الثلاثاء، 31 أغسطس 2010

عن "بلدنـَا الحلوة" !/ردُهات


عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com

سألنيْ زميلي الأوروبي في العمل : عن رأيي في وادي شَعب؟ .. قالها بالانجليزية فطلبتُ منه أن يكرر الاسم مجدداً .. وحين أعاده، كنتُ أتساءل إن كنتُ قد سمعتُ بهذا الوادي من قبل أم لا ! زوجتهُ قدمت من أوروبا في إجازة قصِيرة .. بعد بضع زياراتٍ قصيرة .. وكلما أتت إلى عُمان تبدأ في التجوال ولا تعود لمسقط إلا إلى المطار .. الوادي الذي سألني عنه زميلي.. لم أعرف حتّى أين موقعه في السلطنة! وحين استعنتُ بصديق الجميع جُوجل .. اكتشفتُ أن هنالك كومة وديَان بهذا الاسم في مناطق مختلفَة من الوطن العربيّ .. وشعرتُ بالخجل الشديد وأنا أجيبُ زميلي قائلة ً .. أنني للأسف لم أزره .. فأعقب قائلاً : أن أصدقاء زوجته نصحوها بالذّهاب إليهِ .. فهوَ جميلٌ للغاية .. وأنا ظللتُ أفكّر .. أينَ سمعتُ بهذا الوادي من قبل؟

زميلي هذا ذهبَ عدة َ مراتٍ للجبل الأخضر برفقة زوجتهِ أحياناً أو مع أصدقائهِ .. يقولُ أنهُ تسلقَ الكثير من جبال عُمان .. وهوَ معتادٌ كل اسبوع على أن يحمل دراجته برفقة أصدقائه والقيادة بالسيارة إلى معلم طبيعي معيّن .. ثم التجوال هنالك بالدراجة ..

لا يعرفُ زميلي هذا أنني رغم أني من نزوَى والجبل الأخضر تابعٌ جغرافياً لنزوَى .. إلا أنني لم أذهب إليهِ يوماً .. ومن المؤسفِ جداً أيضاً أنني لم أدخل قلعَة نزوَى التي تقع على بعد رميَة حجرٍ من بيتي منذ ما يقرب على العشر أعوام ..

ولكنّ أغرب ما في الأمر حينَ بدأ زميلي يحدثنَا عن أنّه يعتبر عُمان أجمل الأماكن في العالم التي جرّب فيها تجربة الغوص .. فهو يذهبُ كلّ جمعةٍ للغوص مع مجموعة من الأصدقاء .. بالقربِ من جزر الديمانيّات ..

بدأ يحدّثني عن السلاحف الجميلة التي يقترب منها تحت الماء .. تمضي سابحة ً وخلفها سربٌ من صغار السلاحف تتبعهَا .. عن الحيتان الصغيرة والدلافين .. وكيفَ يمضي جمعتهُ مستمتعاً بالطبيعَة البحريّة العُمانيّة الجميلة ..

منذ أيّام قدمت زوجتهُ إلى عُمان .. وفي الوقتِ الذي كانَ زميلي يمضي ساعاتِ دوامهِ كانت زوجتهُ تخرجُ فجر كلّ يومٍ منذ قدمت لعمان .. لتمارس الغوص أيضاً .. وحين التقيتها بدأت تحدثنيْ كيفَ كانت تشاكس السلاحف تحت الماء .. وتخبرني عن السلحفاة الضخمَة جداً التي صادفتها وعن ذلك القرشِ وذلك الأخطبوط ..

ولأربعة أيامٍ كانت تذهب للغوص بين جزر الديمانيّات وفي منطقَة أسمتها "الفحل" لا أعرف أين موقعها تحديداً ..

سألتها : هل صادفتِ عُمانيين في مجموعات الغوص التي يسيّرها مركز الغوص الذي تشتركين به؟ فأجابت : أوه لا ! لم أصادف بعد ..

قلتُ: لعلهُ رمضَان والعمانيُون منشغلُون بالصيام..

فتوجهت بالسؤال لزوجها بالنظر لطول إقامته في عُمان: فأجاب أنه صادف بعض العُمانيين ولكنّ ذلك أمر نادرٌ جداً فأغلب الذين يتوجّهون للغوص هنالك هم الأجانب..

تمتمتُ قائلة ً: أوه .. لعلهم لا يجيدُون الغوص .. فأجاب زميلي وابتسامة عريضَة في وجهه: أنّ المركز المسؤول عن تسيير رحلات الغوص هذهِ يقدّم دورات تعليم في الغوص فهمْ أساساً لا يسمحون لأحد بالغوص إلا ولديهِ شهادة تثبتُ ذلك.. ثم أردف: لقد تعلّمتُ الغوص في عُمان .. فسألتهُ : من أين عرفت بهذا المركز؟ فأجاب: من بعض أصدقائي الأوروبيين الذين زاروا عُمان مسبقاً ..

سألتُ زوجتهُ: هل بقي مكانٌ لم تذهبا إليه بعد؟ فأجابت: أممم نعم صلالة ..

قلتُ لها : الأجواء الخريفية ليست مختلفة عما لديكم في بريطانيا فأجابت: أوه لا .. نخطط للذهاب في نهاية الخريف .. ربما بعد شهرٍ من الآن ..

ثمّ نظرت إلى زوجها وقالت: تعرف؟ يجب أن نذهب هنالك للتخييم .. سمعتُ أن ظفار ممتازة للتخييم .. خاصة في الجبال..

انتهى الحديث بيننا وأنا أشعر بالخجل الشديد .. الخجل نفسه الذي شعرتُ به وأنا أستمعُ لطبيب أسنانيْ –الأوروبيّ أيضاً- وهوَ يسألنيْ إن كانَت هنالك مطاعم سريعَة أخرى غير البيتزا هت في نزوَى؟ فأجبته .. نعم هنالك مطعم آخر .. فأردف قائلاً : أنه يذهبُ كل شهرٍ إلى نزوَى بالسيارة ثم يوَاصل الصعُود إلى الجبل الأخضر عبر قيادَة دراجتهِ ..

الأمرُ كذلك ليس بعيداً عن الأنشطة الثقافية التي تقيمها في الأغلب السفارات الأجنبيّة .. وآخرها ما قرأته في صحيفة أجنبية عن إقامة معرض تشكيلي للوحات عالميّة لأشهر رسامي أوروبا مسمين رساماً هولندياً شهيراً .. وحين ذهبتُ إلى المعرض لم أجد أي عُمانيٍ هنالك سوَى عُمانيٍ لمحتهُ متأبطاً يدَ زوجتهِ الشقراء –غير العُمانية بالتأكيد- ..

فعالياتٌ كهذهِ لا يتم الإعلان عنها في الصحافة المحليّة العربية إلا نادراً وفي الأغلب نسمع عن الفعالية عبر التغطية اللاحقة لإقامة الفعاليات .. بينما تستطيعُ وأن تقود سيارتك في طرق مدينَة السلطان قابوس والخوير والقرم أن تلمح إعلانات باللغة الانجليزية لفعاليات ثقافية .. ولا أعرف لماذا لا تجد هذه الفعاليات طريقها للإعلان باللغة العربية أم أن الفعاليات الثقافية في السلطنة التي تقيمها السفارات الأجنبيّة لا تستهدف إلا رعاياها ولا تستهدفنا كمواطنين .. وفي أغلب الأحيان فإننا نجد مدعوي هذه الفعاليات المقامة من العُمانيين الهوامير أصحاب المشاريع الضخمة ممن لديهم علاقات وثيقة بهذه السفارات ..

ورغم أن فعالياتنا الفنيّة والموسيقية المقامة من مؤسسات عربيّة تجد حضُوراً جيداً سواءً في النادي الثقافي والجمعية العمانية للكتاب والأدباء .. ليسَ للحد الذي تدخلُ فيه الفعاليّة فتشعر أنك في موقعٍ آخر جغرافي بالعالم غير مسقَط بالتأكيد ..

تقام الفعاليات الفنية .. والأمسيات الموسيقية في أرقَى صالاتِ العَرض فتكتظ بالجمهُور الأجنبي .. وتقامُ المزايَداتُ على اللوحَات .. فتجدُ السوَاد الأعظم –غيرَ العُمانيّ- هو الغَالب .. وتشعرُ بخيبَة الأملِ والجمهُور العُمانيّ لا حسّ لهُ ولا خبر ..

بلدنَا حلوَة .. وكم محزنٌ أن يعرفهَا الأخر أكثر مما نعرف .. خطأ ٌ منْ هذا؟!

الأحد، 29 أغسطس 2010

عن الفقر .. بصنَاعة عُمانيّة جداً (3)

اقرأ أوّلاً :

عَن الفقر .. بصنَاعة عُمانية جداً (1)

عن الفقر .. بصنَاعة عُمانية جداً (2)

اطلعتُ ذاتَ يومٍ على تقريرٍ للأمم المتحدَة حول دخل الفردِ في اليَمن .. فوجدتهُ 300 دولار سنوياً بمعنَى أنّ دخله كلّ يوم 0.8 دولار في اليَوم وبالعُماني دخلهُ كلّ يومٍ 300بيسة !!!

قرأتُ تلك المعلومة لأمي فتمتمت بطيبتهَا الأموميّة: شفتي كيف نحن عايشين بنعمَة؟ دومك معصبة على أوضاع البلد .. والله عمان بخير والناس بخير والحمدلله الخير والنعمة كثير ..

كانتْ أمي تقولُ ذلك وهي لا تدركُ أنهُ وفقاً لمنظمة الأوبك العالميّة فإن احتياطي النفط في عمان سيدوم لـ 15 عاماً .. أو على الأكثر 20 عاماً ..

أمّي لا تعرفُ أن نسبَة صادرَات النفط مقارنةً بالصادرَات الأخرى في عُمان تشكّل 82% !!

بعدَ عشرين عاماً واعتماد بنسبَة 82% من الصادرات النفطيّة ! ما الممكن تخيّله؟!

يا أصدقائي .. الحكُومة العمانية تصدر يومياً شيكات بستة أصفار وسبعَة أصفار وثمَان أصفار لمشاريعها التنمويّة الضخمة .. ووزارة الاقتصاد الوطني تطالعنَا كلّ يومٍ بأخبار عن زيادة الإنتاج النفطي اليوميّ ..

بعدَ عشرينَ عاماً؟! سيقولُ أحدكم .. يللا خير لعشرين سنَة ! بعيدَة .. يمكن ما تكُوني حيّة !

وأنا أقول أن عشرين عاماً ستمرّ بغمضَة عين .. قد يكون لديّ طفل أو طفلان أو ثلاثة يومها ..

وأطفالنا .. بعد عشرين عاماً كيفَ سيكونون؟ وكيف سيكُون التعليم؟ وكيف ستكُون الرواتب؟ وكيف ستكُون شبكة الطرق وكيفَ ستكون الكهرباء؟ وكيف ستكون شبكة الصرف الصحيّ؟ وكم سيكُون دخل الفرد؟وأسئلة كثيرة يحقّ لنا أن نثيرها ..

لأن 20 عاماً مدّة قريبَة جداً .. ولأننا نستحق في هذا الوطن أن نعيش بسلامٍ مع أبنائها .. ألا نهاجر للعمل كما بدأ يحدث الآن مع العشرات من العُمانيين إلى قطر والامارات! ولأن أبناءنا يستحقُون فرص تعليم متساويَة تماماً كتلك التي حظي بها آباؤهم ..

اليَوم يا أصدقائي .. الموظّف براتب 500ريَال وهذا يفوق معدّل الدخل الشهريّ للفرد العماني ب300ريال بالنظر إلى أنّ متوسط دخل الفرد العماني الشهريّ 200ريال وبإزالة 200ريال على الأقلّ لمصاريفه وإيجاره وهذا أقلّ ما يمكن حذفه .. فإنه سيحتاج لثماني سنوات ليجمّع مبلغ شراء أرض متوسطة المساحة في منطقة كالخوض السادسة .. وسيحتاج 15 سنَة أخرى ليبنيْ بيتاً متوسطَ الحجم ..

وقد يقلّص هذا بالمشاركة مع زوجتهِ العاملة .. وسينسى بالتأكيد السفر السنويّ والنزهات إلى المطاعم وألعاب الأطفال .. وارتياد المهرجانات ..

في شعبيّة الكرتُون تجسّد شخصيّة أبو سليمان العُمانيّة الرجل البخيل .. في إشارة إلى تقشّف الفرد العُماني .. والفرد العمانيّ ليس بخيلاً لكنّه متقشف .. لا يسافر كلّ عام .. ولا يمتلك أغلى السيارات .. ولا يعيش في البيوت الفارهة .. ويمضي الشباب المتزوجون ما لا يقل عن 6 إلى 15 عاماً لبناء منزل ..

ولعلّ أغلب فتيات عُمان لا يركبن الطائرة إلا للذهاب لشهر العسل .. فكم منهنّ لم يطأن أرض المطار إلا مرةً للسفر مع أزواجهن في شهر العسل .. ولا أستثني من ذلك نفسي فأنا لم أركب الطائرة إلا بعد دخول الجامعة .. ولم أطأ أرض أوروبا إلا لشهر العسل ولعلها تكونُ الأخيرة .. من يدري؟

العُماني متقشف لكنّه يجاهد .. يعيش على قدّ حاله .. وهو في دولة نفطية تصدّر ملايين البراميل من النفط كلّ عام ..

المقارنة قد تكُون بعيدة مع الشعب المصريّ .. لكنّنا لن نعود دولة نفطيّة بعد 20 عاماً .. وأولادنا لن يحظوا بالفرص التي حظينا بها ..

ولن تكُون يومها ثمة مبالغَة في المقارنة .. لأنّ قيمَة الشيكات التي تصدرها الحكومة اليوم للتنميَة من نصيب كعكة النفط لن تكُون باقية ً لذلك اليوم ..

شبح الفقر؟ ليس بعيداً جداً عنا .. فقط انتظروا يا أصدقاء .. انتظروا ! ..

للحديث بقيّة

عن الفقر .. بطريقَة عُمانيّة جداً (2)

اقرَأ أولاً:

عن الفقر .. بطريقَة عُمانيّة جداً (1)


هلْ تذكرُون يا أصدقائي حكاياتيْ ذات يومٍ عن العم أبي أحمد .. ذلك الرجل الطيّب الذي اعتاد أن يصرف الصدقات على الناس في رمضَان ويكثر منهَا .. يصرفُ لهم الأرز والحليب والسكر والطحِين واحتياجاتٍ كثيرةً تسدّ رمق عائلاتٍ معدمَةٍ لدينا .. نأكلُ ولا يأكلُون .. ننامُ على هواء المكيّف البارد ولا يفعلُون كما نفعل ..

لا نعرفهَا .. لأننا نهتمُ بما أمامنا من الطعام وننسَى الآخرين ..

كعادتهِ بدأ العم أبو أحمَد إخرَاج صدقاتهِ قبل رمضَان .. فاتفق مع عددٍ من محلاّت المواد الغذائيّة في نزوَى على صرف كوبوناتٍ للناس المستحقة للمسَاعدَة .. وهوَ يمنحُ الكوبونات لتلك العائلات .. يبدأ الشهر بأبي أحمد .. ولا يصلُ لمنتصفهِ حتّى يكون العم أبو أحمد قد تخطّى ميزانيتهِ لصرف الصدقَة .. ما يضطرهُ للاقتراض من أولادهِ ليسدّد قيمَة الكوبونات التيْ يتخطّى عددها دائماً ما يخطط لهُ ..

لا يتوّقف جرسُ بيتهِ عن الرنين طوال رمضَان ..تأتيهِ العائلات من نزوَى وما حولها .. من الداخليّة وما حولها ومن مناطق أخرى ..

نساءٌ بأطفالهنّ .. ورجالٌ مسنين لا يكادُون يحتملُون المشي .. وأطفالٌ صغارٌ لم يتخطّوا الابتدائيّة ..

رأيتهُ يومَ الخميس وقدْ أمسكَ رجلٌ بلحيتهِ يتوسّله المساعدة وهوَ يقول: والله لا أجد رمقاً أطعمُ بهِ أطفالي .. فسألهُ أبو أحمد: أنت تاجر خضارٍ في السوق .. ألا تملكُ ما تطعم بهِ أطفالك .. فصرخ الرجل: دعها مستُورة يا أبا أحمد .. والله ثم والله إني لا أملك حيلَة يوميْ لإطعامهم من غلاءِ هذه الحيَاة ..

يأتُون إليهِ في المسجد ويلاحقُونه في السُوق .. لا يردّهم صبحٌ ولا وليل ..

يظنّ أحدنا يا أصدقائي .. أن عُمان بخير .. وأن الفقر لدينَا هو فقر ألا يملك أحدنا سيّارة مثلاً .. أو لا يملك بيتاً أو لا يملكُ رصيداً في البنك .. لكنّ أحداً منا لا يعرفُ أن هنالك فقراً لدينا يعني أن صاحبهُ لا يملك ما يطعمهُ لأطفالهِ .. ما يسدد بهِ ماءً نظيفاً ليشربُوا منه .. لا يملكُ ما يدفعهُ لإلباس أطفالهِ في وقتٍ يتزامنُ فيه العيد مع المدارس ..

ناس لا تزالُ تعيش على 60ريَال مساعدَة من وزارَة التنميَة .. ووزارَة التنمية تصرف الستين ريال للعائلات الفقيرة ذات الأعداد الكبيرَة منذ خمسين عاماً .. وكأنّ دخل الفرد لم يرتفع .. وكأنّ سعر السوق لم يرتفع .. وكأنّ السلعَة في عام 1990م نفس سعرهَا في عام 2010 ..

أبو أحمَد كانَ دائماً يقولُ لأولادهِ: اليَوم من راتبهُ 600ريَال!! فقير ! ..

ووزارَة التنميَة الاجتماعيّة لا تزال تصرفُ 60ريَال للعائلة المحتاجة؟!

فكمْ من الفقراء لدينَا في عُمان؟! وكمْ منَ المعدَمين لدينَا ؟! وكمْ عائلة ً يستطيعُ أبو أحمَد أن يغطيها والفقرُ يمشيْ في الطرقَات ويختبئُ تحتَ كلّ حجر؟



اقرأ أيضاً ..

عن الفقر .. بطريقَة عُمانيّة جداً (3)

عن الفقر .. بطريقَة عُمانيّة جداً (1)

لا أملكُ إلا أن أتضامَن مع الاخوَة المصريين في مطالباتهِم المشروعة بإزالَة حسني مبارك عنْ سدّة الحكم ..

لا ألُوم هذا الشّعب ، لأنّ هذا الرجل حوّل خلال ثلاثَة عقود أو يزيد من حكمهِ حوّل الشعب المصريّ إلى صيّادين للمال .. يتبعُونه أينمَا حلّ .. وبعدما كانَ المصريّ يُحسب حسابهُ وتُدرك قيمَته قبلَ أربعينَ عاماً ، أصبحَ بلا قيمَة لأنّه مهان حتّى في بلدهِ ..

وبعدَ أن كانتْ مصر قبلَة العِلم من كلّ مكان .. أصبحتْ قبلَة كل من يفكّر في الحصول على شهادَة جاهزَة مدفُوعة القيمَة مسبقاً !

وأصبح المصريّ محلّ سخريّة في الأوطان العربيّة والأجنبيّة ضاربينَ به الأمثال في جشعهِ .. وأصبحُ كلّ من زارَ مصر يقولُ .. مصر جميلَة لولا شعبها ..

مبَارك نجح بذكاء غرِيب في إنشاء شبكَة أخطبوطيّة لا تقلّ تأثيراً عن أخطبوط بول .. فزجّ بالمثقفين في السجُون .. وحشرَ زبانيتهُ في كلّ مكان .. وجعلَ من نفسهِ رمزاً للديكتاتوريّة الدبلوماسيّة .. لأنّه جوّع شعبهُ .. ظهرَ أمامَ العالم وهوَ يطعمهم ومن تحتِ الطاولَة يمصّ كل جنيه منهُم ..

تذهبُ إلى كلّ بلد فتجدُ المصريّ هجر بلادهُ وامتهنَ أيّ مهنَة هارباً من شبح الفقر الذي يخيّم على شعبهِ .. يكدّ ويكدحُ متحملاً إهانَة الناس .. فلا قيمَة لشعبٍ لا قيمَة لهُ عند حكُومته.. يهتفُ المصريّ بصوتٍ مبحُوح : يحيَا مبارك .. ويعود لمنزلهِ ليكيل اللعنات لمبَارك .. يحلفُ باسمِ الرئيس أنّ الدنيا بخير .. وكلّما رأى كم نبذتهُ الدنيَا حلفَ بالله الخلاصَ من مبَارك ..

المصريُون المثقفُون .. الذي يقرأ عامل المترُو لنجيب محفُوظ تماماً كما يفعلُ المهندس والطَبيب .. ويتناولونَ الأحاديث السياسيّة والثقافيّة لأنها خبزُهم في تفريغ الهمُوم اليوميّة .. شعبٌ مصَابٌ بداءٍ اسمهُ مبَارك .. ومخدّر بمورفِين اسمهُ مبَارك .. وإذا مَاتَ حملَ نعشهُ إلى أقرب مقبرَة والسّلام ختَام ..

رئيس مُقدّس هو وأولادهُ وحاشيتهُ .. ينسبُ لهُم من الفضلِ ما ليسَ لهم .. حتّى الشعر أصبحُوا فيهِ .. والكرَة أصبحُوا فيهَا .. ولو كانَ بيعُ الفلافل يجلبُ الصيت والسمعَة لدخلُوا في صنَاعة الفلافل ! كلّ واحدٍ منهم يتعاملُ كأنّه الرئيس .. فصهرُ الرئيس رئيس ، وابنُ الرئيس رئيس .. وأخ الرئيس رئيس وزوجَة الرئيس رئيس .. وزوجَة ابن الرئيس رئيس .. وووو إلخ ..

شعبٌ نسَاه حاكمهُ فكيفَ تتذكرهُ الشعُوب الأخرى .. شعبٌ سرقَته حكُومته فكيف لا يسرقُ الشعوبَ الأخرى .. شعبٌ استعبدهُ حاكمهُ فكيفَ لا يستعبِدهُ العَالم؟! شعبٌ يتسوّل حاكمهُ حكومات الشعُوب الأخرى فكيفَ لا يتسوّل شعبهُ الشعُوب الأخرى؟

***

أتذكّر تلك الرسالة التيْ كانَ يتداولهَا العُمانيُون باستخفاف في آخر زيارَة لمبارك إلى عُمان .. وقدْ أخرج الطلاب من مدارسهِم لاستقبالهِ .. والرسالة تقول: " آلاف من العُمانيين يخرجُون للشوارع في استقبَال البقرَة الضاحكَة" في إشارَة إلى الرئيس مبَارك ..

كلّما رأيتُ حالَ المصريين قلتُ الحمدلله .. أقولُ الحمدلله وأنا أدعُو الله ألا يحلّ علينا يومٌ كما حلّ عليهِم ذلك اليوم الأسود الذي وصلَ فيه مبارك لسدّة الحكم وتعلّق عليهَا منذ ذلك اليوم بيديهِ ورجليهِ وأسنانهِ الطبيعيّة والصنَاعيّة وكل مَا أوتي من عزمٍ تملكهُ سنُونه العجُوز التي تتخطّى الثمانين عاماً..

هلْ سنصبحُ يوماً كما أصبح المصريُون ؟! نحنُ نمشيْ في طريقٍ موازٍ لهُم .. ولكنْ بنكهَة عُمانيّة وبيئة عُمانيّة .. وفقر عُماني بصنَاعة وإنتَاج عُمانيّ 100% وما أحلَى المنتج العمانيّ (ولو كانَ اسمهُ الفقر) .. الذي طالمَا كانَ اختيارنا الأوّل !

للحديثِ بقيّة . .

اقرأ أيضاً

عن الفقرِ .. بطريقَة عمانيّة جداً (2)

السبت، 21 أغسطس 2010

يتسوّلونَ الطفـُولـة !





قبلَ أيّامٍ .. وفيمَا كنتُ أركنُ سيّارتيْ أمام محلّ سلكت في محطّة البترول الموازية لشارع السلطان قابُوس بالخوير .. سمعتُ طرقاً على باب نافذتيْ ورأسٌ صغيرٌ يطلّ من الأسفل .. أصابع ضئيلة مغبّرة وأظافر طويلة مكسوّة بالتراب من الداخل ..

كانَ الطارق طفلاً في السادسة .. مدّ يديهِ طالباً المال .. شعرتُ بالشفقة لمظهرهِ المزري للغاية .. وأعطيتهُ بضع مئات بيسَة .. غادرنيْ سريعاً ليقفَ قريباً من بوابَة سلكت ..

أسمَر البشرة .. أجعد الشعر .. حافي القدمين بملابس رثّة للغاية .. وقف بلا مبالاةٍ يحملقُ في المارة والسيارات القادمَة والمغادرَة .. ظللتُ أحدّق إليهِ وفجأة ً لمحتُ رجلاً آسيوياً يقفُ في مسافةٍ ليست بعيدة عن الطفل .. كانَ مهندماً جداً للحد الذي ظننتهُ يعمل في سلكت أو في العمارات المجاورة ببدلةٍ أنيقة .. كان ذلك الرجل وأرجّح أنه هنديّ الجنسية يهمس مشيحاً ببصرهِ بعيداً عن الطفل وكأنّه يوجهه للسيارات القادمة التي ينبغيْ أنْ يطلب الطفلُ من أصحابها المال .. سارعتُ بإخراج كاميرتي على الفور لألتقط صورَة لهما إلا أنّ الرجل الهنديّ غادرَ سريعاً بعدَ أن لمحني أسدد أنظارَ كاميرتي إليهِ ..

لم أستطع التقاط صورةٍ سوى لظهرهِ وهم يهمّ بالمغادرة سريعاً مبتعداً عن الطفل .. بينما ظلّ الطفل يحدّق إليّ باستغرابٍ وأنا ألتقط صورةً له بهاتفي .. بينما سارعَ بعد دقيقةٍ لمدّ يدهِ إلى سيارةٍ بلوحة اماراتيّة .. منحهُ أصحابها أيضاً قليلاً من المال ..

طفلٌ في هذا الصيف يمشي حافي القدمين يطلب من شخصٍ لآخر بضع حفناتٍ من الأوراق النقدية ..

هذا الطفل عرضَة للاعتداء الجنسي والجسدي والاستغلال الماديّ .. ولا أظنّ – في عاصمة يسمعُ سكانها عن حالات الاعتدَاء الجنسي على الأطفال كما يستمعُون للأخبَار اليوميّة- أنّ هذا الطفل لم يتعرّض للاعتداء الجنسي يوماً !

ما أسهَل أن يغري أحدهُم هذا الطفل بخمسَة ريالات ليصعَد السيارةَ معهُ ويفعلُ بهِ ما يفعل .. ما أسهلَ أن يأتي شخصٌ ل"مقاول التسوّل" الذي كان يقفُ خلفهُ ويساومهُ لاستغلال هذا الطفل مقابل بضعة ريالاتٍ رخيصة ..

أصدقائي ..

كيفَ بالإمكان أن نحارب هذه الظاهِرة؟! بعد أن وصلتْ إلينا عصابات التسوّل المنظمَة هذهِ التي تستغل الأطفال؟ وهل ثمّة خط نستطيعُ الاتصال عليهِ لنبلّغ السلطات؟! كيفَ نستطيعُ أن نحمي طفُولة هؤلاء الأطفال العمانيين الذين يحملُون جواز سفرٍ عمانيّ كما نحمل .. يستحقُون كأطفالنا تعليماً مجانياً ، وتأميناً صحياً .. ورعايةٍ تكفلُ لهُم أدنى مستويَات الحياة الكرِيمة؟!

كيفَ نحمي هذهِ الطفولَة العمانيّة؟ وفيما لمْ يكنْ هؤلاء الأطفال عمَانيّون .. فإن فرصهُم في الحياة والتعليم ينبغي ألا يتمّ تجاهلها وفقا لمنظمات الطفولَة الدوليّة التي تحرّم استخدام الطفل بأي شكلٍ من الأشكال للحصُول على المال ..

محبّتي

الأربعاء، 18 أغسطس 2010

الإعلانُ العُمانيّ .. وقشرَة الموز !/ردُهات


عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com

بعدَ أيَّام يفتتحُ معرضُ الإعلان في معرَض عُمان الدوليّ .. وأنتَ تقُود السيّارة إلى عملكَ وتعُود مجدداً لابدّ أن تصادفَ مرة ً أو مرتينِ على الأقلّ .. وصوتُ المذيع الأجشّ يعلنُ عن هذا المعرضِ ، خاتماً: الإعلان.. نافذتنَا إلى العَالم!

وأوّل ما يخطرُ في ذهنِ أيٍ منا .. هل يعدّ الإعلانُ –عُمانياً- نافذَتنا إلى العالم حقاً؟

سأقولُ لكمْ أنّي لستُ مستمعةً جيدةً للإذاعاتِ المحليّة لدينا في الراديُو .. لكنّ أياً منكم يستطيع خلال مسافَة قيادتهِ اليوميّة أن يحفظ الإعلانات التيْ تتمّ إذاعتها .. وأن يلقي النكَات عليها وهوَ بينَ أصدقائهِ ..

إعلانَات غايَة في الهزَالة .. متكررة الفكرَة .. تكونُ في الأغلب حوَاراً بين شخصين .. وحتّى الحوَار نفسه يفتقد لأسس العقلانيّة في التروِيج للمنتج .. إليكُم إحدَى الإعلانات التي قدّمتها إحدى شركات الاتصالات ..

صوت (1): تصدق اليوم طلعت بطاقة الانترنت الفلاني والهاتف الفلاني

صوت(2): مستحيل !! أنا اليوم كنت معك صباح وما كان عندك كل هالشي

صوت(1): أنا طلعت كل هالمميزات بزيارة وحدة لصالة العرض الفلانية ، إلخ! إلخ! إلخ!

صوت(2) (زاعقاً بطريقة مخيفَة) :مستحيل!! تتصفح الانترنت وتتحدث مع أصدقائك خلال دقائق .. أنا لازم بكرة أروح أقرب صالة عرض وأشترك معهم

***

أذكرُ أنّنا في أيَّام المدرسَة كنّا نقدّم اسكتشَات صغيرَة للغايَة أثناء الإذاعة المدرسيّة وأذكر أنّ الاسكتش كانَ يسيرُ على هذا النّحو: طالبٌ يمشي .. وآخر يأكل موز ويرمي قشرَة الموزِ أمام الأول فسيقط .. فيأتي آخر يشاهد المنظر ويذهب لنصيحة آكل المَوز .. ويقتنع آكل الموز ويعتذر من الأوّل .. وانتهَى الاسكتش !

هكذَا بالضّبط هي إعلاناتنا .. الإذاعيّة منها والتلفزيُونيَّة ..

حتّى على مستوَى الخلفيّات والتأثيرات الموسيقيَّة التيْ تبثّ مع الإعلان .. تأثيرات متكرّرة .. وأصوَات متكرّرة بل ومتكلفَة ..

حينَ يبثّ الإعلان بصوتِ فتاة .. تطالعنَا فتاة تمطّ الكلمات مطاً بطريقة متكلفَة للغايَة .. تنفّر المستمع أكثر مما تجذبه .. يتساءلُ المرء وهو يستمعُ إليها: هل تدركُ هذه الفتاة وهي تقودُ السيارة وتستمعُ كالآلاف منّا لصوتها ، تدركُ كم تتكلّف الدلع؟! وهل يدركُ عملاءُ الإعلان كم هوَ غير احترافيٍ إعلانهم الذي دفعُوا له أموالهم للترويج لمنتجِهم؟

***

صوت(1): أهلين يا أم خميس .. علامك كذا اليوم فرحانة ومستانسة

صوت(2): مستانسة عشان اليوم اشتركت بتأمين الحرمة الذكيّة

صوت(1): وشو هو تأمين الحرمة الذكيّة

صوت(2) : .......

صوت(1): يا سلاااااام عيل أنا بكرة بعد بروح أشترك ..

***

يعجبُ المرءُ وهوَ كلّما تخطّى دواراً أو دخلَ سكة ً طالعَ وكالَة إعلان .. أن تظلّ صناعة الإعلان لدينَا بهذا المستوَى المليان غبَار .. وألا يدركُ هؤلاء ما يحتاجُونه من أدواتٍ لصناعة إعلان مسمُوع يجذب المستمعَ تماماً كما يجذب المشاهدَ إن بثّ الإعلان ورقياً ومرئياً؟

***

تخبرنيْ صديقتيْ أنّ طفلها يبدأ في القفز مباشرةً حينَ يستمعُ إلى إعلانٍ لإحدى منتجات اللحوم العمانيّة لمجموعة أطفال يغنُون للترويج للمنتج مقتبسين لحن الإعلان الغنائي من مقطع لرسوم كرتون متحركَة مشهُورة .. فأبتسم أنا كذلك وأقول لها: أنا أيضاً أبدأ في الغناء معهُم ..

فرغم أن فكرَة الإعلان ليست جديدَة لكنّها على الأقل لا تشعرُ المستمع بالضجر .. وهي لا تتكئُ على حوارات فجة جداً وهشَة المضمون .. وأصوات متكلفَة للغاية .. إنّها فقط تقدّم ما يسلّي المستمع بطريقَة غير مفروضَة ..

ورغمَ بساطة الإعلان إلا أنّك على الأقل تستمتعُ بهِ وأنت تستمع إلى جوقَة الأطفال بمخارج حروفهم المضحكة وهمْ يغنّون ..

***

صوت(1): أوه فقدت فرصتي في الفوز

صوت(2) وهو يقرأ ما كتبَ في بطاقةِ السحب: حظاً أوفر في المرة القادمة!! ما هذا الهراء؟

صوت(3): فتاة كبيرَة تتقمص بطريقَة مثيرة للسخرية صوت فتاة صغيرة: إهئ إهئ فقدت السحب .. فقدتُ السحب

ثمّ صوت انفجَار كبير ، يتلوه صوتٌ متحمس للغاية يروج لإحدى إعلاناتِ السيارات التي تقدم الجوائز الرمضانية لكل عملائها دون الحاجة للدخول في سحب واحتكَار الفوز على عينة صغيرة

***

مضَى زمنٌ بعيدٌ منذ أيَّام كنتُ أصعدُ حافلة المدرسَة ، وأستمع كما الجميع في الحافلة إلى صوتِ الإذاعة.. وأعود إلى المنزل لأشاهد أولئك الراقصينَ في التلفزيُون العماني وهم يروجون بطريقة لا علاقَة لها بالمنتج لنوعٍ من الأنوَاع الشيبس في عُمان ..

وبينمَا كنتُ أستمتعُ بمتابعة الفَوازير لتقطعَها فجأةً فترة إعلانات .. وكنتُ أشعرُ بالضيق الشديد وأنا أنتظر عودة الفوازير بفارغ الصبر بينما تتوالى الإعلانات متشابهَة الفكرة والمضمون دونَ أن تحرّك فيَّ ساكناً.. إعلانات أصباغ، إعلانات عجلات سيارات، إعلانات بلاط إلخ..

غيرَ أنني اليَوم كلّما فتحتُ قنواتٍ عربيّة وأنا أتابع مسلسلي المفضّل .. لا تزعجني فترَة الإعلانات لأنّك تشعرُ فعلاً بحجم المستوى الذي وصل إليه الإعلان العربيّ وكيف استطاع تطويرَ نفسهِ في السنوَات الأخيرة ..

تبهركَ الصورة .. الموسيقا .. فكرَة الإعلان نفسها .. وكيف يتقمّص الكومبارس المشاركُون في الإعلان أدوارهُم في الإعلان ..

***

اليَوم بعدَ مرورِ حوالي عشر سنواتٍ وأنا أشاهدُ وأستمعُ لذلك الإعلان الذي يروّج لإحدى البنوك المحليّة .. لا أزال كلّما شاهدتُ الإعلان أستمتع .. فوضوح الصُورة .. والكومبارس يترنُمون بلحنٍ معيّن للترويج للبنك .. لا يزال ذلك الإعلان أكثر فعاليّة من عشرات الإعلاناتِ التي بثّت بعدهُ بسنواتٍ .. ليسَ لشيءٍ سوَى لأنّ أحداً لا يفرضُ عليكَ صوتاً ولا حواراً ولا فكرةً هشة ً للغايَة لا تثيرُ أكثر من ضحكِ العميل ..

***

وأنا أقودُ السيّارة .. وأستمعُ للإعلاناتِ .. أبتسم وأنا أتذكّر الطالبَ الذي يرمي قشرَة الموز .. وبعدَ ثانيتين يقتنعُ بسذاجة بخطئهِ ويعُود لالتقاطها واعداً بألا يعيدَ رميهَا مجدداً .. أتمنّى أن تأتي قشرةُ الموزِ هذهِ يوماً و"تزحلط" كلّ الإعلاناتِ المكرورة التيْ نسمعها كلّ يومٍ .. دونَ أن نشعرَ بالأسف لسقوطِ أحدٍ بهَا .. ودونَ أن يأتي أحدٌ لالتقاطها كلما زحلقتْ إعلاناً كالذي نستمعُ له كلّ يوم .. فمتَى تبصرُ قشرَة الموزِ الموعودَة النُور؟!

السبت، 14 أغسطس 2010

اسمِي عائشَة .. وهذهِ حكايَتي ! (3)



اسمِي عائشَة .. هذه الفتاة الصغيرة التي في الصُورة .. كانَ من الممكن أن تحملَ اسمَ سارَة .. لكنّ اسمهَا اليَوم عائشَة وهي تكملُ اثنين وعشرينَ عاماً من حياتها..وبطريقةٍ أو بأخرى فإنّ الزمَان والمكَان فرضَا سطوتهُما عليها ..

الكثيرُ من القرّاء أصبحُوا يستهلُون رسائلهُم إليّ منادينني سارَة .. وأنا لا أعرفُ الكائن الذي اسمهُ سارَة .. قد تكُون فتاةً عصبيّة .. مزاجيّة .. تحبّ المَوز! وتتابع التلفزيُون كثيراً! قد تكون امرأةً عانساً تقفُ كلّ يوم على الباب في انتظَار الفارس الذي لن يجيء.. أو قد تكُون أماً تلهثُ كلّ يومٍ وراء دزينَة أطفال .. وزوجٍ بكرشٍ كبير يفوق كرشَ زوجته .. وأنا بطبيعَة الحال لستُ كذلك .. أنا لا أعرفُ سارَة! أكثر مما تعرفُونها .. فقد تكفّل العجُوزان الزّمان والمكان بإقناعي أنّي عائشَة ؟!

وأنا؟! كان من الصعبِ جداً أن أقتنع .. لكنني اقتنعتُ في النهايَة .. كلّ يومٍ أحلمُ أني سارَة .. غير أنّي أكتشفُ نهايَة كلّ يومٍ أني عائشَة ..

أصحُو باسمِ سارة .. وأنتهي باسمِ عائشة .. عائشة وفقط !

***

في صيفِ 1996 حيثُ انتهَت مرحلَة مدرسَة المعلّمة عقّة بالكثير من الدرَاما المأساويّة .. قرر والدي إلحاقنا بجمعيّة المرأة العمانيّة التي كانت تقدّم برامج صيفيّة لموادِ الرياضيات والانجليزي التي يدرسها الطلاب بمختلفِ الصفوف الدراسيّة ..

ورغم أني كنتُ أمرّ بحالة خمُول سلوكي .. إذ كنتُ هادئة ً للغاية .. ليسَ بفعلِ عصا المعلمة عقّة فحسب .. بل لأنني قررتُ أخذ استراحة محاربٍ أفسدتُ فيها ما أفسدتُ من أيّام أمي التي عانتِ الأمرّين مني في سنوَات عمري الأولَى ..

التحاقي بجمعية المرأة العمانيّة شكّل فارقاً حقيقياً في حياتي .. وبدأ في إذابة حاجز الخوف الذي زرعتهُ ردّة فعلِ والدي وهوَ يقرأ قصيدتي الأولى في مدحِ القبيلة .. أذكر أن قافيتها كانت على هذا النحو .. (السيفيينا ، المجاهدينا ، الصالحينا ) .. ومن الواضحِ جداً أني أسبغتُ على أبناء قبيلتي من الصفاتِ ما ليسَ فيهم .. وهو ما أغضب والدي الذي قال لي : ( اكتبي في الرسول وفي الصحابة ، مالكِ ومفاخر القوم؟ )

وفي الأعوام السبع التيْ تلت انضمامي للجمعيّة كلّ صيف .. أصبحَ وجهي ووجه أشقائي مألوفاً جداً إذ كانَ لزاماً علينا أن نلتحق بمجرّد أن تغلق المدارسُ أبوابها بالجمعيّة .. وهنالك بدأت مواهبِي في الإلقاء تبرز .. وانطلقت عائشَة لتلقي في كلّ مناسبَة (بسببٍ أو دون سبب) .. كنتُ كفرسٍ أطلق جماحه بعدَ سنواتِ حبسٍ طويلة .. وهكذا أصبحتُ بقدرِ قادرٍ (ملقيَة الشعر الرسميّة لجمعية المرأة العمانيّة بنزوَى ) ..

دعونيْ أتذكّر قليلاً بعض المناسبات التي ألقيتُ بها .. كنتُ ألقي في يومِ البلديّات قصيدةً عن البيئة ، وفي يوم السكري قصيدةً عن السكريّ ! .. وكنتُ ألقي قصيدَة ختام الأنشطة الصيفيّة بالجمعيّة .. كما كنتُ ألقي في مناسبات الإسراء والمعراج .. وفي يوم النهضَة .. ولكنّ الأكثر إثارةً على الإطلاق اني كنتُ ألقي قصيدةً في يوم المباعدَة بينَ الولادات ..

لا أزالُ أذكرُ قاعَة الجمعيّة وهي تكتظ بالأطباء والممرضين ومندوبي وزارة الصحة .. بينما تصعد الفتاةُ ابنَة الثامنة .. لتلقي قصيدَةً على الحث على المباعدَة بين الولادات .. معدّدة أساليب المباعدة باستخدام القذف الخارجيّ ، اللولب ، حبوب المباعدَة !

نعم يا أصدقائي .. كلّ عامٍ كان ذلك الشاعر النزوانيّ المعروف ينظم قصيدةً بمناسبة المباعدة بين الولادات .. وكنتُ ألقي القصيدة بصوتٍ جهوريٍ عالٍ ..

لم أكن اتوقّع أنه بعد اثني عشرَة عاماً سألتقي ذلك الرجل في إحدى أمسيات الشعر التي أقامتها الجامعة .. وأن يأتي ذلك الرجل ليلقي نفسَ القصيدَة التي ألقيتها وأنا طفلة .. نعم .. في تلك القاعة ! ألقى ذلك الشاعر قصيدته حولَ المباعدَة بينَ الولادات .. وبينما ضجّت القاعة بالضحكِ والتصفير من الطلاب .. واصلَ الشاعرُ إلقاء قصيدَته .. ووحدها عائشَة .. عائشَة فقط كانت واجمَة تماماً وهي تتذكرُ أنها ألقت نفس القصيدة .. وإن اختلف الزمان والمكان .. كنت أشعر بالدهشَة من القصيدَة .. وكنتُ أتساءل .. لم يتغيّر الشاعر الذي لا يزال يكتبُ عن المباعدَة بين الولادات .. ولكن هل تغيّرت عائشَة؟!

وأنا في الثامنة .. في الصورة أعلاه .. بعينينِ نصف مغمضتين كنتُ أستعد لإلقاء قصيدَة عن المباعدَة بين الولادات

ولكنّ السؤال ..هل كنتُ أعي ما ألقي؟ وهل كنتُ ألقي بالاً؟

أبداً ! ولم أتساءل يوماً عن ذلك .. كنتُ مسكونةً بحمّى إلقاء الشعر .. وكنت أستمتع كثيراً بالوقوفِ أمام تلك الجماهير ! أتحوّل من فتاةٍ هادئةٍ للغاية ، إلى فتاةٍ صاخبَة لا تكترثُ لما حولها .. لقد أدركتُ منذ ذلك اليَوم أن انسانة ً أخرى تتقمصني وأنا ألقي .. وكنتُ سرعَان ما أنهي ما ألقيهِ وأعود أدراجي منكمشة ً على نفسي ومتسائلة: من هي تلك التي كانتْ تلقي؟ وما اسمهَا؟

عائشَة؟! سارَة؟

غير أنّ هذا الشعُور لم يخفت يوماً ولاثني عشرَة سنة ً قادمَة ظلّت عائشَة تتساءل دائماً بعد أن تنهي إلقاء قصيدةٍ وتعود إلى كرسيّها: من هي تلك التي كانت تلقي؟!

لماذا ظلّ هذا السؤال ملحاً؟ ولمَ كنتُ أشعرُ بتلك الوخزَة .. ذلك المسّ الذي لا أستطيع وصفه ! من هي تلك التي كانت تمسك المايكرُوفون وتلقي؟ ومن هي تلك كانت تتعرّى عن نفسها وتعود إلى عزلتها؟!

هل هي أنا حقاً؟! هل هي تلك الفتاة التيْ اسمها عائشَة؟!

ظلّ هذا السؤالُ ملحاً .. وكنتُ أتساءل هل أنا وحدي الممسوسَة كلما وقفتُ أمام المايكرُوفون .. غير أنني كنتُ كلّما استمعتُ إلى مغنيتي المفضّلة بيونسيه وهي تعترفُ دائماً أنّها رغم طبيعتها الهادئة تتحوّل لأخرى .. وكانت دائماً تقول .. أنا بيونسيه .. لكنّي في المسرح امرأةٌ اسمها ساشا فيرز ..

كانت بيُونسيه مثلي .. أو أنّني مثل بيُونسيه .. بيُونسيه تتحوّل إلى ساشا على المسرَح .. وأنا أتحوّل إلى .... لا أعرف ..

كائنة أخرى ربّما اسمها سارَة .. لستُ متأكدة .. لكنّ اسمها ليسَ عائشَة بالتأكيد ..

***

اسمي عائشَة .. حدثَ كثيراً أن ناداني الكثيرونَ بأسماءٍ مشابهَة .. عايشة ، عاشَة وفي أسوأ الحالات عيشَة .. إلا أنّ كل تلك الأسماء اتّحدت فيَّ .. ووجدتنيْ بعد أمدٍ طويل أتخلّى عن تبعيّة اسمي ! وحينَ فعلتُ ذلك .. لم أعُد ألقي بالاً لسَارة .. الفتاة التي أحببت.. والفتاة التيْ كرهتُ لاحقاً .. ربّما لإيماني أن قدراً مختلفا كان سيكونُ بانتظاري لو أنّ اسمي كانَ سارَة .. واسمي –كما شاءتِ الأقدار- بعد اثنينِ وعشرين عاماً .. عائشَة !

أذكرُ سَارة .. معلّمة الروضَة التيْ سألتنيْ عن اسميْ في أوّل يومٍ دخلتُ فيهِ الروضَة فأجبتها : اسميْ عائشَة .. ولأني رغبتُ في إبهارها بإجابةٍ تعرفُ من خلالها أني أعرفُ الحروفَ الأبجديّة بينما لا يتعدى عمري الخامسَة فقدْ أكملتُ قائلةً لها: اسمي عائشة .. ولديّ أخٌ اسمهُ يبدأُ بحرفِ الباء .. سُوس !

لمْ يكن لديّ أخٌ اسمهُ سوس .. ولم أكن أعرف هل سُوس هوَ اسمٌ أم فعلٌ؟ ولم يكن لديّ أخٌ يبدأ اسمهُ بحرف الباء ..

لم تعرف تلكَ المعلّمة ذلك اليَوم .. كم كنتُ أرغبُ في البحثِ عن اسمٍ قريبٍ من اسمها .. لأقول لها أنّ ثمّة قرابة ً في الاسمِ بيني وبينها .. كنتُ مستعدَة للنبش عن أيّ قرابةٍ تربطني بسَارَة .. حتّى لو اخترعتُ من الخيَال اسمَ "سُوس" ..

***

اسميْ عائشَة ! لم أعد مضطرةً أن أتساءلَ لماذا عائشَة وليسَ سارَة !؟ ولماذا أحببتُ عائشَة التي بداخلي

ربّما لأنّ عائشَة أصبحت صديقتيْ .. فقد كانتْ بجانبيْ لاثنينِ وعشريَن عاماً .. تغادرنيْ وأنا أغمضُ عينيَّ للنّوم وأصبحَ سارَة وعلياء ومنَى وعشرات الشخصيات التيْ سُحِرتُ بها . غيرَ أنّها تعُود إليّ لتحتضنني بشوقٍ لمجرّد أن أفتحَ عينيَّ ..

اسميْ عائشة .. مضَى وقتٌ طويلٌ إلى أن اقتنعتُ بذلك .. ولكنني أكتبُ اليَوم واسميْ عائشَة .. أليسَ ذلكَ كفيلاً بأن أدينَ للولاءِ لعائشَة .. صديقَة الكتابة؟!