الاثنين، 25 نوفمبر 2013

لا تفتنا في سوريَا يا شيخ!


حسناً .. لا أفهم لماذا استاءَ البعضُ من امتلاءِ ردود الشّيخ الخليلي في ظهورهِ التلفزيونيّ الأخير بالآياتِ القرآنيّة والاستدلالاتِ النبويّة وندرَة أو ربّما "خلوّه" من الآرَاء الشخصيّة والاجتهادَات الفرديّة في قضَايا واقعة بين سندان المذهبيّة ومطرقة السياسَة .. ألم يكفهِم انقسَام أغلبيَة رجالات الدّين في العالم العربيّ إلى "خطباء منابِر" .. وَ"منظّرين سياسيين"؟

هل علَى القلة القليلة أو ربّما الوحيدَة التيْ لم تنخرط في معمعَة الصّراع السوريّ السوريّ القطريّ السعوديّ العربيّ الصهيونيّ العالميّ إلخ إلخ إلخ؟ حتَى أصبح المفتون يصنّفون وفق موقفهم تجاه الصّراع السوريّ؟ وجرّت القلّة "الصامتة" جراً إلى المشهَد حتّى دفعَ البعضُ حياتهَ ثمناً لذلك كما حدثَ للبوطِي!

 لماذا على المفتي أن يكونَ سياسياً؟ لماذا على المفتي أن يعطي رأيه في سوريَا والاخوَان وإيرَان وعبدالفتاح الجريني؟
نريدَ مفتين يعلّموننا أمور ديننا وعباداتهِ وفقهه وصلّى الله وبارك. ديننا الذي أصبح الانسانُ القابضُ فيهِ على فرائضهِ في هذا الزّمان كالقابضِ على الجَمر. ديننا الذي يجاهد فيه النّاس اليَوم ليصلّوا فمنهم تاركٌ ومنهم مؤخرٌ للصلاةَ عن أوقاتها ويزكّوا ويحجّوا ويحافظُوا على أوطانهم كأنّها أعراضهم وشرفهُم.. لماذا نحتَاج إلى مفتين سياسيين وقد أفسدَت السيَاسة إعلامنا! وقد أفسدت ثقافتنا! وقد أفسدَت أدبنَا! وقد أفسدَت حواراتنا ولم يبقَ إلا رجَال ديننا ليطالهم عفنهَا.
السيَاسة التي كانت سبباً في أكبر الانقسَامات في التاريخ منذ حادثة مقتل عُثمان ثمّ مقتَل الحُسين. أرجُوكم أبقوا على ما تبقّى لنا من العقلاء!

نريدُ مفتين لا مرجِع لهم سوَى القرآن والسنّة ، يعلّموننا كيفَ نفهَم ديننا أكثر من فهم صراعاتٍ لسنَا أطرافاً وليسُوا أطرافاً فيها.. صراعاتٍ أصبحَ كلّ أحدٍ طرفاً فيها سوَى نحن! نريدُ مفتين غير مشغُولين بالآراء السياسيّة ولكنّهم مشغُولون أكثر بترسيخ أركان هذا الدين فينا ..أركان الدين في مجتمعات أصبح غايَة همّها "دينياً" أن تفهم "فرُوضها" عوضاً عن سننها.. فلو التفتَ أحدكم إلى من حولهُ وسألهُم عن أصول سجُود السهو وأسبابها وقواعدها لما عرفُوا. ولو سألهم عن قوَاعد واشتراطات صلاة السّفر لحصلَ على إجابات يرتفعُ لها الحاجب! لو سأل عن أركان الإيمان والإسلام لتأتأ كثيرونَ في جوابهم وخلطُوا بينها.

 من احتَاج إلى "دزّينة" تنظيرَات سياسيّة فليذهَب إلى الجزيرة والعربيّة. ومن احتاجَ إلى قنوَات تكرّس المذهبيّة فليمرّر جهاز التحكّم على قنوات نايل سات ولن يمضِي أكثر من ربع ساعَة دونَ أن يمرّ "عليهِ" كُوكتيل من القنوَات التي لا همّ لها سوَى تكريس المذهبيّة.

الأصوَات المتحمّسة التي تعالَت "تتأسّف" و"تندُب" على عدمِ وجُود قنوَات " إباضيّة" تروّج للمذهب أتمنّى أن تذهَب سريعاً "وبدُون أضرار" كما ذهبَ المنخفض الجويّ الأخير.

 لا نريدُ قنوَات تكرّس للمذهبيّة لأنّ احترَام النّاس للمذهبِ الأباضيّ قائمٌ على أنّه لا يملي على أحد ولا يكرّس لنفسه. والمذهَب الذي ينتقِصُ من الآخر ويعتقدُ أنّه الأفضل سيأتي من ينتقصُ منه من المذاهب الأخرى. نريدُ أجيالاً غير مشغُولة بالحوَارات الطائفيّة و"المناظرَات المذهبيّة" ..

 أجيالاً مشغُولة ببناء أوطانها واللحاق بهذا العالم الذي يتطوّر ضوئياً ويبتعد ويبتعد ويبتعد عنّا فيما نحنُ منشغلُين بالقدحِ في هذا المذهبِ وذاك والغيبيّات والجدَل حول "خلقِ القرآن" و"رؤية الله" ..

 نريدُ حوَارات لا يبدؤها الفردُ على أنّه أفضل من الآخر وأنّ على الآخر أن يتبنّى فكرتهُ لأنّ أي انسانٍ لن يخرجَ بنتيجَة إذا بدأ حوارهُ بكرسيّ مرتفعٍ عن محاورهِ ولكننا بحاجَة إلى حواراتٍ ندركُ فيها أننا قد نخرجُ مقتنعينَ بفكر الآخر. نريدُ أجيالاً لم "ينحَت" فيهَا لعشرَات السّنوات منذ ولدَت بأنّها أفضل من غيرهَا وأنّها على الحقّ والآخرُون على باطل.

 نريدُ أجيالاً تفهم حكمَة العقلاء، حكمَة تشبهُ حكمة هذا الرّجل .. المفتِي الذي استمدّ احترامهُ لا بانشغالهِ بالترويج لمذهبهِ بقدرِ انشغالهِ بنشرِ مفاهِيم التسامُح والتآلف بينَ المسلمين على اختلافِ مذاهبهم.

هذا الرّجل الذي اكتسَب احترام الشيعيّ والسنيّ قبل الاباضيّ لأنّه لم يكن معنياً في يومٍ ما بهذهِ النّعرات المذهبيّة. أتحدّث وأنا التي ما آمنتُ يوماً بالمذاهبِ بقدرِ إيماني بأنني مسلمَة من "الدرجَة الأولى والثانيَة والثالثة" تريدُون تكريساً مذهبياً ؟ افتحُوا "دستَة القنوَات" المذهبيّة وامتلؤوا بفقَاعات الكرَاهيّة السّوداء التي تبثها هذهِ القنوَات حتّى وصلَ الحالُ بأحدها بأنّ تشرّع اغتصَاب أصحاب مذهبها لأصحاب مذهبٍ آخر.

لا نريدُ مفتِين يفتُون بتكفِير من يحبّ "الأسَد" ولا آخرِين يفصّلون لهُ أحكاماً جاهزةً للقتل . لا نريدُ رجالَ دينٍ يعتبرُون مقتلَ شيخٍ "كالبوطي" حدثاً يستحق الاحتفال ولا "أزهريين" يفتُون بجوَاز قتلِ متظاهري رابعة.

هؤلاءِ المفتُون الذين تطلّخوا بالطين سوفَ يجفّون سريعاً ويتكسّرون عندمَا يجفّ ماءُ أنظمتهم السياسيّة عنهم.

ولذا فلتصُونوا ما تبقّى من الفقهاء الذينَ أدركُوا أنّ كلاً مسخرٌ لما خلقَ لهُ ، وما خلقُوا له.

أدّوا فرضَ ربّكم كما شرّعه الله عليكم وصلّوا وصومُوا وزكّوا و"لا تسرقُوا" .. وستكُون أمور دينكم ودنياكُم "طيبَة" بإذن الله!