقد أصبحتْ أيديهم تلاحق العُمانيّ والمقيم .. والعربيّ والأجنبيّ وأصبحَ منظرهم مؤذياً وهم يرتدُون الزيّ العمانيّ ويمدُون أيديهم للرّايح والجاي .. لا نريدُ أن يتحوّل التسول لدينا كحالِ بعض الدولِ المجاورة ممن يحجزُ كلّ متسوّل منطقته الخاصّة للتسول وتطوّر عمليّة التسول إلى صناعة وعصابات تدرّ مئات الآلاف من الدولارات !


** جميلٌ هوَ التعمين .. وجميلٌ أنْ نسعَى إلى إحلال الشابِ العُمانيّ ومنحهِ الثقة في إدارةِ مشاريعهِ بنفسهِ بدلَ إسنادهَا للوافِد .. لكنّ الحلوَ لا يكمل دائماً .. والمثاليّات لا تتحقّق إلا فيْ المدينَة الفاضلة التيْ رسمها أفلاطُون فيْ أحلامهِ..

قبلَ سنواتٍ كانَ الوافدُ يفتحُ محلّهُ في الساعَة السادسَة صباحاً أو السابعَة على أقصى الحدُود فإذا ذهبتَ لشراءٍ شيءٍ ما من المحلّ وجدتهُ مفتوحاً في الثامنة .. أمّا اليَوم فحتّى التاسعة والنصف تجدُ المحلّ مغلقاً لأنّ صاحبهُ أو البائع/ة في المحلّ يكونُ في ذلك الوقت قد استيقظَ قبلَ قليل وشرَع في شُرب "الشاهي" في بيتهِ ..

اليَوم كلّما احتجنا لسلعَة ما أو غرض معيّن .. نحسبُ حسابنا أنّ المحل لا يفتح قبلَ التاسعَة وفي المتوسّط .. الساعة التاسعَة والنصف أو العاشرَة ..

وفي أيّام الجمعة تجدُ نصف المحلاتِ مغلقَة عصراً رغمَ أنّ صلاة الجمعَة انتهتْ قبلَها بساعات !

الرّزقُ يحتاجُ همّة ويحتاجُ دأباً .. لا أنْ نأخذ إجازاتِ نهايَة الأسبوع براحتنا كأنّنا موظفُون في قطاعاتٍ حكوميّة .. رغمَ أن الدوام الرسميّ للقطاع الحكوميّ يبدأ في السابعة أو السابعة والنّصف وهؤلاء يمددُون بداية دوام الصباح للتاسعَة والنصف والسَاعة 12ظهراً قفلوا عائدين إلى بيوتهم حتّى الساعة الرابعة أو الخامسة عصراً ..

نعم ، لا نعمّم هذه العادة على جميع الاخوة العمانيّين فثمّة بينهم المجدين والمجتهدِين على مشاريعِهِم ..ونعَم نحبّ للشاب العمانيّ أن يعمل ويحلّ محلّ الوافد .. لكن ليسَ بهذا الشكل الذي لا يمنحنا الثقة َ بهِ وبأدائهِ ..

ندخلُ المحلّ فيقابلنا مكشّراً عابساً .. لا نستطيعُ مجادلته .. فإن حاولنا ردّ علينا بفظاظة ..

إنْ كانتْ حكومتنا الموقّرة تدفعُ بعجلةِ التعمين للأمام فلتفعلها وفقَ أسسٍ ممنهجَة .. أقلّها إخضاع هؤلاء إلى دورات قصيرَة تدريبيّة حول أسس التعاملِ مع الزبُون أو أسس إدارة المشروع الناجح ..

إذ ايّ مشروع نتوقعُ لهُ النجاح تصلُ الساعة التاسعة والنصف صباحاً ولافتة "مغلق" على واجهةِ محلهِ بينما صاحبهُ لا يزال يشرب شاهي في بيتهِ؟

كما لأصحاب المحلات وأصحاب المشاريع التجاريّة حقّ في احترامِهم فإنّ للزبائن أيضاً حقّ في أنْ ينالُوا نفسَ القدرِ من الاحترام !


** "كلّما غفوتُ نصفَ ساعَة .. وجدتُ بيتاً جديداً بنيَ في الجوَار"

هذا مقطعٌ منْ إحدَى روايات إيزابيل اللينديْ وأجدنيْ أتذكّرهُ الآنَ والعمارات الشاهقَة تمتدُ في الجوانبِ على طولِ الطريق الرئيسيّ في مسقط .. جولَة صغيرَة في العاصمَة وحسبة بسيطَة تجعلكُ تدركُ حجم التمدد الإنشائي القائم لدينا في مسقط ولكن السؤال.. هل انخفضت الإيجارات؟

لا طبعاً .. يرتفع سعر الشقة مئة ريال من الخوض للموالح ومئة أخرى من الموالح للحيل ومئة أخرى من الحيل للغبرة أو العذيبَة ومئة أخرى حتى تصل القرم !

بحقّ كيف يستطيعُ موظّف جامعيّ يستلمُ راتباً شهرياً قدرهُ 600أو 500ريال .. يدفع إيجار شقة "أقل من عاديّة" سعرها لا يقل عن عن 250 أو 300 أن يشتري أرضاً ويبني بيتاً؟ ووراءهُ مصاريف ماء وكهربَاء وعائلة؟ فما بالك بشابٍ لا يملكُ شهادَة؟

حتّى الشقق اليَوم أصبحتْ ترفاً كبيراً !

كلّما غفونا نصفَ ساعة .. استيقظنا فوجدنا عمارَة تبنى في الجوار .. لكن هل تنخفضُ الأسعار؟

لا .. لأنّ هنالك من يدفعْ دائماً .. والفقير ليذهب ويبحث عن بيتٍ صفيح أو شقّة مبنيّة بموادّ مغشُوشة أو ليذهب ليسكنَ الكهُوف والجبال فهناكَ وحدها لا يطالبهُ أحدٌ بأن يدفعَ إيجَارات شقق ومعَ ذلكَ ستلاحقهُ كسارات صخور الجبال لتطردهُ إلى العراء .. آهِ لو كانَ الفقرُ رجلاً ..

الاثنين، 28 ديسمبر 2009




كطائرٍ يفكّر كمْ ضاقتِ السّماءُ على جناحيهِ ..

.

.


أفكّر كمْ ضاقَ وطنيْ عليَّ !

الثلاثاء، 22 ديسمبر 2009

الثقافـَة حينَ تصبِـحُ "cool" ! / رُدُهـات

عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com

لا تغيبُ المقاهيْ الثقافيّة عن الذّكر كلّما استعرضَ أديبٌ أو باحثٌ حركَة الأدب العربيّ القديمَة والمعاصرَة .. وتحضرُ مصر والعراق ومقَاهي الشّام في المقدّمة .. عبرَ مقاهيهَا الشهيرَة التيْ احتضنتْ كتاباً كباراً أهدوا الأدبَ العربيّ روائعَ الكتب ..

حينَ تذكرُ المقاهي في مصرَ يذكرُ في المقدّمة مقهَى الريش في القاهرَة الذيْ لمْ يكنْ واجهة ً ثقافيّة يتجمّع فيها المثقفُون المصريُون والعرب فحسب بلْ كان وجهة ً فنيّة وتشكيليّة بدأتْ فيمَا قبل ظهُور أم كلثُوم وعاصرتْ أم كلثُوم بحفلاتها التيْ أقامتهَا في ذلك المقهَى ..

مقاهٍ أخرى كثيرَة دخلت التاريخ لعلّ أبرزها مقهَى نجيب محفُوظ الذي اعتادَ روّاده أن يرَوا الرّجل العجوز بنظّارتهِ الكثيفَة يطلبُ شايهُ المفضّل من النادل .. يجلسُ يومياً في نفسِ الكرسيّ ، يطالعُ الجريدَة ثمّ يخرجُ قلمهُ ويكتُبُ .. كانَ نجيب محفُوظ واحداً من أبرز أدبَاء العربِ ممنْ روّجوا لثقافَة المقاهي الثقافيّة وارتبَاط حيَاة الكاتب بالمقهَى ..

رغمَ مرورِ ثلاثَة أعوام على رحِيل نجيب محفُوظ إلا أنّ مقهاهُ البسيط جداً في مظهرهِ والذي اعتَاد ارتيادهُ كلّ يوم يجتذبُ الكثيرينَ ممن يذهبُون خصيصاً للمقهَى ليتتبعُوا رائحَة الرجلِ الذي أغنَى المكتبَة العالميّة برواياتهِ الخالدَة ..

فيْ عُمان لا تزَال ثقافَة المقهَى مغمُورة جداً بيننا .. يفعلهَا المثقفُون الشباب بشكلٍ شخصيّ فيما بينهُم ، يتجمّعُون في نهاية الأسبُوع في مقهى ما لتبادلِ الحديث الثقافيّ وغير الثقافيّ .. إلا أنّ المقهَى كواجهَة ثقافيّة لإقامة الفعاليّات والأمسيات مغيّب تماماً في ثقافتنا كعمانيين ..

في البحرين وقبلَ أسابيع اصطحبنيْ بعضُ الأصدقاءِ إلى عددٍ من المقاهي والكافيهات الثقافيّة وقد دهشتُ فعلاً من تنظيمها وأناقتها ..

إحدى تلكَ الكافيهَات كانَ لامرَأة مصريّة مهتمّة بالثقافَة وكان عبارة ً عن جاليري مقسم لقسمين .. جزءٌ منهُ لروّاد الكافيه حيثُ توزّعت الطاولاتُ البسيطة التيْ تتوسّطها ورودٌ ورديّة وعلى جدرَان الكافيه عرضتْ أعمَالٌ فنيّة لفنانٍ تشكيليّ جزائريّ .. كانَ روّاد المقهَى يمضُون وقتهُم تارةً في الطاولات وتارة ً يغادرونهَا لمشاهدَة اللوحات المعرُوضة على الجدران وتصوِيرها .. وفي القسمِ الآخرِ من الكافيه ، عرضتْ لوحَات لفنانٍ تشكيليّ بحرينيّ عرّفني الأصدقَاء إليهِ بأنّهُ –إنّ صحّ حديثهُم- يشتغلُ حالياً على نحتِ شاهدَة قبر أدونيس .. صديقهِ الحميم .. وأنّ أدونيس يسافرُ بينَ حينٍ وآخر للبحرَينِ ليرَى ما نحتهُ هذا الفنان ..

هذا الجاليرِي يستخدمُ أيضاً لإدَارة فعاليّات ثقافيّة بداخلهِ .. داخلَ صالتهِ متوسّطة الاتسَاع نسبياً وقدِ اطلعنَا حينهَا على جدولِ أعمالٍ قادمَة سيحتضنهَا المقهَى ..

وبصرفِ النظرٍ فقد كانَ المقهَى بسيطاً في ديكُوره للغايَة .. لكنّه كانَ مدهشاً برسالتهِ التيْ يقدّمها للزبُون.. حيثُ يقدّم مع قائمَة الطعامِ ، جدولَ الأعمالِ القادمَة للترويجِ لها لدَى الزّبائن .. أليسَ هذا ما نحتاجهُ بالفعلِ في عُمان؟

في تلكَ الزيَارَة وضمنَ فعاليّات مهرجان الشّعراء الشّباب العرب أخبرنيْ المنظّمون أنّ الفعاليّة المخصّصة لإلقائي ستكُون في أصبُوحة تحتضنهَا إحدى المجمّعات التجاريّة في البحرين وحقيقة لم أكن قدِ استوعبتُ لتلكَ اللحظة أن الأصبوحَة ستقام في وسط مجمّع تجاريّ محاطين بالمحلات ومطاعِم المأكولات السريعَة .. أن يتحلّق كل جمعٍ منّا حول طاولة ونبدأ في إلقاءِ نصوصنا .. وفي الطريقِ إلى ذلك المجمّع التجاري كنتُ أشعرُ بالاكتئاب وأنَا أفكّر كيف سيبدُو مظهرنا والناس يتسوّقون في المحلاّت أو يطلبون الطعام من ماكدونالدز أو الكوستا أو غيره ونحن في الوسط نقيم تجمّعنا شعرياً ونرفع أصواتنا عبر المايكرُوفون بالشّعر..

قلتُ لصديقتي الشّاعرة السعوديّة التي كانت ستلقي معيْ في تلكَ الأصبُوحة .. كيفَ شعورك؟ فردّت ضاحكَة بنبرَة قلقَة : حاسّة أني رايحَة أستهبَل !

غيرَ أنني بعدَ ساعتين أيْ بعد انتهاء الأصبوحة كنتُ قد خرجتُ بفكرَة مختلفَة تماماً ..

كانَ الناس يواصلُون تسوّقهم بحركَة انسيابيّة دون أن يبدُو الاستغرَاب عليهم من فكرَة إقامتنا لذلك التجمع الشعريّ بمايكروفوناتهِ مكبّرة الصوت ربّما لتعوّدهم على هكذا فعاليّات ثقافيّة تقام وسطَ المراكز التجاريّة .. في الطاولات التيْ تتوسّط المطاعم السريعَة أقمنا فعاليتنا الشعريّة كانَ هنالك عددٌ من النَاس الذي يأكلُون .. حملُوا طعامهم وانضمُوا إلينا للاستمَاع وكانَ الجوّ مشجعاً جداً للإلقاء ، شاعرَة سوريّة جميلَة كانت برفقتنا علّقت بنبرَة جميلَة: يا الله كثير "cool" الواحد يعمل أمسيات بهاي الأماكن..

.. لقد خرجتُ من تلكَ التجربَة وأنا أفكّر: ترى لو أقيمتْ في عُمان فعاليّة ثقافيّة في طاولات المطاعِم السريعَة في السيتي سنتر أو البهجَة مثلاً أو مول تجاريّ هادئ هل سيكُون الأمرُ مماثلاً؟ ولماذا لم تجرّب أي مؤسسة ثقافيّة سواءً ممثلة ً في المنتدى الأدبيّ/ النادي الثقافيّ/ جمعيّة الكُتّاب العمانيّة/ وزَارة التراث والثقافَة ..

تجربَة النزُول إلى الشارع وصهر الثقافَة بالمكان العامّ .. حمل الثقافَة من منابرها الاعتياديّة إلى طاولات المقاهي السريعَة؟

ألا يستحقّ الأمرُ أن يحدُث ولو على سبيلِ التجربَة؟

اليَوم لم تعدْ دولَة تخلُو من وجُود الميادين الثقافيّة أو الفنيّة .. تلكَ التي لابدّ أن من سافر إلى دول كالمملكَة المتّحدة أو أستراليا أو الولاياتِ المتّحدة قد صادفهَا .. حيثُ تقَام أمام العامّة وفي مساحاتٍ مكشوفَة ومفتُوحة ، العرُوض الفنيّة والمعارضُ التشكيليّة والفعاليّات الثقافيّة المختلفَة التي تقَام أحياناً بشكلٍ محليّ أو فِرق خاصّة أو يتمّ استئجارها منْ قبل دولٍ أخرى لإقامةِ أيامٍ أو أسابيعَ وطنيّة ..

الخرُوج من جدرَان صالات المنابر الثقافيّة وحملها إلى الشاب العاديّ أو الشابّة العادية .. البحثُ عن أساليب جديدَة ليس في الثقافة نفسها فحسب بل في المكان الذي يحتضنُ الثقافَة .. كسر روتين الفعاليات الثقافيّة و إن لم تجد الفعاليّات من يَحْضُرُهَا من الشّارع العام فلتكنْ بالنزُول إلى الشارع العامّ وإغرائهِ ..

كمَا تطوّرت صنَاعَة النشرِ وصنَاعة الإعلان لتخرجَ من تابوهَاتها الاعتياديّة إلى الشارع والمركز التجاريّ والحدائق .. فإنّ صناعة الثقافة كذلك تستطيعُ أيضاً أن تحملَ من عقرِ دارها الاعتياديّ الذي لم يتغيّر منذ عشرين عاماً إلى الشارع والمركزِ التجاريّ والحديقَة إذ لو لمْ نغري شبابَ اليوم بوسائلِ الثقافَة الجديدَة ليحبّوها ويحترمُوها فمنْ يحمِلهَا عنا غداً ؟

[ عِقـَاب ! ]








يُعاقبنيْ رَجُليْ .. بمزيدٍ منَ الحُبِّ

يُحرجنيْ بالطفـُولةِ أكثرَ .. وَالعاطفـَة ..



أيّها المارقُونَ عن الحبّ ..

فيْ ح ـافّةِ القلبِ .. تُشنـَقُ أحلامنَا واقفـَة !

الأربعاء، 16 ديسمبر 2009

الشوفينيّة التيْ لا نعرفُ ! / رُدُهـَات

الشوفينيّة التيْ لا نعرفُ !

http://www.alwatan.com/dailyhtml/culture.html

عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com


وفقاً للموسوعة الحرّة ويكيبيديَا فإنّ الشوفينيّة تعنيْ فكرَةً متطرِفَة وغَير مَعقُولَة يتم بموجبِها التعصّب لمَجمُوعَة ينتمِي إليهَا الفَردُ، وخَاصّة عندمَا تتضمّنُ المجمُوعَة حقدَاً وكرَاهِيةً تجَاهَ أيّ فريقٍ منافِسٍ. حينَ خرجتِ الشوفينيّة كمصطلحٍ لم تكن تحملُ فرقاً كبيراً بينها وبينَ نظَام التعصّب العرقيّ الذي وضعَ أسسهُ علمياً عالمُ الاجتماعِ الأميركيّ وليَام سمنَر الذي عرّف التعصّب العرقيّ على أنّه النظرُ إلَى جمَاعَةٍ مَا علَى أنّها مرْكزُ كلِّ شيْءٍ، وَجميعُ الآخرِين يُوزنُون وَيرتّبُون بعدَهُم. غيرَ أنّ الشوفينيّة خرجتْ في القرنِ الأخير من كونهَا مصطلحاً إلى كونهَا أساس مركّب تتفرّع عنهُ مصطلحَات أخرى فالشوفينيّة لم تعد –كما خرَجتْ في بداياتِها- قائمَة على التعصّب لعرقٍ أو وطنٍ وإنّما حملتْ فكرَة التعصّب لأيّ مذهَب ، فكرَة ، حزبٍ سياسيّ ، ثقافيّ أو اجتماعيّ .. التعصّب لفكرَة خارجَة من أيّ تجمّع يهمّش أي تجمّع آخر غيرهُ ..

خرجتْ كلمَة الشوفينيّة إلى النّور –كما تشيرُ الكاتبَة لمى العثمان فيْ إحدَى مقالاتهَا- كاشتقاقٍ من حكَايَة أرّختها كتبُ التاريخ الفرنسيّة عن جنديّ فرنسيّ يدعَى ( نيكُولا شيفان ) وهوَ جنديٌ مشهُور خاضَ حروباً كثيرةً في جيش نابليُون وكانَ يتعصّب لسيَادة الامبراطوريّة الفرنسيّة على بقيّة الأعراق والدوَل .. وظلّ رغمَ إثخانهِ بالجراح في الحرُوب التي خاضها نابليُون متعصباً لفكرَة أنّ فرنسَا هيَ الأعلى ولا شيءَ آخر غيرها ..

تعصّب شيفان جعلهُ أساسَ اشتقَاق كلمَة الشوفينيّة التيْ تطوّرتْ لاحقاً إلى ما هيَ عليهِ الآن ..

الشوفينيّة ليستْ غريبة ً على الإطلاق عن التاريخ الانسانيّ القدِيم الممتدّ لآلافِ السنين منذُ عهدِ الرُوم والفرس اللذينَ كانَ ينادي كلّ شعبٍ منهمَا بسيَادتهِ على بقيّة الشعُوب الأخرى وبأحقيّته في أن يملكَ سلطَة الفوقيّة التيْ تخوّلهُ التعاملَ بازدرَاء واحتقَار لأيّ جنسٍ بشريٍ آخرٍ .. وعلى هذا الأسَاس امتدتْ هذهِ الفكرَة سوَاءً عبرَ قبائل العربِ القديمَة التيْ لا أبرز منهَا حرب البسُوس التيْ دفعتْ أجيالها حتّى بعد قرنٍ من الزّمان للتعصّب والحميَة للقبيلَة بصرفِ النظرِ عنْ كونهَا محقّة أو مخطئة ..واعتبَار أيّ مسّ بأي رمزٍ ينتميْ بشكلٍ أو بآخر لقبيلَة الفرد هوَ مسّ شخصيٌ وإهَانة لهُ ..

ولمْ يدفعْ ضريبَة الشوفينيّة كما دفعهَا الملوّنُون وخاصّة ً الزنوج الذينَ زجّ بهِم في هذهِ الدوّامَة التاريخيّة المتكرّرة .. أبرزهَا نظام الفصل العنصريّ الذي مارسهُ البيض باعتبَارهم الجنس السّائد وما سوَاه يندرجُ كتابع .. وبلغتْ مغالاةُ الشوفينيّة لديهم بتقسيم حكُوميّ رسميّ لمجتمع جنُوب أفريقيَا إلى تجمّعات يتم تقسيمهَا بناءٍ على تصنيفات كَـ أسود ، هنديّ وغيرهِ .. إلى حين فوز التجمّع الوطنيّ بقيادَة مانديلا ..

وإنِ اختفتْ مظَاهرُ الإفصاح عن سيَادة العرق إلا أنّها ظلت بارزَة حتّى في مجتمعاتنا العربيّة والخليجيّة تحديداً ، فهناكَ النظام القبليّ الذي يرَى باعتبَار أفرادهِ مميّزين عن بقيّة أفراد التجمعاتِ القبليّة الأخرى ولماذا نذهبُ بعيداً .. ففيما نتخطّى العقد الأول من الألفيَة الجديدَة لا تزال بعضُ القبائل ترفضَ زوَاج أفرادها من خارجها أو بناء علاقات اجتماعيّة مع التجمعَات الأخرَى بدُون أيّ فرضيّة علميّة منطقيّة .. ليسَ هذا فحسب بلْ إنّ هواتفنا لا تخلُو من النوَادر والنكَات التي تستهدفُ نطاقاً معيناً من الخلفيَات العرقيّة العمانيّة بحجّة الضّحك والفكاهَة رغم أنّها تكون مؤذيَة وجارحَة ..

الشوفينيّة هذهِ تدفع بالمقابل هذهِ الخلفيات العرقيّة إلى التعصّب لبعضهَا البعض .. ففيْ الشركات والمؤسساتِ تجدُ العمانيّ القادم من أصولٍ ما يتعصّب للقادمين من نفسِ أصولهِ الأصليّة .. وتجدُ مع مرُور الوقت تجمّعات قائمَة على العرق الأصليّ الذي قدمَ منهُ ذلكَ العمانيّ ..

لقد شهدتُ ذلك بنفسيْ في شركةٍ عملتُ بها في الصّيف في الصحرَاء .. فكنتُ ألمح هذا التعصّب في الوجبَات حيثُ يتجمّعُ كلّ فردٍ مع العرق الأصليّ الذي ينتمي إليهِ .. وكانَ في الوحدَة السكنيّة التي نقيم بهَا مطعمٌ لا يذهبُ إليهِ سوَى مجمُوعة معيّنة تجمعهَا وحدَة العرق الأصليّ واللغَة التي يتحدّث بها أفرادها ولا أحدَ آخر من خارجِ تجمّعهم يأتي معهُم ..

الشوفينيّة كتعصّبٍ ليسَت قائمةً على فكرَة السيَادة العرقيّة فحسب .. وإنّما المذهبيّة الدينيّة أيضاً .. فنحنُ مثلاً لا نقبل بأيّ شكلٍ من الأشكال انتقاد المذهب الدينيّ الذي ننتمي إليهِ ونتعصّب لأفرادهِ ولشيوخهِ ونثُور لتوجيهِ أيّ نقدٍ بحقّه .. بل إنّ مبلغ الشوفينيّة أن يرفضَ أفرَادُ مذهبٍ صلاةَ أفرادِ مذهبٍ آخر معهُ وخروج فتاوَى من رجالات مذاهبهِم بعدم جواز صلاةٍ يؤمهّا رجلٌ من مذهبٍ دينيّ آخر ..

وَليسَ ببعيدٍ عن عُمان فحينَ خرجَ كتابٌ لمؤلّفٍ عُمانيّ يفنّد وينتقد بشكلٍ موضوعيّ فكرة ً معيّنة ينادي بها رمزٌ من رموز الدينِ لدينا ثارتِ الدنيا ولم تقعد .. بلْ إنني أذكرُ أنّ صديقة ً لي كانت توزّع كتاباً كتبهُ ذلك الرمز الدينيّ للردّ على الكتابِ الأوّل مجاناً وحينَ سألتُها: هل قرأتِ الكتاب؟ قالت: لا ، لكنّ والدي قرأه وأعطانيْ هذهِ النسخ لأوزّعها مجاناً للطالبات معي..

الثقَافَة ليستْ بمعزلٍ عن هكذا تعصّب وتطرّف ليسَ أبرز منهُ ما تمارسهُ القنوَات الفضائيّة من تسييسٍ لقيم الشعب والقبيلَة بشكلٍ جاهليّ عبر برامجها الشعريّة التي تفتحُ أبواقها لشعرَاء يمتدحُ كلٌ منهُم قبيلتهُ ودولتهُ وعرقهُ .. ويصَابُ المتابعُ بالغثيانِ وهوَ يتابعُ تعليقات المشاهدينَ أسفل الشاشة التي تمثّل انحداراً لقيم الموضوعيّة وتكريساً لتعصّب التصويت ليسَ للنصّ الجميل والفكر المثقّف وإنما لفكرِ ابن القبيلة الذي يصوّتُ لشاعرِ القبيلَة ..

ومنْ ثمّ امتدت شوفينيّة الثقافَة لتضربَ صناعَة النشر لدينَا فالشّاعر الفلانيّ الكبير لا ينشرُ في دار النشر الفلانيّة لأنّ صاحبها وهوَ مثقفٌ آخر يتصادمُ فكرياً مع الشاعر ذاك .. وبناءً عليهِ يتحوّل ممجدُو وتابعُو ذلك الشاعر أيضاً لنفس توجّهاتهِ دونَ أساسٍ منطقيّ ..

شوفينيّة كهذهِ أصبحتْ مقزّزة ونحنُ نرَى الشعب والصحَافة والإعلام يكرّس لها بعد مباراة عابرَة مع دولَة شقيقَة تفوزُ فيها دولَة على الأخرى وتبدأ بقليلٍ من المناوشات وتنتهيْ بإحراق أعلام كلّ دولة في الدولة التيْ تنافسهَا ومنْ ثمّ تمتد لتحصدَ وفيّاتٍ وقتلَى من الطرفين وجيلاً بعد جيلٍ تكرّس تلك الفكرة وتترسّخ دونَ أن تكونَ قائمَة على أساسٍ غيرَ ترسّبات قديمَة صنَعتها لعبَة الكرَة والريَاضة .. ولسنَا في عُمان ببعيدينَ عن هكذا أجوَاء كانتْ حاضرَة جداً فيْ آخر خليجيّ كرويّ قبلَ عام ..

قبلَ أيّام وفيما كنّا في البحرين لنشاركَ في مهرجَان الشّعراء الشبابِ العرب كانَ بعضُ الشعراء القادمين من دولَة عربيّة اشتدتْ وطأة الخلاف بينها ودولَة أخرى إثر مباراة ممهّدة للتأهل لمونديال العالم .. كان شعرَاء إحدى الدولتينِ يحضرُون الأمسياتِ الشعريّة وقدْ حزمُوا رؤوسهم بأعلامِ بلادهم وكأنُهم داخلُون في معركَة قتاليّة وليسَ في تجمّع شعريّ يترفّع عن هكذا تفاهات .. ليسَ هذا فحسب بلْ إنّ أحد شعرَاءِ الدولتينِ أحرجَ المجتمعين وهوَ يمرّ بكاميرتهِ الفيديُو ليسألَ الشّعراء.. ما الذي تريدُون قولهُ للشعبِ الـ......؟ كلمَة توجّهونها لشعبِ ..... المجيد؟

بهذَا الشكلِ نتعصّب لمفاهيمنا دونَ أساسٍ واضح .. لا نقتنعُ بأيّ فكرَة سوَى أفكارنا ولو ناقشنَا لقرنٍ كاملٍ من الزّمان في صحّتها أو خطئها الطرفُ الآخر .. لا نقبلُ بالمسّ بأفكارنا ونعدّها مقدساتنا التيْ لا تطالها يدٌ ولا ينقِصُ منها الخطأ .. في حواراتنا شوفينيّون .. وفي منتدياتنا الانترنتيّة شوفينيّون .. وحتّى في نكاتنا التيْ نتبادلها ..

ليسَ صحيحاً أن الشوفينيّة انتهتْ بعد سقُوط هتلر الذي يمجّد لعرقهِ وأبناء شعبهِ أو بعدَ انتهاءِ فاشيّة موسوليني .. بل إنّ الشوفينيّة أصبحت فضفاضة ً أكبر واتّسع جناحاها لتشملَ تفاصيل حياة الانسانِ المعاصر الذي يجهلُ أن كثيراً من المفاهيم التيْ يعيشها في حياتهِ قائمَة على تعصّبه لفكرتهِ / مذهبهِ / عرقهِ / توجّهه السياسيّ أو مكانَة قبيلتهِ الاجتماعيّة .. ثمّة أزمَة شوفينيّة لمْ تستطع ثورَة التكنُولوجيا والعصريّة إخفَاء بقعهَا بالماكيَاج !

الأربعاء، 25 نوفمبر 2009

بينَ ازدواجيّة التديّن واللاتديّن..

http://www.alwatan.com/dailyhtml/culture.html#5

عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com

باستطاعتيْ أنْ أسمّيهِ "مقَالَ العام" بالنسبَة لما نشرتهُ هذا العام منْ موادّ ردهاتيّة .. مقاليَ الأخير الذيْ نشرتهُ قبلَ أسبوعينِ بعنوانِ "أن أكونَ متديّنة وصُورتيْ على الفيس بُوك" .. وأصدقكمُ القولَ أنّي كنتُ قد جهزتُ حينها مادّة أخرى كاستكمَالٍ للمادَةِ الأولى لتخمينيْ أنّ المقالَ سيثيرُ من الهجُوم الكثير لكنني صدمتُ فعلاً لردودِ الفعل الإيجابيّة التي أبدَاها القرّاء المجهولونَ خاصّة .. في بريديْ وفي حسابيْ على الفيس بُوك وفي مدوّنتي أسعدتني الردُود كثيراً وشعرتُ أنّ هنالك العشرَات ممن يفكّرون بنفسِ الطريقَة لكنّهم غير قادرين على تلخيصِ أفكَارهم وتقدِيمها علانيَة ..

قبلَ أيّام .. استضَافت جماعَة الخليلِ للأدبِ مجمُوعة من الكتّاب السرديينَ كان منهُم عبدالله حبيب وقد لفتتنيْ جملَة مؤثّرة قالها هي أنّ مجتمعنَا لا زالَ جديداً على النقد .. والنقد الصحيّ خاصّة .. النقد الموضوعيّ الذي لا يجرّح فيْ شخصِ كاتبِ النصّ وإنّما "يهزّق النصّ" نفسهُ ..

قال عبدالله حبيب: "نحنُ نخرجُ إلى الحيَاة وثقافَة النقد غائبَة عنّا .. لا نستطيعُ نقد المجتمعِ ، ولا السُلطة ، ولا الثقافَة .. لا نستطيعُ انتقَادَ أبوينَا ولا زملائنا ولا معلّمينا.. ولذا فإننا نخرجُ متشربينَ فكرَة رفض النقد حتّى وإنْ كانَ علمياً وغير عاطفيّ .."

لأجلِ ذلكَ كانَ من الطبيعيّ جداً أنْ يثيرَ ما ذكرتُ ردودَ فعلٍ معارضَة جداً .. معَ أنّ كثيراً من الكتّاب العرب كتبُوا عنِ "ازدواجيّة التدين" خاصّة ً في الوطن العربيّ لدينا ، رغمَ عدمِ انتشَار كتاباتٍ كهذهِ فيْ عُمان .. ونحنُ حينَ نمسّ هذهِ الخطُوط نقابلُ في الجهَة الأخرَى بردود أفعالٍ غريبَة بعيدَة عن الوسطيّة ..

لعلّها كانت قليلَة .. لكنّها فعلاً تستحقُ تسليطَ الضّوء .. بعضهُم بعثَ يقولُ ليْ أنتِ العضوُ فلان وفلان اللذينِ يدافعانِ عن أفكارك في مقالكِ المنقولِ بمنتدَى الانترنت الفلانيّ والحقيقَة لم أستغرِب أن أتّهم بالتخفّي تحت اسم مستعارٍ رغم أنّي لم أفعلها في حياتي كلّها سوَى بمعرّف واحد أتسوّق بهِ في إحدى منتدياتِ الانترنت ولا أحبّ أن ينتهكَ أحدٌ خصوصيّتي

الإشكاليّة الحقيقيّة أن ظنّ الكثيرين في أنّ الكاتبِ يدافعُ عن نفسهِ باسم مستعَار لأنهم غير قادرينَ على التفكيرِ أنّ هنالكَ آخرين ممن يفكّرون بنفسِ تفكيرهِ .. أنا لا أعرف على الإطلاقِ أيّ كاتبٍ منتدياتيّ باسمٍ مستعار .. لكنّ ما أدهشنيْ هوَ غيَاب الوسطيّة في التعاطيْ مع أيّ فكرَة حوَار .. وتحسّس كل أحدٍ البطحَة على رأسهِ خاصّة في المنتديات وكأنني من أقصدهُ شخصياً في قاليْ فهذا يقولُ هي كتبتْ بناءً على نقدي السّابق لها.. وأنا يا جماعَة لم أكتبْ لا عن مداخلَة فلان الانترنتيّ ولا عن علان..

أكثر ما أدهشنيْ يا أصدقاء هو تلقيَّ رسائل منْ مجهولينَ يشكروننيْ على المقالِ وخاتمينَ رسائلهم بِ "تيّار اللادينيين العمانيين" ، وكأننيْ كرّستُ لمفاهيمِ إبعادِ الدينِ عن تصرفَاتنا في الحياة .. وهوَ ما لم أعنهِ على الإطلاق.. ثمّة تطرّف في التعاطي وفهم أفكَار المقالاتِ الناقدَة لتصرفاتٍ تربطُ بالدين وقد لا تمثلهُ بشكلٍ من الأشكالِ..

مقاليْ الطويل جداً لخّصهُ أحدُ القرّاء المثقفين في مداخلةٍ صغيرَة للغايَة أجدنيْ لا أستطيعُ تفويتها أمامكُم وهيَ لمثقّف انترنتيّ اسمهُ ناصر العميريّ قالَ في تعليقهِ:

(الفهم الخاطئ للدين والانتقائية (Selectivity) في تطبيق الممارسات الدينية... كل هذا يقود إلى الأفكار المريضة وازدواجية المعايير(Double Standards)... الانتقائية مثل حمل الفتاة للعطر حرام وعيب... أما سرقة واجب زميل فشئ عادي...
ازدواجية المعايير مثل: شيء طبيعي أن تكون صوري في الفيس بوك لأنني رجل بينما يعتبر عيبا و عارا أن تضع عائشة السيفي صورتها المحتشمة في مدونتها...
أيضا هناك مسافة هائلة بين ما نؤمن به وبين ما نطبقه في حياتنا اليومية... هذا يؤدي إلى التعارض، مثل الغيبة والنميمة حرام... لكن شاعرنا-في المقال- لا يتورع عن اغتياب زميلته وتلويث سمعتها... وأراهن لو سألناه لقال أنه لن يغتاب أحدا أبدا...لأنّ الغيبة حرام)

أوْ ظنّ بعضهم أنّي أرمي باللمزِ إلى الملتحينَ في المجتمعِ وكأننيْ أحتكرُ ازدواجيّة استخدام الدين عليهم فقط وهوَ ليسَ صحيحاً على الإطلاق

بلْ أغلب الفئات التيْ ذكرتها في موضوعيْ من الرجالِ خاصّة هم أشخاصٌ غير ملتحين يحضرُون الدين فقط حينَ "يدقّ" في مزاجهم .. ويقصُونه وقتما شعرُوا أنه يتنافى مع ما يودّون فعلهُ ..

يظنّ كثيرُونَ أنّ الازدواجيّة مرتبطَة فقط في استخدامِ الدين لكنّ هذا ليسَ صحيحاً على الإطلاق .. فالآخرينَ الذينَ يعارضُون استخدامَ الدين كطريقَة حياة نادراً ما نجدُ منهُم المعتدل .. وهوَ ما ألمحهُ في كتاباتِ كثيرٍ من المدوّنين ..

مؤخراً سادتْ موضَة الانتقاص من الدين بين المدوّنين الخليجيين .. وقد كنتُ أقرأ في كثيرٍ من الأحيان مواضيعَ متطرّفة للغايَة لا مبرّر لأصحابها سوَى رغبتهم في الانتقاصِ من فكرَة الدّين .. ومن يطبّقه ..

وأصبحتْ على الجانبِ الآخر تدارُ "قهاوي" المقالات والحكَايات عن فئات "المطاوعَة" المتعارفُ على تسميتهم بهذا الاسم في مجتمعاتنا رغمَ تحفظيْ على ذلك ..

ومنْ ثمّ شهدَ العامانِ الأخيرَان نشر عددٍ من الرواياتِ الخليجيّة تتركّز حولَ نفسِ النقطة ..

سأقولُ لكم أنيْ أستغربُ من مدوّنين ينادُون بقيم الحريّة والانفتاح على الآخر ويهاجمُون فئات كهذهِ من المتدينين بصيغَة الجمعيّة وهوَ أبعد ما يكُون عن مهنيّة الطرح ..

أذكرُ مرة ً على الفيس بوك كانَ هنالك شاعر خليجيّ علاقتيْ جيّدة معه لكننيْ كنتُ في كلّ مرة أراهُ يلطّش في الكلام.. وآخر ما وصلنيْ منهُ على صفحَة الفيس بُوك كانَ في عيد الفطر وقد علّق قائلاً : (كيف حال إلهِ الذبح والدم لديكم .. هل شبع من ذبائحكم؟) أوْ قبلها وهوَ يسخر من اختلاف أوّل أيام العيد من دولَة لأخرى حسب رؤيَة القمر .. وهوَ يقول ( هل أذن ربّ القمر في عاصمَة الدولة فلانيّة بالعيد ورفض ربّ القمر فيْ الدولة الأخرى ببدءِ عيدِ عبادهِ؟) وكانتْ كلّ ردودهِ على هذا المنوَال ..

فرددتُ عليهِ قائلة ً : (أيها الأخ الكريم .. تنادي باحترامِ آرائك وحريّة مبادئك وتدّعي الليبراليّة وأنت غيرُ قادرٍ على تطبيقِ أبسطِ معتقدَات ما تنادي بهِ وهوَ احترام مقدّسات الناس وأنتَ تلطّش عليها برماحكَ يميناً وشمالاً .. أهذا ما علّمتكَ إيّاهُ حياةُ الحريّة التيْ تعلكُ بها طوالَ الوقتِ؟)

نفسُ الفكرَةِ كرّرها رجلٌ آخر يدعيْ ما يدعيهِ سابقهُ .. وكنّا في جلسَة على هامشِ مهرجَان الشارقة قبلَ عامين .. كنّا نتحدّثُ عنْ ازدواجيّة تطبيقِ المفاهِيم لدَى كثيرٍ من المتزوّجين .. فالزوجُ يحلّ لهُ أن يفعلَ كذا وكذا بينما لا يحلّ للزوجَةِ ذلك رغمَ عدم رفض الدينِ لفعلها ..

فعلّق أحد الحاضرين بطريقَة ملفتَة جداً قائلاً أنهُ يؤمنُ بالمسَاواةِ ولذلكَ فإنّه حلفَ على زوجتهِ في أوّل يومِ زواج وهما في الطريق للمطار قائلاً : (والله ما تطلعين للمطار إلا وانتِ خالعَة زي ما أنا خالع ) .. ألقاها وكأنهُ يلقي نكتَة ظريفَة ثمّ أكمل: ومن يومهَا تعوّدت زوجتي على الخروجِ دونَ حجاب..

كنتُ أديرهَا في رأسيْ وأقولُ لعلّ تفكيريْ قاصرٌ في فهمِ ما قالهُ وفيْ فهمِ نكتتهِ التيْ أضحكَتِ الجميع ..لكنْ بأيّ منطقٍ يعتبرُ أنّ إجبار الزوجِ امرأتهُ على تطبيقِ مفاهيم لا يمارسهَا باسمِ الدّين هوَ ازدواجيّة لكنهُ لا يعتقدُ أنّ إجبارهُ امرأتهُ على خلعِ حجابهَا هوَ أيضاً انتهاك لمفاهيم حريّة الفكر والمعتقد التيْ ينادي بها !

حياتنَا مليئة بهكذَا مفاهيم .. الفصل بينَ ما نؤمنُ بهِ وما نمارسهُ .. تقولُ الأمّ لطفلها لا تكذب بطّيح النار.. لكنّه في جلسَة واحدَة برفقتهَا وهي مع جاراتهَا يكتشفُ أنّ أمّه "بطّيح النار كثيراً" ..

ويسمعُ معلّم التربيَة الاسلاميّة وهوَ يقدّم درساً في الأمانَة وإخلاص العَمل ومراقبةِ اللهِ لنا في كلّ ما نفعل .. لكنّ الطالب يلمحُ المعلّم وهو يتغاضَى عن طلابهِ وهم يغشُون في الامتحان ..

نماذجُ كهذهِ صادفتُها ولابدّ أن كثيراً منكُم صادفهَا .. كلّ هذا يميّع مفهُوم حضُور الدين لدينا ونبدأ شيئاً فشيئاً بالإيمان أننا نحنُ السلطة المخوّلة ونحنُ المرجعيّة العليا في انتقاء الدين واختيَار وقتِ إسقاطهِ على تصرفاتنا ووقتِ إقصائهِ ، وحتّى حينَ ندعيْ الحريّة والليبراليّة وننادي باللاتدين فإننا بطريقَة وبأخرى ننافي أبسط قيم ما بنينا عليهِ ادعاءاتنا وهوَ الموضوعيّة في رفضِ ما لا نؤمن بهِ دون الانتقاص أو التجريح غير الموضوعيْ ودونَ أن نكونَ متطرفين في آرائنا .. لأنهُ صحيحٌ جداً أن الحريّة كذلك قد تكونُ متطرّفة ومزدوجَة حين ننادي بها ولا نستطيعُ جعلها وسيلَة لاحترام شعائر وإيمانيات الآخرين .. المتدينين تحديداً ..

نعم لدينا ازدواجيّة في التدين ، شئنا أم أبينا وأراهن أن أحداً منكُم صادفها ولو مرّة في حياتهِ .. ازدواجيّة كهذهِ كانتْ سبباً في تنفير الكثيرين من حضُور الدين في حياتهِم ..

ازدواجيّة كهذهِ .. تنبّأ بها القرآنُ قبلَ 15 قرناً حينَ تنزّل عزّ وجلّ قولهُ .. ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾

السبت، 21 نوفمبر 2009




وَ .. لعلّيْ !


حينَ تكتظّ مسَاءاتيْ أصلّيْ ..


لحبيبٍ وقعهُ فيْ القلبِ .. من وقعِ التجـلّيْ !
.
.
عائشَة

الجمعة، 20 نوفمبر 2009

كفَى مَوتيْ بأنّ دميْ حزين ٌ
وكيفَ يموتُ منْ دَمـُهُ حزينُ ؟!
.
.

عائشَة

الأربعاء، 18 نوفمبر 2009

عن ندوَة المرأة.. وهذيانات "حريميّة" جداً !

لم تتم إجازَة المقال للنشربالجريدَة
.
.
عائشَة السيفيّ
أراجعُ مع رئيسيْ في العملِ بعضَ الحساباتِ فيدخلُ مهندسٌ من دائرَة أخرى ليقدّم ورقَة لرئيسي قائلاً : خذ ، هذا قرار جديد صادر مطلوب توقيعك .. أطالعُ القرار بفضول فيقدّمه ُ رئيسي في العملِ لي فأقرأ في القرار ..أقر أنا الزوج( ..... ) بعدم ممانعتي لخروجِ زوجتي ( ....)من البيت في الساعة (..) وذلك يوم ( ..) متوجهة ً إلى (.... ) مع عودتها في الساعة (.... ) فيما انفجرَ المهندس ضاحكاً بالقول : هذا القرار من إفرازات ندوة المرأة !يغادر المهندس فيدخل آخر ويقرأ القرار "المفتعَل" ضاحكاً ويقول : هذا بو تستاهلنه ، الدخول والخروج من البيت بتصرِيح .. عب نحن الرجال من يسوي لنا مؤتمرات؟ حينَ عدتُ إلى طاولتيْ سألني زميلي في المكتب المجاور: عائشَة ، يعني بشو طلعتن من هالمؤتمر؟ ، ظللتُ طويلاً أفكر ثمّ أجبت : يا ود الحلال لا تستعجل ، القادمُ أجمل !
(***)
بعد انقضَاءِ الندوَةِ بأيام اتصل بي زميلٌ صحفي ليسألني ما رأيي في ندوة المرأة وهل أدّت دورها المعوّل عليه؟ فأقولُ لهُ : والله ما المسؤولُ بأعلم من السائل ! بعدَ مقالي الذي كتبتُ فيه عن صديقاتي المجهُولات بعث لي أحدُ الكتّاب العمانيين قائلاً : ( مقالك جميل يا عائشة لكن قولك في المقالِ أنّ الندوة تعقدُ على جانبٍ عال من المستوَى والحرفيّة .. هذا عليهِ كلام! ) .. قلت له : (لماذا؟ هل تريدني أن أشتم بها وهي بعدُ لم تبدأ؟ ) فردّ قائلاً : ( لم يطلب منكِ أحدٌ أن تشتميها لكن أحداً أيضاً لم يطلب منكِ أن تتملقيها ! ) ..
(***)
مضَى أسبوع وأسبوعان وآخران غيره بعدَ الندوَة .. وأنا أفكّر .. ما الذي قدمتهُ لي الندوَة كفتاة عمانيّة؟ ما الذي استفدتُ أنا منهُ كمواطنة عمانيّة بعيداً عن كل المسميَات الثقافية التي قد تحضر معي.. ما الذي من الممكنِ أن تغيرهُ هذه الندوة في حياتيْ أنا كفتاة عمانيّة تعيش على هذه الأرض كأيّ امرأة أخرى هي إيمان أو فاطمة أو علياء !وما الذيْ خرجتْ منهُ نساؤنا المدعوّات للندوة .. بملابسهن المكويّة النظيفة وعباءاتهنّ المزركشة .. وحقائبهن غالية الثمن .. وبأناقتهنّ التي تشدُ المشاهد وهوَ يطالعهنّ في شاشة التلفزيون التي تنقلُ تفاصيل الندوة أولاً بأول.. من حضر من النساءِ العمانياتِ للندوةِ! ومن غاب أو غُيِّبَ عنها؟

حسناً .. ظالمٌ جداً القول أن الندوة لم تخرج بتوصيات جيّدة جدا..ومن الظلمِ بمكان أن نحكم بفشل الندوة من نجاحها .. لأن نجاحها يقاسُ على المدى البعيد .. وأي نعَم ، الحَاجة موجودَة لهكذا ندوات .. وهي كأوّل ندوة تعدّ بداية موفّقة لاستصدار قوانين وحقوق جديدة تخصّ المرأة ودورها في المجتمعِ سياسياً واقتصاديا إلخ..

لا أودّ أن أكون متطرفَة في آرائي .. مستعجلَة في أحكاميْ .. وهجوميّة .. لكننيْ حزينَة .. حزينَة لأنّ ليس باستطاعتي أن أقدّم لنسائنا العمانيّات المهمشات أكثر من كلمة في جريدَة أو مدونة .. وحزينة أكثر لأن المرأة نسيَتِ المرأة.. ولأن الندوة أقيمت بنسائها المدعوّات "بالبطاقات" فقط !
حزينَة .. لأنّ "وطني حزينٌ أكثر مما يجب" .. ونساؤهُ كذلك ..
ثمة كلام ينبغي أن يقال.. لعلهُ هذيان .. لعلهُ أدخنة مجنونَة صعدت في الهواءِ واختفت.. هنا هذيانُ امرأةٍ عن ندوَة المرأة ..

(***)
يحدثنيْ أخي القاطن في إحدى بيوت الخوض المستأجرة التي يقصدها طلابُ الجامعة عن المرأة القاطنة جوارهُم .. التي كثيراً ما يسمعُ صراخها وزوجها ينهالُ بالضرب عليها .. ترى هل عرفتْ تلك المرأة بأنّ ثمة ندوة في الجوار تقام لتكريس حقوق المرأةِ العمانيّة؟ ترى لو عرفت هل كانتْ وقفت وسألت: أيها المجتمعون؟ أينَ حقوقي أنا؟
ليت الندوَة خرجتْ ولو استناداً على أرشيف قضايا العنف في المحاكم بقراراتٍ تخدم المرأة العمانيّة المعنفة.. مثلاً خط ٌ للتبليغ عن حالاتِ العنفِ والاعتداء الجسدي والجنسي .. خطٌ ساخنٌ يستطيعُ من خلاله أي فردٍ أن يؤدي دورهُ في حمايةِ امرأة مستضعفة يعتدي عليها زوجها أو أخوها أو أيّ شخصٍ آخر ..سألتُ قبل أن أكتبَ هذا المقال الكثيرين إن كانَ ثمة وجود لمثل هذا الخط فنفى الاغلبية..
فإن كان هذا الخط موجوداً .. ألا يستحق أن يروّج له في الشوارع والمحلات والواجهات التجاريّة؟إن كانت هؤلاء النساء المُعتدى على حقوقهنّ مجبرات على السكوت أو عاجزاتٍ عن كسر خوفهنّ فلماذا لا نترك للآخرين المجهولين فرصَة التبليغ عن حالاتهنّ الانسانيّة دونَ أن يعرفَ أحدٌ بهويّة المبلّغ؟
ولماذا لم تكلّف أي من نساء المجتمع البارزات نفسها بتكوين جمعيّة حقوقيّة للدفاعِ عنهنّ مجاناً؟ مجموعة محاميّات أو قانونيّات مثلاً ! أو تشكيل لجان توعيَة للنسَاء اللاتي يجهلنَ حقوقهنّ في ضمان معاملة كريمَة لهنّ..
(***)
قبلَ عامٍ من الآن.. لم يكنْ حديث النساء الشاغل في مدينتنا سوى عن المرأة العجوز التيْ استنكرتها جاراتها صباحاً وحين ذهبن إلى بيتها وجدن العجوزَ غارقة في دمائها بسبب اقتحام أحدهم لمنزلها واغتصابهَا .. العجوز العمياء تعدّت التسعين من العمر.. حملتها جاراتها بجسدها المليء بآثار العنف والكدمات التي أحدثها ذلك الحيوان البشري وغطينَ آثار الدماء وحملنها للمستشفى ليخبرنَ الأطباء أنها سقطت ودونَ أن يكلفَ الأطباء نفسهم بتفحصِ صدق تلك النساء من كذبهنّ منحوها سقايَة وانتهَى الأمر ..
أذهب مع أمي لزيارة إحدى قريباتنا فأسمع امرأة تقول لأخرى: سمعتِ ما حدث للعجوزِ فلانة؟ فتجيبُ الأخرى: نعم سمعت بس تراها ما أول مرة تصير لها!امرأة في التسعين من العمر .. لا ابن لها ولا ولد.. سوى أخٍ كان يسمحُ لها بالنوم ليلا في بيتهِ إلا أن تبوّلها اللا إراديّ جعلهُ يرفض استقبالها حتى لترفِ قضاء الليل في حمايةِ بيتهِ ..من يحميْ هذه المرأة؟ ومن يؤمن لها حياة كريمة في مشيبها؟
لماذا لا تؤجد ملاجئ لمثل هذهِ النساء الوحيدات.. كنتُ سألتُ قبل ذلكَ إن كانَ ثمة وجود لها فسمعتُ أن ثمّة ملجأ لكبار السنّ لكنهُ غير معلن حتى لا يشجّع الأبناء على عقوق آبائهم وأن استقبال نزلائه يتم بقرار وزاريّ شخصي ..والسؤال.. هل سيفكّر ابنٌ على وضعِ أبيه في ملجأ إن لم يكن عاقاً بالفعل؟ ، فلماذا لا نضمنُ لهم على الأقل أدنى مستويات العيش الكريم في آخر سنين عمرهم؟
لماذا ننكل بهم تحت رحمة ابنٍ عاق!وهذهِ المرأة المقطوعة من لها؟ ومن يتكلّم باسمها؟ هل ترى فكّرت أي من النساءِ الجميلات المتأنقاتِ وهن يحضرنَ تلك الندوة ويناقشنَ وضع المرأة اجتماعياً أن حالاتٍ كثيرة كهذه المرأة موجودة في مجتمعنا تحتاجُ أصواتهنّ ومساعدتهنّ؟
(***)
بعد الندوةِ بأيّام اتصلتْ بي معلمَة وهي تكادُ تبكي محتجة على قرارٍ وزاري صادر بإلغاء إجازة مرافق مريض وبدلا منها تحديد 5 أيام كإجازة طارئة كحدٍ أقصى..المعلمَة التي يعاني اثنان من أطفالها من فقر الدم الحادّ ودعتني بسؤالٍ متعبٍ جدا وهي تقول: "أولادنا يا عائشة شو نسوي بهم؟ كيف تطالبني وزارة التربية والتعليم أن أخلص في عملي وأذهب للمدرسة وأدرّس طالباتي حصّة ولا أروع .. ولدي طفل صغير يرقدُ في المستشفى يتلوّى ألماً؟"
كنتُ أفكرُ أن القرار لم يخرج إلا لأن كثيرين أساؤوا استخدامَ إجازة مرافق مريض ، لكن يا جماعة.. امرأة عاملة لديها ثلاث أو 4 أطفال.. ألا تعتقدونَ أن 5 أيام إجازة طارئة هو قرارٌ مجحف لكل أمٍ لا يمرُ العام دونَ أن يمرض أطفالها مرتين أو ثلاث في السنة ..
أليسَ هذا محاربَة لأمومَة المرأة العاملة؟ ترى ما الذي استفادت منهُ عشرات الأمهات المعلمات من ندوة المرأة التيْ خرجَ القرار بعد انتهائِها بأيام؟ما الذي قدمتهُ ندوة المرأة للأم العمانية العاملَة التي لا تملكُ ساعَة رضاعة يوميّة كالتي تملكها نظيراتها الخليجيّات وأقربها البحرينيّة مثلاً؟
(***)
قطعَ علي كتابة هذا المقال اتصالٌ من صحفيّ .. سألني هل أنتِ مشغولة؟ قلتُ له أكتب ردهات عن ندوَة المرأة! فقالَ لي: لديك تحفّظات؟ .. قلت له نعم.. فقال لي: يا ستي لا تكتبي .. أنت أكبر مستفيدَة.. كل 17 أكتوبر من كلّ عام سيقيمون أمسية شعريّة وسيدعونك لإحيائها وستربحينَ من خلفها نقوداً ! ما الذي تريدينهُ أكثر من ذلك؟
(***)
جميلةٌ تلك الندوة .. ظهرتْ فيها نساؤنا العمانيّات مبتهجات.. سعيدات بالنقاشات فيها.. ظهرت الطاولاتُ أنيقة ومهندمَة والأضواء هادئة والديكور جميلٌ للغاية.. كانَ كل شيءٍ جميلاً جداً ومشجعاً على التقاط الصور ونقلها في التلفزيُون .. لكنّ فاطمَة التي تحمل بطاقة شخصيّة غير مختلفة عن المدعوّات وتحمل جواز سفر عمانيّ ككل المشاركاتِ في الندوة ..
كانت لا تزالُ تتعرضُ للضرب من زوجهَا.. والعجوز التيْ اغتُصِبت .. عادت إلى بيتها الطينيّ بينما مغتصبها يسيرُ ربما أمام البيت يومياً دون أن يعرف أحدٌ أنه من اعتدى عليها.. والمعلمَة تلك واصلت طريقها إلى مدرستها وطفلها الصغير راقدٌ في المستشفى .. والندوَة انتهتْ وعادت المدعوّات كلٌ إلى حياتها.. حضرَ كلّ شيءٍ في تلك الندوة.. وغابتِ المرأة العمانيّة التي لا يعرفها أحد .. تلك المخفية في حواري القرى .. وأزقّة المدن.. تلك التي لا تملكُ عباءة مكويّة لتظهر بها أمام عدساتِ الكاميرَا !

لأنـّهُ وطنٌ ..






وها أنَا طفلة ٌ في البحرِ سابحة ٌ
يقبّل الموجُ أضلاعيْ ويحتضنُ

أقولُ للبحرِ سلّمْ ليْ على وطنٍ
خبّئتهُ فيْ فمٍ قيثَارهُ الشجنُ

أغمضتُ عينيَ حتّى ملّ من وسنيْ
ظلّيْ وأشغلنيْ عنْ فقدِهِ الوسنُ

وفي فميْ الزمنُ المطعُونُ يصلبنيْ
وقدْ يموتُ على فرطِ الأسَى الزّمنُ

ها الرّيح ، هالليلُ .. ها صوتيْ يعمّدنيْ
سجّادة ً فيْ ثراها نائم ٌ وطنُ .

.مضيتُ دونَ دميْ .. أشكُو إليهِ دميْ
كالرّوحِ إنْ خَانها في حزنهَا البدَنُ

وها أنَا الرّيحُ تذرونيْ وتجمعنيْ
وليسِ ليْ من نجاةِ الرّيحِ مؤتمَنُ

يا صاحبَ السّجنِ نزّهنيْ .. أنا لغة ٌ
عذرَاءُ يعبُدنيْ .. شِعريْ ويفتتنُ

واكتُب على الرّمل .. لا يفنَى المكان بها
ولا تشيخُ وإنْ شاختْ بها المدنُ

ولا تموتُ وإنْ يعرَى الرّجالُ بها
ولا تضيقُ ولو فيْ جوفِها دفنُوا

وسوفَ تحيَا حيَاة َ الصّمتِ يمنحهُ
الغيابُ قبلتهُ الكبرَى ويحتضنُ

نذرتنيْ أنْ أكونَ البحرَ فيْ جسدٍ
لا تمتطيْ قِفرَهُ الأفلاكُ والسّفنُ

وها أنا فيْ دميْ أغرقتنيْ جسداً
كقاربٍ ملّ منْ أسفارهُ الوَهَنُ

لكنّهُ لنْ يوَارَى لوْ بهِ غرقَ الموتَى
ونامتْ على أجداثهِ المحنُ

لأنّهُ وطنٌ مستوطنٌ وطنا ً
وكيفَ فيْ البحرِ يلقَى حتفَهُ الوطنُ؟

.
.
عائشَة السيفيّ

الثلاثاء، 10 نوفمبر 2009

أنْ أكونَ متديّنة وصورتيْ على الفيس بُوك !

عائشَة السيفيّ
ufuq4ever@yahoo.com



أتلقَى عادة ً بين الحين والآخر تعقيباً على مقالاتي رسائلَ غاضبَة من أشخاص مجهولين يتهمونني تارةً بالعلمانيّة وتارةً بالليبراليّة وتارةً بأنني متحرّرة وقد يأتي أحدهُم للقولِ أنّ أفكاري تشكلُ خطراً على "فِكر المرأة العُمانيّة المحافظَة" إلى آخرهِ من رسائل قد يتعرّض إليها أيّّ كاتبِ صحيفَة فما بالكُم بكاتبة قادمَة من بيئَة محافظَة جداً كبيئتي؟
ويهاجمنيْ آخرون لوضعِي صورتي في مدوّنتي وأنّ ذلكَ يخالف الدين رغم أني أضع صورتي بحجابي الكامل دونَ أن أخرج عن الذوق العام في الحشمَة كأيّ صورة أخرى منشورة في الصحفِ أو كصورة أيّ فتاة محجّبة تمشي في الشارع !
وتصبّ أغلبُ هذهِ الرسائل على دعوتيْ إلى "التديّن" أو كمَا قال أحدهم (العودَة الحقيقيّة للدين) وإعادة النظر في منهج الكتابَة التي أنهجُها من بَاب قولهِم أنّ الدين يكرّس ارتبَاط مفهومين همَا المرأة والستر .. والكتابَة تتنافى معَ هكذا مبادئ ..
خلاصَة القول أنّ أغلبَ هؤلاء يُقدّمون في رسائلهم بطريقَة أو بأخرى مفاهيمهم الخاصّة في فهم التديّن كأسلُوب حيَاة وكفكر .. وهوَ ما يدفعني للتساؤل: ما هي فكرتنَا عن التدين؟

مؤخراً نشرت قناةُ البي بي سي درَاسة نقلتهَا عن معهدٍ ألمانيّ أقام دراستهُ عن التدين على شريحَة واسعة من الألمان ومن المعروف أنّ ألمانيا من أكثر الدول التي تشهدُ التنوع الدينيّ وحريّة ممارسة العبادة كما أنّها تفتح المجال واسعاً للملحدين والطوائف الأخرى بإعلان أفكارها ومعايشتها جنباً مع جنبٍ مع بقيّة الأديان .. الدراسة شملت كافّة الأديان .. المسلمين اليهود والمسيحيين بطوائفهم المختلفَة وخلصت الدرَاسة إلى أنّ جميع الشرائح تشتركُ في مفهُوم واحد .. أنّ أغلب المتدينينَ يحتكرُون التدين في فكرَة ممارسَة الشعائر الدينيّة أكثر من مسألة عكسها بشكل واقعيّ على حياتهم الحقيقيّة وأنّهم بطريقة أو بأخرى في أسلوب حياتهم يخالفُون ما تنصّ عليه شعائرهم الدينيّة وأنهم إن طبقُوا تعاليم تلك الشعائر الدينيّة فإنهم يخالفونهَا في ممارسَات أخرى إن تعارضتْ مع غاياتهِم..

بالمعنَى البسيط أنّ أغلب من شملتهم الدرَاسة يأخذُون من أديانهم ما يروقهم ولا يطبقُون جزءاً منها في جوانبَ أخرى سواءً بعمدٍ أو دون عمد ..

ذكرتنيْ الدراسة بمقال جميلٍ جداً للروائيّ علاء الأسواني يتحدث فيه عن دراسَة مماثلة صنّفت بلدهُ "مصر" كأكثر البلدان تديّنا في العالم .. وتساءل علاء الأسوانيّ أنه بالرغم أنّ مصر تسجل نسب عاليَة من التحرش الجنسي مثلاً وتنشط فيها السوق السوداء أكثر من دول مجاورة وترتفع بها نسبة الجريمة فإنّ هذا لا يتنافى مع حقيقَة أنّ شعبه هوَ أكثر الشعوب تديناً؟

لتفهموني أكثَر سأحكي لكم قصّة حدثت لي مع إحدى زميلاتي التي تربطنيْ بها علاقَة سطحيّة والتيْ يحلُو لها كثيراً تبرير تصرفاتها باسمِ الدين .. حيثُ كنا سوياً في استراحة الطالبات بالكليّة وبتلقائية شديدة سألتها إن كان لديها عطر لأني نسيتُ عطري ولم أضعهُ بالحقيبة ..

فردّت علي بصورة عنيفة ومتجهّمة قائلةً : عفوا نحن ما نتعامل مع هالأشياء ولا الدين يرضاها ..
طبعاً أنا لم أكن أتوقع ردة فعلها تلكَ وتناسيتهَا مع الزمن.. لكنني عدتُ وتذكرتها في إحدى الأيام ونحن متعسرُون في حلّ مسألة بإحدى الواجبات الدراسية بمقررٍ ندرسه سوياً .. وحينها مرّ أمامنا طالب من زملائنا ووضعَ واجبه في صندوق البريد الخاصّ بدكتور المادة وهذا الصندوق يكون مفتوحاً عادةً لأي أحد .. وحين غادرَ قالت لي الفتاة : (ما رأيك أن نذهبَ ونأخذ واجب الطالب من صندوق بريد الدكتور وننقله ثمّ نعيده وكأنّ شيئا لم يحدث؟)
الحقيقة أنني أمضيتُ لحظات أحدّق إليها ثم ضحكتُ كثيرا وأنا أقولُ لها ( لا يا ابنتيْ ، "عفوا نحن ما نتعامل مع هالأشياء ولا الدين يرضاها" !

رغم أنّ موضوع العطر لو قسناه من مبدأ الحريات فهوَ حريّة شخصيّة بينما سرقة واجب دراسي ومجهود طالب آخر هو تعدٍ صريح على حريته فأيّهما أكثر ارتباطا بالدين؟

مثلُ هذه المواقف كثيرَة .. فنحنُ نأخذ من الدين ما يحلُو لنا ونتركهُ بمنطقِ الغايَة تبرّر الوسيلة .. وشخصياً تعرضت لها وزميلاتي بشكلٍ كبير .. ومن أمثلتها صديقتي غير المحجّبة التي كانَ ثمة طالب يبعث لزميلتها رسائل يدعوها لنصحها بارتداء الحجاب والاحتشام وترك السفُور .. فما كانَ من هذا الطالب سوَى أن يقوم بسرقة بريدها الالكترونيّ الذي استحوذ عليه إلى يومكُم هذا .. هذا الطالب نفسهُ أصبح يلاحقني في ردودهِ مؤخراً بمدوّنتي ناعتاً إيّاي بالمتحرّرة ومدعيَة الحريّة ومهدداً بسرقة بريدي الالكترونيّ ..

الطالب هذا تذكّر الدينَ حينَ رغب في دعوة الفتاة إلى ترك السفُور لكنهُ نسي الدينَ حينَ قام بسرقة خصوصيتها وسرقة أكثر ممتلكاتها سريّة من مبدأ أنّ الدينَ يبرر له ما فعلَ !

في الساحةِ الثقافيّة كذلك يتم إساءَة استخدام الدين أيضاً ولعلّ أبرز ما يحضرني حول ذلكَ هوَ أنّ شاعراً عمانياً عرف أخ شاعرَة عمانيّة وحين علم أنها شقيقتهُ بدأ في الحديث عنها بشكلٍ سيء قائلاً لأخيها: "ليش مفلتين أختكم بهالطريقة؟ ، وليش مخلينها ما شي شاعر إلا وتعرفه؟ ، يا أخي أين الدين؟ أين الغيرَة؟" رغم أنّ تلك الشاعرة منعزلَة جداً ونادرَة التواصل مع الوسط الثقافيّ .. لكنّ أفكاره المريضة دفعتهُ لاختلاق كلّ ذلك ما أدى لمنع أخِ تلك الفتاة منْ مشاركتها في أيّ فعاليات ثقافيّة بعد تلك المحادثة رغم توسطيْ بشكل شخصي لمشاركتها ورفض عائلتها..


الشاعر نفسهُ أعلاهُ .. كانَ يؤمّ في كثير من الملتقيات الثقافيّة المصلّين ويفعل ذلك أيضا في المسجد المجاورِ لسكنهِ .. لكنّ هذا الشاعر نفسهُ أوقع بإحدى الفتيات اللاتي أعرفهنّ بل وظلّ يهددها بالرسائل إن لم تستجِب لطلباتهِ ووصلَ الحدّ إلى تدخّل عائلتها في الموضوع بعدَ أن تجاوزَ هوسُهُ الحدّ المسموح .. نفس هذا الشاعر سمعتهُ بعد إحدى الأمسيات الشعريّة التي جمعتنا يشتمُ في شاعرٍ عمانيّ كبير بطريقَة سيئة للغاية فسألتهُ : هل سبقَ والتقيتَ به؟ فقال لي: لا .. قلتُ له: طيب لماذا تشتمهُ؟ فأجاب: لأنهُ مترفّّع ولا يخالط بقيّة الشعراء!
وبهذهِ الطريقة ظلّ هذا الشاعر يستخدم الدين ليبرّر ما يفعلهُ وينبذهُ حينَ يشعرُ بتعارضِ الدين في ذلكَ الموقف ..


الأصنافُ التي ذكرتها أعلاهُ تظنّ في قرارَة نفسها أنها متديّنة .. تمارس الشعائر الدينيّة على أكملِ وجهٍ وتزيدُ عليها .. بالإمكانِ أن يكونوا مصلّين قوامين ، صائمين لكنهُم في نقطةٍ ما ، يحضرونَ الدين وقتما يشاؤون ويغيّبونه وقتما أرادُوا ..
ولعلّ أبرز ذلك هو الفيلم المصريّ الذي طرحَ قبل عامٍ تقريباً "كباريه" ويسلّط الضوء على صاحب الكباريه ذي اللحية الطويلة التي لا تفارق المسبحَة يدهُ وَالذي يضع مكتبهُ في أعلى الكباريه ويعزل جدران مكتبهِ عن الصوت حتى لا تصلَ إليهِ أغاني الكباريه ولكنهُ يدير الكباريه ويردّ نقوده ويتصدّق بها وقبل تفجير الكباريه بيوم واحد كانَ قد حجز للذهابِ للعمرة..

كاتبُ سيناريُو الفيلم قدّم بعبقريّة مدهشَة نمط صاحبُ الكباريه هذا .. الذي هوَ نسخَة مكررة من ملايين حولنَا .. يعتبرونَ أنهُم "متدينين" بطريقتهم الخاصّة في فهم الدين والتديّن .. تماماً كتلك الراقصَة التي تعمل في الكباريه من أجلِ أن تؤمّن النقود لوالدتها لتذهبَ للحجّ !

ثمّة حديث شريف يحضرنيْ ولا أتذكر تفاصيلهُ لكننيْ أذكر فيهُ أنّ صحابيا مرّ على النبي صلى الله عليه وسلّم فقالَ النبي لأصحابه أنّ هذا من أهل الجنّة! فعجب الصحابة عن السبب وأرادَ أحدهم أن يعرف ما هوَ المميز في هذا الصحابيّ ليكون من أهل الجنّة لذا ذهب للمبيت في بيتهِ يوماً كضيف .. ليرى ما المميز في هذا الصحابي .. ومرت الليلة والصحابي الأوّل لم يلمح أيّ شيء مختلف في شعائر عبادَة المبشّر بالجنة .. وحين جاءَ النهار ذهب الصحابي للمبشر بالجنّة وأخبرهُ عن سبب مبيته وقالَ له والله ما رأيتكَ أكثر صلاةً مني ولا أكثر قياماً مني .. فما الذي حمل الرسولَ على أن يبشّرك بالجنة؟ فقال له المبشّر بالجنة : أنه لا يصوم ولا يصلي ولا يقوم الليل أكثر من بقيّة الناس ولكنّه لا يحمل نية سيئة تجاهَ أحد ولا يحمل غلاً وكرهاً تجاه أيٍ من الناس .. هذا الحديث يحاول أن يصحّح للناس فكرَة أنهُ لا يشترط لتكونَ صالحا أن تكونَ من العابدين القائمين الصائمين .. وإنما التزامك بالشعائر الدينيّة وتطبيقها بشكل عملي في حياتك هوَ السرّ في صلاح الدينِ والدنيا ..

وهوَ ما يقوله النبيّ في حديثه (ربّ صائمٍ ليسَ له من صيامهِ إلا الجوع وربّ قائم ليسَ له من قيامهِ إلا السّهر) فممارستنا للدين لا تعني بالضرورة أننا حينها أصبحنا متدينين !

وهوَ ليسَ في بلداننا العربيّة فقط ففي كتابٍ قرأتهُ ، ذكرَ مؤلّفهُ أنّّ دراسة ً شملت تجّار المخدّرات المسجونين في ولاية شيكاغُو أبرزت أنّ هؤلاء التجار ورجالات المافيَا يذهبُون بشكل دوريّ للكنيسة وللاعتراف ولقدّاس الأحد رغمَ أنّهم قد يقتلونَ في نفس اليوم أحدَ العملاء أو رجال عصابات أخرى ويوزعُون المخدرات لكنهُم في حياتهم كأيّ متدين يمارسُون الشعائر الدينيّة ولا يتخلفون عنَ جلسات الوعظ والإرشاد التي تقيمها الكنيسَة ..

خلاصَة القولِ أنّ أكثرنا يجهلُ ما معنى كلمَة التدين؟ رغم أنّنا نتكئ على الدين في تبرير أغلبِ تصرفاتنا .. وأغلبُنا انتقائيّ في ممارسَة الدين .. نحضرهُ وقتما نريد ونبعدهُ وقتما نشعرُ أنّه يتعارض مع ما نريدُ فعلهُ .. قد نصلّي ونصوم ونقرأ القرآن .. ولكننا نغشّ في عملنا .. ونرتشيْ في تمرير معاملاتنا إلخ ..

يا أصدقائي الذينَ يدعوننيْ للتديّن .. قد أكونُ "متحرّرة" وقد أضع صورتي في مدوّنتي وأنشر وأشارك في الأمسيات وقد ترفضُون أنتم ذلك لكن ليسَ بالضرورة أن تكونُوا أكثر تديّناً مني .. أو من الآخرين الذين يفعلُون ما أفعل .. نعم ، ما التعارضُ في أنْ أضعُ صورتيْ على الفيس بوك وأصلي وأصوم وأقرأ القرآن وأكتبَ عنكم وعن العمل الخيريّ والحياة الجميلَة والثقافة والفنون والشّعر والمرأة وميشيل فوكُو ومحمود دروِيش والآخرين؟ وربّما أكونُ حينهَا أكثر تديّناً منكُم ! من يدريْ؟