الثلاثاء، 10 نوفمبر، 2015

عن معاويَة الرواحيّ في يومِ ميلادهِ الثاني والثلاثين



 عائشَة السيفيّ

تمهِيد:

"يُريدُونني ميّتاً ليقُولوا: لقد كانَ منّا ، وكانَ لنا!"

محمُود درويش

 

***

لم يكُن التسجيلُ الصوتيّ المسرّب لمعاوية الرواحيّ من معتقلهِ في "البلادِ الجارَة" محرجاً لسلطاتهَا بالقدر الذي بدا محرِجاً لنا .. شعباً وسلطَة .. فهيَ السلطَة ذاتها التيْ استطَاعت وساطاتها إخرَاج الأميركان من قلبِ سجُون المخابرات الإيرانيّة لا لتغريدة كتبُوها في تويتر ولكنْ في قضايا تجسس شائكة وبينَ دولتين يفصلُ بينهما حظرٌ دوليّ وحربٌ باردَة لعقود وهي السلطَة ذاتها التي أخرجت الأميركان والبريطانيين من كهُوف اليَمن وثغُورها وأعادتهم سالمين آمنين إلى حضن أوطانهم .. لم يكُن ثمّة رسالة ً لتسجِيل معاويَة أقرب للحقيقة من القولِ المأثُور: نخلة المسفاة تطيح بعيد!

إنّها السلطَة ذاتها التي زرَعت "الجارة" في قلبِ جهازها الأمنيّ والمخابراتي خليّة تجسس جنّدت فيها كبار الضباط العُمانيين وحينَ انكشَاف الأمرِ لم يُطلب اسم ضابطٍ واحدٍ من ضباطِ أمنِ "الجارة" المتورطينَ في تجنيد الخليّة للمحاكمة دولياً وعوضَ ذلك عوقب الضباط العمانيون فالحرّ إذا أخطأ ابنهُ وابنُ "جاره" عاقبَ ابنهُ قبل ابن جاره وكذا كانَ ديدننا ..

ورغمَ الإساءاتِ التي ظلّت تغدقُ سواءً في الإعلام الرسميّ "وحادثَة الداعيَة الشابّ ليسَت ببعيدة" .. أو عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ ولكم في الهاشتاقات التي أطلقت بعد عاصفة الحزم أو اتفاقيّة إيران والدول الخمس وموقف السلطنة إثرها دليلٌ ومرجع.. ومع ذلك لم نسمع أن سلطتنا طلبت اسماً واحداً من مغرّدي الجارة لمحاسبتهِ .. فالزبدُ يذهبُ جفاءً وأما ما ينفعُ الناس فيمكثُ في الأرض .. ولم نسمَع باسمِ مطلوبٍ واحدٍ في اختراقِ أمن وسيادة بلادنا حينَ دوت طلقَات النّار من قبل "الجارة" في مياهنا الاقليميّة في ولاية دبَا ..

لم نقلُ يوماً أنّ معاويَة لم يخطئ .. لم نبرر يوماً ما فعلهُ .. ولكننا ظننا حتّى وقتٍ قريب أن من حُسن إسلام "الجارة" أنّه إن كان معاوية أخطأ في وليّ عهدها فقد كانَ أولى بها ألا تسمحَ له بدخول أراضيها وكفى بتلك رسالة ً صارمةً وَ"ومؤدبة" له ..

ورغم ذلك فقد أحسنا الظنّ مجدداً حينَ اعتقالهِ على أملِ أنّ الأمُور ستحلّ ودياً كما يحلّ المرءُ خلافاً مع ابنِ عمّه ولكنّ الأمر طال والشهور مرت دونَ أن يقدّم معاوية للمحاكمة حتّى ودون أن تفلح لجنة حقوق الانسان في مقابلتهِ وكذا الجمعيّات الأهليّة العمانيّة ..

وخرجَت المبررات حينهَا على اعتبار أنّ السلطنة تحترم الاتفاقيّة الأمنيّة بينَ دول المجلس وأنّ معاوية أساءَ للدولة وستأخذ العدالة مجراها..

وظللنا نؤمّل أنفسنا بحلّ الأزمَة على الطريقَة العمانيّة في "سياسَة النّفـَس البطيء" ولكن أنفاسنا انقطعت والشّهور تمرّ حتّى بيانِ والدتهِ الصارخ في مروءتنا من أنّ سلطات الاعتقال لا تعطي ابنهَا أدويته .. وجاءَ تسجيله الأخير ليحمل لنا حجم الخذلان الذي نال الشاب .. ويحملَ علاماتِ استفهامٍ كثيرة للذينَ برروا اعتقاله بذريعة الاتفاقيّة الأمنيّة بين البلدين..

فالذي يعتقلُ شخصاً مضطرباً نفسياً أربعة أشهر في سجنٍ انفراديّ كقاتلٍ أو مجرمٍ لا كسجينِ رأيٍ لا يمكنُ أن يكونَ جاراً ذا ذمّة .. ولا يمكنُ له أن يقطع عن مريضٍ نفسيٍ دواءه سوى أن يكون ذلك محاولةً لدفعهِ إلى الجنُون .. ولا يمكن وهوَ يؤجلُ إجراء فحصهِ الطبيّ الذي يثبتُ رفعَ الجرمِ عنهُ سوى أن يفعلَ ذلك بغرض المماطلة .. ليسَ هذا فعلَ جارٍ محبٍ أمينٍ على جيرتهِ ..

حتّى العقابُ للمخطئ يكُون بمحبّة وبمراعاةِ الله فيهِ وبحفظِ كرامتهِ .. إن أرادُ المعاقِبُ ذلك وليسَ ما سمعناهُ عقابَ محبّة وحسنَ جيرة ..

لقد عرفتُ معاويَة منذ عشرِ أعوامٍ مضت .. وأزعمُ أنّ من عرفهُ مثلي يعرفُ أنّه ظاهرةٌ كتابيّة وأنّهُ انسانياً لم يكن ليؤذي ذبابة وقد عرفتهُ مبدعاً ذا روحٍ حرّة ، بل إنني أزعمُ أنه المثقفُ العمانيّ الوحيد الذي يكتبُ الشّعر بجودَة السّرد وبغزارَة مدهشة والذي يحرثُ الحقول الكتابيّة بيدِ العارفِ الخبير ، كثيراً ما تهوّر معاويَة وكثيراً ما أتعب الدولة بكتاباتهِ اللا واعيَة لكنّ ذلك لم ينفِ عنهُ صفتهُ كمبدعٍ وإن طاش قلمهُ .. ويحسبُ للسلطات العمانيّة حكمتها وتأدّؤها في التعامل معه.

لا أقولُ ذلكَ تبريراً لما فعل ، بل أقول ذلك شهادةً وأمانةً في امرئٍ نالهُ من الخذلان ما ناله .. وأظنّ أنهُ نالَ جزاءهُ ويزيد..

***

معاويَة ابنكم .. وابن هذا الوطن .. إنّه روحٌ محبّة وحرّة وإن أخطأت.. لديهِ أمٌ وعائلة موجوعَة وأبٌ خدمَ هذا الوطن وأخلص له ..

اليَوم 10 نوفمبر هو عيدُ ميلاده وحسبهُ ما ناله .. ألم يئن الأوانُ ليعُود إلى وطنهِ؟ لا أسألُ هذا السؤالَ جيراننا ولكن أسألُ فيهِ مسؤولينا أبناء بلدنا؟ بلدنا التي قادَت الوساطاتِ في العالمِ كلّه لدولٍ لا تجمعنا بهِم جغرافيا ولا تاريخ ولا قرابةٌ ولا دين وكفّت يدها أن تخرجَ ابنها من دمهَا ولحمها من معتقلِ الجارَة التي يجمعنا بهمُ التاريخ والدمُ والجيرةُ والمصاهرَة والقرابة و(المحبّة كما نظنّ ونعتقد).
أعيدُوا معاوية .. أعيدُوه لنا ..

***

هامش:

الدين دين الناس ... من وحي جمع الجمع

لن يفلح الحراس ... في رأب هذا الصدع

أو ينجح العسّاس ... في منع هذا المنع

&&&

متفائلا بالحب ... والروح والأشياء

من وحي رب الرب ... وفتنة الأسماء

قد مات هذا القلب ... وغابت الأضواء

الحب حب الحب ... والصخر ابن الماء

&&&

المارد المجنون ... كمهرج في القصر

والناس مختلفون ... في فهم هذا الأمر

يا حلمنا المسجون ... قد ضاع هذا العمر

&&&

كن عاشقا للسر ... لا تفش سر الماء

الحب عطر العطر ... والخمر في الندماء

والروح هذا الصخر ... والله في الأسماء

&&&

السر خوف الروح ... ومتاهةٌ وقدر

في صوتنا المبحوح ... أسطورةٌ وسوَر

يا ليلنا المجروح ... كن نجمةً وقمر

&&&

من رحم هذي الأرض ... هدية من طين

يا كافرا بالعرض ... يا مؤمنا بيقين

الله نقض النقض ... والدين حب الدين

&&&

الواسع الأزلي ... قبطان هذا الموت

وغناؤه الغجري ... في مهرجان الصوت

المارد الوثني ... شيطان قتل الوقت

وإلهنا العلنيّ ... يختار صمت الصمت

معاوية الرواحيّ

الأربعاء، 8 يوليو، 2015

#هاااااااح كبيرَة في وجهِ العَالم ..

عائشة السيفي
 
"لم يكُن أبي طائفياً ، وقد أثبتَ لنا ذلك عندما رزق شقيقي الأكبر بولد ، فاقترَح تسميتهُ بـ (عُمر). بعد ذلكَ فارقَ شقيقي الحياة: قتلتهُ ميليشيا كُرديَّة ، ثمّ مات أبي مهموماً وحزينا. وفي عام 2005 اضطرّ عمر إلى تغيير اسمهِ إلى (عمّار) تخوفاً من القتل على يد الميليشيات الشيعيَّة لكنه قتلَ أخيراً على يد ميليشيا سنيَّة عام 2009"
عبدالعظيم فنجان ، شاعرٌ عراقيّ
(1)
 
 
يحدّقُ المرءُ في هذهِ الصّورة إلى عيني تلك الطفلةِ الجريحَة المستلقيَة على الأرض والنظرَات المنكسرَة لأمّها بجوَارها ويفكّر .. لوثة؟ جنُون؟ كومِيديا سودَاء؟ نعم ربّما هي كوميديَا سودَاء ما نعيشهُ ونراهُ هذا العام .. الصّورة هذهِ لم تلتقطْ في مستشفى بغزّة وتلكَ الطفلَة لم تسقط ضحيّة قصفٍ اسرائيلي ..لقد التقطت –وللسخريَة الشديدة- في عَدن وبقنبلةٍ أطلقتها يدٌ عربيّة! إنّها ضحيَّة صرَاع طائفي مقِيت وحقير استهلكَت فيه كلّ الأدوات السياسيّة والعسكريّة .. هذا زمَن القوَادة .. القوادَة التي لا تنطبقُ فقط على المتَاجرَة باللحم البشريّ من أجل شهوَة ساعة ولكنّها المتاجرَة بمصائر الشّعوب وبأجسَادها وأرواحَها وبيعها في سُوق النخَاسة الطائفيَّة .. النخَاسة التي لا يقفُ فيهَا طرفَان متصارعَان من دينين مختلفين كمَا خرَجت الجيُوش الصليبيّة وقبلها بقرُون انطلقَت جيُوش الرّوم وفارس في معَارك طويلة .. كلّ هذا الشّلال من الدَم هو لسببٍ يبدُو كوميدياً للناظِر من خارجِ دائرة الاقتتال .. كوميديّ وأسود لأنّ المتناحرين –وإن نمّق المؤولُون أسبابهم- لا تخرُج عن دائرة واحدَة هي مذهبان داخل دينٍ واحد يتفقَان على أنهُ لا إله إلا الله ومحمّد رسُول الله ويتشاركان الإيمان بأركان الإسلام ، يزكّون ، يصلّون ، يصومُون ولكنّ هذا لا يحمِيهم من قتلِ بعضهِم لاختلافِهم .. يا للسخريَّة اللاذعة .. إنّها فعلاً كوميديا سودَاء فجّة .. فجّة للغاية ..
 
(2)
 
يتذكّر المرءُ بضحكَة مسعُورة المناهج الدراسيّة والأناشيد الصغيرَة التي كنّا نضجّ بها: بلادُ العربِ أوطاني .. الأناشيد العُروبيّة الجميلة لابراهيم طُوقان وأحمد شوقي ويتذكّر بهزلٍ أيّام الحلمِ العربيّ ودستَة المغنين المتحلقِين حول المايكرُوفون يغنُون: ده حلمنَا .. طول عُمرنا .. حلم يضمّنا .. كلنا/كلنا .. البعضُ منهُم اليَوم انضمّ لجُوقة الحربِ التي تقودهَا بلاده فمن هُو في النّهاية سوى حجرِ نردٍ يتحرَّك كيفمَا تحرَّكت حكُومته ..
نتذكّر النعُوش التي حملنَاها في المدرسَة أيّام الانتفاضَة الفلسطينيَّة الثانيَة منشدِين بأعلى الصّوت: فلسطِين دَاري ودربُ انتصَاري .. كنّا صغاراً ولكنّنا كنا متفجرِين بالقلقِ الانسانيّ الكبير واللحمَة العروبيَّة .. كنّا ضاجِين بالمحبَّة لكلّ هذه الشعوب المتناحرَة الغارقَة في شلال الدّم ..
ياه.. تواضعَت أحلامنَا كثيراً .. كما تقُول سعديّة مفرَّح ..
هاااااااح ..وتنهِيدَة كبيرَة في وجهِ العَالم .. ليسَ أكثرَ من هذا هوَ أقصَى ما نملكُ فعلهُ ونحنُ ننظرُ حولنا ونسمَع ونقرَأ .. لوثَة؟ جنُون؟ مرَض فيرُوسي؟ لنسمّه ما نشَاء لكنّ الأكيد أنّ ما يحدثُ أكبر من أن نحللهُ في مقالٍ عابر ..
 
(3)
14 رمضَان: مقتل وإصابة 32 يمنياً فى قصف للحوثيين على مدينة «المنصورة«
16 رمضَان: وزرَاء داخليّة دوَل مجلس التعَاون الخليجيّ في اجتمَاعهم يومَ الجمعَة يدينُون تفجِيرات دَاعش التي تستهدِف المساجد ويوكّدون أنّ هذه الأفعَال الإجراميّة لا علاقَة لها بالإسلام وقِيَمهِ التي تحَارب العنف وقتلَ الأبرياء
18 رمضَان: مقتَل 16 حوثياً في غارَة جويّة لقوّات التحالف "الخليجيّة" بينهَم طفلٌ وامرأة
 
قبلَ عامٍ من الآن وفي رمَضَان تحديداً .. كانتْ غزّة تحتَ القصفِ الاسرائيليّ وخرجَت الأصوَات الدوليّة مطالبةً القوّات الاسرائيليّ بوقفِ القصفِ احتراماً لحرمَة الشّهر الفضيل .. واستجابةً لذلك أوقفَ الجيشُ الاسرائيليّ هجماتهِ في هدنَة زمنيّة قصيرَة لم تستمرّ لكنّه تعهّد على الأقل أن يوجّه ضرباتهِ بعدَ الإفطَار .. وبينَ العامِ الماضي وهذا العام .. تبدُو المقارنَة ُ فكاهيّة لدرجَة السوداويّة وساخرَة حدّ القهقهة .. يا إلهي! لقدْ جنَّ العالم!
 
(4)
هاااااح في وجهِ هذا العَالم .. وهذه الجزِيرة العربيّة التي يعتقدُ قادَتها أنّ البترُول قادرٌ على شرَاء كلّ شيء .. إنّهم اليوم يشترُون الصّحف .. والقنوَات الفضائيَّة بملايين نفطهِم .. خصُومهم السياسيون يتقلّصون داخلَ المساحَات الجغرافيَّة فأرخصُ الأشياء ثمناً هذهِ الأيَّام: الضمائر وقوَّادُو الحرب اليَوم سعدَاء إذ أنَّهم يعتقدُون أنَّها نعمَة أبديَّة وأنَّهم قادرُون بما لديهم من بحيرَات نفطٍ على شراءِ كلّ شيء ..
لوثَة الطائفيَّة هذهِ لا تمنعهُم من أن يلجئوا لدولَة كالسنغَال وشرَاء 2100 مقاتل من قوَّاتها البريَّة للدخُول إلى اليمن وثغُورها .. قادَة الحربِ الخليجيين يدفعُون للسنغاليّ ليدخلَ اليَمن ويقتل أخاهم اليمنيّ .. الفاتُورة كم؟َ ومن أيّ بئرِ نفطٍ دُفِعَتِ الفاتُورة؟ لا أحدَ يعرف .. هاااااح كبيرَة هنا أيضاً
 هاااااااح في وجهِ هذا العالم .. الذي نسمَع فيهِ "رابح صقر" الذي لا تتوقّع منهُ صفّ جملتَين صحيحتين على بعضِهما إذا تحدَّث عن السياسة يفتتحُ حفلتهُ الغنائيّة في الكُويت بأغنيَة عنوَانها "عاصفَة الحزم" .. وهااااح أكبر لقنَاة تبثّ حلقَة لأحمد الشقيري يدعُو فيها الشّعوب العربيَّة لتقبل ثقافة اختلاف الآخر من خلال عرض مناظرَة لعلماء خرجُوا من نفس الجامعَة ونفس المدرسَة الفقهيَّة ونفس الوطن ولكن اختلفُوا في تأويل الفتوى .. القنَاة نفسها تبثّ بين الفواصل دعَايات لعاصفَة الحزم وأغانٍ مؤيدة على شاكلة أغنية أخينا رابح صقر .. فصَام هذا ولا مش فصَام يا متعلمِين يا بتُوع المدارس؟
 
(5)
يوماً ما: اليَوم أو غداً .. لن يعُودَ الدَم سوَى بالدّم ، والكرَاهيّة لنْ تعُود محبّة بل كراهيّة مضاعفَة ، والقتلُ لا يعُود إلا بالقتلِ ،  والفتنَة حينَ تبدأ لا تعرفُ صغيراً ولا شيخاً ولا امرأةً ولا قاصراً .. كلّ طفلٍ فقدَ أباه ، كلّ أرملةٍ ترمّلت ، كلّ أمٍ ثكلت .. لن ينسَوا مطلقاً من القاتِل .. فالمَوتُ لا يجرّ سوَى المَوت .. والقاتلُ ينسَى ولا ينسَى أهلُ المقتُول ..
يومَها .. يومَها فقط .. لن يحمي البترُول ولا القصُور ، ولا جيُوش القنوَات الفضائيّة التي تجيّش لتلمِيع مؤّخرَة من يدفعُ أكثر لن يحمِيهم أيّ شيءٍ من الفتنَة التي ستعُود إلَيهم ..
سوَف نرَى المزيد من الجُنون ، سوفَ نرَى العَالم تجتاحُهُ كلّ اللوثَات النفسيَّة .. والمصَابُون بهَا ليسُوا نزلاء المصحَّات العقليَّة فهم يديرُون في مكاتبَ فخمَة وقصُور فارهَة مصَائر شعوبهِم ويرتدُون أغلى البدل والشماغَات المطرَّزة بالذهب ويتحدثُون اللغَات المختلفة .. وهُم يملكُون كلّ شيء وأيّ شيء سوَى شيءٍ واحد: الانسان .. الانسَان داخلهُم!
 
(6)
حتّى ذلك اليَوم .. لنحمِ أنفسنَا من لوثَة الطائفيَّة التي استعَرت بهَا كلّ دول الجوَار.. بقلبٍ ملؤهُ الأسَى والخَوف على هذا الوَطن ومصيرِه أناشِدُ كلَّ عُمانيٍ محبّ على أرضِ هذا الوطن العظيم .. من ظُفار إلى مسندَم .. من السَّاحل إلى الدّاخل .. من السّهل إلى الجَبل .. بأن نتمسَّك بالإيمَان الصّادق بأننا لن ننجُو وسطَ هذا الطُوفان إلا بتعايشنَا معاً .. لا مأمَن من هذا الطُوفان سوَى بالتعَايشِ المحبّ بيننا .. صُوَرنا التي نتبادلها على الوتسأب لجموع المصلّين من مختلف المذاهب ليسَت هيَ الخَلاص ،     ومقَالات المدِيح التي تأتينا تارةً من الخارجِ وتارةً نسبغُها على أنفسنَا لن تعدُو أكثر من كونها شكليّات لا تجعلنَا محميين من قبحِ الطائفيَّة وسوَادها ما لم نؤمِن من صمِيم أروَاحنا أنّ الخلاصَ هو نحنُ .. نحنُ بمحبَّتنا للانسَان قبلَ دينهِ .. للمسلمِ قبلَ مذهبهِ .. لتابعِ المذهبِ قبلَ شيخِ الدين الذي يتبعُ فتاويهِ .. التعَايُش الانسانيِّ اليوميّ في تفاصيل الحيَاة الصغيرَة .. ليسَ شرطاً أن نطالبَ الشيعيَّ بأن يتركَ مسجدهُ ويصطفّ مع الإباضي والسنيّ من أجلِ صورة جميلة .. ولكنْ أن نتقبَّل ثقافة الاختلافِ في حريَّة ممارسَة العبَادة فالله واحد والدِين هوَ الإسلام .. ليسَ شرطاً بأن نطالبَ بمزيدٍ من حالاتِ الزواج المذهبيّ المختلط .. لن يحمِينا هذا حينمَا تستعرُ الطائفيَّة في القلوب..
ذهبتُ لدولةٍ خليجيَّة عام 2011 ومن اللحظَة التي ركبتُ فيها سيّارة الأجرة سألني سائق الأجرَة عن مذهبيْ .. لقد كانَ ذلك صادماً .. في تلكَ البلاد حكَى لي كثيرٌ من الأصدقاء عن أسرهم المختلطة فالأم سنيّة والأب شيعيّ ، والأخ شيعيٌ وزوجَة الأخ سنيَّة ولكن حينَ اشتعلت الطائفيَّة لم يحمهم اختلاطهم من سعيرهَا ونارها .. ذهبتُ لتلك الدولة الخليجيَّة مجدداً بعد عامين فلم أجدها قد تغيَّرت .. كنّا نستطيع أن نلمحَ الفرقَة بين منظمِي الفعاليَّة التي دعيت لها الوفُود فالمنظمُون الشيعة كانُوا يجاهرُون بنفُورهم من المنظمِين السنّة ويدّعون منحَ الحكومَة صلاحياتٍ لهم فقط لمذهبهم وكان السنّة يجاهرُون بذلك كذلك .. لقد كانت تلكَ الدولة أجمَل بكثير حين زرتها في 2007 ولكنّ نار الطائفيَّة حين اشتعلت لم يوقفهَا اختلاطُ الأنساب ومذاهبهَا ..
ظرفنَا التاريخيّ وسطَ الظرُوف الاستثنائيَّة التي لم يعشهَا العالم حولنا يوماً .. لا يمكنُ أن نعوّل فيه على أشخاص.. لا يمكِن أن نعوّل فيه على القيادة التاريخيَّة لسلطانٍ حكِيم هوَ بيننا اليَوم لكنّه لن يعيشَ بيننا أبداً ولا على شخصيَّة دينيَّة نجمعُ جميعاً على محبّتنا لها كالخليليّ .. هوَ أيضاً لن يعيشَ بيننا أبداً .. الظرفُ التاريخيّ هذا لا يمكننا أن نعوّل على استمرارِه ولكنْ على اقتناعنَا بأنّ التعايش وتقبّل اختلافاتنا هما مفتاحُ النجاة .. لقد تعَايشَ أبناءُ هذا الوطَن بمحبَّة دونَ انتظَار مقالٍ من أحدٍ أو برنامجٍ ليثني عليهم .. كانُوا يحبّون بعضهُم دونَ أن يقولوا ذلك ودونَ التغنِي به ليلاً ونهاراً .. كانُوا متسامحِين دونَ أن يقولوها .. ومتعايشين دونَ أن يفردُوا لها الصحفَ والإذاعات في زمنٍ كانَت دوَل الجوَار المستعرَة اليوم أكثر محبَّة وانسانيَّة وألفة .. لأنّهم كانُوا يعرفُون أنّها تأتي من الجَوهر ومن السّور الانسانيّ الكبير الذي أوصدُوهُ عن الفرقَة والخلافِ والطائفيَّة .. ولا خلاصَ اليَوم سوَى بذلك السّور الانسانيّ العظيم الذي لا يبنيهِ الحَجر ولكنْ تبنيهِ الحكمَة ولا شيء سوَاها .. أرجُوكم: احتكمُوا إلى انسانكم .. واحمُوا مصائركم/مصائرَنا!
 
هامش 1:
 أصغرُ شيء يُسكرُني في الخلْق فَكَيف الإنسانْ؟ "
 سُبحانَكَ كُل الأشّيَاء رَضيتُ سوى الذُّلْ
وأن يُوضَعَ قَلبي في قَفَصٍ في بَيت السُلطانْ
 وَقَنعتُ يَكون نَصيبي في الدُنيا.. كَنصيبِ الطيرْ
 ولكنْ سُبحانَكَ حتى الطيرُ لها أوطانْ
 وتَعوْد إليها....وأنا ما زِلتُ أَطير...
 فهذا الوطَن المُّمّتَدُ منَ البَحرِ إلى البَحر
 سُجُون مُتَلاصقة..
" سَجان يُمْسكُ سَجان...
 مظفَّر النّواب
 
هامش 2:
"لو اسرائيل تقصفنا ، كنا على الأقل استقبلنا تبرعات عربية"
عبدالله ، نادل مقهى يمنيّ في الخُوض
 

الاثنين، 8 يونيو، 2015

أزمــة ثقــــة


أزمَـــــة ثقـــــــة
 

عائشة السيفي
http://ayshaalsaifi.blogspot.com/2015/06/blog-post.html
 

دومينك سترَاوس هوَ واحدٌ من أشهَر السياسيين الفرنسيين والاقتصاديين في زمانهِ .. وهوَ أحد النافذين الكبار جداً في فرنسا وهوَ ما أهّله ليتقلّد رئاسَة صندُوق النقد الدولي منذ 2007 حتّى سقوطه المفاجئ عام 2011 إثر ما سمي بفضيحَة فندق كارلتون آنذاك ..

كانَ الرّجل في المجتمع الفرنسي من القلّة المحميين بحيث يصعبُ للغايَة سقوطهم وكانَ الرّجل معروفاً بحفلاتهِ التي يقيمها حول على العالمِ على متنِ يختهِ وكم تصدّر عناوين الصّحف إثر اتهاماتٍ له بإقامة حفلات تحضرهَا "عاهرَات قاصرات" إلا أنّ الرجل لم يكن ذلك ليعنيهِ فقد كانَ يتجاوزُ الأزمة تلو الأخرى دونَ أن يطالهُ أذى أو يهزّ من نفوذه المتعاظم الذي أهّله ليكون أبرز مرشّحي انتخابات رئاسة فرنسَا لعام 2012 وأكثرهم حظاً بتوقعات الفوز.

غير أنّ الفضيحة التي دوّت عام 2011 نسفت تاريخه السياسيّ ومستقبله وذلك إثر توجيه عاملة نظافة إفريقيّة في فندق كارلتون بنيويورك اتهاماتٍ له باغتصابهَا وإجبارها على ممارسَة الجنس معه ، الفضيحَة التي عدّت الأكبر على الإطلاق عالمياً عام 2011 ورغم أنّ المحاكمَة انتهت بإسقاط التّهم ضد دومينيك لعدم كفايَة الأدلّة التي وجّهتها عاملة النظافة وشكُوك المدّعي العام بنيويورك حول مصداقيّتها وتضاربِ أقوالها إلا أنّ ذلك لم يكن كافياً ليبرئ دومينيك الذي أقيلَ من منصبهِ كرئيسٍ لصندوق النّقد وأزيل اسمهُ نهائياً من قائمة الترشّح للرئاسة الفرنسيّة لسببٍ بسيط جداً هوَ: الثّقة! لماذا يقَال الرّجل إذا كانت القضيّة أسقطت وخرجَ حراً طليقاً؟

الجوَاب البسيط هو أنهُ لا يمكنُ لرجلٍ كهذا أن يكونَ ممثلاً لمؤسسة عالميّة بحجم صندوق النقد ولا يمكن لفرنسَا أن تجعلَ منهُ ممثلاً له وعلى رأس نظامها لأنّ عدم الثّقة في رأس النّظام يبدد الثقة تماماً في النظام نفسهِ ولأنّ شرخاً هائلاً في صورَة هذا الرّجل أمام الرأي العام قد حدث. حمَاية النظام تقتضي إزاحة رأسهِ لانتفاءِ صلاحيتهِ.

طرأت قصّة دومينيك وأنا أتحدّث مع زملاءٍ هولنديين حولَ ما نقلتهُ صحيفَة أثير مؤخراً حولَ تجاوزاتٍ تقدّم بهَا أعضاء بمجلس الشورى لاستجوَاب وزيرة التعليم العالي وانتظارهم موافقَة مجلس الوزراء لأشهر لاعتماد استجوابها إلا أنّ الرّد بعد طولِ صبرٍ وانتظار جاءَ كتابياً وبصفَة "سرّي للغاية" دونَ أن يفلح مجلس الشورى في استقدام الوزيرة إلى جلسَة استجوَاب تقدّم بها 16 عضواً بالمجلس.

وهوَ أمرٌ بقدرِ ما يحملُ كثيراً من الدهشَة بقدر ما يثيرُ تساؤلاتٍ كثيرة أبرزها: هل يدركُ مجلسُ الوزراء برفضهِ طلبَ الاستجوَاب الرسالة التي يمررّها للمواطن حول قصُور دور المجلس وعجزهِ عن أداء دورهِ الرئيسي الذي انتخبَ لأجله وهو أن يكونَ عيناً للنّاس ولساناً لها وحسيباً ورقيباً على أيّ تجاوزاتٍ تصدُر من مسؤولي الحكُومة؟

إذا كانَ ما أقدمَت عليهِ الوزيرة تجاوزاتٍ فتلك مصيبَة وإن لم تكُن بتجاوزات فلماذا يحمِي مجلسُ الوزراء وزيرتهُ من استجوابهَا من قبل ممثلي الشّعب ومنتخَبيه؟

وفي هذا التوقيتِ بالذات ، ألا يدركُ مجلسُ الوزراء حساسيَة المرحلة التي نشارفُ فيها على انتخَابات شورَى جديدة؟ أيّ ثقة بفعاليّة دور هذا المجلس ونفاذ سلطتهِ يمكن أن نشعر بها إذا كان مجلس الوزرَاء يسوّف طلبات استجوَاب مهمّة لأشهُر طويلة ثمّ يرد كتابياً "بملفّ سريّ للغاية" ؟ ألهذا انتخبنا هذا المجلس وخوّلناه تمثيلنا؟ ما النتيجة من "تكتيف أيادي" هؤلاء الممثلين سوى زعزعة إيماننا بدورهِم الحقيقيّ في التغيير والمحاسبة ونحنُ على مشارف انتخاباتٍ جديدة؟ خاصّة أنهُ كان الأولى بمجلسِ الشورى إقامَة الجلسة ولو في غيابِ الوزيرة ضماناً لمصداقيتهِ وتنفيذاً لدورهِ الرئيس في ملاحقة أي تجاوزاتٍ إن كانت جادّة وموثقة.

يبدُو أن مجلسَ الوزراء نسيَ الدّور المحوريّ الذي لعبهُ أعضاء مجلس شورَى في بناء جسُور التواصل بين المعتصمين والحكومَة حينَ كانت البلادُ تشتعلُ في عام 2011 ومن أعضاء الشورى هؤلاء من أصبحَ وزيراً اليوم وهل نسي أنّ المعتصمين حين تجمهرُوا أمام مجلس الشورى أرادُوا إيصال رسالة مهمّة بتطلعاتهم تجاه هذا المجلس ودوره الحقيقيّ في خارطة التغيير.

عوداً على موضوع الثقة , كيفَ ينتظر المجلسُ أن يثقَ المواطنُ بأداء مؤسسةٍ إن كان من ضمن مخالفاتها "استغلال منصب الوزارة لمصلحة شخصية بعقار في إحدى الدول العربية قامت الملحقية الثقافية بالسفارة العمانية باستئجاره ورفع قيمة الإيجار بعد فترة وتحول قيمته الإيجارية لحساب الوزيرة في أحد حساباتها ببنوك السلطنة."

تتحوّل قيمة الإيجَار لحسَاب الوزيرة؟!!! إن صحّ ما ذكر فتلك مصيبَة وإن كان ما ذكر غير صحيحٍ فينبغي تفنيد ذلك علناً لا في "الملفّات السريّة" حمايةً لوزارة التعليم العالي.. أن تهتزّ صورة رأسِ النظام هو مسّ للنظام نفسه وحينها لا يصبح رأس النظام أهلاً ليمثّله وقد التصقَ بهِ ما التصق.

الناسُ لم تنسَ بعدُ فضيحَة البعثات الجزئيّة التي حوّلت لبعثات كاملةٍ عام 2009 لأبناء مسؤولين كبَار في الدولة منهُم حفيدَة عبدالنبي مكي وزير الاقتصاد الوطنيّ آنذاك لأسبَاب منها "تقديراً للظروف التي مرّت بها الطالبة" أو "تقديراً للمسؤولينَ لخدمَات والدهِ في الوزارة" أو" أن وضعَ الطالب يقتضي النظرَ في ظروفهِ الاجتماعيّة" وها هوَ السيناريُو يتكرّر لأنّ رأسَ النظام استمرّ كما هوَ دونَ أن يمسّ ودونَ محاسبَة جديّة.

 

أزمَة الثقة هذه لا تبدُو واضحَة ومدرَكَة في عرفِ الحكومَة العمانيّة إذ أنّ زمناً مرّ على قضيّة مظاهر التاجر التي طالَت ثلاثة مسؤولين يشكّلون "مثلّث الأمن والعدالة" في الدّولة ورغمَ الضّجة التي أحدثها المذكُور وما قدّم من أدلةٍ مكتوبةٍ ومرئيّة إلا أنّ شيئاً لم يحدث رغمَ أنّ شرخاً هائلاً حدثَ في ثقة المواطن بجديّة النظام في المحاسبَة وحرصهِ على نقاء سجلّ ممثلي مؤسساته خاصّة إذا كانت هذه المؤسسات تمثّل اليد الطولَى للمحاسبَة والعدالة في الدولة فإذا كانَت الاتهامات صحيحَة فقد وجبت محاسبتهم وإن كانت ملفقةً فإنّ صورتهُم المهزوزة أمام المواطن ووجُودهم على رأس هرَم هذه المؤسسات يقتضي إزاحتهم حمايةً لصُورة هذه المؤسسات وعملاً على مبدأ تعزيز ثقة المواطن العماني بهَا وبرؤوسهَا.

لقد برزَت أزمَة الثقة هذهِ في تلك الأثناء حينَ خرجَت القضيّة بضجّة هائلة لكنّ أياً من مناشدَات المحاسبة لم تتوجّه لأي اسمٍ في الحكومة ولا لاسمٍ واحدٍ من أفراد العائلة المالكَة المقربين جداً من السّلطان ولا حتّى لمجلس الوزراء والقائمين عليه سوَى لشخصِ صاحبِ الجلالة مع ذكرٍ طفيفٍ لرئيس المكتب السلطانيّ ليوصلَ الرسالة لهُ.

واحدَة من أبرزِ الإشكاليّات التي على الحكُومة درَاستها بجديّة هي حالة عدم الثقة العامّة من قبلِ المواطنين بأدائها وشخُوص القائمين على مؤسساتها وثقتهم العامّة بشخصِ السلطان نفسهِ "فقط" وهوَ أمرٌ يشكّل خطورَة مستقبليّة إذ لا يمكن التعويل على مساندَة العامّة لتوجّهات الدولة إذا كانت متعلقَة بشخصٍ واحدٍ فقط. ومن الواضحِ جداً أن مجلس الوزراء لا يضعُ ذلك في حسبانهِ بتصرفاتٍ كهذهِ.

هذه الإشكاليّة التي تضمّنها صندوق النقد الدوليّ في تقريرهِ عن أزمَة النفط الأخيرة وتداعياتهَا على السلطنَة مشدداً على أن تعملَ السلطنة على استراتيجيّة تواصل مع الشعبِ لضمان مساندتهِ لسياساتها الاحترازيّة فيما يتعلّق بالنفقات العامّة وتقليصها على إثر الانخفاض الهائلِ لأسعارِ النفط.

وحتّى حين خرُوج هذه الاستراتيجيّة إلى النّور وإدراك الحكومة أن الثقَة هي العقد الرئيس بينهَا وبينَ الشّعب وسعيها لحمَاية النظام من أيّ شائبةٍ تطاله بمزيدٍ من الشفافيّة والعلنيّة لا خلفَ الأبواب المغلقة و"الملفات السريّة" فإنهُ ليسَ علينا سوَى أن نعمَل بنصيحَة محمُود درويش: "أن نفعلَ كما يفعلُ السّجناء .. نربّي الأمل" .. الأملَ بمحاسبَة حقيقيّة وخطواتٍ جادّة لكسب ثقة الانسان العُماني .. الذي لولاه فلن تكُون عُمان اليَوم والغد.

 

السبت، 17 يناير، 2015

شارل إيبدُو .. أحاديثُ الكوميديَا والخَوف والاستحمَار

عائشَة السيفيّ



"اليوم أغلقَت مدرسَة يهوديّة في أمستردام تحسباً من وقوعِ هجمَات"
اقتربَت مني زميلتي في العمل..
"لا أريدُ إخافتكِ ولكن حاذري"  في إشارَة منهَا إلى أحداث تشارل إبدُو وبلجيكا ..
نظرتُ إليها بدهشَة فتابعت: احتمال وقوع هجمَات تجاه المسلمين في هُولندا ضعيف ولكنّ هذا لا يمنع من أن تحذري .. هنالك من ينتظر وقوعَ أحداثٍ معادية ليخرجً الشيطان الذي بداخلهِ .. هنالك مراهقُون يتابعُون الإعلام وقد يودّون إفراغ شحنة كراهيّتهم تجاه شخصٍ أعزل .. حاذري فقط" ..

***

قبلَ أسبوعٍ كنتُ أخبرُ صديقتي عن نيتيْ قضاء إجازة نهاية الأسبوع في فرنسَا فقالت لي انتبهِي .. فالأحداثُ تشتعل .. قللتُ من شأنِ الأمرِ بل وسخرتُ منه .. سوفَ ينسى العالمُ هذا الجنونَ سريعاً
من يصدّق كيفَ تتشابكُ الأحداثُ والمشاهد بهذهِ السرعَة .. من حيٍ صغيرٍ في باريس خرجت الشرَارة إلى بلجيكَا فهولندا..  ومن يدفعُ الثمن؟! نحن!

***

لا أفهمُ لماذا يعتقدُ أيّ عاقلٍ أنّ رسم رسُومات كاريكاتيوريّة لنبيّ هوَ أمرٌ كوميديّ ومضحك بصرفِ النظرِ إن كانَ هذا النبيّ هوَ محمّد أو أيّ نبي آخر! وأنّ تجسيد شخصيّة مرّ على موتها 1400 عام بالإمكان أن يثيرَ ضحكَ انسان..
لن يكُون مضحكاً رسم كاريكَاتير لرجلٍ يتجاوزُ أتباعه 1.6 مليار نسمة .. تخيّل أنك قمتَ باستفزاز 1.6 مليار شخص على وجهِ الأرض وإهانة رمزٍ مقدّس لهم .. إذا اعتبرنَا أنّ 1% منهم مجانين بما يكفي ليردُوك قتيلاً لإهانتك رمزهُم المقدّس فنحنُ نتحدث عن 16مليُون شخص قد يهاجمُونك بطريقَة أبشع مما تتخيّل قد تكلّفك حياتك .. إذن ما هي احتماليّة أن تمُوت لسخريّتك من النبيّ محمّد!؟
لماذا يعتقدُ أحدٌ ما أنّ الضحكَ على الأموات أمرٌ كوميدي .. وأنّ السخريّة من شخصيّات تاريخيّة تعرّضت للظلم والقهر طوال حيَاتها بدءاً من مُوسى حتّى محمّد بالإمكان أن تصبح مادّة للضحك على اعتبار أنّها حريّة تعبير؟ من يجدُ أنّ السخريّة من بوذا أمرٌ مضحك؟ وهل يعتقدُ أيٌ منا أن رسم كاريكاتيُور لبوذا قد يثير الضّحك في نفسِ أيٍ من أتباعه؟
على الصحافة الغربيّة أن تتوقف عن حشر الأديان ورمُوزها وسط الترّهات اليوميّة .. الحديث عن الأديان هي أحاديث شائكة .. مليئة بالعواطف ومحتشدة بالألم .. وهي لا يمكِن إلا أن تكُون أحاديث شخصيّة يأخذها النّاس على محمل الجدّ ولا يجدُون فيها شيئاً من الطرافة حين يتعلق الأمر برموزهم.. رموزهم الذينَ ليسُوا رجالات دولة .. ليسُوا سياسيين لتسخرَ منهم .. وليسُوا معارضينَ أو ممثلي أحزاب محسوبين على الحكومةِ أو خلافها .. إنّهم "أموات" يمثّلون للملياراتِ قصصَ كفاحٍ مليئة بالألم والمعاناة ولا يمكن لأيٍ منا أن يعتقد أنّ السخريَة منهم قد تبدُو أمراً طريفاً .. السخريَة من الأموات هوَ أمرٌ رخيص فما بالكُم لو كانُوا رموزَاً مقدّسة دينياً؟

***

لن يخالَ أحدٌ كيفَ ترتبطُ الأحداثُ ببعضها .. فبإمكان أربعَة مجانين (واحدَة منهُم كانت تضع صورهَا بالبكيني على الفيسبُوك قبلَ أن تثور حميتها) لا يمثلون أكثر من صفر بالمائة من تعدَاد المسلمين أن يثيرُوا بتصرّفهم الأهوَج موجة من الكراهيَة والنفُور تجاه المسلمين وكيفَ لصفحَة كرتونيّة أن تنتهي بإثَارة موجَة كراهية عالميّة تجاه ملايين المسلمين المنتشرين في الأرض وكم هوَ شعُورٌ بغيضٌ أن يعيشَ المرءُ خائفاً ، متوجّساً لا لخطأ ارتكبهُ أو حماقةٍ أقدم عليها ولكن لأنّ صحيفَة رخيصة أثارت جنُون أربعة إرهابيين قرروا إرداء حياة طاقم تحريرها فحاكمَ النّاس 1.6 مليار شخص على فعلةٍ هوجاء لم يكن لهُم بها يد! وأيّ شعُورٍ مقزز أن تعيشَ فتاةٌ مثلي ملتزمة بالقانون ، تدفع الضريبة ، ومجتهدَة في عملها ولا تؤذي أحداً في بلدٍ متحضّر يتعاملُ معيَ الناس فيه بحضاريّة ولكنّني لا يمكنُ أن أخطئ المشاعر المشحُونة التي أهجسها وأنا بينهُم تجاهَ المسلمين .. هذه المشاعر التي لن يخرجها أمامي الهولنديُون بطبعهم المتحفّظ ولكنّ مسلمين آخرين يعيشُون بين شعُوب هوجاء كالألمان والبلجيكيين سيدفعُون ثمن تصرّف أحمق وغبي في بلدٍ آخر بين شعُوبٍ تحتقرنا ولا تبدي حرجاً من إبداء ذلك .. طباعٌ عرفتهَا وخبرتُها بعدَ أن ذرعتُ البلدينِ وعرفت طباع أهلها ..

***

قبلَ أيّام كنتُ أقودُ درّاجتي إلى العمل .. وكانَ طالبَا مدرسَة يقودَان أمامي وقد سدّا الطريق فشغلَ كلٌ منهما حارَةً بدراجتهِ .. أبطأتُ سرعتي وظللتُ خلفهما حتّى انتبهَ أحدهما إليّ وأشار إلى زميلهِ بأن يفسحَ لي الطريقَ ففعل.. مضيتُ في طريقي فإذ بي أسمعُ صراخهُ خلفي.. كانَ الصبيُ يرطنُ متذمراً من أني لم أشكرهُ لإفساحهِ الطريق أمامي.. تجاهلتهُ وأكملتُ طريقي.. حينَ حكيتُ لصديقتي الهولنديّة ما حدث بادرتْ معتذرة .. ثمّ قالت: أنت تعرفين الأحداث الحاليّة (تلميحاً منها لا تصريحاً إلى تشارلي إيبدو) .. بعضهُم يبحثُ عن عذرٍ للإساءة .. هكذا قالت..
كنتُ أفكّر أنّ أوّل ضحايا الإرهاب باسم الله والدين هُم بنُو المعتقد نفسه .. ولم يكن ذلك مستغرباً فأنا التي لا يمرّ يومٌ دونَ أن أتصفّح فيه الديلي ميل أمضيتُ أسبوعين منذ واقعة شارل إيبدُو وأنا أفتح بشكلٍ يوميّ الصفحَة الأولى لأقرأ كلّ صباحٍ خبراً ما عن "الإرهابيين المسلمين" .. كيفَ للعالم ألا يكرهنا! وكيفَ يمكنُ ألا نمقتَ أنفسنا!

***

وعلى طريقَة "وسلّط عليهِم كلباً من كلابهم" يخرج لنا عمدَة روتردام المسلم ذو الأصول المغاربيّة ليقول على الهواء بطريقَة "سوبرمانية" للمسلمين: أنّ من لا يستطيع أن ينصهر في المجتمع الأوروبيّ فعليهِ أن يحملَ أمتعته و"يلتعن" .
هنالكَ بعض الأشخاص الذينَ لا يستطيعُون أن يبرزُوا حجمَ عنصريّتهم وكراهيتهم تجاهَ المسلمين ولذا فإنّ أي صوتٍ يخرجُ منهم مثل تصريح سعادَة العمدَة سيكُون فرصةً لشخصٍ عنصريّ وكريهٍ مثل عمدة لندن ليردّ فوراً مثنياً على حديثِ عمدة روتردام بقولهِ: "أنتَ بطلي"!

***

لقد توقفتُ منذ زمنٍ عن تبرير نفسي وأظنّ أن على الجميع أن يتوقف ويغادر موقف الدفاع التاريخي الذي حُشرنَا فيهِ رغماً عنا .. لستُ مضطرةً لتبرير كلّ هذا العته والبله والفرَاغ الدينيّ الذي يتخبّط فيه البعض وسرعَان ما يتحوّل إلى نموذج داعشي ممتلئ بالعقد .. لستُ مضطرةً لتبرير كلّ هذا الاستحمَار على اعتبار أنني جزءٌ منه ..

 لا أعرفُ لماذا عليّ تبرير معتقداتي أمام الآخرين فقط لأني أرتدي قطعة قماش على رأسي كافية لاعتباري نموذجاُ أصولياً! لو أراد 1.6 مليار نسمة أن "يلعنُوا خير العالم" لاستطاعوا! من يستطيع إيقاف هذه القوة البشريّة الهائلة؟
ولكننَا دائماً سنظلّ ندفع ثمن كلّ الجهل والحماقة والحيوانيّة التي حشرتنا داخلها جماعاتُ داعش وطالبان والقاعدَة .. هؤلاء الذين يظنّ الأوروبيون أننا نعيشُ معهم في حيّ واحد.. نعم الأوروبيون يعتقدُون أنّ الشرق الأوسط بأكملهِ هو حيّ صغير.. أنا لم أقابل طالبانياً ولا داعشياً في حياتي .. والهولنديون الذين قابلتهُم هم أكثر بكثير من العراقيين والسوريين الذينَ تحتل داعش أرضهمُ اليوم .. أنا القادمة من عُمان .. من شعبٍ لا يؤذي أحداً ، مسالمٍ ومحبّ أضطرُ دائماً لتبرير نفسي كضريبةً للجنُون الذي تمارسهُ جماعة قذرَة كداعش!
في ألمانيا تحديداً وأكثر من هولندا أتلقى كلّ الأسئلة الطريفة المثيرة للضحك.. هل يسكن داعشيُون في حيكم بعُمان؟ هل يسمحُون لكم بقيادة السيارة؟ كيفَ تحتملين ارتداء العباءة السوداء وسط سخونةِ الجوّ في عُمان؟
هذه الأسئلة والنظرات المرتابَة كنّا نختبرها سابقاً مع الشيُوخ والكهول الأوروبيين أكثر من الشباب على اعتبار أنّهم يقضُون أغلب وقتهم يتابعُون نشراتِ الأخبار التي تصدّرها الصحافة الغربيّة كالعادَة بأخبار الإرهاب القادم من الشرق الأوسط ولكننا اليوم أصبحنا نتلقى هذه الأسئلة من ثلاثينيين وأربعينيين وهوَ أمرٌ مخيف وبغيض ومزعِج ..

***

قالتْ لي صديقتي الهولنديّة –التي قرّرت في جلسَة سمرٍ غلبَتها الشفَافية- أن تفتحَ لي قلبها..
"قبلَ أن أعرفك كنتُ أتطيّر من ايّ فتاة ترتدي حجاباً .. نحنُ نعتقد أنّ ثلثي مشاكل العالم قادمة من العرب"
وقبلَ نتالي .. همسَ لي صاحبُ نزلٍ نمساويّ في قريةٍ صغيرةٍ قضيتُ فيها إجازةً بالنمسا أنني كنتُ من العربِ القلائل الذي استأنسَ إلى الحديثِ معهم ..
"الفرنسيُون والألمان يقولونَ لي كيفَ تقبلُ استضافة عربٍ في نزلك؟ ألا تخاف" .. ثمّ أكمل "أخافُ كثيراً من السعوديين.. عندما أرى نساءهم متلفعات بالسوَاد من قمة رأسهنّ حتى أخمص قدمهنّ أتساءل هل يخفين تحتَ ثيابهنّ قنبلة؟!!!"

***


"إن أي قضية فردية أو اجتماعيّة ، أدبيّة كانت أم أخلاقيّة أم فلسفيّة دينيّة أو غير دينيّة تُفرَض علينا وهيَ بَعيدة عنِ النباهَة الإنسانيّة والنباهةِ الاجتماعيّة ومنحرفَة عنها إنّما هي استحمَار"  - علي شريعتي في "النباهة والاستحمَار"