الأحد، 29 ديسمبر 2013

كان يَا ما كَان : الوَاقع الغَائب عن مُؤسساتنا في عُمان!


الإدارَة بالتمكين..  

كان يَا ما كَان : الوَاقع الغَائب عن مُؤسساتنا في عُمان


عائشَة السيفيّ

http://ayshaalsaifi.blogspot.com/


في كتابِ "التمكين يحتاجُ أكثر من دقيقة" كسرَ المؤلفونَ الثلاثة كين بلانشارد ، آلان راندولف وجون كارلُوس القواعد الرئيسيّة المتعارف عليهَا لمفهُوم التمكين مؤسسينَ لثقافةٍ جديدَة قوامها أنّ التمكِين ليسَ في إعطاء مزيد من الصّلاحيّات والسلطة –كالنمُوذج العُماني جداً- ولكن في أخذ الصلاحيّات والسلطة من الأشخاص الذينَ يملكونها من الأساسِ وتوزيعها على الآخرين ..

ويؤسس المؤلفُون الثلاثة لثلاث قواعِد رئيسيّة للإدارَة بالتمكين هيَ  تشاركُ المعلومات ، كسر حدود السلطة المركزيّة، تحوِيل الإدارة العليا المركزيّة إلى مجموعة من الفرق.

ويتضمّن الكتَاب قصصاً كثيرَة من واقع الإدارة ترسّخ لمبدأ الثقة بين المدير وفريقهِ ، وبينَ تعزيز الموظفين بذكرِ محاسنهم حينَ ينجحُونَ والتركيز على الأسبابِ التي أدّت للخطأ لا "من أخطأ" حينَ يخطئونَ ،

وكيفَ أنّ الإدارَة بالتمكين أصبحَت هي الحلّ لصنَاعة العمَل المؤسسي النّاجح.

عندمَا قرأتُ هذا الكتَاب استحضرتُ مباشرَة التصرِيح الذي خرجَ به وزير الدولة للشؤون الخارجيّة يوسف بن علوي في وصفهِ للمؤسساتِ الحكوميّة بأنّها مؤسسات مترهلَة وكيفَ أنّ هذا التصريح جاء بعد فترةٍ من محاولة الحكُومة وضعَ "الأشخاص أصحاب المؤهلاتِ المناسبة" على رأس المؤسسات الحكوميّة المناسبَة ورغمَ ذلك فإنّ النظام الحكوميّ ظلّ "بترهلهِ" كما هوَ دونَ أن يستطيعَ هؤلاء رفعَ كفاءة أنظمتهم أو على الأقل تسخِير القوى العاملة التي ضخّت بالآلاف في المؤسساتِ الحكوميّة دون خطّة عمل واضحة أو رؤية تدرِيب ورفع كفاءة مدروسة فيمَا ينفع مؤسساتهم ويفرّغ طاقاتهم .. فأينَ كانَ موقع الإدارة بالتمكِين؟

لعبَت عوامِل كثيرَة أثرَها في فشل رفع كفاءة المؤسسات الحكوميّة أبرزها أنّ رأس الهرم تغيّر ولكنّ من أسفلهُ ظلّوا كما هم وفق المواصفات القدِيمة والأفكَار المترهلة محتفظِين بـ"إرث" سلطاتهم وصلاحيّاتهم لا يساومهم فيهَا أحد.


القليل من المسؤولين والمدراء .. والكثير من "العُمال"


لنبدأ بالقواعدِ الرئيسيّة الثلاث وأبرزهَا تحوِيل الإدارة المركزيّة إلى مجموعة من الفرق فما معناها أن تكُون صلاحيّة إصدار القرار مسندَة إلى فئة معيّنة فقط. لماذا لا توزّع سلطات القرار إلى مجموعة فرَق صغيرَة. الأمر أشبه بنظام خليّة النحل، ملكَة واحدة والبقيَة يشتغلون.

إنّ إسناد الصلاحيّات واحتكارها على فئة صغيرة من طاقم المؤسسة أدّى بكثيرين إلى "تفرعُنهم" وإلى الآخرين ممن لا يملكُون صلاحيّاتهم إلى البحث "عمّن يتفرعنون عليهِ" وهو "المرَاجِع المسكين" في أغلب الأحيان ..

هذا يذكّرني بموقفٍ حدثَ لي إذ تأخّرت وزارة الاسكان –كعَادتها- في إحدى إجراءاتها التي وعدَت بإتمامه في أسبوعين إلى 11 أسبوعاً. فما كانَ منّي إلا أن ذهبتُ إلى مديريّة خدمات المراجعين بالوزارة للشّكوى وهناكَ رأيتُ المضحكَ المبكي. إذ أقفلَ مدير الخدمَة المراجعين بابه "بالقفل من الدّاخل" عن المراجعِين. فذهبتُ إلى النّائب فوجدتُ "بابه مقفلاً من الداخلِ أيضاً" .. ورأيتُ النّاسَ وقد تكدسّوا على مكتب مشرفِ متابعةٍ ، فتحَ لهم الباب فلا يعرفُ الرّجل –من كثرتهم- بمن يبدأ ومن ينتهي! هل سمعتُم بدائرة خدمة مراجعين يقفلُ مديرها ونائبه أبوَابهم عن "المراجعين" .. نعَم هذا يحدثُ في مؤسساتنا الحكوميّة.

أتيحَت لي قبلَ فترة فرصَة اللقاء برجل أعمال عُماني كبير تقلّد مناصب رفيعة من الحكومة ثمّ غادرها ليؤسس مشاريعهُ الخاصّة. قالَ لي أنّ العمل الحكوميّ سيظلّ متخبطاً ما لم يدركِ كلّ موظف حكوميّ أنّه "خَادم" للشعبِ والوطن. وأنّه لا يسدِي خدمَة إلى النّاس بل يؤدّي عملاً يقبضُ عليهِ أجرَة. إذن المزيد من العمّال والقليل من المدرَاء ما نحتاجهُ.


الكلمَة الطيبَة .. "ليست" صدقَة

هنالكَ "طريقَة سخيفَة" في الإدارة العمانيّة .. لا أعرفُ من اخترعها!


"لا تمدَح موظّفك ، عشان ما ينتفخ ويصير ما يشتغل زين ..

"لا تعطيه وجه في أي إنجاز وخلك حازم معاه وإياك تحسسه أنك راضي عن شغله عشان يظل دايماً مجتهد ويحاول ينال رضاك"

"تراك يُوم تمدحه ما عاد يركز على شغله وبيصدق عمره"

"أنا أقولك أنهم ما يمشوا إلا بالعين الحمرا"

المسؤولون في مؤسساتنا يعتقدُونَ أنّ الثناءَ على نجاحات "موظفيهم" هيَ صدقَة يتفضّلون بها عليهم وليستْ حقاً مكتسباً وطريقَة سهلَة جداً لرفع كفاءة فريق العمَل وتحبيبه في عملهِ .. حقيقة ً الله لا يوفقه اللي اخترع لنا هالطريقَة!


الهيئة العامّة لحمَاية المستهلك وميثاق الشّرف

خلقُ مؤسسات حكوميّة ناجحة ليست مهمّة مستحيلَة فقد فعلهَا الدّكتور سعيد الكعبيّ حينَ أسّس مؤسسة نُفاخر بها عالمياً وليسَ عُمانياً فحسب. حينَ أتيحتْ لي فرصَة الجلُوس مع هذا الرّجل سألتهُ ما الذي يجعلكَ تثق أنّ مفتشيك الذينَ يجوبون المحلاّت والمؤسسات التجاريّة وغيرها لن يخُونوك فأجَاب أنّه يقولُ لهم حينَ يقسمُون قسم المهنة أنّه يملكُ الشّجاعة الكافيَة ليقدّم استقالتهُ لو خانَ أحدهم ضميرهُ وشرفَ مهنتهِ ولكنني حينَ أستقيل سأمرّ من كانَ سبب استقالتي على مكتَب كلّ موظف في مؤسستيْ وأقول لهُ هذا من خانَ شرفَنا لأنّ ميثاقَ الشرف بيني بينَ كلّ موظفيّ هوَ الثقة فإن انعدمت فلا مكانَ لي بينهم. هذا رَجلٌ يزرعُ في نفُوس موظَفيهِ الولاء للمؤسَسة باعتبارها شرَفهم وعرضهم.

ولأنّ شخصاً كالكعبيّ استطاعَ خلق هذه المؤسسة الناجحة التي وقّع معها مجلسُ الوحدَة الاقتصاديّة التابع لجامعَة الدول العربيّة مذكرَة تفاهُم ليكونَ بروتُوكول عملها خارطَة طريق لعمل جمعيات حمَاية المستهلك العربيّة ووصفَها رئيس المنظمَة العالميّة للمستهلكينَ جيمس جست بأنّها تجربَة مبهرة ومن أنجحِ التجاربِ العالميّة ولذا فإنّه ليسَ من المستحيل خلق مؤسسَات حكوميّة جادّة إذا استطاعت تغيير نظام العمل إلى نظامٍ يصنعُ "عُمالا" ، لا مسؤولينَ ومدراء.

ثقافة السرّ وتشاركُ المعلومَة

كانَ يحلُو لأحد الزملاءِ تسميَة مؤسساتنا الحكوميّة بالصنَاديق التي لا تعرف مديريّة فيها ما ينجزُ في المديريّة الأخرى ولا المعلومات التي يمتلكها قسمٌ دونَ آخر .. بل إنّك حينَ تعملُ في مجالِ جمع المعلومات لأيّ غرضٍ بحثيٍ أو غيره لن تعجَب حينَ تحتاج لتقسِيم رسالة واحدة إلى خمسِ رسائل ليقبلَ رئيس كلّ قسمٍ استقبالها بما يُناسب اختصاصه. مؤسساتنا الحكوميّة تعمَل دون جسُور مشتركة. المعلُومات فيها غارقَة في نظَام الأرشفة الورقيّة العتيق الذي استبدلته الأنظمة الحديثة بأنظمة أرشفة الكترونيّة ناجحة تعيدُك في ظرفِ دقائق إلى ملفات مقفلة منذ عشرات السنوَات فيما يذهبُ التاريخ –في مؤسساتنا الحكومية- مع الأشخاص فلو أنّ شخصاً كان موكلاً بالعمل في مشروعٍ ما وغادرَ المؤسسة بلا عودَة فلا يوجد نظام يكفلُ تشارك المعلومة وتوثيقها مع أشخاصٍ آخرين ضمن المؤسسة. مؤسساتنا تعملُ فعلاً كصناديق معزولة عن الصناديق الأخرى ولأجلِ ذلك فإنّ المبادرَات البحثيّة تعاني بشدّة في هذا الصدد من هذا التشتت المؤسسي. وزارات تتوالد وهيئات تتوالد ففي موضوع المياه وحده هناكَ وزارة الزراعة والثروة السمكيّة المعنيّة بالثروة المائيّة فوق سطح الأرض ووزارة البلديّات وموارد المياه المعنيّة بما يتعلّق بالماء تحت سطح الأرض وهناكَ الهيئة العامة للكهرباء والمياه والمعنيّة بتوزيع مياه الشرب إلى المستخدمين. كلّ مؤسسة تغنّي على ليلاهَا.

في مؤسساتنا الحكوميّة يتم التعامُل مع المعلومة كأنّها سرّ. وكلمَة "سري جداً" حاضرَة بغزارة في ملفّات المؤسسات الحكوميّة وهوَ ما يرسّخ لغيَاب الثقة بينَ المؤسسّة وطاقمها أو المدير وموظفّيه. أذكرُ بشأنِ هذا الصّدد أنّ موضوعاً ما أثير في إحدى المشاريع بينَ مدير المشروع ومسؤولٍ برتبةِ رفيعَة. وحينَ ردّ مدير المشرُوع أضافَ العناوين البريديّة لفريقه الرئيسيّ ليطّلعوا على الحوار فسألَ ممثّل المؤسسة الحكوميّة المديرَ: لماذا أضفتَ فريقكَ في هذا الحوَار الموجّه إلى المسؤول ذي الشخصيّة الرفيعة فردّ عليه المدير: لأنّه لا توجد أسرار بيني وبين فريقي ولا يوجد ما يستدعي إخفاء شيءٍ عنهم. الثقَة هي المفتاح الرئيسي الذي كان يشيرُ إليهِ المدير والثقة هيَ الحلقَة المفقودة في تشاركِ المعلومة بمؤسساتنا الحكوميّة.


أصغَر مهندِس في الشركَة بوزِير في الحكومة

وحينَ نذهبُ إلى السلطة المركزيّة فإنّ قصص الواقع تصيبكَ بالدهشَة. فإذا ذهبَ المدير في إجازة أو سفر تعطّل كل ما على طاولتهِ ، تذهب لموظفيهِ فيقالُ لك لا نبتّ في الموضوع حتّى عودته. يُعهد بملفٍ معينٍ في مشروعٍ معيّن إلى موظّف بعينهِ فإذا ذهب في سفرٍ أو مهمّة عملٍ قصرت لأيّام أو طالت لأسابيع فلن تجد إجابة ً للموضوع إذ عليك أن تنتظر حتى عودة الموظف.

ويزداد الموضوع حدّة في الوزارات التي تقدّم خدمات للمراجعين فما أن تذهب لخدمةٍ ما وتجد الموظّف المعنيّ غائباً فلا تتوقّع أن يحلّها لك غيره. اذهب وعُد حين يعُود. لا قيمَة تُحتسب لوقتكَ كمراجع أخذ ربّما إجازةً من عملهِ للمجيء أو ربّما انتقل من ولايتهِ إلى المدينة المركزيّة من أجل تلك المعاملة. ظرُوف النّاس لا قيمَة لها في عُرف خدمَات المراجعين في المؤسساتِ الحكوميّة على الأغلب.

بل إنّ قراراتٍ تافهة جداً أو النظر في مواضيع معيّنة تصعَد إلى أعلى المؤسسة الحكوميّة للبتّ فيها ولعلّ ما يحضرني في ذلك أنّ مؤسسة ً حكوميّة ً رفعَت رسُومات لفرعِ مكتب لها لوزيرها ليدرسها ويعتمدها فإذن ما وظيفة قسم الهندسَة المضطلع بمراجعة هذه الرسُومات إذا كان على الوزير الذي لا شأنَ له بالهندسة أو غيرها أن يعطيهِم الإشارة الخضراء من عدمها. ما هذه المركزيّة في إدارة السلطات وإصدار القرارات الذي بلغتهُ مؤسساتنا الحكوميّة. موضوع كهذا يعتمدهُ أصغر مهندس في شركَة هندسيّة يُوكَل إلى مسؤول برتبَة وزير في وزارة حكوميّة. أيّ تمركُز في السلطَة وصلت إليهِ مؤسساتنا الحكوميّة.

السلطَة المركزيّة هذهِ أصبحتْ هيَ المتعارَف عليه وخلافهَا هو الشاذّ فليسَ غريباً مثلاً أن تبعثَ إلى مؤسسة حكوميّة وتبلغهم قبلهَا أنك تحتاج ليحضر خبراء في هذا المجال وذاك في الاجتماع وعندمَا تحضرُ الاجتمَاعَ تفاجئ بـ"المدير العُود" يتحدّث لساعتَين إلا عشر دقايق وينـَظِّر في كافّة الإجابات ثمّ يعقّب أخيراً: "عشَان ما أطوّل عليكم" ويترك مجالاً لـ"خبرائه الصامتين لـ110 دقائق" ليتحدّثوا في العشر دقائق الباقية. أصبحَ هذا البرستيج "معتاداً" جداً في مؤسساتنا الحكوميّة.


النظَام هوَ النظام

سننتظرُ لأعوامٍ لنسمعَ تصريحاً "شبيهاً" بتصريحِ بن علويّ حتّى لو تغيّرت أسماء المسؤولين في المؤسسات وازدادَت أعداد الموظفين وارتفعتِ الرواتب وظلّ النظَام الإداريّ هو النّظام لم يتغيّر وظلّ الموظّف الحكوميّ يستلم إخطار قبوله بالوظيفة ويستلم الإخطار التالي بمباشرَة العمل دونَ أن يُدرَّب أو يُهيّأ أو حتّى ليعرفَ حقوقهُ وواجباتهِ ويصبحَ فرداً منتجاً لا رقماً يضَافُ إلى أرقام موظفي المؤسسات الحكوميّة.

بودّي لو أنّ كلّ موظّف حكوميّ ومسؤول معيّن حديثاً يُمنح نسخَة شبيهَة من هذا الكتاب ويُمتحنَ عليهَا علّنا بذلك نحمِي مؤُسساتنا الحكوميّة من "السقُوط الكَبير".