الأربعاء، 19 يونيو، 2013

منْ هُوَ المسؤُول ، المسؤُول؟







عائشَة السيفيّ
ayshaalsaifi.blogspot.com/

جريدة الزمن: محاكمة 5 مسؤولين سابقين بـ (الإسكان) بتهمة إساءة الامانة واستغلال الوظيفة

جريدة عمان: حـديقـة عـامة معــروضـة للبـيـع بـ450 ألــف ريــال بعــــــد منحـها لمـسـؤول

جريدة عمان: رمال بوشر .. متى وزعت؟ لا أحد يعرف بما يدور سوى المخططين ومسؤوليهم



هذهِ بعضُ عناوين الصحف .. حول أهم القضَايا الاسكانيّة التي هزّتِ الشارع العُمانيّ هذا العام والعام الماضي. القضايَا كلّها نسبت إلى مسؤول أو مسؤولين وإذا اختلفت صيغة الجمع أو المفرد يظلُ المسؤُول واحداً .. "مسؤُول"

يتساءلُ المرءُ من هم هؤلاء المسؤولون الذينَ يقفُون وراء كلّ ملفاتنا الشائكة؟ هل هُم مواطنُون مثلنا؟ نلتقيهم صباحاً في الطريق إلى أعمالنا.. ومساءً في مجالسنا وعزائمنا وأفراحنا؟ نصافحهُم ونخاشمهم ونتضاحَك معهم دونَ أن نعرف هُويتّهم؟

مسؤُول يشتري أراضٍ بأسعار بخس من الناس؟ مسؤول يستحوذ على ملكيّات عامة؟ مسؤول يمدّد .. مسؤول يتملّك .. مسؤول ... مسؤُول ... مسؤول ... من هوَ هذا المسؤول الذي يخيّل إليك أنّه نصفُ الشعب والنصفُ الآخر هوَ الشّعب "المسؤُول عنهُ" ..
من هوَ المسؤول الذي أصبح يقض مضجعَ العُمانيّ بقضاياهُ التيْ تتصدّر صحفنا وشاشات هواتفنا؟ هل يوجَدُ تعريفٌ له؟

حتّى جوجل الذيْ يعرفُ كلّ شيء يقفُ عاجزاً عن إحضَار صيغة تعريف للمسؤول؟ لصلاحيّات "المسؤُول" .. لامتيَازاتهِ وسلطتهِ ..

ما هُوَ شكله؟ هل هوَ كائن بشري؟ عفريت من الجنّ؟ هل هوَ كائن فضائي؟ هذا الذي تنسبُ كلّ قضايانا ضدّه؟ وماذا يكُون مصيرهُ؟

لابدّ أنّه "كائن مميّز جداً" ليحظى بكلّ هذه المنافع ولابدّ أنّه عبقريّ جداً ليستطيعَ الاستحوَاذ على كلّ هذه المميّزات .. ولابدّ أنهُ ذكّي جداً ليستطيعَ تملّك الأراضي والحدَائق والسّهل و"الرمل" .. وربّما البَحر غداً! أوه نعَم والأوديَة ! المسؤُول أيضاً استطاع "بذكائهِ" ممارسَة عمليّات غسيل الأوديَة ومصبّاتها وتحويلها إلى أراضٍ سياحيّة وتجاريّة ..

كلّ هذا التميّز لكائِن اسمهُ "المسؤُول" ولا يزَالُ الشّعبُ العُمانيّ يجهلُ بعد 43 عاماً.. من هوَ هذا المسؤُول "الخارق للعادَة" ؟

ليتنَا نعرفُ اسمهُ ، لونه أو شكله .. لنتجنّب شرّه ..

ليتنَا نعرفُ المسؤُول التي تكُونُ نهاية كلّ قضايانا كالتالي: "أغلقتْ ضدّ "مسؤُول" ..

ليتنَا نعرفُهُ لكيْ لا نجاورهُ فنكتشفَ أن حديقَة الحيّ التي يلعبُ فيها أطفالنا تحوّلت لملكيّة خاصّة .. بعد أن وقعَت عينُ "المسؤُول " عليهَا ..

ليتنَا نعرفهُ لنخصّصَ لهُ "شارعهُ الخاصّ" .. وحدائقهُ الخاصّة ، وأحياءه الخاصّة وبحرهُ الخاصّ ..

هل يجبُ أن تتغيّر صفحَات "البحث عن فضُولي" إلى "البحث عن مسؤُول"؟

ليتنَا نعرفُهُ وهو الذي بيدهِ الخَيط والمَخيط في هذهِ البلد .. كنّا طالبنَا بإسقاطِ "المسؤول" في منتديَاتنا وهواتفنا وتظاهراتنا الالكترونيّة وغير الالكترونيّة .. كنّا طالبنا بإسقاط المسؤول الذي تغلق كل قضايانا ضدّه ويخرجُ دونَ "مسؤوليّة" ..

حسناً .. وأنا أذكرُ "المسؤول" للمرّة العشرين في هذا المقال أتساءلُ إن كان أوّل مراحل العلاج التشخيص .. أليس أول حلول الإصلاح .. أن نسأل منْ هُوَ المسؤُول ، المسؤُول عن كلّ ما يحدثُ في هذا البلد؟



الأربعاء، 12 يونيو، 2013

حتّى لا يأكلُوا "بقرَة" الحكُومة!





عائشَة السيفيّ
ayshaalsaifi.blogspot.com


حكيَ أنّ رجلاً نوَى أن يذهبَ إلى الحجّ ، وكانَ قد اشترَى بقرَة لأهلهِ فذهبَ إلى صاحبٍ له فقال له .. أئتمنكَ بقرتيْ حتّى إذا جاءَ عيد الأضاحي ، احملها إلى أهلي ليضحُوا بها. لكنّ الرجل حينَ عاد إلى أهله حاجاً وجدَ أنّ صاحبهُ امتنع عن أهلهِ فذهبَ إليهِ فعلمَ أن الرجلَ ذبحَ البقرَة وأطعمها أهلهُ، فذهب الرجلُ يشتكي إلى القاضي أبي يُوسف ، وقد كانَ أبا يوسف أعلم أهل زمَانهِ في القضاء، وبالرغمِ أنّه كان من البديهة أن يحكمَ أبا يُوسف بعقاب الصاحبِ الذي أكل البقرَة فإنّه ذهب فاستقصى حال الرجل فوجدهُ وعياله لا يملكُون ولو رغيف خبز يسدّ جوعهم .. فقالَ القاضي للرجلِ المشتكي: لا تأمن طعامكَ على جائع ولا مالك على مُعدَم .. فأمرَ بتعويضِ الرجلِ من بيتِ المال وبنفقةٍ جاريةٍ على عيال الرجلِ الذي ذبح البقرَة .. انتَهت القصَة.

ليسَ من المدهشِ .. أنّ تتصدّر مشاريعُ الطرقِ والموانئ والبنية التحتيّة ، النصيبَ الأعلى من الميزانيّة وتقتطعَ النسبَة الأكبر من المشاريع الوطنيّة فهذا هوَ مطلبنا وهو أمرٌ لا يختلفُ عليهِ عاقلان ، لكنّ من المدهشِ حقاً أن تدَار هذهِ المشاريع "المليونيّة" .. من قبلِ مهندسينَ لا تتجاوز رواتبهُم بضع مئات من الريالات .. مهندسُون اختارُوا دراسَة الهندسَة باعتبارها من أعلى التخصصات منزلة و"منطقياً" أعلاها دخلاً إلا أنّ المهندس بعد أن ينهي سنوات دراستهِ التي لا تقلُ عن خمسِ أعوام ، ينتهي بهِ الحال في الخدمة المدنيّة براتب 563 ريال!

وعلى عكسِ القاعدَة التيْ تصنّف ثلاث تخصّصات باعتبارها المثلثَ الذهبي في الشعوب الأكثر تحضراً الأطباء المهندسُون والمحامون، فإنّ المهندسين في عُمان لا يمتلكُون أدنى فرق في المعاملة بين مثلائهم في أي تخصص. لا فرقَ على الإطلاق بينهم وبين غيرهم سوَى لقب "باشمهندس" الذي وقع بينَ سندَان تعزيَة النفس ومطرقة السخريَة!

مهندسُون يديرُون ملايين البلد وملياراتهم.. ورواتبهم تقلّ عن راتب المضمّد في الدرجة الرابعة في وزارة الصحّة .. وإنْ كانتِ الرقابة على مشاريع الدولَة مؤخراً أكثر صرَامة من ذي قبل ، والوعي بحسّ النزَاهَة موجُود لدَى المهندسين الشباب فإننا لا يجبُ أن نعوّل على ذلك كثيراً لأنّ هذا لن يطُول!

إنني على ثقة باستحقاق المضمدين والممرضينَ رواتبهم المعدلَة ولكنّ من العجيب أن يستلمَ الممرضُ مثلاً في الدرجَة "الرابعَة" قرابَة 2000ريال ويستلمَ المهندس في نفس الدرجَة 800 ريال! أي أن راتب المهندس يساوي 40% راتب نظيره الممرض .. طيّب ارفعُوه لـ 50%!!!!

صدقاً أكره المقارَنات وأعرفُ أنّ الانسان بطبيعتهِ الانسانيّة متطلّب وأنّ كلّ تخصص يعتقدُ بأفضليّته على غيرهِ أو كما قالَ الدكتُور مصطفى السباعي لو أعطِيَ كُل إنسَان مَا تمنّى لأكلَ بَعضُنا بعضاً، لكنّ عدم وجود أيّ علاوات للمهندس في الخدمَة المدنيّة هوَ أمرٌ مثيرٌ للحنق فعلاً .. لا علاوَة مهندس ، علاوة خطر ، لا علاوَة معاينَة مواقِع .. هذا لا يوجَد في أيّ دولَة تتحلّى بقليل من الحضاريّة!

أعتقدُ أنّه آن الأوان للمهندسين أن يقفُوا بصرَامة لتعديل درجاتهم الوظيفيّة ، وإلا فإنّ المؤسسات الحكوميّة ستواجهُ المزيدَ من العزُوف والمزيد من الاستقالات .. أصبحَ المهندس اليَوم يبدأ وظيفتهُ وفي رأسهِ فكرَة المغادرَة لأقرب "هيئة" أو "شركَة حكوميّة" بل ونجدُ أيّ مهندس حكوميّ يمتلك القليل من الكفاءة يلاحقُ الشركَات التي تتعامل معها وزارته من أجلِ تقديم عرضِ عملٍ له.

وأصبحَ مدراء العمُوم عاجزينَ عن إغراء مهندسيهم بالبقاء لعدم وجُود أيّ نظام مكافآت خاص بالمهندسين سوَى بالتحايل على صرفِ بعضِ "النثريّات" على المهندسين لرفعِ معنويّاتهم ودفعهم للعمل!

انخفاض رواتبِ المهندسين كانت نتيجته واضحَة جداً في تدنِي مستوَى كفاءاتهم في الحكُومة وانتشار روح الاحبَاط بينهُم بلْ ويشتكي كثيرُون من عنصريّة بعض الشركات في التعامل معهم فحتّى حينَ يجتازون المقابلات لوظائفَ خاصّة ترفضهُم الشركات حينَ تعلم أنّه منخرطُون في وظيفة حكوميّة لانتشار النظرَة العامّة بأنّ المهندِس الحكوميّ غير منتِج!

وقد ساهمَ في ذلكَ نقص الدورَات التدريبيّة والتأهيل الهندسي له إذ يتحوّل المهندس بعدَ انخراطه في عمله الحكوميّ إلى كاتب "رسائل" .. يحررُ الرسائل للمقاولين والاستشاريين ولا يُمارس أيّ دَور فنيّ في المشروع بل إنّ بعضَ المهندسين فقدُوا مستوَاهم الفنيّ للحد الذي يعجزهم فيها فهم خريطة يقدّمها لهم المقاول أو الاستشاري .. أذكرُ في ذلكَ موقفاً مؤلماً تحدّى فيه أمامي أحد الاستشاريين ، مهندساً حكومياً يديرَ مشروعه بأن يصمّم لهُ عموداً .. فعجزَ المهندس عن ذلك ..

الوزاراتُ لا تحتاجُ لتعديل رواتب مهندسيهَا  فحسب بل تحتاجُ إلى وضع ميزانيّات ضخمَة لتدريبهم حالهُم بذلك حال الكوادر الطبيّة ، ابتعاثهم للخارج لإكمال دراساتهِم العليا وتنظيم برامج تدريبيّة عالية الجودَة لهم وإجبَار الشركَات الاستشاريّة والمقاولين على ضمّ مهندسي الوزارة المشرفة على المشروع ضمنَ فريق عملهم ليكتسبُوا منهم الخبرَة والأداء.

هذا الوَاقع لا يرفعُ اللومَ عن المهندسين العمانيين في الوظائف الحكوميّة، فما الذي يجعلُ المهندسَ فور تخرجهِ يلتحقُ بالخدمَة المدنيّة؟ هذه النظرَة القاصرَة التي تدفعُ ثمنَها الحكُومة. الحكُومة التيْ بعدَ 43 عاماً من عمرها لا يزَالُ يمسكُ أكبرَ مشاريعهَا الاستراتيجيّة المقاولُون والاستشاريُون الأجانب بينما نعدَم العُمانيين. بل إنني اعتدتُ –كونيْ أعملُ في شركَة استشارات هندسيّة- على نظرات الاستغرَاب والأسئلة المتعجبَة من وجُود مهندسَة عمانيّة في مكتب استشاري. وكمْ أبدَى زملائي دهشتهم حينَ يقتربُ منّي موظف حكومي ألتقيهِ في اجتماعِ عملٍ فيسألني: لماذا تعملين في القطاع الخاص؟ ما الذي منعكِ من الالتحاق بالحكُومة!
ألُوم الحكومَة التيْ ساهمَ تجاهلها للمهندسينَ وإهمَالها لتدريبهم وتأهيلهم وألوم المهندسَ الذي يحجمُ عن القطاع الخاصّ ويتركهُ للأجانب يديرُون دفّته ويتسيّدونَ مشاريعهُ ويلتحقُ بكاملِ إرادتهِ بالحكُومة وهوَ يعلم أنّ عليهِ أن يمضي 20 عاماً ليصلَ راتبه راتب ممرّض في الدرجة الرابعَة!

على الحكُومَة أنْ تجلسَ مع مهندسيهَا وتستمعَ لهم، عليهَا أن تفعلَ ذلكَ لتحمي مشاريعهَا وتصنعَ جيلاً من المهندسين قادراً على كشفِ الثغرَات التيْ تختبئُ وراءها الشركَة المنفذَة. عليهَا أن تعيدَ الاحترَام والهيبة للمهندسِ الحكُومي الذي أصبحَ الاستشاريُون والمقاولونَ يتندَرونُ على قلّة كفاءتهِ وكسلهِ. عليهَا أن تفعلَ ذلك وتتعلمَ من الحكمَة بألا تأمنَ الراعي الجَائع على القطيع ولا المشاريعَ على "مُهندسٍ" جائعٍ!