الاثنين، 31 يناير 2011

لأنّنـا نقدّس الجثث ..

في السّاعة السّادسة مساءً في الثّامن من يونيُو 1992م .. كان الدّكتور فرج فودة خارجاً من مكتبهِ رفقَة ولدهِ أحمد وأحد أصدقائه ، وفجأة ظهرَ مسلحان أطلقا على فودَة النّار من مسدّس آلي فلفظ أنفاسهُ على الفَور ..
ولمن لا يعرفُ فرج فودَة فهو مفكّر مصريّ دعا طوَال فترَة نشاطهِ السياسيّ إلى فصل الدّين عن الدّولة وكانَ من أهمّ معادي حركَة الاخوان المسلمين ولأجلِ ذلك استقالَ فرج فودَة من حزبِ الوفد الجديد احتجاجاً على تحالفِ الحزبِ مع الاخوَان المسلمين في الانتخابات وأسّس حزباً جديداً أسماهُ حزب المستقبل ..
آرَاء فرج فودَة كانتْ مثيرةً للجدل وكانَ لهُ كارهوه الذينَ ربّما كانوا أكثرَ من مؤيدّيه .. فرج فودَة لم يعرفهُ خارجَ نطاقِ مصرَ أحد إلا حينمَا قتل وتركت محاكمة قاتلهِ الشّهيرة صدمَة لدى جميعِ من تابعها خاصّة بعدَ أن تمّ استضافة علماء دين بارزين كمحمّد الغزالي الذي حينَ سألهُ القاضي إن كانَ من الجائز قتل فرج فودَة فأجابَ .. نعم يجوزُ قتلهُ ، وإن كانَ قاتلهُ قد تعدّى على السلطة لكنّ هذا لا عقُوبة له ..
ردّ محمّد الغزالي أثار ردودَ فعلٍ صادمة خاصّة من شخصيّة اسلاميّة كهذهِ ما حدا بوزير العدلِ المصريّ وقتها إلى الذهابِ بنفسهِ إلى بيتِ محمّد الغزاليّ ليعدل عن رأيهِ ، غير أنّ محمد الغزالي ردّ بلهجةٍ مصريّة قحّة .. ( هوّ أنا اللي جيت ماشي برجليّ ع المحكمة؟ مش انتو اللي طلبتوني ؟ أهو أنا جاوبت بصرَاحة ع اللي سألني عليه سيادة القاضي ) ..
عموماً .. ليست هذه نقطَة الموضوع .. النقطة الفصل هوَ أنّ مؤلفّات فرج فودَة وجدَت رواجاً عظيمَة بعد حادثَة قتلهِ ، وتعاطفَ معهُ كثيرُون ممن كانُوا بالأمسِ ضدّ أفكارهِ ولعلّ مشهداً راسخاً في ذاكرَة كلّ المصريين علقت أثناء محاكمَة قاتلهِ حينَ سأل القاضي القاتلَ:
لماذا قتلتَ فرج فودَة؟
فأجاب القَاتل : لأنه مرتدّ
فسألهُ القاضي: ما الكتب التي قرأتها لفرج فودَة لتحكمَ عليهِ أنهُ مرتدّ
فأجابَ القاتل: لم أقرأ أيّ كتابٍ لهُ ..
فأجابَه القاضي مستفسراً: كيف؟
فردّ القاتل : أنا لا أقرأ ولا أكتب ..


يحيي المصريُون كلّ عامٍ في 8 يونيُو حادثَة مقتل فرج فودَة ويقيمُون الندوات لقرَاءة كتبهِ ، بل إنّ 8 أحزَاب مصريّة اجتمعت قبل شهرٍ حيثُ أحيَوا تاريخ وفاتهِ تحتَ سقفٍ واحدٍ ليدليْ كلّ حزبٍ بدلوهِ في فكرِ فرج فودَة ..

الآن .. لماذا أتحدّث عن فرج فودَة ؟

لقد تذكّرتُ حادثَة فرج فودَة .. حينَ تساءلت صديقَتي ونحنُ نتناول الغدَاء ونناقشُ الأزمَة المصريّة وقبلها التونسيّة عن جدوَى أن يقتلَ الانسانُ نفسهُ وأن يموتَ المئاتُ في محاولةٍ لتذكِير الأمّة أنّ هنالك خللاً ينبغيْ إصلاحه في محاولةٍ لاستنهاض نخوتهَا؟ ..

أجبتها حينهَا بجملَة قصيرَة جداً استخلصتها من الشّاعرة المغربيّة الراحلة مليكة مستظرف حينَ قالت "متنبئةً موتها" : هيَ أننا أمّة تقدّس الجثث ..

لأننا يا أعزّائي أمّة تقدّس الجثث .. فكانَ على أن ننتظر جثثنا لستنتهض فيهَا روح الأمّة .. أليسَ هذا مثيراً للسخريَة؟

اعتذِر يا معاليْ الوَزير .. أرجُوك اعتذِر ..

الشيخ معَالي وزير القوى العَاملة ..

استمعتُ إليكَ كمئاتِ الآلاف من العُمانيين الذينَ تحلّقوا حول شاشَة التلفزيُون العُمانِي ليستمعُوا إلى جلستك المتلفزَة مع أعضاء مجلسِ الشُورى الموقّر .. وصدّقنيْ لقد أسعدنِيْ للغايَة أنْ تمتلك حكُومتنا الرشيدَة وزرَاء يتقنُون الحديثَ بذكاءٍ ودبلوماسيّة كمَا فعلتَ أنتَ في دولةٍ يفتقرُ أغلبُ وزرائها إلى ذكاء المرَاس في الحديث.. المتلفَز وغيره ..كم منَ الجَميل أن نرَى وزرَاء شباباً يمتلكُون الحنكَة في الردّ مثلك ..

سعدتُ بذلك كثيراً ودهشتُ لأنّك كنتَ حقاً مثالاً على الوزير الذي يستطيعُ أن يحوّل دفّة الحديثِ –أيّاً كانت- لصالحِ صورَة وزارتهِ .. أضفْ إلى ذلك أنّك لم تكن "تركض" في الحديث كمَا فعل وزراء سبقُوك ولحقُوك في جلسَات الشّورى الأخيرة حيث اتّضح الارتباك في صوتهم ..

كنتَ يا معالي الوزير هادئاً ، تزنُ جيّداً ما تقُولهُ قبل أن تخرجهُ أمام أعضاء الشورى وقبلَ أن تتلقفهُ أجهزة التلفاز التي ستنقلُ حديثك لمسامعنا ..

معالي الوَزير .. ولأجل ذلك كلّه فقد انتهت جلسَاتك مع مجلس الشورَى بسلامٍ .. وخرجتَ آمناً مطمئناً .. للحدّ الذي لم يستطِع أيٌ منا يا معالي الوزير أن "يمسكَ منكَ حقاً ولا باطلاً" من كلّ ما قلته ..

في وزَارةٍ هيَ "من" إن لم تكُن أكثر الوزارات حساسيَةً لدينا على الإطلاق .. فهيَ تمثّل القوّة البشريّة العاملة لدينا في السلطنَة .. القوّة التي لولاها لما التفتنا يميناً وشمالاً لنرَى الشّعب يصنعُ عُمان اليَوم ..

لا أحبّ أن أسهبَ في الكلام المنمّق والبهرج وإلا لتوجّهت لأقرأه في أيّ صحيفة عمَانيّة .. الخاصّة أو الحكوميّة فكلّها في مرتبة التنميق وبهرجة "كلام الحكُومة" سواء ..

والآن يا معالي الوَزير .. سأدخلكَ إلى النقطة التيْ أثارتْ لديّ كلّ حالات الأمزجَة الغريبَة ورفعت نسبَة الأدرينَالين لديّ إلى أقصَاها.. تلك الأمزجة التي تشَابه إلى حدٍ كبير مزَاج المواطن العُماني والمقيم وهوَ يعبر بسيّارته صباحاً وسط الانفجَار المروريّ من إشارات الموَالح حتّى المطار ..

لقد طعَنتنيْ يا معالي الوزير .. وطعنتَ كلّ عُماني حينَ قرّرتَ أن تبرّر لعضوِ مجلسِ الشُورى الذي قالَ لك: "وصححونيْ أيّها القراء إن كنتُ غيّرت في الصيغَة": أنّه من المصيبَة أنّ الاحصائيّات تقُولُ أنّ 40% من العُمانيين العَاملين في القطاع الخاصّ روَاتبهم تقلُ عن 140ريَال ..

فمَا كانَ ردّك تبريراً على "هذهِ المصيبَة" (وأعتذر إن خلطتُ في النسبِ الجزئيّة) إلا أن قلتَ: أنّ 10% منهُم مسجّل في القوى العاملة بهذا الرَاتب ولكنّه لا يزَال على مقاعدِ الدرَاسة ، و20% منهُم يعمَلُ في مهنٍ حرّة غير مسجّلة بالوزَارة .. و10% منهُم تخطّى الخمسِين .. المهمّ أن 40% في المجمل لا يشكونَ ضرراً ولا فاقَة ..

فإذن يا معالي الوزير الموقّر .. لا يوَجد فقرٌ لدينا في عُمان .. لأنّ كل العمانيين العاملين في القطاع الخاصّ لديهم مصادر دخل أخرى غير الـ140ريَال أو أنّ الـ140ريَال هذه هي مجرّد مصرَف جانبي يجنيهِ المواطن أثناء انشغاله بالدرَاسة .. والحمدلله .. عُمان في خير ونعمَة .. لماذا يا أيّها الشَعب تتذمّر من الفقر وغلاء المعيشة؟ لماذا أيّها المدوّنون طويلُو اللسان تصرخُون كلّ صباحٍ ومساء بأنّ عُمان تنحدرُ إلى بحُورٍ مظلمَةٍ في اللاعدالَة الاجتماعيّة والفقر والمحسوبيّة؟

هل تريدُ أن تقنعنا وتقنع الشّعب يا معالي الوزير ..أنّ كلّ من يعبّئون البترول لسيّارتنا وكلّ من يعملُون في توصيل طلبات المطاعم وكلّ سائقي الشاحنَات وكلّ البائعين في المحلاّت التجَاريةّ وكلّ وكلّ وكلّ .. لديهم مصادر دخل أخرَى يعملُون بها؟

أرجُوك يا معالي الوزير .. ليتك وصفتَ لنا على أيّ أساسٍ بنيت إحصائيّاتك؟

يا معالي الوزِير .. إنْ كنتَ تعرفُ أنّ 40% من العمّال العمانيين لا يعتمدُون على أيّ دخلٍ سوَى 140ريَال فهذهِ مصيبَة فعلاً .. وإن كنتَ لا تعرفُ فالمصيبَة أعظَم ..

ولا ألومك يا معالي الوزير ألا تصدِق أنّ هنالك أناسا لا تعيش إلا على 140ريَال في سلطَنة عُمان .. فأنا نفسي لا أصدّق كيفَ بإمكان شخص يستلم 140ريَال في الشهر أن يعيشَ ويسكن ويلبس ويأكل ويدفع فاتورة التلفون ويشترك في جمعيّة للزواج ويدفع مصرُوف الجيب والتاكسي أو البترول .. كلّ هذا على مبلغ 140ريَال؟ يا إلهِي ! هذا كثيرٌ جداً !

الشّيخ معالي الوَزير ..

تمنيتُ –في سينَاريُو آخر لم يحدث- حينَ سألكَ عضوُ مجلس الشّورى كيف تفسّر أنّ 40% من شبابِنا العاملين في القطاع الخاصّ تقلّ رواتبهم عن 140ريَال .. أن "تعتذر" لكلّ هؤلاء الـ 40% لأنّ وزارتك لم تتدخّل حتى اليَوم في رفع الأجر الأدنَى من الروَاتب لهم .. (هل هوَ 120ريَالاً كما أعرف؟)

تمنّيتُ يا معالي الوَزير أن تقولَ ذلك وتقدّم خطّة الوزَارة في وسائل رفع أجُور هؤلاء الـ40% !

تمنيتُ يا معالي الوَزير حتّى حينَ ألقيتَ علينا إحصائيّتك التي نزَلت علينا كمرجل ماء ساخِن.. أن تعتذر لهؤلاء الـ10% الذينَ قلتَ لنا أنّهم تخطّوا الخمسين..هل هذا تبريرٌ يا معالي الوَزير؟ ألا يستحقّ هؤلاء الخمسينيّون أن تكافئهم الحكُومة وقد جاوزُوا الكهُولة أن تعفيهم من كدح العيش وهم على أعتاب الكِبَر؟ أليسَ هؤلاء الخمسينيّون أرباب أسرٍ وآباءً يتساءلُ المرءُ كيفَ كانَ راتبهم وهم في العشرين إن كانَ راتبهم هكذا وهم في الخمسين؟هل من العَادي جداً أن رجلاً تخطى الخمسين يستلم أقل من 140ريَال؟

تمنّيتُ يا معالي الوَزير أن تعتذرَ حينَ تنتهِي جلسَتك لكلّ العُمانيين الذينَ استمعُوا إليكَ لأنّك قدّمت لنَا واقعاً وأرقاماً وإحصائيّات .. ولم تقدّم لنا خطوَاتٍ عمليّة مستقبليّة!

تمنيتُ يا معالي الوَزير أن تعتذر لأنّك لم تعطنَا حلولاً .. وإنّما أعطيتنا "حدثاً" ..

تمنيتَ يا معالي الوَزير .. أن تعتذرَ لكلّ شابٍ وشابةٍ من الـ40% استمَع –مثلي- إلى إجابتكَ متأملاً أن تقدّم الوزارَة وعوداً بخطوَاتٍ جادّة لرفعِ مستوَى الأجور الدنيَا لهم ..

نعَم يا معالي الوَزير اعتذِر .. لأنّ الصحف تطالعنَا كلّ يومٍ بأخبَار مئات المشَاريع الضخمَة التيْ يرَاها المرء رؤية العينِ إذا قلب عينيهِ شمالاً وجنُوباً .. ولكنّ هذه المشاريع الضخمَة لم تستطع أن ترفع مستوَى أجر 40% من قوّة هذا المجتمع عن 140ريَال ..

اعتذرْ يا معالي الوزير لأنّه كان عليك أوّل ما بدأت الجلسة أن تقدّم ملخصاً عن دراسة "نفترضُ سلفاً أنه يتوجّب على وزارتك رفعها" حولَ رفع كفاءة العمانيين العاملين في القطاع الخاصّ من مهن "السيّاق" و"عمّال المطاعم" و"المراسل" إلى وظائف ترفع من مستوى الخبرة العلميّة للعُماني لا وظائف "مهنيّة" أكثر منها تقنيّة ..

اعتذِر يا معَالي الوَزير عن هذهِ المصيبَة لأنّها مشكلتك .. ولا تصدّق من يقُول لكَ أنّ أبواب الرزق كثيرَة وعلى المرء أن يفكّر ويتعب ويشقَى كي تنفتح لهُ .. وأنّ انخفاض روَاتب هؤلاء الـ40% عائدٌ إلى أنّهم لا يطرقون أبواب الرزق ولا يستغلُون ذكاءهم وعقولهم ليرفعُوه .. وأنّ هذه ليست مشكلَة الحكومَة .. فإذا حدث وأن أقنعك أحدهُم بذلك يا معالي الوَزير فأقولُ لكَ أنّ أحداً لم يقلْ لكَ أنّ من حقّ الوطن علينا أن يمنحنا الحدّ الأدنى من المعيشة الكريمَة .. وصدّقني 140ريَالا لا تكفلها .. وإن ظننت أنّ هذهِ ليستْ مشكلَة وزارتك فسأذكركَ يا معالي الوَزير أنّ تُونس لم تصل إلى ما وصلت إليهِ اليَوم لولا تبرّؤ الحكُومة من مشاكل الشّعب ..

كانَ عليكَ يا معالي الوَزير أن تعتذر لما يزيد عن 30ألف عُماني عاطل عن العَمل .. وإن كنتَ أيضاً لا تظن أنّ هؤلاء "العواطليّة" لا يبحثُون بجدٍ عن الرزق ومصادرهِ وأنّ هذهِ هي مشكلةٌ بهِم لا مشكلَة حكوميّة فلأخبرتك مجدداً أنّ البطالة مشكلَة يجبُ على الحكُومة حلّها.. ولكنتُ ذكرتكَ بثورَة العاطلين والياسمين في تونس ومصر .. أليسَ الجُوع كافياً للانسان أن يثُور على كلّ ما حوله؟

كانَ عليكَ يا معالي الوَزير .. أن تعتذرَ عن 32 مهندساً من زملائي في دفعَة الهندسة المدنيّة لعام 2010 الذينَ أنهَوا دراستهم منذ 7أشهر .. 9 مهندسين يا معالي الوَزير من أصل 41مهندساً استطاعُوا الحصول على وظيفَة .. واثنين وثلاثين لا يزالُون باحثين عن العمل .. أرجوك لا تقنعني أنّ الـ32مهندساً هؤلاء يأنفون عن العمل في الوظائف الشاقَة برواتب منخفضَة لأنّ 32لن يمتلكُوا نفس العقليّة هذهِ .. ولا تقنعني أنّهم يفضلُون جميعاً أن يطلبُوا مصروفهم من آبائهم بدلَ استلام راتب ضئيل ولكنْ من عرقِ أيديهم ..

فإن كانوا المهندسون الخرّيجون من جامعة السلطان قابوس لا يجدونَ العَمل .. فما بالك ببقيّة الكليّات الأقلّ حظاً في التوظيف .. وما بالك بخريجي المؤسسات التعليميّة الأخرى يا معالي الوَزير .. الحكُوميّة والخاصّة؟

كانَ عليكَ يا معالي الوَزير .. أن تعتذرَ لكلّ شابٍ لا يزال يستلم مصرُوفه من والدهِ رغم أنّ لديه شهادَة "يقرؤها الأعمَى" .. على الأقلّ ، الشبَاب "الباحثين فعلاً عن العمل" ولم يجدُوا .. وكانَ عليكَ أن تعتذرَ لـ "آبائهم" أيضاً

وكانَ عليكَ أن تعتذرَ لكلّ شابٍ توقّع أن يخرجَ منكَ بالمفيد حينَ خرَجَ في ذاتِ نهارٍ في "مسيرةٍ خضرَاء" مطالباً بأن تمنحُوا هؤلاء الشباب فرصة ً واحدة ً ليثبتُوا أنفسهم في قطاعاتِ العَمل .. لكنّ ردّك جاءَ هلامياً .. نحاولُ أن نقبضَ منهُ شيئاً بأيدينا فنخرج منهُ بلا شيءٍ .. كَان ردّك غريباً .. لا نشتم لهُ رائحة ً لنميّز منهُ شيئاً ولا طعماً لنتذوّق منهُ نكهة ً جديدَة نفهمها ولا ملوّناً لنبصرَه ..

كانَ عليك يا معالي الوَزير أن تعتذر للمرَاسل الذي يعملُ في شركتنا .. لأنّه يحمل بكالوريوس زرَاعة من جامعَة السلطَان قابُوس .. لأنّ وزارتك الموقّرة لم توفّر لأمثالهِ بيئة العمل الحقيقيّة التي تليق بـ5سنوَات درَاسة في أرقى مؤسساتِ التعليم العالي بالسلطنَة ..

كانَ عليكَ أن تعتذرَ لهُ ولكلّ الذين نافسُوه على الوظيفَة .. هل تعرفُ يا معالي الوَزير أنّ وظيفَة المراسل هذهِ تنافس عليها 23 عُمانياً وعمانيّة أقلّهم يحمل شهادة دبلُوم .. منهُم مهندس المعلُومات ومنهُم حامل شهادة دبلُوم أحياء ومنهُم يحملُ شهادة آداب في المسرَح..

كانَ عليكَ يا معالي الوَزير أن تعتذر لعُمان .. التيْ لمّا تتخطّ سنوَات عمرها الأربعين وتعيش أزهى سنوَات الازدهار والتضخم العُمراني والاقتصادي ، ولكنّها شاخَت بسببِ "السيَاسات الكسُولة" من قبلِ الحكُومة لرفع مستوَى معيشَة الجَوهر الذي تقوم عليها أيّ حضَارة.. "الانسَان" .. السيّاسات الكسولة التي لا غروَ أن تتعلمها وزارتك من قدوَات سابقة كوزارة مكّي ومقبول وغيره ممن فشلوا في 40عاماً في رفع كفاءة ومستوى دخل الفرد العماني قياساً للتطور الذي شهدته السلطنة وأنتم على نهجهم سائرون.. فهل نتوقع أن يتطوّر الفرد العمانيّ على أيديهم للأربعين سنَة القادمة؟

كانَ عليكَ أن تعتذرَ للسلطَان قابوس الذيْ أمّن وزَارتك ووزارات أخرَى خيّبت آمالنا كوزارتك لأنّكم خذلتُم مواطنِي شعبِهِ فخذلتمُوه ..

كانَ عليكَ أن تعتذرَ يا معالي الوَزير لي ولزوجِي ولمئات الآلاف من العُمانيين الذينَ استمعُوا إليكَ بصمتٍ مطبق علّك تأتي لنا بالخلاصِ أو أمرٍ من بعدهِ .. انتظرنَاك يا معالي الوَزير لتتحدث .. وتحدّثت وتحدّثت .. وكنتَ رائعاً في طريقَة كلامك وذكياً في إجاباتك .. ولكنّ ما قلتهَ يا معالي الوَزير "دخل من هذهِ الأذن،وخرجَ من الأذن الأخرى" ..

تمنيتُ قبلَ أن تختمَ الجلسَة وتغادرهَا أن تأخذ نفساً عميقاً وتعتذرَ لنا .. وحينَها لكنتَ تحوّلت أمامنا إلى بطلٍ عُمانيٍ على الملأ ولرفعنَا لك المصارّ والكميم .. لأنّه ليسَ أجمل من أن يعتذرَ الانسانَ بصدقٍ حينَ يُخطِئ ..

أو أنّك حينَ أنهيتَ الجلسَة اعتذرتَ لنا علَى "السّاعة" التي أضعناهَا ونحنُ نتابعُ ما تقولُ علنا نخرجُ بشيءٍ مفيد ..

نعَم كانَ عليكَ أن تعتذر يا معالي الوَزير لكنّك لم تفعل .. ربّما لأنّنا في أوطاننا العربيّة لم نعتد يوماً على ثقافة الاعتذار خاصّة من السّاسة الكبَار الذينَ يديرُون مصائر الشعُوب ..

نعَم يا معالي الوَزير .. اعتذِر لنا ولا تخجل .. فالاعتذَار يا سيّدي من شيَم الرّجال..

الثلاثاء، 11 يناير 2011

سعِيد .. بين عُمان والولايات المتّحدة ، سيرَة منسية من الوطَن !

أشارَ إليهِ "قريبي" ونحنُ في السيّارة .. "هذا هوَ" ، كانَ يهمّ بدخُولِ منزل أهلهِ .. قلتُ له: رائع، أسرِع إليهِ وألقِ التحيّة .. اجلسَا سوياً ، وتحدّثا حديثَ صديقين ، أرجوك اخرج معهُ بحل .. قالَ لي قرِيبِي: الآن؟! قلتُ لهُ نعَم ، الآن في التوّ واللحظة هذه لحظَة لا تفوّت ..
تردّد قرِيبِي قليلاً ثمّ حسم أمره.. دقّ الجرس فخرجَتْ والدتهُ .. امرأة عجُوزٌ بدَت في نهَاية ستينيّاتها ، سلّمنا عليها ثمّ طلبَ قرِيبِي أن يرَى ابنها سعِيد ..
وقفتِ المرأةُ مشدوهة ً قليلاً محاولة ً التعرّف على ملامح قرِيبِي ثمّ افترت عن ابتسَامةٍ واسعَة: صديق سعِيد !
تعرّفتِ المرأةُ إلى صديقِ ابنها ودعتهُ إلى الدخُول .. بيتٌ نصفُ طيني من طابِق واحِد .. تبدَّتْ أسياخُ الحديد من خلفِ الاسمنتِ الرخِيص في الأسقف .. انتظرتُ في بهوِ صالةٍ افترشتْ ببساطٍ بلاستيكي بينما دلفَ قرِيبِي إلى المجلس ..
دخلتِ الأمّ إلى غرفةٍ واستطعتُ لصغرِ حجمِ المكَان أن أستمعَ للحوَار الدّائر بينَ الأمّ وابنها: سعيد قوم ولدي .. صديقك فلان جاي يشوفك ، فلان صديقك "بأمريكيا" .. انتظرَ الابنُ عدّة ثوانٍ ليجيب أمه ..: ماه كم مرّة قايلك بو يسأل عني قولي له ما موجود ما باغي اشوف حد
الأم: تعوذ من الشيطان يا ولدي ، الرجال واصل للبيت يسأل عنك روح جلس معه وخذ منه العلوم
لم يرد الابنُ إطلاقاً على أمّهِ .. ساد صمتٌ غريب.. قطعتهُ الأم: قوم يا ولدي ، خلي عنك الرجال ينتظرك ف المجلس
لم يجِب الابنُ أمّهُ سوَى بالصّمت .. وحينَ يئستِ الأمّ خرجَت .. وقعتْ عينها عليّ مباشرة ً وانتبهتْ إلى أنّي سمعتُ الحوَار .. ظلّت لدقائق في مكانها لا تعرفُ ما تفعل .. ثمّ تقدّمتْ إليّ وجلستْ بجانبي ..
قالتْ لي : رفض الخرُوج ، انصحيني يا ابنتي ما أفعل، ولدي يروح علي قدامي .. وأجهشت بالبكاء ..
صعقنيْ الموقف .. لم أشعر بنفسي وأنا أضع بيدي على ظهرها لأواسيها ، قلتُ لها: ادعي له ، فردّت بحرقة: ليل نهار و"دعاواي ما توقف" .. حتى الأكل تو ما يوكله ، أقوله يا ولدي اقرب كل معاي ومع أبوك ، مكانه ف ذيك الغرفة قافل ح عمره !
مكثتُ دقائق ثم استأذنت .. والتقيت بقرِيبِي في الخارج ، بادرني سائلاً: رفض الخروج لمقابلتي ، صح؟
أومأت له برأسي ، وانتظرتُ لحين ركوبنا السيّارة لأخبرهُ بالحوار الذي دار.. وحينَ انتهيت عقّب قرِيبِي: صحيح ، سعيد وضعه متأزم !
.
.
سأحكِيْ لكُم عن سعِيد الشاب العُماني الذي تخرّج منذُ ما يقارب عشرة أعوَامٍ من إحدى مدارسِ البنين الثانويّة بإحدى قرى المنطقَة الداخليّة .. حصلَ هذا الشاب حين تخرجهُ على معدلٍ عالٍ جداً حاجزاً المركزَ الثالث على السلطنَة في القسم العلميّ .. ليشقّ طريقهُ إلى الولاياتِ المتّحدة متخصصاً في هندسَة الطاقة والالكترونيّات بواحدَة من أكبر جامعات الولايات المتّحدة المتخصصة في التكنولوجيا والعلُوم ..
وفي المطَار التقَى قرِيبِي الذي شاءتِ الأقدارُ أن يحصلَ على بعثَة أخرى بنفسِ الجامعَة بل وبنفسِ الكليّة وكمْ كانَ سعيداً للقاءِ شابٍ عُمانيّ سيقاسمهُ الحياة والدراسَة في بلاد الغربة ..
بدآ الدرَاسة سوياً .. إلا أنّ طريق كلٍ منهما كانَ مختلفاً .. التحقَ سعِيد للعيشِ بعائلةٍ أميركيّة إلا أنّه خلال 6 أشهر بدّل أربعَ عائلات وكانَ السّبب هو عدم ارتياحهِ لنمط معيشَة الحياة الأميركيّة .. همسَ لقرِيبِي: ما قادر أعيش وأنا أشوف ذلا الكافرات الـ(......) ..
أصرّ سعِيد على الانتقال بمفرد خاصّة ً مع تزامنِ وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتخوّف العائلات الأميركيّة أساساً من مظهره الملتحي وانعزاله الشديد وعدم اختلاطه بها ..
كانَ سعيد شاباً ملتحياً .. مواظباً على الصّلوات في المسجد القريب منه في تلك الولاية الأميركيّة .. وخلال أوّل عامٍ من دراستهِ لم يستطيع الاحتكاك مع أيّ طالب "عماني، عربيّ ومن بابٍ أولى أجنبيّ" .. وكان الشخص الوحيد الذي يلتقي بهِ هو قرِيبِي وحينَ أبدَى سعيد عدم رغبتهِ في العيشِ مع العائلة الرابعة .. طلبَ من قرِيبِي أن يبحثَ لهُ عن شقّة صغيرة ليعيش بمفردهِ وبالفعلِ حصلَ على شقّة صغيرة اقتسمهَا مع شابٍ عمانيّ آخر ..
ومنذ أوّل شهرٍ في الجامعةِ لفتَ سعيد أساتذته بذكائهِ .. كانَ يحصلُ على العلاماتِ كاملة ً ..لم يكنْ منخرطاً في أيّ أنشطةٍ طلابيّة .. مقسماً وقتهُ بين الجامعة وشقتهِ والمسجد .. ولم تمضِ أشهر سوَى وأتى الشاب الذي يقتسمُ معه الشقّة شاكياً لقرِيبِي الذي توسّط لسعِيد ليقيم معهُ .. طلبَ الشاب من قرِيبِي أن يطلب من سعيد المغادرة .. فهوَ يتناول الأطعمة ويضعها في المطبخ ، مشتكياً من قلة النظافة والإهمال الذي يبديه سعيد في الشقّة .. قال لقرِيبِي: حين أدق على غرفتهِ الباب لا يخرج رغم وجودهِ فيها ، لا يوجد أيّ حوارٍ بيننا ..
وهكذا بحث قرِيبِي لسعيد عن شقةٍ أخرى فلم يجد مكاناً يناسبهُ سوَى استوديو صغير في قبوِ إحدى العمارات لينتقلَ سعيد للإقامة بهِ ..
سوفَ يتساءل جميعكم.. هل قرِيبِي مضطر ومسؤول عن إدارة أعمال سعيد وانتقالاتهِ وترتيب أموره؟ وسأجيب أنّ سعيد لم يكن يبدي اهتماما في حياتهِ بأيّ شيءٍ سوى بالدراسة .. وقد تعامل مع قرِيبِي وكأنهُ أخوه الكبير المسؤول عن إدارة أمورهِ بدلاً عنه .. فكانَ قرِيبِي ينهي معاملات الفيزا وتذاكر السفر وكلّ أمور الإقامة المتعلقة بهما ..
ولم يذهب اهتمام سعِيد بدراستهِ سدَى فمنذ أوّل فصلٍ دراسيٍ له في الجامعة حصدَ سعيد على المركز الأوّل بين طلاب الهندسة ليتربعَ اسمهُ ضمنَ لوحة الشرف في الكليّة .. بل ويحصدَ أعلَى معدّل سجّلتهُ الكلية منذ ثماني أعوَام ..
لقد لفت ذكاؤهُ الجميع .. طلبة ً وأساتذة ..
كانَ زملاؤه الأجانب والعرب حينَ يعجزونَ عن حلّ مسألةٍ في واجبٍ دراسيٍ بمادةٍ معيّنة يطلبون من قرِيبِي التوسط لهم عند سعِيد ليعطيهم حلّها وكانَ سعيد يبدي رفضهُ بالتأكيد .. ليثير النكاتَ بين زملائه العمانيين الذين يعلقون: هذيلا الأجانب ما يعرفوا سعيد .. عماني حاسد أصيل ..
وسرعَان ما بدأ زملاؤه في القسم بتلقيبهِ بألقابٍ اعتادُوا على تدويرها بين الطلابِ المبالغين في اجتهادهم فأصبحت تسميَة سعيد بين زملائه في الجامعَة
(The nerd beard)
أو بالعُماني "اللحية الحشاشة" نسبة ً إلى لحيَة سعيد التي يطيلها وإلى كونهِ طالباً مجتهداً للغاية لا حياةَ لهُ سوى في الدراسة ..
وحتّى حينَ طلبَت جماعة الطلاب المحترفين في الرياضيّات من سعيد الانضمام للجماعة للمنافسَة في فعالياتها وتمثيلها في المسابقاتِ الدوليّة والأميركيّة أبدَى سعيد رفضهُ لأنّه لا يرى أيّ أمرٍ يثير اهتمامه عدا عن المنهاج الدراسي وأما ما خارج ذلك فهو "مضيعَة للوقت" ..
كانَ اهتمامُ أساتذة سعيد بهِ يزداد خاصّة مع ابتكاره حلولاً خارج المنهاج الدراسي لحلّ مسائل الرياضيات التي تعطى لهم في المواد الدراسيّة .. بل وكانَ الأساتذَة يخصصُون محاضرَات لشرح أساليب حلّ سعيد للمسائل لزملائه مبدين انبهارهم بأدائهِ الدراسيّ ..
إضافة إلى ذلك ظلّ سعيد مواظباً على زيادة عبئهِ الدراسي من الموادّ وذلك لاستمتاعهِ بالدراسة .. ومعَ مرورِ السنوَات بدأ سعيد يبدي رفضهُ في العودَة إلى بلادهِ حيثُ كانَ والدهُ ووالدتهُ يتحرّقان لرؤيتهِ فكانَ يمضي الصيف دون أن يعود لعُمان .. بل ومرّ آخر عامين من الدراسة دون أن يراهُ أحدٌ في عُمان .. كانَ سعيد قليل التواصل مع عائلته حتّى أنهم في كثيرٍ من الأحيان وبعد أن تمضي شهُورٌ على اختفائهِ عنهم يبادرُون بالاتصالِ بقرِيبِي ليسألوه عنه فيتّصل بهِ لتوبيخهِ لامتناعهِ عن التواصل بعائلتهِ ..
لم يكنْ لسعِيد إخوَة سوَى أخ واحد .. أمّه ووالده أنجبا الكثير من الأطفال الذينَ ماتُوا .. كانَا كبيرين في السنّ .. الوالدُ أعمَى والأمّ امرأةٌ عجوزٌ قضت حياتها وهيَ تعتني بطفليها .. الأكبر التحق بالجيش في وظيفةٍ صغيرَة والآخر حاز كلّ تلك العبقريّة وسافر عنهُما ليتركهما وحيدين يتقاسمَان العزلَة والانكسَار ..
وفي السّنة الأخيرَة من درَاستهما .. وفي إحدَى موادّ الطّاقة التيْ يدرّسهما إياها بروفيسُور يهودِي كانَ من أكثر أساتذة الكليّة ذكاءً وألمعيّة .. وكانَ مشهُوراً بين الطلاب بولائهِ الشديد لاسرائيل التيْ يتبين ذلك بمجرّد دخول مكتبهِ فتجدُ علم اسرائيل الصغير في مقدّمة طاولة مكتبهِ .. وحين يتصفّح أيّ طالبٍ ملفّ البروفيسور يرى عددَاً من إنجازاتهِ وابتكاراتهِ العلميّة وفي مقدّمتها إشرافهُ على تصميم نظام الأمن والسلامة في قواعد الجيشِ الاسرائيلي ..
استرعَى ذكاء سعيد ذلك البروفيسُور ورغمَ تعصّبه الشديد لاسرائيل إلا أنّ البروفيسور كانَ مهنياً للغاية مع طلابهِ فكانَ حينَ يلمحُ ذكاءَ أيّ طالبٍ لديهِ يبادرُ إلى خصّه بمسائل أكثر صعوبَة مختلفة عن المسائل التي يطرحها على طلاّبه ..
لفتَ ذكاء سعِيد انتباه البروفيسور ، رغمَ كونهِ شاباً مسلماً ومتديناً .. فاستدعاهُ لمكتبهِ .. وهناك عرض الدكتور على سعِيد أن يعطيهُ "وحدَه فقط" وفي مكتب الدكتُور كلّ أسبوعٍ دروساً إضافية ً في المادّة وتعليمهِ موادّ أخرى غير مقررة في المنهج الدرَاسيّ وذلك لتعقيدها وارتفاعها عن مستوَى الذكاء العلميّ للطلاب.. ولمْ يكنْ ردّ سعِيد سوَى الرّفض .. لامهُ قرِيبِي بشدّة على رفضهِ لتفويتهِ تلك الفرصة التيْ لا تتكرر لدى ذلك البروفيسُور .. فردّ سعيد: ما باغي من اليهود علم ! خاصّة ذا الكافر !
انشغلَ قرِيبِي بدراستهِ كذلك وبحياته الجامعيّة والاجتماعيّة بين الطلاب وفي السنَة الأخيرة لم يعد يرَى سعيد كثيراً وحتّى حين قرّر زيارتهُ عدّة مرّات كانَ يقف على باب الاستوديُو الذي يقيم فيهِ سعِيد طارقاً البابَ دونَ أن يردّ عليه أحد .. حاول الاتّصال بهِ مراراً ولم يجبهُ سعيد .. وحين التقاهُ ذاتَ يومٍ في إحدى مواقف الحافلات هرِع إليه .. فلم يجبهِ سعيد .. كان من الواضح أنّ سعيد كانَ غاضباً للغاية من قرِيبِي وما أن بدأ قرِيبِي في معاتبة سعيد على عدم الردّ عليه .. هجم عليه الأخير محاولاً ضربه وهو يصرخ: مخلني وحدي لا تسأل عني ولا تهتم بي ما كأنه عندك صديق ! ماحد يسأل عني ولاحد يكلمني وانته بايعني !
كانَ سعيد يتصرّف بمنطق أنّ قرِيبِي ملزمٌ بالاعتناء بهِ دون أن يحاول هوَ أن يكوّن له وسطه الخاص بهِ وأصدقاءَه .. وظلّ حتى تخرجهِ يتعامل معه بهذهِ الطريقة .. حاولَ قرِيبِي إفهام سعيد أنّه كذلك مشغولٌ بمشروع تخرجه وبحياته وأصدقائهِ وأنه غير ملزمٍ بأن يمضي وقتهُ مع سعيد والذي لا يلتقيه إلا نادراً ولم تعد ثمّة مواد مشتركة تجمعهما معاً ..
.
.
عموماً ..
كانتِ الكليّة حينَ يصلُ الطلابُ لسنتِهم الدرَاسيّة الأخيرة تقومُ بترشيحِ طالبين ليقدّما مشروع تخرّجٍ يقدّمه لهم مجلس الولاية الأميركيّة التي تنتمي الجامعَة إليها وذلك لتشريف الطالب ذلك ولمنحهِ الفرصَة لعرضِ ما قدّمه في مشروعهِ بحضُور كبارِ ممثلي الولايَة وهكذا اختَار مجلسُ الكليّة سعِيد ليقومَ بمشروعِ تخرجٍ مقدمٍ من الولايَة الأميركيّة تلك ..
ولم يخيّب سعِيد ظنّهم .. فكانَ الأجدر فعلاً بذلك المشروع وبعد عامٍ تخرّج سعيد من الكليّة ليكونَ الأوّل على دفعتهِ حاصلاً على أعلَى معدّل حصدهُ طالبٌ منذ 12 عاماً في..
تخرّج سعيد الذي لم يكلّف نفسهُ بحضور حفل التخرّج فهو مضيعة للوقتِ كما يرَى لأنّه كانَ مشغولاً حينهَا بالإعداد مع نفس البروفيسور اليهودي ذلك لشهادة الماجستير .. نعَم ! لقد عرضت عليه الجامعة منحَة ً مدفوعة بالكامل إقامة ومصروفا شهرياً وإشرافاً كاملاً على نفقة الجامعة ليعدّ رسالة الماجستير بالجامعة ..
هكذا أنهَى قرِيبِي دراستهُ ليعُود إلى عُمان ملتحقاً بإحدى شركات النفط .. وليكملَ سعيد دراسَة الماجستير في تلك الجامعة وبإشرافٍ من ذلك البروفيسور اليهودي الذي رأى في سعيد عبقريّة نادرة لا يمكن أن تفوّتها الجامعة ..
وبمجرّد أن سافرَ قريبي حتّى تغيّر حال سعيد .. بدأ في متابعَة رسالة الماجستير مع ذلك البروفيسور وشيئاً فشيئاً بدأ في التغيب عن حضور مواعيده مع مشرفِ رسالتهِ الأكاديميّة .. إلى أن أنقطع فجأةً عن الحضُور إلى الجامعَة .. اختفَى عن الأنظار ولم يعد أحدٌ يراه .. حاول البروفيسور الاتصال بسعيد إلا أن هاتفهُ كان مغلقاً .. ولم يكن ثمّة أصدقاء ليسأل البروفيسُور سعِيد عنهم .. سوَى صديق عُماني أيضاً كان يعد الماجستير في نفس الجامعَة وتعرّف إلى سعيد عن طريق قرِيبِي .. اتصل البروفيسور بذلك الشاب ليخبرهُ الأخير أنهُ لا يعرفُ شيئاً عن سعيد لكنّه يعرف مقرّ إقامتهِ ..وحينَ ذهب كلاهما للاستوديو الذي يقيم به سعيد طرقا الباب دونَ أن يردّ عليهما أحد .. سألا المقيمين في تلك البنايةَ فأكد الجميع أنّ أياً منهم لم ير سعيد منذ زمنٍ بعيد ..ازدادَ قلقُ البروفيسور على سعِيد خاصّة أنه كانَ مسؤولاً عن ترشيحهِ للجامعة لمنحهِ هذه المنحَة وها هو سعيد يترك البروفيسور حائراً دون إجاباتٍ واضحة .. قرر ذلك الشاب الاتصال بقرِيبِي ليسأله إن كان يعرفُ عن سعيد شيئاً .. وأخبرهُ قرِيبِي أنه لا يعرف عن سعيد أيّ شيءٍ منذ عاد إلى عُمان .. حاولَ قرِيبِي الاتصالَ بعائلته ليسألهُ عنهم فأجابهُ شقيقُ سعيد أنّ سعيد في الولايات المتّحدة يدرس الماجستير وهذا آخر ما يعرفونهُ عنه ..
حينهَا قرّر البروفيسُور إبلاغ الشرطة الأميركيّة عن اختفاء سعيد .. وحين ذهب أفراد الشرطة إلى شقتهِ خرجَ لهم سعيد قائلاً أنه موجود بالاستوديو ولا يودّ أن يزعجهُ أحَد .. كانَ في حالةٍ مزريةٍ للغاية ، أدركَ البروفيسُور حينها أنّ سعيد يمرّ بظروفٍ نفسيةٍ صعبَة واستدعاهُ في جلسةٍ مشتركَة مع الاخصائيّة النفسيّة للكليّة .. لتخبره الاخصائيّة أنّ سعيد يمرّ بحالَة اكتئاب حادّ ونصحتهُ بأن يمنحهُ فرصَة للعودَة إلى أهلهِ ربّما يغير ذلك من وضعهِ النفسيّ.. تفهّم البروفيسور واتفقَ مع سعِيد على إمكانيةِ عودَتهِ لعُمان ولكن عليهِ التواصل بشكلٍ يومي مع البروفيسور عن طريق المحادثَة الصوتيّة عبر الانترنت لمنحهِ تقرير يومي عن اشتغالهِ على رسالتهِ .. وهكذا عاد سعِيد لعُمان ليواصل تحضير رسالة الماجستير .. وكانَ آخر تواصلٌ بينهُ وبين قرِيبِي مبشراً حيثُ أخبرهُ أنه يتواصل مع المشرفِ على رسالتهِ وأنّه بصدد الذهاب إلى الولايات المتحدة مجدداً في شهر إبريل وذلك لمزيدٍ من البحث والتحليل .. بل وكان قرِيبِي يزورهُ بين الحين والآخر في بيتِ أهلهِ حين يعُود من الصّحراء..
حدثَ كلّ ذلك ثمّ بدأت النوبات الاكتئابيّة تعاود سعِيد الذي لم يكن أيّ من أهلِ قريتهِ يراهُ سوى ذاهباً للمسجد أو عائداً منهُ إلى بيتهِ ..
ومع مرورِ الوقت انقطع سعيد كذلك عن الاتصال ببروفيسورهِ أو الرد على مكالماتِ قرِيبِي الذي حاولَ مراراً مقابلته بالذهاب إلى بيتهِ دون أن ينجح في ذلك .. كانَت آخر أخباره هو حديثه عن سفره إلى الولايات المتحدة في شهرِ إبريل ، وحين ذهب قرِيبِي لسؤال عائلتهِ إن كانَ سعيد سافر أم لا ، كان الجواب بالنفي.. سعيد لم يسافر ..
مضَى عامان الآن منذ آخر لقاءٍ بين سعيد وقرِيبِي .. لا يعرف قرِيبِي هل لا يزال سعيد مستمراً في إعداد دراسَة الماجستير أم أنه انقطع عنها .. حاول بشتّى الطرق أن يلتقيه دون أن يفلح في ذلك.. بل إن قريبي حاول مرةً بإيعازٍ من عائلةِ سعيد أن يدخل إلى غرفتهِ ليرغمه على مقابلته والجلوس معه فأقفل سعيد باب غرفتهِ رافضاً أن يرى أحداً ..
كلّ يومٍ تحمل الأمّ المسكينة الطعام إلى باب غرفةِ ابنها .. وتعود إليه بعد ساعةٍ فتجدهُ متروكاً كما هوَ .. لا أحد يعرف ما الذي حلّ بسعيد .. لم يعد يأكل ولم يعد يقابل أحداً .. تقولُ أمّه أنها تراهُ أحياناً من نافذة غرفتهِ متربعاً أمام حاسبهِ الآليّ لا يبتعدُ عنه ..
.
.
لماذا أقصّ اليوم قصّته عليكم؟!
سعِيد كنزٌ ثمينٌ من كنُوز الوطن .. يشعرُ كلّ انسانٍ بالحسرَة على طاقتهِ المهدرَة .. من الواضح أنّ سعيد مصابٌ بمرضٍ نفسيٍ لم يتأزّم سوَى لعدم وعيِ أسرتهِ والمحيطينَ بهِ بتداركهِ قبل فواتِ الأوان .. سعيد قادمٌ من بيئةٍ فقيرةٍ من قرى المنطقة الداخليّة .. لا تمتلك عائلته السلطة أو المال لإجباره على الخضُوع لعلاجٍ نفسيٍ مكثّف ، رغمَ شكّي في قدرات "مستشفياتنا المحليّة أبقاها الله" في أمور العلاجِ النفسيّ هذا ..
شخصيّة سعيد أكاديميّة وبحثيّة من الدرجة الأولى .. لو أنّ لدينا مؤسساتٍ تعنَى بحالاتٍ مثله .. من الواضح أن مهارات وقدرات سعيد الاجتماعيّة ضئيلة للغاية ، لكنّ مثل هذه الأمور تحلّ وذلك عن طريق شغلِ سعيدٍ بإنجاز أبحاث أكاديميّة يركّز فيها مهاراته وذكاءَه لأنّ هذا هو ملعبه الحقيقيّ ..
يحزننيْ الوضعُ الذي آل إليهِ سعيد .. ويحزنني كذلك أني لا أملك السلطة لمساعدتهِ رغم أني دفعتُ قريبي عدّة مراتٍ لمحاولةِ إخراجهِ من تلك العزلة التي فرضها على نفسهِ دون جدوَى ..
لعلّ هنالك حالاتٍ كثيرَة مثل سعيد في وطننا لكنّ أوطاننا لا تزال تفتقر الوعي لإنشاء مؤسساتٍ تعنَى بالعنَاية بالشباب "منخفض الذكاء الاجتماعيّ ، مرتفع الذكاء العلميّ" وهم كثيرون ..
أعانَ الله سعيد .. وأعانَ أمّه ووالدَهُ الضرير ..


الأحد، 9 يناير 2011

حريّة بثمَن الخُبز .. لا آلهَة .. لا أرباب !

أصدقَائي ..

سأشارككمُ اليَوم ، قطعَة صغيرَة في حيَاتيْ .. لعلّها لا تعنيْ شيئاً .. لكنْ لربّما هي من صنعَتْ داخليْ حبّي للانسان والوطَن .. وللحريّة ..

يسألنيْ كثيرون لماذا أطلقتُ على مدوّنتي "حريّة بثمن الخبز" .. وهل معنَى الحريّة أن أكتب كلّ يومٍ ضد الحكُومة فإن أخطأت لعنتُها وإن أصابتْ لعنتُها كذلك كما يفعلُ المدوّنون عادةً ..

يقولُون: لا تعبّر مدوّنتك عن الحريّة فأنت تكتبين عن طفولتك .. وتارةً عن القمر ، وأخرى عن صحُون أمّك الكثيرة ..

وأنا .. سأخبركُم أوّل آيةٍ حفظتها من القرآن .. أوّل آيةٍ لم تكنْ "الحمدلله رب العالمِين" من سُورة الفانحَة .. ولا "قلْ هوَ الله أحَد" آوّل آيةٍ من أقصرَ سورةٍ في القرآن كما كلّ طفلٍ ..

كانتْ أوّل آيةٍ حفظتها وأنا في سنوَات طفولتي الأولَى .. هي الآيَة التي كنتُ كلما اقتربتُ من والدي سمعتهُ يقرؤها ..

" لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا"

كانَ والدي كلّما احتضنَ أحد أشقائي .. وكلّما اقتربَ من مائدَة الطعام وكلما رأيتهُ داخلاً أو خارجاً .. يردّد هذه الآية ..

وقد استغرقتُ وقتاً طويلاً لأدركَ تماماً لماذا كانَت هذهِ الآية لا تفارقه ..

لقدْ علّمتني هذهِ الآية ُ الحريَّة بمعناها الحقيقيّ ..

علّمتنيْ ألا أعبدَ ما حوليْ، ومنْ حوليْ .. وعلمتنيْ أن أدركَ تماما القيمَة الحقيقيّة للحياة ..

علّمتني أن أتعاملَ مع الأشياء حولي بعقلانيّة .. وأن أحبّها بعقلانيّة .. وأن أعيشها بعقلانيّة

لأننا يا أصدقائي مستعبدُون بأشكالٍ مختلفةٍ كلّ يوم ..

مستعبدُون منذ الطفولة ، حينَ نرَى آباءنا يخطؤون ولا نصوّبهم لأنّا نخاف العصا.. مستعبدُون بقطعَة شوكولا قد نرتكبُ الخطأ من أجلِ أن نحصلَ عليها .. مستعبدَاتٌ بجمالهنّ لأنّهن على استعدادٍ ليظهرنَ ما خفيَ مقابلَ أن يلاحقهنّ الشباب ويهتفُون لهنّ بأنّهن جميلات ..

مستعبدون من قبلِ المُدير الذي نراهُ يرتشي أمامنا ونسكت .. لأننا نخافُ أن نفقد الترقيَة ..

مستعبدُون من قبل العاملة الآسيويّة التي سيغرق المنزل في القذارَة بدونها ولأجلِ ذلك نغضّ الطرف عن أخطائها التي لا تعدّ حتى نكتشف أنّ بطنها "مليان" أو نكتشفها ذات يومٍ مع البوي فريند داخل غرفتها .. فنجلبَ عاملَة أخرى جديدة ندخلُ معها في نفسِ الدائرة

لكنّ العبُوديّة يا أصدقائي بدرجَات .. أسوؤها أن تنتزعَ العبُوديَّة الانسان داخليْ ..

قالَ لي أحدُ المعلقينَ على مقالي "نحنُ والأحلام وعنترة" أني مصابة بالغيرَة الشديدة والحقد غير المبرر علَى الأثرياء وعلَى من يحصلُون على المكافآت والتكريم الحكوميّ .. وتذكرتً حينها ذلك اليوم الذي كنتُ فيه برفقة زوجي في السيارَة مساءً في طريقنا من مسقط لنزوَى ومررنا ببيتِ أحد الأثرياء .. كانَ قصراً كبيراً زيّنه ذلك الرجل بالأضواء فازدادَ القصرُ جمالاً وهيبَة وهوَ يضيءُ وسطَ عتمَة الليلِ .. قلتُ له: الله ما أجمله ! سألنيْ زوجي: تريدينَ أن تملكي مثله؟ فكّرت قليلاً ثم رفعتُ حاجبيّ: لم لا؟

فردّ قائلاً: أنا لا أريد .. أخافُ أن يستعبدنيْ المال .. أخافُ أن أتحوّل مثل عشراتِ الأثرياء في بلادي .. لهاث وهوَس لزيَادة ثروتهم .. ألا تخافينَ عبُوديّة الثراءِ والسلطَة؟!

تصدّقون؟ لساعَة ونصف طوالَ الطريق إلى نزوَى لم أكنْ أفكّر بأيّ شيءٍ سوَى بفكرَة عبُوديّة المال والسلطَة ..

وقد أرعبتنيْ فكرَة أن يحبنيْ الناس لأني صاحبَة سلطَة ومال .. أرعبتنيْ فكرَة أن أخرج للتسوق والتنزّه مع صديقاتي اللاتي لا يحببنني سوَى لأنّي ثريّة ووالدِي ذا سلطَة ..

أرعبتنيْ فكرَة أني سأفقدُ حريّة اللحظَة حين أقرر وزوجي "فجأةً" .. أن نذهب للمشي عند كورنيش السيب ... أو أقرر أن نذهب للتسوق في السيتي سنتر ..

أرعبتنيْ فكرة خوفي الدائم من أن أفقدَ مالي ومنصبيْ وأفقد حياة الـ VIP التيْ اعتدتُ أن أعيشها .. أرعبتنيْ فكرَة أن أفقدَ مكانتيْ الاجتماعيّة أمام المجتمع ..

أرعبتنيْ فكرَة لهاثي الدائم لأكون الأجمل وأمتلك الحقيبة الأجمل .. والعباءة الأكثر أناقة ..

وللحظَة ما .. شعرتُ بالاختناق وأنا أفكّر .. كم أننا نحسدُ الأثرياء على ثرواتهم ، ولا ندركُ ما تخبّئ جدران قصورهُم ، وهياكل حديدِ سياراتهم الفارهَة .. بحقّ أرعبني ذلك للغاية .. وشعرتُ بكميّة كبيرةٍ من الشفقةِ عليهم

أصدقائي ..

الحريّة أن نحلّق كالعصافير في عوالمنا .. دون أن نعيش عبوديّة الخوف الساكن في دواخلنا كلّ لحظة ..

أن نفتقد "داخلنا" سلطَة العصا الذي يلاحقنا في كلّ مكان ..

فيْ هذهِ المدوّنة .. لا أريدُ على أن أفهمَ كمصلحَة للمجتمع .. ويعاملنيْ القارئ كمصلحة للمجتمع .. ويسخرَ أحدهم من كوني أرغب أن "أكون مصلحَة للعالَم غصباً عنّه" ..

رغمَ أني بالمناسبَة لستُ ضدّ فريردك هايك الذي كتبَ في كتابه "أصنّفه كأعظم كتُبِ القرن" " الطريق إلى الرق" : كتبَ أنّ على المثقفِ أن يكونَ مصلحاً للمجتمع لأنّ جمِيع من غيّروا التاريخ سياسيين كانُوا أو فلاسفَة استقوا أفكارهم بطريقةٍ أو بأخرى من مثقفين .. وليسَ من سياسيين فقط أو فلاسفة .. ولأنّ المثقف وحدهُ هوَ الأقرب لجميع طبقات المجتمع دوناً عن البقيّة ..

هذهِ المدوّنة هي مساحتي التيْ أقولُ فيها ما تفكّر فيهِ فتاةٌ في سنّي تعيشُ مع مجتمعها كلّ تفاصيله .. ليس بالضرورة اجتماعياً وإنما بكلّ قوالب المجتمع ، السياسيّة والثقافيّة وحتى مشاركَة القارئ قواسم من طفولتها التيْ تراها جديرَة بالقراءَة .. لم لا .. أليسَ هذا حقي في مساحة هذه المدوّنة ؟!

الحريّة يا أصدقائي أن نقدّر أوطاننا .. بكلّ الأشكال ..وأن يعتبرَ كلّ مواطن أنّ بإمكانهِ تغيير الخطأ فيهَا: بيدهِ ، بلسَانهِ ، وبقلبهِ وذلك أضعف الإيمان ..

سأحكِي لكم قصّة قرأتها في مقالٍ للدكتُور علاء الاسوانِي يقولُ فيها

عندما اندلعت الثورةُ الفرنسيّة فى عام 1789 وحاصرَت الجَمَاهيرُ الغاضِبة الجَائعَة قصرَ فرسَاي. سألتْ ملكَة فرَنسا ماريْ انطوَانيت عن سببِ هذه المظاهَرَاتِ فقال أحدُ مُعاونيها:
ـ إنّهمْ غاضِبونَ لأنّهم لا يجِدُون الخبزَ يَا صاحَبةَ الجَلالة

.

بدُون الحريّة يا أصدقائي .. لن نمَارسَ أدنَى مستوَيات التفكِير السليم الذي يكفلُ لنا وعياً حقيقياً بمجتمعنا وقضاياه ..

الحريّة بثمن الخبز الذي دونهُ نحنُ لسنَا بشراً ذوي حقوق ..

التفكير السليم نفسهُ الذي تكفلهُ لنا أدنَى مستويَات المعيشة الكريمَة وهوَ أن نمتلك المال لشراء الخبز .. وإلا فإن هبطنا عن مستوَى هذه المعيشة فنحنُ سنفقد التفكير في قضايانا الجوهريّة لأنا غارقُون في الجوع .. في البحث عمّا نأكله .. أليسَ ثمّة مثلاً يقول: جوّع كلبك يتبعك؟


على كلٍ منكم أن يمتلك حريّته في التعبير عن كونه فرداً ضمن هذه المنظومة المسمّاة مجتمع .. وإلا فحينها نحنُ "روبوتات" تذهبُ كلّ يومٍ للدوام صباحاً وتعود مساءً لتمارس روتين رقمِي ..

والدِي علّمني وأنا طفلَة أنّ الله ربّي ولا أشرك بربّي أحدا..

ولذا فسأفكّر بصوتٍ عالٍ .. وسأقولُ ما يروقني في وطنِي .. فإن أعجبني صفّقت وهتفت وكتبتُ وسأنتقد ما لا يروقنيْ بأزرار الكيبُورد التي أضغط عليها الآن .. أو بقلبيْ ..

فمن أرَاد أن يتّخذ الأرباب والآلهَة .. فليفعلها في مساحاتهِ .. أمّا مدوّنتي .. فلا ربّ فيها ولا إله إلا الله ..