الأربعاء، 24 فبراير، 2010

ماركِيز نفسهُ لا يعرِف من فعلهَا !/ ردُهـَات

ماركِيز نفسهُ لا يعرِف من فعلهَا !

عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com

لطَالما شعرتُ أنني بشكلٍ خارج عن إرادتي متعصّبة لكتابات جابرييل جارسيَا ماركيز .. فأنا لم أقرأ لهُ أياً من رواياتهِ إلا شعرتُ أنها أجملُ كتابٍ أقرؤه على الإطلاق .. هذا العَام ، لم أقرأ إطلاقاً إلا لجابرييل جارسيا ماركيز من النتاج الروائيّ ولطالما تساءلتُ لو أنّي أنهيتُ كلّ رواياته فما بإمكاني فعلهُ؟

حدثَ كلّ ذلك ربّما لأنّي تعرفتُ إليهِ عن طريق المترجِم الفذّ صالح علمَاني الذي لولاهُ لظلّ جابرييل ماركِيز مجهولاً لدَى القارئ العربيّ ..

يطلّ معرضُ الكتابِ دونَ أنْ أبيّت نية ً لزيارتهِ بالنظرِ إلى أنّي حملتُ دستَة كتبٍ من معرضِ العامِ الماضي ولم أتمّ قراءة نصفهَا .. وبما أنني لستُ من هوَاة عرض الكتبِ كتحف فقد قررتُ ألا أزُور المعرض فلديّ مؤونة كتب كافيَة أعيشُ عليها حتّى معرضِ العام المقبل.. غير أنني قبل لحظاتٍ وبالنظرِ إلى مراجعة ما اشتريتهُ من كتبٍ العام الماضي فقد اكتشفتُ أنه لم يبق سوَى كتابٌ واحد لماركيز مما اشتريتهُ لم أقرأه وهي روَايته ساعة شؤم وقد شرعت في قراءتها قبل ساعاتٍ من الآن .. ربّما أزور المعرض لأتزوّد من ماركيز ولأتجوّل بينَ حصاد نشر الزملاء الكتّاب العمانيين هذا العام ..

رغمَ كوني متعصبَة جداً لماركِيز إلا أنني من الغريب أنّي لم أفرد لهُ يوماً أيّ مقالٍ .. ربّما لأنّ رواياتهِ في الأغلب من الصنفِ الطويل الذي يشعرُ الكاتبُ أنّه تائهٌ وعاجزٌ عن تلخيصهِ أمام القارئ غيرَ أنني قررتُ أن أشارك أصدقائي القرّاء متعَة آخر كتابٍ قرأتهُ له وهوَ بعنوان (قصّة موت معلن) .. كتابٌ عبقريّ للغاية ذكّرني بمقولة قديمَة للغايَة حولَ مقدرَة الروائي الناجح على خلق رواية من لا شيء حينَ قال أحدهم أنّ القاصّ أو الروائي هوَ من يستطيع أن يصف ببراعة سرديّة لحظة واحدة يسقطُ فيها قلمٌ من الطاولة ويصطدمَ بالأرض ..

ورواية جابرييل هذه ليست ببعيدَة عن سابقهَا .. فهي ببساطة معنيّة بلحظة واحدة فقط .. رجلان يقتلان شخصاً أمام منزلهِ وعلى مرأى من الناس ..

هكذا وببسَاطة شديدَة تتلخّص الروَاية بأكملها حول هذه اللحظة التي يقتلُ فيها هذا الرجلُ .. ثمّ يبدأ جابرييل بأسلوبٍ لا هوَ بوليسيّ ولا هوَ تقريريّ ولا هو روائيّ بل هو مزيجٌ من الثلاثَة فيْ اللعبِ بالأحداث .. ويجهلُ القارئ منذ بدَاية الرواية حتّى نهايتها من يكُون السارد .. هل الروَاية حقيقيّة كما أشيعَ وأنها حدثَت في قريَة جارسيا ومسقطِ رأسهِ وأنه عاد ليتتبع الأسباب الحقيقيّة خلف الجريمَة؟ أم أنّها رويت بلسان صحفيٍ جاءَ ليحقق بأسلوبٍ صحفيٍ بوليسي حول جريمَة القتل هذه؟

ما يعرفهُ القارئ فقط أنّ سارد الرواية جاء ليتتبع الجريمَة ويكشف خيوطها بعدَ 27عاماً من وقوعهَا ..

وببرَاعة لا يجيدهَا سوَى جابرييل يبدأ في مدّ الخيوط منذ اللحظَة التيْ وقعت فيها الجريمَة متلاعباً بعجلة الزمن فتارةً يرجعُ للوراء وتارةً للخلف ..

يظنّ القارئ أنّه فهم دوافع الجريمَة التي أقدَم عليها التوأمين فيكاريُو بعد أن أعيدت أختهمَا أنخيلا إلى البيت على يد زوجها سان رومَان وذلك لاكتشافهِ أن أختهما ليست عذراء وأنها فقدت عذريتها قبل أن يكتشف ذلك ليلة الزفاف .. وفي الوهلة الأولَى التي يتوجّه التوأمان بسؤال أختهما عمّن فعلها؟ تجيبهمَا ببساطة: سانتياغو نصّار .. وهو نجلُ أحد الأثرياء العرب الذين استوطنوا كولومبيَا وتوفي والده وهو صغير ليعيش مع أمّه في ثراء مع أبناء الطبقة الراقية في القريَة ..

ويركّز جابرييل ماركيز في روايتهِ هذهِ علَى ردة فعل المجتمعِ الكولومبيّ الصغير مع قضايا الشّرف .. وطريقة تعاطيهم معهَا .. ولثلاثِ مراتٍ أقرأ لجابرييل جارسيا سردهُ لحوادث الشرف وطريقة معالجتها بنفس الطريقة التي توضح فهم المجتمع الكولومبيّ لقضية الشرف .. ففي الثلاث روايات المختلفة التي أورد فيها ماركيز قضيّة شرف تكشف فيها امرأة أنها تنام مع رجلٍ آخر وتعلم عائلتها فإن العائلة لا تفعل شيئاً مع الفتاة وإنما يتم معاقبة الرجل الذي نامت معه بقتله ..

في مجتمعٍ كمجتمعنا العربيّ فإنّ أغلب ما يحدث هوَ أن الفتاة هيَ من تُقتل ويفلت الرجل بفعلتهِ ويبدُو أن المجتمع الكولومبيّ يتعاطى مع الأمر بطريقَة عكسيّة فالأخوان فيكاريُو هبّا لقتلِ سانتياغو نصّار لأنه وفقَ وصفِ ماركيز "اعتدى على شرف العائلة بإفقادهِ عذريّة إحدى بنات العائلة" .. وكلّما توغل القارئ في الروايَة أكثر برزَ سؤالٌ ملحٌ .. هل سانتياغو نصّار فعلاً هو من أفقد أنخيلا فيكاريُو عذريتها؟ ويبدأ جابرييل في استعراض أحداث تدحض ذلك .. فنصّار طالما سخر من الفتاة أمام أقربائها وأصدقائها بأنّها شبحٌ وأنها ليست فتاة .. وحضر نصّار زفاف أنخيلا الأسطوريّ من سان رومان وظلّ ملازماً لسان رومان طوال الزفاف دونَ أن يبدُو عليه إطلاقا أنه له علاقة لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ بأنخيلا ولم يشهد أيّ من سكان القريَة أنّ نصّار وأنخيلا شوهدَا معاً أو شكّ أحدٌ بعلاقةٍ بينهمَا..

في هذه الروايَة تبرز براعة ماركِيز الروائيّة في تحويلهِ الأحداث بطريقة دراماتيكيّة للغاية .. فالقريَة بعد ساعتين فقط من إعادة أنخيلا فيكاريو لعائلتها عرفت أنّ التوأمين سيقتلان سانتياغو نصّار .. وخلال هاتين الساعتين تجري عدّة محاولات لإخبار سانتياجو نصّار بأنه سيُقتل إلا أنّ الحدثَ بطريقة أو بأخرى ينتهي بأنّ ذلك الشخص يفشلُ في إخباره بأنّ هناك من ينتظرهُ ليقتله .. يلعبُ ماركيز في هذهِ الرواية لعب القدَر .. فالقدر يشاءُ ألا يعرفَ نصّار بأنهُ سيُقتلُ .. بالرّغم من أنّه حتّى الخادمَة التي تعملُ في منزلهِ تعرفُ أنه سيُقتل.. ويعرفُ أعزّ أصدقائهِ أنه سيقتل وبطريقة وبأخرَى يفشلُ كلّ من يودّ إخباره بأنه سيقتلُ بذلك .. وحتّى محاولات العمدَة في إثناء التوأمين بقتلهِ تبوء بالفشل فرغمَ أنه انتزَع منهما سكاكينهما وأمرهما بالمغادرة من أمام منزل نصّار إلا أنهمَا يعودان بعد نصفِ ساعة من مغادرة العمدَة لنفس مكانهما وبسكاكين أخرى جديدة كانا يستخدمَانها لذبح الخنازير التيْ يربيَانها..

وأمّا آخر محاولات القدر في إدخال يدهِ في إنقاذ سانتياجو نصّار من القتل هو بهربهِ من الأخوين ومحاولته دخولَ البيت وإغلاق بابهِ قبل أن يصلهُ الأخوين لكن في اللحظة التي يصلُ فيها نصّار بيتهُ ، يخيّل لأمه أن ابنها دخل البيت وفي محاولة لإنقاذهِ تغلق البَابَ ظناً منها أن ابنها دخل البيت وأنّ التوأمين سيدخلان البيت وحينَ تركّز في الصرخَات تكتشفُ أنها أغلقتِ البابَ على ابنهَا في الخارج فيما تتصاعد صرخاته وهو يضرب البابَ بكلتا يديهِ وخلفهُ تصاعد صوتُ الطعنات وهي تخترقُ جسدهُ..

كمَا بدأت الروَاية تنتهي الرواية بنفس المشهد.. الأخوان وهما ينقضّان على سانتياجو نصّار وينهالان عليه بالطعن لينتهي المشهد وسانتياجو نصّار يحملُ أحشاءهُ بين يديهِ ويواصل المشي نحوَ الباب الخلفيّ للبيت وهوَ يردّد لقد قتلُوني.. ليصلَ إلى مطبخَ بيتهِ وينهَار هناك ويلفظ أنفَاسه ..

هلْ سانتياجو نصّار هوَ من أفقد أنخيلا فيكاريُو عذريّتها؟

يظلّ القارئ يسأل السؤال ذاتهُ .. ويظلّ الراوي كذلك يطرحُ السؤال ذاتهُ؟ وتظلّ أنخيلا فيكاريُو تردّ في كلّ مرةٍ يسألها الساردُ حتّى آخر مرّة وقد تخطّت الخمسين .. من فعلها؟ فتجيب: سانتياجو نصّار.. رافضة ً أن تدلي أيّ تفاصيل أخرى..

هل سانتياجُو نصّار فعلاً من أفقد أنخيلا فيكاريُو عذريّتها؟

يبدُو أن ماركيز نفسهُ لا يعلَم !

الأربعاء، 10 فبراير، 2010

الانتَرنت ينَافسُ "أم زكِي" !/ردُهـَات



عائشَة السيفيّ
ufuq4ever@yahoo.com


قبلَ أربعِين عاماً حينَ تمّ تصنِيع أوّل حاسُوب يعمل بتقنيّة الانترنت لمْ يكن مخترَعوه يعرفُون أنّ الانترنَت سيتحوّل إلى عالم يشمَل الفيس بُوك واليُوتيوب ومواقع المحادثة بالفيديُو .. وإنْ كانت هذه الخدمات بعيدَة التوقّع إلا أنّ أحداً منهم بالتأكيد لم يتوقّع أنّ الانترنت سيتحوّل إلى أداة "تجمِيع بين الرؤوس بالحلالِ" أو خطّابة الكترونيّة تفُوق فيْ عملهَا وقدرتها قدرَات "أم زكي" في باب الحَارة ..
في الموَاقع الغربيّة أصبحَت مهنَة الماتش ميكر أو التوفيق بين شخصَين عاطفياً للزوَاج مهنَة مربحَة تدر الملايين على أصحابهَا .. إذْ تقدّر نسبَة دخلها بما يزيدُ عن 80مليُون دولار سنويّاً تتوزّع ما بينَ الإعلانات أو الرسُوم الرمزيّة التيْ يدفعهَا الباحثُون عن شريكِ حيَاتهم ..

أمّا في المواقع العربيّة فليسَت هيَ بأقل من نظِيرتها الغربيّة مع وضوح العشوائيّة في الطرح وعدم الاحترافيّة وشيُوع النصب والضحك على الذقُون على أولئك الذين عدمُوا شركاء حياتهم حتّى لجئوا إلى ذلك العالم المجهُول المختبئ خلفَ شاشاتِ حواسيبهم ليبدؤوا رحلَة البحث عن الحبيب أو الحبيبَة المتخيّلة ..

جولَة قصيرَة في رحَاب هذه الموَاقع "تفطسكَ من الضّحك" وتبعثُ فيك الاندهَاش لوجُود عالمٍ من البشر وهم يدرجُون مواصفات شرِيك حياتهم المطلُوبة ..
أحدهم يقولُ : (مطلُوب فتاة لزوَاج مسيار قابل للإشهار بعمر 18ل35سنَة من مدِينَة .. ) .. كلمَة قابل للإشهَار .. تذكّرك جيداً بإعلان عن طرح سيّارة للبيع مع قابليّة التفاوض ..
أو ذاك الذي يشترطُ (معلّمة لا يزيدُ طولها عن 162سم) .. أو أخرى تطلبُ زوجاً مقيماً في مدينَة كذا يشبهُ المذِيع "هشَام عبدالرحمَن" !

طلبَات غريبَة للغايَة وشرُوط أغرب تدفعكَ للتساؤل إلى أيّ مدَى تنجحُ هذه الزيجَات وهل وصلَ اليأس بهؤلاء البشر للجوء في لعبَة مكشُوفة يرتديْ فيها 90% من لاعبيهَا هوية ً مزيّفة؟

فتيَات لم يبلغنَ العشرينَ وأخريَات تخطين الثلاثين تشتركُ جميعهنّ في البحث عن الرجل الذي يسترهنّ كما يشير الموقع ..
في إحدَى المواقِع يوضّح الموقع طريقَة الوصولِ للفتاة المعلِنَة عن رغبتها في الزوَاج بعبَارة :
(أيضا يقوم الموقع بتقديم خدمة الخاطبة المدفوعة ، حيث تقوم الخاطبة العاملة مع الموقع بالاتصال بالطرف الثاني ، و التأكد من مواصفاته و جديته ، و ترتيب زيارة عائلية للتعارف و الخطوبة لاحقا، هذه الخدمة تكلفك فقط 300 ريال مرة واحدة ، بإمكانك تسديدها عبر وصلة توكيل الخاطبة أدناه)

مهنَة الخَاطبة هذهِ ليستْ غريبة على أيّ مجتمعٍ عربيّ بل هي جزءٌ من تاريخ كلّ مجتمعٍ ويمتدّ دورهَا لآلاف السنين منذ عصرِ الجاهليّة الذي اشتهرت في أيّامه أشهرُ خاطبات العَرب أم نعزَة التميميّة التيْ كانَ العرب بدواً وحضراً يقصدُونها ببناتهم لتزوّجهنّ .. وكانَ الأمراء وشيُوخ القبائل يقصدُونها باحثِين عن فتَاة يناسبُون عائلتها رغبة ً في تقويَة روابط القبائل ولئم الشرخ بين قبيلةٍ وأخرى ودمج النسَب الذي يحمي القبيلتين الحربَ وإرَاقة الدماء ..

في مواقعِ الانترنت لا يخجلُ المشتركُون من الإفصاحِ عن نوعيّة الزواج الذي يريدُونه فهنَاك من يطلبُ زوجَة للمسيَار وهنَاك من يرغب في البحث عن زوجَة لمساكنتهِ أثناء دراستهِ في الخارج وانتهاء الزواج بعدَ ذلك .. وهناكَ من يشترطُ أن يقومَ بدور الزوج دونَ أيّ صرفٍ عليها .. وهناك الزوَاج المتنقل الذي يعلنُ فيه الزّوج عدم مسؤوليتهِ عن توفير مسكن للزوجة وعدم الاستقرارِ معها في منزلٍ واحدٍ ..

أنواع الزوَاج تلكَ استحدَثها الزمَان والمكان رغمَ العربُ قديمهم ليسوا بغريبين على هكذَا طقُوس ففي كتبِ العرب القديمَة يتحدّث المؤرخُون عن زواجاتٍ مختلفَة أبرزها تلكَ التيْ تجمَع الزوجَة فيها بينَ أكثر من زوج يعاشرُونها معاً فإذا حبلت بعثت إلى أحدٍ منهم تنسبُ إليهِ ابنَها ولا يحقّ لذلك الرجل بأيّ حالٍ من الأحوال إنكار بنوّة الطفلِ إليهِ ..
وهناكَ زواج المستفحِل .. وهوَ أن يهجرَ الرجل زوجتهُ أمداً ويعهد بها إلى رجلٍ آخر .. وعمدَ العربُ إلى ذلك كثيراً رغبة ً في الحصُول على نسلٍ من رجالٍ فرسَان معروفين بشهامتهم وشجاعتهم فترغبُ الأسرَة في الحصُول على نسلٍ من فارسٍ عربي شهير فيعمد الرجل لإعارةِ زوجته بشكل مؤقت وتزويجها لذلك الفارس حتّى تحبلَ منهُ .. ثمّ تعُود لزوجهَا السّابق

وأكثَر الزواجات غرَابة هي تلكَ التيْ يتزوّج فيها الرجلُ أرملَة والدهِ بأن يأتي إليها ويلقي عليها بردَائهِ وهذا دلالة َ أنه ورثها من ضمنِ إرثِ أبيهِ .. وفي تلكَ قصَة طريفَة أنّ ثلاثَة من الاخوَة اختصموا في الزواج من أرملَة والدهم وحينَ لجئوا لإحدى عرَافاتِ العرب الشهيرات أشارت عليهِم بأن توضع الأرملَة وسط ساحَة القبيلة .. ويركبَ كلٌ منهم حصَانه ويتسابقُوا إليها فمن يسبقُ منهم برميِ ردائهِ عليها فازَ بها ..

نعُود مرةً أخرى إلى الزواج الالكترونيّ الذي راجتْ موضتهُ مؤخراً فقد أوضحَ معهدٌ فرنسيٌ للدراساتِ أنّ 63% من الرجالِ الذين يقدمُون في هذه المواقع الالكترونيّة أنهم في الأساسِ متزوجُون وأشارَ إلى أنّ كثيراً منهم يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى إدمانِ التسجيل في المواقع الالكترونيّة وأنّ أغلبَ الزيجات تكونُ سريعَة ومنتهيَة المفعول .. كمَا أشار في درَاسة إلى أنّ 3من أصلِ 5 رجَال يشعرُون بنظرَة دونيّة للمرأة التيْ تعرضُ نفسها للزواج عن طريقِ الانترنت ..
دخلَ الزواج الانترنتي أو التوفِيق بين شخصَين عاطفياً حيّز التلفزيُون والسّينما لعلّ أبرزهُ فِيلم Burn after reading الذي قامَ ببطولتهِ الرائعَان جورج كلوني وبراد بيت ويسلّط الفيلم الضوء على مواقع الماتش ميكَر إذ يبرُز جورج كلوني بكونهِ زير نسَاء يصطَاد النساء عن طريق مواقع الانترنت هذهِ ويوهمهنّ بأنه غير متزوّج ويختلق شخصيّة وهويَة مختلفَة تماماً بعيداً عن شخصيّته فيما جورج كلوني متزوّج ولا ينوِي بأيّ حالٍ تطليق زوجتهِ ..
وفي الجَانبِ الآخَر تظهَر فرانسِس مكدورماند كامرَأة يائسَة تكره جسدها وتحاولُ إصلاحه بعمليّات التجميل رغبة ً في أن يعجبَ بها شريك حياتها الذي ستقابلهُ في الانترنت وتظهر مكدورماند كامرَأة مخدوعَة تلتقي برجال كثرٍ عبر الانترنت رغبَة في الزواج بهم تكتشفُ في كلّ مرّة أنهم متزوجّون وأنهم يشتركُون في هذه المواقع بحثاً عن الإيقاع بامرأة ينامُون معها ..

هكذَا إذن تعتاشُ هذهِ المواقع على فكرَة رغبَة طرف في الاستقرار ويأسه في تحقيقِ ذلك ووجود طرفٍ آخر يجدُ مبتغاه في الحصُول على امرأة أو رجل لتمضيَة الوقت أو الهرب من زوجَة ملّها زوجها فأراد تغيير الجو بشكلٍ مؤقت مع امرأة يخطبهَا له الانترنت بحرفيّة تفوق حرفيّة "أم زكي" خطّابة باب الحَارة الشهِيرَة !

الثلاثاء، 2 فبراير، 2010

"دِي سَاد" .. وجدلُ الفصلِ بين النصّ وسادِيَّةِ محتوَاه ؟ / ردُهـات

"دِي سَاد" .. وجدلُ الفصلِ بين النصّ وسادِيَّةِ محتوَاه ؟

عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com



لم يُثرْ أيّ كاتبٍ أدبيّ جدلاً حولَ الفصل بينَ تقييم النصّ الأدبيّ وتقييم محتوَاه من أحدَاث وتفاصِيل كمَا أثَارتهُ كتابات الماركِيز فرَانسوَا دي سَاد .. ولمْ يُلعَن روائيٌ على كتاباتهِ على مرّ التاريخ كما لعنَت هذهِ الشخصيّة المثيرَة للجدَل ..


لعلّ كثيراً منّا يقرأُ أو يرى على التلفزيُون مصطلح "ساديّ" أو ساديّة دونَ أن نفكّر من أين نشَأ هذا المصطلح .. ووفقاً لتعرِيف علمَاء النفس فإنّ الساديّة هي الشعُور بالرّضا حينَ يتألّم الطرف الآخر أو يشعر بالمعَاناة وتردُ كثيراً في عالم النّفس الجنسيّ وتحليل كثير من سلُوك المجرمين خاصّة .. أشهر المجرمين العالميين الذي هزّوا أخبَار الصحف بجرائمهم أو Serial killers الذينَ استهدفُوا في ضحَاياهم الكثِير من العاهرَات وقتلهنّ بعدَ تعذيبهنّ جسدياً ..


الحَديث عن حياة الكونت دي سَاد يدخلنَا إلى عوالِم غريبَة جداً نتسَاءل خلالهَا هل فعلاً من حقّ القارئ محاكمة النصّ الأدبيّ من ناحيَة أدبيّة فقط؟ أم أنّ من حقهِ أيضاً أن يعاقب الكاتب على ما يحتويهِ نصّه من إيعازاتٍ وتفاصيل؟


ويفرض علينا التساؤل أيضاً هل يحقّ للقارئ أن يحاكِم الروائيّ على ما نسجهُ خيالهُ من أحداثٍ مفترضَة؟ أمْ أنّ من حقّ الروائي نسج أي أحداث في روايتهِ بافتراض أنّها لا تخرج عن دائرة التخيّل وأنها لم تؤذِ أحداً ..


اشتقّت كلمَة الساديّة إذن من اسمِ الكونت دي سَاد الذي ولد في عام 1742م لأحد النبلاءِ الباريسيين .. ونشَأ كأيّ فتى عاديّ بين والديه وفقَ تعاليم الكنيسَة التيْ كانت مسيطرَة في ذلك الوقت في كلّ حيثيّات المجتمع الفرنسيّ .. ومنذُ نشأتهِ بدأت تتضحُ ميُول دي ساد الساديّة في الجنس وغيرهِ وبدَأ بالاعتراف بأفكارهِ الإلحاديّة واعتبارهِ أنّ الطبيعَة وحدها كفيلَة بإخرَاج شرور الانسَان الكامنَة وأنّها إن لم تظهَر فهذا لأنهُ يكبتها بدافع من الضمِير واعتبَارها أفعالاً خاطئة .. فأسرع والداهُ بعقدِ صفقةِ زواجهِ على واحدَة من بنات أشهَر العائلات الباريسية آنذَاك ثراءً .. غيرَ أنّ هذا لم يثن الكونتَ عن نزوَاتهِ الجنسيّة التيْ كانَ أبرزهَا احتيَاله على فتاة فقيرَة بادّعاءِ توفير عملٍ لها واحتجازهِ لها في قصرهِ وتعذيبها بجَلدِها وسكب الشّمع الساخن عليها .. ولم تنجُ تلك الفتاة منهُ إلا برمي نفسها من الطابق الثاني بقصرهِ وإبلاغ الشرطَة عنهُ غير أنّ الفتاة تنازلتْ لاحقاً بضغوط من عائلتهِ على عائلتها الفقيرَة ..


لم توقِف تلك الحَادثَة هذا الرجل عن مواصلة أنشطتهِ الساديّة الغرائبيّة بلْ زادتهُ تعنّتاً كانَ آخرها إغواء أختِ زوجتهِ التيْ جاءت لزيَارتها .. والتيْ كانتْ تخطّط لأنْ تكونَ راهبَة .. هذا الأمرُ دفعَ أمّ زوجتهِ إلى تعقّب أي زلّة منه للزج بهِ للسجنِ رغبةً للانتقَام منهُ بعد أن خانَ دي سَاد زوجتهُ مع أختهَا .. لمْ يتوقّف الأمرُ عند هذا الحدّ فبعدها بقليلٍ هزّ المجتمع الباريسيّ حدث إبلاغِ أربعَةٍ من المومسَات بلاغاً ضدّه لدى الشرطَة الفرنسيّة باتهَامه بتسميمهنّ وتمزِيق أجسَادهنّ بالسيَاط الحديديّة في حفلَة جنسيّة داعرَة شاركَ بها خادمهُ المقرّب بينَ جنسٍ وسحَاق ولوَاط وتعذِيب.


فحكمَ عليهِ القضَاء بالمَوتِ شنقاً هُوَ وخادمهُ لكنّ حادثة ٌ كهذهِ دفعت الكونت للهَرب مع زوجتهِ وأختهَا إلى إيطَاليَا وهنَاكَ قامَ بتأليف عملهِ الروائيّ الأوّل .. الرحلة إلى إيطَاليا أو عنوانٍ آخر عدلهُ لها هي الرحلَة إلى سافوي .. نسبة ً إلى اسم القصرِ الذي أقامَ بهِ ..


ورغمَ خيانته لها مع العشرات من الرّجال والنسَاء حتّى مع أختهَا .. ظلّت زوجتهُ تجالدُ معهُ وتقفُ بجانبهِ ..

استطَاعتْ أمّ زوجته بعدَ ذلك إغراءهُ بالعودَة وذلكَ بنقل خبر مرض والدتهِ الشديدِ إليهِ وما أن وصلَ إلى باريس حتّى قامت الشرطَة بالإمسَاك عليهِ .. وباستخدَام وساطات عائلتهِ تمّ تخفيف الحكم عليهِ من الإعدامِ إلى السّجن .. في السّجنِ كتبَ دي ساد أشهَر رواياتهِ وهيَ روَاية 120 يوماً في سادوم وهي روَاية مقزّزة للغايَة تعجّ بمشاهد العنف والتعذيب تتحدّث عن أربعَة أثرياء يجلبُون أربع قوّادات إلى قصر معزُول في أعالي الجبَال لتتحدّث كلّ قوادَة عن مغامراتها الجنسيّة وأساليبها الجسديّة الأعنف .. ويقُوم هؤلاء الأثريَاء الأربعة باحتجَاز 42 فتَى وفتاة .. يتمّ إنزال أصنَاف العذَاب الجسديّ بهِم .. بهذهِ الروَاية بدأت كتَابات دي ساد تلقى رواجها في المجتمعِ الفرنسيّ .. وكانَ يقوم بتهريبهَا بطرقٍ مختلفَة من سجنهِ.. وكتب خلالَ فترة سجنهِ أشهر رواياتهِ كروَاية جوستِين .. وهي روَاية ترجمَتْ للعربيّة ومتوفّرة على الانترنت بلغاتٍ شتّى .. وهذه الرواية استلهمَها دي ساد من فتَاة قابلهَا تقترب حياتهَا بشكلٍ كبير من أحداث روايتهِ تلك .. وتتحدّث عن امرأة اسمها جستِين حكمَ عليها بالإعدام لارتكَابها جرائمَ عدّة وتروي قصّتها لامرَأة أخرى تتحدّث عن أنّها كانت فتاةً فاضلَة إلا أنّها تعرّضت في حيَاتها لكثيرٍ من التعذِيب والعنف من رجالٍ مختلفين غيّروا شخصيّتها وتتضمّن الروَاية كذلك مشاهدَ عنفٍ كثيرَة مليئة بالساديّة أبرزهَا لحظَة الانفجَار التيْ قادتْ جوستين للإعدَام وذلكَ بقطعهَا قضِيب أحدِ من عذّبوها وإجبَارهِ على ابتلاعهِ .. ثمّ إذابتهِ بالأسِيد.. مشَاهد كهذهِ تتكرّر كثيراً في روايات دي ساد اللاحقَة ما جعل ثيمَة العنف والتعذيب حاضرَة بشكلٍ دائم في كتابات الماركيز دي ساد ..


كانَ الماركيز شغوفاً بالكتابة الروائيّة ومحباً لأنْ يتمّ تمثيل رواياتهِ لذا استخدم نفوذهُ لبناء مسرحٍ في السجن وكانتْ مسرحيّاته يتمّ تمثيلها بشكلٍ دوريّ في مسرحِ السّجن .. حتّى أوقفهَا نابليُون بعدَ أمدٍ باعتبَارها روايات فاحشَة تخلّ بالذوقِ العام وتشجّع دي ساد على مزيد من بوهيميّة المشاهد الجنسيّة الفاجرَة في رواياتهِ


واستمرّت حيَاة الكونت بينَ دخولٍ للسّجن أو خروجٍ منهُ .. وفي المقابل ازدادتْ شهرتهُ بينَ الناس .. وكانتْ رواياتهُ تلقى رواجاً بينهم وكأنّها أشرطَة بورنُو أو مسرحيّات إيروتيكيّة فاجرَة..


أكثَر رواياتهِ التيْ هزّت النّاس للحدّ الذي أمرَ نابليُون بونابرت نفسهُ بمنعِ الماركيز من نشرِ رواياتهِ هي روايته فلسفَة المخدع .. والتيْ تحكيْ عنِ امرأة أرستقراطيّة عهدتْ بابنتها إلى ثلاثة أشخاص في قصرٍ لتعلِيم ابنتهَا فنُون النّكاح .. إلا أنّ هؤلاءِ خلصُوا إلى حفلاتٍ ماجنَة جنسيّة معها وتعلِيمها أصنَاف التعذيب الساديّة وأكثَرها فحشاً ، قامَ هؤلاء بتعليم الفتَاة .. أنّ الغايَة الأسمَى للأنثى هي النّكاح .. وبأعنفِ أنواعهِ طالمَا أرضت شهوَتها وأنّ كلّ المفاهيم التي تخالف هذا المبدأ هي مفاهِيم سخيفَة وغبيّة .. وتنتهيْ الرّواية بمشهدٍ مهيبٍ جداً حيث تعود المرأة إلى أخذ ابنتها إلا أنّهم يحتجزُونها وبمبَاركة ابنتها .. ويتمّ إحضَار عبد أسوَد مصَاب بأكثر الأمرَاض التناسليّة فتكاً آنذَاك وهو مرض الزهريّ ويقوم العبد باغتصَاب الأمّ ونقل المرضِ لها .. ويقومُون بإطلاق الأمّ وتركها تعُود مصابة ً بالمرض ..


ظلّ الكونت قرَابة عشر أعوَام نزِيل سجن الباستِيل .. الأشهر على الإطلاق آنذاك ويقالُ أنّ الكونت كان من المحرّضين على ثورَة الباستيل وذلكَ باستخدَامه الأنابيب التيْ يتبوّل فيها السجناء كمكبّرات صوت وكان يصرخ للنّاس خارج السجن .. ( إنّهم يقتلُون السّجناء هنا .. إنّهم يعذبونهَم ) ..


ثمّة فيلم شهِير أنتجتهُ هوليوود يؤّرخ لمرحَلة وجود الكونت في السّجن وهوَ من بطُولة الممثلَة الرّائعة كيت ونسليت التي أبدعت في الفيلم بتمثيلها دورَ خادمَة تعمل في مصحّ عقليّ تقوم بتهريب ما يكتبهُ الماركيز للخارج ومن ثمّ تنشر رواياتهُ.. وهوَ فيلم يعجّ بالمشَاهد الدمويّة والغرائبيّة ويسلّط الفيلم الضّوءَ على محاولات الكونت العجيبَة في تسرِيب روَاياتهِ بعدَ محاربَةِ الحكومَة الفرنسيّة له بصفتهَا كتابات شيطانيّة تشجّع على الجريمَة.. فصادرتِ الحكومَة أورَاقه وأقلامه فاتّخذ من عظَام الدجاج التي تقدّم له في الطعام .. ريشاً للكتابة .. واستخدَم الخبزَ ورقاً للكتابة وقامَ بتهريبه .. وحينَ فطنت إدارة المصحّ إلى ذلكَ كسر مرآة َ، زنزانتهِ واتّخذ منها ريشة ً للكتابَة ودمهُ حبراً .. وحينَها صودرتْ المرَايا .. بدأ في نقلِ تفاصيل روايتهِ شفهياً بالهمس لجارِ زنزانتهِ والذي يهمسُ بدورهِ لمن يليهِ حتّى يتم إيصالها للخادمَة.. إلا أنّ الكونت لم يفكّر يوماً أن تفاصيل ما ينقلهُ لنزلاء زنازين المصحّ العقليّ قد يدفع نزيلاً للتفاعل مع الروَاية واغتصَاب الخادمَة وقتلها ..الأمرُ الذي فطَرَ قلبَ الكونت وذلك لارتبَاطهِ عاطفياً بالخادمَة المطيعَة التيْ كانتْ مستودَع كتاباتهِ وبصيص النور الذي يحملُ ما كتَب من إيروسيّات إلى الشّعب .. وحينَ انتبهت إدَارة السجن لذلك جاء أمرٌ مباشرٌ من نابليُون بقطعِ لسان الكونت للقضاء على مصدرِ البلاءِ نفسهِ ، وهنَا تتصَاعد أحداث الفيلم في عجائبيّة غريبَة على سعَار الكونت وهوسهِ الشديد بنشرِ إباحيّاتهِ فيبدأ في استخدَام برازهِ كحِبر .. واستخدَامهِ جدرَان زنزاتهِ كورَق .. وازدادَ تدهورُ حالَة الكونت الصحيّة شيئاً فشيئاً بعد مقتلِ الخادمَة وطلبِ زوجتهِ الطلاقَ منهُ وحصولهَا عليهِ بالفعلِ .. ويقالُ أنّه ماتَ مسلولاً وقيلَ قتلتهُ الحمّى والهذيَان وترجّح رواياتٌ كثيرة ٌ أنّهُ ماتَ منتحراً بابتلاعهِ صليباً أعطاهُ إيّاهُ راهبُ السّجن ..


حيَاة غرائبيّة جداً عاشها الكونت نادَى خلالَها بمفَاهيم أنّ إرضَاء الرغبَة هي القيمَة العليا التي لا يعلَى عليها وأنّ ما عداها هي وسائلُ لتسخيرهَا لها .. تنقّل خلالها بينَ سجونِ فرنسَا وأكثرهَا ظلمةً وبشاعَة وانتهَى بهِ الحال نزيلاً لإحدى أشهر المصحّات العقليّة في فرنسَا ..


ورغمَ ذلكَ فإنّ دي سَاد نفسهِ ذكرَ أنّه وإن ذكرَ في روَايتهِ مشاهد اعتداءٍ على أطفَال أوْ مشاهِد قتل وتمثِيل بالأجساد فإنهُ لا يمكنهُ أن يفعلَ ذلك وأنّ كل ذلكَ من نسجِ تخيّلاتهِ ولا يستطيعُ أن يقترفَ أفعالاً كتلكَ من اغتصَابٍ للأطفَال أو قتلٍ لأيّ انسَان .. هذَا الأمر دافعتْ عنهُ وبشدّة زوجتهُ التيْ كانتْ تقول دائماً : (حاكمُوا دي سَاد على أفعالهِ .. لا على كتاباتهِ ) ..


رحلَ الكونت دي سَاد مخلفاً العار والخيبة لعائلتهِ .. بالرّغم أنّ كثيراً من رسائلهِ التي وجدتْ بعد موتهِ والتي بعث بعضها لزوجتهِ وبعضها لأمّ زوجتهِ كانتْ تحملُ الكثير من العاطفَة الأبويّة والانسانيّة في طيّاتها إلا أنّ ذلك لم يغفر له عندَ أولادهِ الذينَ أمرُوا بحرقِ كلّ مؤلّفاتهِ والتخلصِ منهَا .. غيرَ أنّ الشعبَ كانَ يتناقل مؤلفاتهِ التيْ وجدت طريقَها إلى مئات الآلافِ من النّسخ ..


لم يكنْ دي ساد مجنُوناً ليودع في مصحّ للمجانين بفضلِ وساطات أهلهِ لنقلهِ من السّجن للمصح العقليّ بل كانَ مجنوناً –كما وصفهُ أحد القساوسَة آنذاك- بالشرّ والحيوَانيّة الجنسيّة ..


لمْ يُكره كاتبٌ كمَا كرهَ دي سَاد .. ولم يلتصِقِ الشّر والعار بشخصِ روائيٍ كما التصقَ بهِ .. ولم تضرَب مغامرات ساديّة كأقصَى أمثلة البوهيميّة والتعذيب كما ضربَ المثل بمغامرَاته ومع ذلكَ لم يخفِ علماء النّفس والأدب في آنٍ واحد عبقريّة الخيال الذي غاصَ إليهِ دي سَاد وقدرته في تصوِير أقصى درجَات الشرّ داخل الانسان وما يمكنُ أن تفعلهُ الرغبَة في شخصِ أيّ انسانٍ عاديّ وتحويلهِ إلى لاهث ورَاء أبشع صوَر التعذيب لإرضَاء شهوَاته ..


استخرجتْ جمجمتهُ بعد دفنهِ بأعوَام .. ليتمّ دراستها في علم الفرَاسة وأبحَاث دراسة جماجِم العباقرَة ورغبَة في اكتشاف علاقة شكل الجمجمَة بتوجّه الخير أو الشرّ واستيلائهِ على سلُوك الانسَان وهل هوَ سلوكٌ وراثيٌ أم مكتسَب ..


لا تزَالُ روايات دي سَاد تطبع باستمرَار وأنشئت عشرَات المواقِع على الانترنت لتأريخ كتاباتهِ الأدبيّة كما ولا تزَال مخطوطَات رواياتهِ الأصليّة تباع بالملايين في المزاداتِ العالميّة .. وظلّ السؤال الأكثَر جدليّة قائماً حتّى بعد مرُور أكثر من قرنَين على رحيل دي سَاد .. هل يحَاكم الكاتبُ على أحدَاثِ ما يكتبهُ وإن كانَ من نسجِ الخيَال أمّ أنّ للقارئ الحقَّ في أن يحَاكم نصّه أدبياً فحَسب؟