الجمعة، 8 مارس، 2013

فما قولكُم في الذي تبوّل في مسجدِ الله؟

عائشَة السيفيّ




رويَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم أنهُ كانَ وصحابتهُ يصلونَ في المسجد فلما فرغُوا من صلاتهم تنحّى اعرابيٌ إلى زاويةٍ في المسجد فبالَ ، فنهرهُ الصحابة ُ قائلينَ: مهٍ مه .. أيّ توقّف .. فنهاهم الرسولُ قائلاً: "دعُوه ولا تزرموه" أي دعوه يكملُ تبوّله حتى لا يتأذى من التوقفِ عن التبولِ فجأة .. فلما قضى حاجتهُ دعا النبيّ بدلوٍ من الماء ليصبَ على مكان البولِ ..ثمّ حدثَ النبيّ الاعرابيّ برفقٍ قائلاً: إن المساجد لا تصلح لشئ من هذا البول والقذر ، وإنّما هيَ لذكرِ اللهِ ، والصَّلاةِ ، وَقراءَة القُرآن..

فرفعَ الاعرَابيّ صَوتهُ بالدعاءِ قائلاً: اللهمّ ارحَمني وَمحمَداً ، ولا ترحَمْ معنَا أحداً .. فاستاءَ الصحابة وقد دعا الاعْرابيّ بأن لا تنالَهُم رحَمَة الله .. إلا أنّ الرسولَ ردّ برفقٍ: "لقد تحجّرت واسعاً" .. أي ضيقت واسعاً وهي رحمة الله التي وسعت كلّ شيء"

لا يحتاجُ هذا الحديثُ لمزيدٍ من الشرحِ لنعرفَ ما هوَ الاسلام الحقيقيّ الذي بعثَ لأجلهِ محمّد .. ولا نحتاجُ لتفاصيل إضافيّة لنعرفَ كنهَ الرسالةِ التيْ حملهَا محمّد قبل 1400 لينشرَ هذا الدينَ في أرجاء الأرض قاطبة ليسَ بالسَيف والكراهيَة والإرهاب ولكن بالمحبّة والرحمة.. وللانسانيَة التيْ ظلّ الانسانُ فيها منذ خلقِ البشريّة يقتلُ باسم الله .. ويحتلّ الشعُوب باسم الله .. ويغتصبُ ويستولي ويستبدُ ويُرهِب باسمِ الله ..

لا نحتاجُ لنعرفَ كيفَ كانَت حياة ُهذا الرجل مليئة ً بالسمَاحة والبشاشة وهو الذي لا أحدَ أكثر منه غيرة ً على قدسيَة بيوتِ الله .. وهوَ الذي لا أحدَ أشدّ منهُ حرصاً على صونِ كرامةِ هذه الأمّة وصونِ دينهِ من التدنيس .. ولا أكثر منهُ خوفاً على كتابِ الله من الضيَاع ولكن يبدُو أنّ كثيرين منّا لم يتلقوا بعد هذه الدرُوس العظيمة من الرحمَة والرفق والتسامح ..

ونحنُ الذين كنّا ولا نزالُ في عُمان مضربَ الأمثال في اعتدال الخطاب الدينيّ لدينا وتآلف المذاهب والطوائف كافّة وتكاتفنا على نبذ الخطابات المتطرّفة التيْ يحاولُ بها القلّة المحسُوبون على هذا الشعب دسّها وتكدير صفاء الروح العمانيّة المتشبثة بالتسامح والأخلاق التيْ دعا إليها هذا النبيّ العظيم ..



لا أعرفَ كيفَ انطلت على أحدٍ الخطابات الداعية للتظَاهر على خلفيّة قراءة القرآن في دار الأوبرا .. رغمَ اعتذار الرجلِ وفرقتهِ وإدارة الأوبرا .. الرجل المسلم الذي ظنّ أنهُ يقدّم رسالة محبّة بإلقائه الفاتحة على اخوانهِ المسلمين في هذا البلد المسلم المعرُوف باعتداله الرفيع .. الرجلُ اجتهدَ فأخطأ .. ويجتهدُ المجتهدُ منّا فيصيبُ أو يخطئ .. لكنْ يبدُو أنّ هناك البعضَ ممنْ كان ينتظرُ سيناريُو مشابه لما حدث ليجعلهُ شمّاعة .. أو حقنَة يدسّ بها خطاباتهِ المسمُومة على أبناء هذا الوطنِ..

وكانَ من العجيبِ أن تأتيْ هذهِ الحادثة بعد أسبوعٍ واحد جمعتنيْ خلاله الصدفة بثلاثَة ممن زارُوا هذا الوطن .. شاعرٌ كويتيّ .. وباحثة روسيّة .. ومهندس ليبي .. تمنيتُ حينَ التقيتهم كلٌ على حدَة أنّ بحوزتي مكبّر صوتٍ تسمعُ فيهِ شعبُ عمان من شمالهِ إلى جنوبهِ عن انبهارهم بخلقِ العمانيّ الرفيع .. عن تمَاسك هذا الشعبِ ولحمته .. عن الخطابِ الدينيّ المعتدل لدينا وعن نبذنَا التطرُفَ وعن اتّساع صدورنا وأرواحنا للآخر أياً كانتْ خلفيتهُ الدينيّة والمذهبيّة والعرقيّة .. قالَ لي أحدهم: أرجُوكم حافظوا على ما تملكون .. قاتلُوا لأجله .. ناضلُوا ضدّ أي تغيير يطرأ على هذهِ الشخصية العمانيّة الرفيعة .. ناضلُوا ضدّ أيّ خطابٍ يعكّر صفاء هذهِ السمعة الطيبة التيْ حملتم رسَالتها ..

دارَ الأوبرا ستكُونُ فعلاً منارَة للعلم والثقافة والحضارَة العريقة المتجذرة في عرُوق هذا الوطن .. ستكُون ذلك بوعي هذا الشعب الذيْ كانَت وقفتهُ رائعة في رفضِ هذهِ الخطابات المتطرفة "الطارئة" على مجتمعنا الجَميل..

وإنْ كانَ من خطابٍ نحتاجهُ اليَوم فهوَ خطاب العودَة إلى المسجد وإعادتهِ إلى المؤسسة التيْ بدأ بها الإسلام.. المؤسسة التي صدّرت على مرّ التاريخِ الفلاسفَة والمؤرخين والأدباء والعلماء حينَ كانَ المسلمُون في أوجِ مجدهم وعزّتهم .. فقرِئ اسمُ الله في أقاصي الأرضِ ومغربهَا حتّى في كنائس النصَارى ومعابد اليهُود فلماذا لا يقرأ اسمُ الله في دار الأوبرا؟