الثلاثاء، 17 يوليو، 2012

وانشرُوا صورَهُم بـ"الكلبشـَاتِ" أيضاً!

ورغمَ الضجّة الشعبيّة التي حدثَتْ إثر نشرِ صور الدفعَة الأوّل من المُحاكمين في قضيّة الإساءة للذاتِ السلطانيّة، إلا أنّ وقتاً لم يمرّ كثيراً لتنشر صوَرُ الدفعة الثانيَة من المُحاكمين في تجاهلٍ صريحٍ للضجّة التي صاحبَتِ النشر الأول ..


نشرُ صور المُحاكمين "بملابس السجن" كانَ صادماً للكثيرينَ وَأكسبَ المُتهمين متعاطفين كثر ساءهم النشرُ –وكنتُ منهم- رغمَ أنهم لم يحظَوا بتعاطف شعبيّ قبل نشرِ الصور .. ولم يكنْ ينقصُ سوى نشرِ صورهم "مُكلبَشين" وإرفاق أرقام هوَاتفهم لإخرَاج الصُورَة على أعلى المستويات!


الغرض من نشرِ الصورِ لا يزالُ مجهولاً .. إلا أنّ من الواضح أنّ ثمّة رسالة معيّنة يودّ الادّعاء العام تمريرها للرأي العام ..


الصُوَر التيْ لم نألفها إلا أثناء الإعلان عن القبض على عصَابات "آسيوية" لتهريب المخدراتِ أو إدارة شبكاتِ دعارة .. وحتّى المتهمّون في قضايا الشّرف والاغتصاب لا نجدُ صوَرهم في مقدّمة الخبر! أسماءهم الكاملة! تواريخ ميلادهم! وظائفهم! ..


فمنْ هوَ صاحب هذهِ الفكرَة "العبقريّة"؟


**********


لم تكنْ الصحفُ لتنشرَ صور الدفعَة الأولى .. ثمّ تطالعنا مجدداً بنشرِ صور الدفعَة الثانية، لم تكُن لتجرُؤ على نشرِ صورهم لولا مباركَة وإشارة خضراء عريضَة من الإدّعاء العامّ الذي بدأ يضطلعُ بدورٍ أكبر بكثير .. بكثيرٍ مما اعتدنا عليه ..


نشرُ الصّور في صحفنا المحليّة التيْ اعتقدنا لوهلَة أنّها تخلّصت من سلطَة التبعيّة هوَ إجراءٌ عسكريّ أكثر منهُ قانونيّ .. بل وإنّ الفِكر الذي بدأ الادعاء العامّ في بثّهِ هوَ فكرٌ "عسكريّ" أكثر من فِكر "العَسكر" أنفسهم ..


ففي عُمان .. لم يعدْ "العَسكر" أو "الشرطة" من يديرونَ القبضَة الأمنيّة لدينا في عُمان .. بل أصبح الجهَاز القانونيّ والقضائيّ ممثلاً في "الادّعاء العام" هوَ من يحرّك دفّة الأحداث، فهُمْ منذُ اعتصَامات 2011 من تولّوا إصدار البيَانات .. وهمْ من يتولّون تحريك القضايا .. وهُم من يعتذرُون عن محاكمَة الفاسدِين "لعدَم الاختصَاص" ، وهمْ من يتولّون توجِيه التهم في الاعتصامات الثانويّة التيْ تلت فضّ الاعتصامات .. وهمُ الجهَة التيْ تهدّد وتتوعد وتحَاكم وتحَاسب .. إنّهم ببساطة "القبضَة الناعمَة" التيْ لا يستطيعُ أحدٌ الوقُوف أمامها .. فمنْ يستطيعُ منّا التحايل على القانون؟ ومن منّا يستطيعُ الإفلات من قبضتهِ إذا كانتِ البنود واضحة..


*******


الدورُ المتصاعد للإدعاء العام لم يأتِ خبطَ عشواء بل هوَ دورٌ مدروس جداً .. فمبادرَة محاكمة المسيئين للسلطان هي أكبر بكثير من سلطة الادّعاء العام ولم يكنِ القرار ليخرجَ بملاحقتهم قضائياً لولا "إشارة خضراء" من جهاتٍ أكثر نفوذاً من البلد من الادّعاء العام ..


المحاكماتُ هذهِ .. ومسلسل نشر الصّور وتصدّر الأخبار في الصفحات الأولى بلْ والأحكام المتشدّدة التيْ لم نتوقّع أن تكونَ بهذا الحزم ليسَ استعراضاً فحسب بلْ هوَ للتاريخ .. لأنّ محاكمَات كهذهِ هيَ الأولى من نوعها ستحدد مستقبل الموضوع .. فالتساهل معهم قدْ يشجّع آخرين على نهج من سبقوهم والتعامل معَهُم بهذهِ الشدّة سيكفّ مسلسلاً طويلاً لم يبدُ أنهُ سينتهيْ قريباً حينَ كانَ سيل الإشاعات يتوَالى على هواتفنا ومواقعنا الاجتماعيّة .. بل إنّ كلّ شخصٍ قرأ بيان الإدّعاء حولَ الإشاعات يلحظُ تماماً أنّ سيل الأخبار "المتهكمة" التيْ كانتْ تتابعُ إنفاق السلطان وسيرَ رحلةِ "إجازتهِ" وسيل الإشاعات توقّف "تماماً" منذ نشرِ البيان ..

*******


حسنَاً .. لماذا علينَا أن ننتبهَ جيداً لهذا الدّور المتعاظم الذي بدأ الادّعاء العام في ممارسته؟ لماذا علينا أن نشعرَ بالخوفِ من "البياناتِ الأقرب في لهجتها إلى العسكريّة" والتيْ بدأ بإصدارها؟ لماذا علينَا أن نطالب بتحديد وفهم الصلاحيّات المنوّطة بالإدّعاء العام الذي بدأ يأخذُ الواجهة فيمَا توَارى "جهَاز الأمن" وَ"الشرطة" من واجهَة الحدث؟


لماذا علينَا أن نفعلَ كلّ ذلك؟





لأنّه لا قانونَ يحمِينا من "قبضَة الادّعاء العام" .. فالتعديَلات التيْ صدرَتْ قبل بضعِ أشهرٍ في قانُون الجزاء العُمانيّ تقفلُ أمامنا تماماً باب "التملّص" من تهَمٍ كالتحرِيض وبث دعايَات مثيرة .. ولا يوجدُ في قانونِ الجزاء ما يحددُ صفةَ التحريض ولا صفة الدعايات ولا صفَة البيانات المسيئة .. الأمرُ متروكٌ بصيغة مطاطيّة جداً لتقدِير الادّعاء العام وتقدير القضاءِ من بعده ..


لا يوجدُ ما يحمِينا من الزجّ بنا في السّجن بتهمَة التحريض .. بل إنّ قراءتنا لقانون الجزاء العُماني تشعرُ أنّ بالإمكان قلب الطاولة على أيّ مقال ينتقدُ السلطة َ في عُمان وينتقدُ السلطان بسهولَة شديدة ..



*******


لماذا أشعرُ بالقلق؟


أشعرُ بهِ لأنني أؤمنُ أننا لا نمتلكُ قانوناً ناضجاً بما فيه الكفايَة للتمهيدِ لحركَةٍ ديمقرَاطيّة في التعبير عن الرأي .. ولأنني أؤمن أن حالة الانفتاح في التعبير عن الرأي والنقد التيْ نعيشها مؤخراً لو دُرِسَتْ لوجدنا أنها خارج القانون بالنظرِ إلى بنودهِ .. وأنّ سكُوتَ الأجهزة الأمنيّة التيْ أرى أنّ الادّعاء العام أصبح أحدها .. هوَ فقط استجَابة لحالة التهدئة والسياسَة الحكيمَة التيْ انتهجها السلطان .. يا ترَى هل نستشرفُ سياسَة ً تشبهُ سياسَتهُ في المستقبلِ حينَ لا يكُونُ السلطانُ حاضراً بيننا .. من يحمِينا اليَوم هوَ سياسَة الحاكم .. لا قانونَ جزاء ولا قانون مطبُوعات .. إنّها فقط سياسَة الحاكم والحَاكم فقط ولأجلِ ذلك فإنّنا ينبغيْ أن نطالبَ بالتغيير ونعمل على قوانينَ تحمينا اليوم قبل الغد .. فالثمرَة التيْ بأيدينا اليوم قد لا تكونُ كذلك غداً..


قانُون المطبوعات الذي كانَ معوّلاً على مجلسنَا الشُوريّ العمل على إعادة صياغتهِ ، تخلّى عنهُ أعضَاؤنا الذينَ انتخبناهم ليركّزوا على قضايا أخرى أقلّ أهميّة .. قضايا تختصّ بالطُرُق والبلديّات والاختلاط في المدارس .. قضايا متعلقَة بنهضة الجُماد .. ونسوا القضيّة الأهمّ في بلادنا .. قضيّة الانسَان .. الحرّ القادر على التعبير بالإيجاب أو الرفض .. أينَ مشرُوع الانسان .. ومشروع القانون الذي يحمي صناعة الانسانِ في عُمان .. أينَ ذهبَت قضايا النشرِ والتعبير عن الرأي وقانون المطبوعات من أجندة مجلسلنا الشوريّ .. قانُون المطبوعات الذي نعوّل أن يكونَ صكّ حمَايةٍ لنا تخلّى عنهُ ممثلُو الشعب وأحالوهُ لجهة أخرى لدراسته ..



*******


حينَ تمّ الإعلان عن نيّة الإدّعاء العام ملاحقَة من يبثّون الإشاعات والبيانات المسيئة والملفّقة .. حظيَ الموضوعُ بمساندةٍ شعبيّةٍ كبيرة لبيان الإدّعاء .. وكنتُ واحدة ً من هؤلاء في الوقتِ الذي كنتُ أتلقّى فيهِ عشراتِ الردود على مقاليْ "هل أنفقَ قابُوس بن سعيد 64 مليُون على منظّمات بريطانيّة" .. كنتُ أتلقّى عشراتِ الردود يومياً .. نشرتُ أغلبَها إلا أنني في نفس الوقت كنتُ أتلقى ردوداً تحمل "شتَائم قذرة لشخصِ السلطان" بل وَ"ألفاظ جنسيّة خادشَة في حقّه" كتبها بعضُ من ردّوا على مقاليْ .. وبادرتُ بحذفها ..


كنتُ أشعرُ حينها أنّ من الواجبِ التحرّك لإيقافِ هؤلاء ومنَ الواجبِ ملاحقتهم لأنّ حريّة التعبير لم تكنْ يوماً ما يعتقدُهُ هؤلاء .. ولأنّ الديمقرَاطيّة التيْ نطالبَ بها ينبغيْ أن تنطلقَ من مبدأِ "لا ضرَر ولا ضرار" .. وأننا يجبُ أن نضعَ الذوق العامّ دائماً أمامنا ونحنُ نمارس النقد الذي لا ينبغيْ أن يتوقّف .. ينبغيْ أن يستمرّ وألا يكونَ أحدٌ بمنأى عنه حتّى السلطان نفسه .. أن ننتقد ونرفض لأننا مواطنُون نعيشُ على هذهِ الأرض سوَاسية .. ولكنْ ألا تتحوّل الحريّة إلى بذاءَة في الألفاظ وتمادٍ في الإيذاء ..



*******


ما يفعلهُ الإدّعاء العام يضرّ بصورة القضيّة ويسيءُ لصورَة السلطان نفسهِ ولسياستهِ .. ولذا فإنّ على العقلاء أن يتدخّلوا في الأمرِ لأنّ سياسَة "التشفّي" ليستِ الحلّ .. على الجمعيّات الأهليّة أن تكونَ حاضرةً في قلبِ المشهدِ .. على أعضاء مجلسِ الشورى أن يعبّروا عن رفضهم .. على رئيسهم الشيخ خالد المعوليْ أن يقودَ المبادرة .. على الدكتُور عبدالله الحرّاصي .. أن يفتحَ المنبر للنقاش حولَ ما يحدث لأننا مساءَلون تاريخياً بأن نقفَ موقفاً وسطاً .. فرفضنَا لإساءاتِ المتهمين في حقّ السلطان لا ينبغيْ أن يتحوّل إلى سياسَة تشفٍ أو نزعِ حقهمْ في معاملتهم معاملَة حياديّة ليسَ أحدها نشر صورهِم "بملابس السجن" على الملأ..


أودّ أن أسألَ عن الهدفِ من نشرِ صورهم؟ من نشرِ كافَة التفاصيل عنهم! أسماءهم الكاملة؟ وظائفهم؟ تواريخ ميلادهم؟ ما الذي يضيفهُ للقضيّة أكثر من إكسَاب متعاطفين جدد للمُتهمين؟ بل وخلقِ كارهين وناقمينَ أكثر على سياسَات الدولة .. شبابٌ صغارٌ مواليد 1991 و1989 و1988 ..شباب جميعهم في منتصف عشرينيّاتهم كانَ بالإمكان احتواؤهم بأحكامٍ مخففة.. فلماذا كلّ هذا التشدد المبالغ به؟


أخالُ .. بلْ وأجزم أنّ هذهِ السياسَة لا يقبلها الشخصُ الذي أسيءَ إليه .. السلطان قَابوس .. السياسةُ التيْ ينتهجها الإدّعاء العام لا ترضيْ أحداً ولا ترضي في المقام الأوّل السلطان قابُوس .. ولا أظنّ أنه لو بلغهُ ما يمارسُ بحقهمُ اليومَ من تشهير .. أنه سيقبلُ ذلك!


وأشعرُ بتفاؤلٍ كبيرٍ في أنّ عودة السلطان إلى عُمان قد تتبعهَا أحكَام عفو عامةٍ عنهم .. نعمْ! أشعرُ كثيراً بأنّ هذا ما سيكونُ عليهِ سيناريُو القضيّة.. أتمنّى ذلك .. ولكنّني أتمنّى قبلَ كل شيء .. أن يكونَ التحرّك أوسع من مجرّد عفوٍ عام .. أن يكونَ التحرّك على مستوَى قوَانين وبنُود وأنظمة تحمِينا .. فالتعوِيل على سياسَة فرد واحدٍ هوَ الحاكم في صنَاعة التغيير.. وإن نجحت لمدَى قصير إلا أنّها لا يمكنُ أن تكونَ الحلّ في حمَاية أجيال متعاقبة من ظلاميّة القوانين وجَورها!