الأحد، 30 مارس، 2014

صنَاعة "التوجيهات السامية" .. الصّيد أو السّمكة؟

عائشة السيفيّ

عندَ مَدخَل قسم الهندسَة المدنيّة بكليّة الهندسَة بجامعَة السّلطان قابُوس تتربّع لوحَة كبيرَة كتبَ عليها بالانجليزيّة جملَة مقتبسَة من حكِيم الصين العظِيم كونفوشيوس: "قل لي وسوف أنسى. أرني ولعلي أتذكر. أشركني وسوف أفهم" .. كلّما قرأتُ الجُملَة أعلاه تساءلتُ إن كانَ أحدٌ ما من مسؤولينا قد فهمَ تماماً ما تعنيهِ حضارَة الانسَان وإشراك المُجتمع واستقلاليّة الدولَة واتّساع أفق المبادرة في هذا الوطَن ..

(انطلاق المهرجان البحري مواكبة للتوجيهات الساميَة في المحافظَة على الموروثات) .. (انطلاق المسابقة المروريّة بتوجيهات سامية) .. (بتوجيهات سامية انطلاق ندوة تشغيل القوى الوطنيّة) ، (بتوجيهات سامية انطلاق جائزة العمل التطوعي) ، (توجيهات ساميَة للاهتمام بالمرأة العمانية وتعزيز وتثمين دورها) .. (توجِيهات ساميَة بتخصيص يوم من كلّ عام للشباب العُمانيّ) إلخ إلخ ..

هذهِ العبارات "اليوميّة" التيْ تتردّد على مسامعنا تستفزني وتشعرنِي بأنّنا شعبٌ "عاقرٌ" إبداعياً. غير قادر على الاهتمامِ بالمرأة إلا حينَ يوجّهه صاحبُ الجلالة وغير مكترث بالمبادراتِ التطوعيّة إلا بتوجيهِ من السلطان .. شعبٌ جفّت بطونُ أمّهاتهِ عن إخراج جيلٍ مبدعٍ قادرٍ على تحريكِ عجلَة التّقدم والسّير بوطنهِ إلا بتوجيهٍ من قائدهِ .. فإذا لم تكُن هذه التوجيهات حاضرَة ألم نكن لنهتَم بالمرأة العُمانيّة؟ ألم نكُن لنقيم مهرجاناتٍ تروّج لموروثنا؟ ألم نكن لنكترِث بالشبابِ وحراكهم؟ أكَان على جلالتهِ أن يوجّهنا لنفعلَ كلّ ذلك؟

أتساءلُ فقط إن كان هؤلاءِ الذينَ يكرّسون لصنَاعة "التّوجيهاتِ الساميَة" لا يعرفُون أنّهم ينتقصُون بذلكَ من السلطان أكثر من الإضافة إليه فالرجل الذي قادَ عُمان إلى ما هي عليهِ الآن قادرٌ بعدَ أربعينَ عاماً على التأسيس لجيلٍ من المسؤولين يمتلكُون زمامَ المبادرَة لا أن يعجَزوا عن التحرّك أنملة إلا بتوجيههِ الشخصيّ .. لجيلٍ يتحرّك كالخلية فيمَا قائدهُ يراقب ما ينجزهُ أبناؤه من بعيد.

يستفزّنا –كجيلٍ عُمانيّ شابٍ- أن نرَى شمّاعة المشاريع الحكوميّة والمبادرات الوطنيّة معلّقة على كتف جلالته وأن تكُون التوجِيهات الساميَة "عذراً" للتنصّل من أي مسؤوليّة .. وإن كانَ الغرضُ من هذه الرسائل إبلاغنا بقربِ جلالتهِ من المشهدِ العُمانيّ فإنّ عباراتٍ كهذهِ أصبحتْ لا تضيفُ على المسامع أكثر من التساؤل إن كانَ من أحدٍ يعملُ في هذه البلاد سواه؟ وهل هنالك من يقرّر غير السلطان؟ وما فائدة مجلسِ الوزرَاء والشّورى والدّولة؟ وما الذي يفعلهُ المسؤولون وما جدوَاهم من خارطَة العمل الحكوميّ إن كانت مهمّتهم تلقّي التوجيهات وتنفيذها؟

إذنْ .. لماذا نتسَاءل دائماً عن سرّ عدَم ثقتنا بمسؤولي الحكُومة ونظرتنَا للمسؤولين باعتبارهِم "مهزوزي الثقة" في ظلّ صنَاعة "التوجِيهات الساميَة" التي يكرّس لها س و ص من النّاس لأربعَة عقُود بمباركَة "عميَاء" من إعلامنَا المسيّر.

ألا يُدرِك هؤلاء فداحَة الرسَائل التي يمرّرونها لأجيالٍ شابّة نشأت وترعرعت وكبرَت فيمَا يُحفَرُ فيهَا أنّه لا أحدَ يفكّر في هذا البلد ولا أحدَ يعمَل ولا أحد يقرّرُ مصيره سوَى رجلٍ واحد؟ ألا يدركُون ما يقترفُونه في حقّ مستقبل أجيَال فقدَت ثقتها في المسؤول الحكوميّ وقدرته على صناعَة التغيِير؟

حتّى أرقى المؤسسات الفكريّة والتعليميّة في السلطنة عجزَت عن الخرُوج عن خطّ السّير الحكُوميّ وأذكرُ في هذا الصّدد مقال الكاتب أحمد المعينيّ الذي انتقد فيهِ تبرير الجامعة في مؤتمرِها الصحفيّ لأسباب إعلان تخصص العلُوم السياسيّة "لا بدّ للمسؤولين في الجامعة أن يعيدوا النظر بجدية في طريقة خطابهم للإعلام، خاصة وأن تصريحاتهم تمثّل المؤسسة الأكاديمية الأكبر في السلطنة. وهنا سأعلق سريعًا على إجابتين تفضل بهما الدكتور نائب رئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية وخدمة المجتمع، وهو المكلّف برئاسة فريقٍ يقدّم تصورًا لإعادة هيكلة كلية “التجارة والاقتصاد” وإعداد برنامج العلوم السياسية. وعسى أن يتقبل ملاحظاتي هذه بصدرٍ رحب، رغم أنه في رأيي يستحق على هذه التصريحات نقدًا لاذعًا.

أولا: حينما سُئل نائب الرئيس عن مدى حاجة سوق العمل إلى هذا التخصص قال: “نظرًا للتوجيهات السامية لا بد من وجود حاجة ملحة وضرورية، إلا أنه لا يوجد لدينا في الوقت الحالي تصور عن طبيعة الوظائف التي يمكن أن يشغلها خريجو هذا البرنامج…”. الجزء الأول من الإجابة (بحرفيّته) يعكس مصيبة كبرى ويشكّل للقارئ صدمة حقيقية، إلا أنني سأحسن الظنّ وأقول بأنّ التعبير قد خان نائب الرئيس، وأنه أراد القول بأنّ توجيهات جلالة السلطان لا بدّ أن تكون قد جاءت بعد دراسةٍ ومقترحاتٍ من مستشارين ذوي كفاءة وخبرة. أما الجزء الثاني من الإجابة فمن الخطأ أن يصدر عن مسؤول. أتساءل هنا كيف لجامعةٍ أن تُعلن عن طرح تخصصٍ ما وهي لا تملك أي تصورٍ عن الوظائف التي سيشغلها الخريجون؟"

وسأسمَحُ لنفسيْ بأن أكمِلَ ما كتبهُ المعينيّ فإذا كنّا نحسنُ الظنّ بالحكومة على اعتبَار أنّ رؤية السّلطان تأتي بعدَ مشورَةِ أهلِ الحكمَة والرأي فإنّ كلمَة "الدّعم السامي" "أرحَم بألف مرّة" من التوجِيهات الساميَة.. أولاً لأنها تعكِس ثقة جلالتهِ برؤى خبرائهِ ومسؤوليهِ ودعمه لمقترحاتهم المدرُوسة بعناية، وثانياً أنّ ذلكَ يقدّم رسالة مهمّة للجيل بتكامُل العلاقة بينَ الحاكم ومحكُوميه وإيمانهِ بقدرة المسؤولينَ على التحرّك وفق مساحَات واسعَة من التفكِير والحريّة بعيداً عن علاقَة "التوجيهَات ، والتنفيذ".

****

"  وقد تم ، بحمد الله ، على امتداد المسيرة التنموية الشاملة ، وبالعزم والاجتهاد ، والصبر والمثابرة، الكثير من المنجزات التي نعتز بها في كل محور من هذه المحاور، خاصة في مجال تطوير الموارد البشرية الذي اعتقدنا منذ البداية، ولانزال نعتقد جازمين أنه حجر الزاوية في تنمية أي مجتمع، ذلك لان الإنسان – كما أكدنا دائما وفي شتى المناسبات – هو هدف التنمية وغايتها، كما انه هو أداتها وصانعها وبقدر ما ينجح المجتمع في النهوض بمواردة البشرية وتطويرها، وفي إقامة الدولة االعصرية المتقدمة في مختلف مجالات الحياة" قابوس بن سعيد - 2005

***

لم أتوقّف يوماً عن الإيمَان بأنّ كثيراً من السياسَات الحكوميّة بدأها مسؤولٌ ما وسارَ على نهجها من تبعه دونَ أن يجرُؤ أحدهم على أن يسألَ لماذا؟ وعلى أحدهِم أن يسألَ فعلاً: لماذا؟ لماذا تستمرّون حتى اليَوم في تكرَار الخطأ نفسه؟

كمَا أنني مؤمنة أنّ الفكرَ التنويريّ للسلطان لا تعكسهُ كثيرٌ من السياسات الحكوميّة وهذا بالتأكِيد أمرٌ مقلقٌ لي وللجيلِ الشّاب الذي يريدُ أن يكونَ شريكاً ليفهم .. ويريدُ أن يُؤمن بهِ الآخر .. أن يُؤمنَ أنّه قادرٌ على تحرِيك مبادرات الاهتمام بالمرأة والعمَل التطوعي والحرَاك الشبابيّ ووو.. دونَ توجِيه.

علّمونا الصّيد ولا تعطُونا سمَكة .. وابنُوا الانسَان ليصنَع المبادرَة قبلَ أن تبنُوا الحجَر .. وتذكّروا دائماً .. أنّكم إن وجّهتمونا "نَسينا" وإنْ "أريتمُونا" .. ربّما تذكّرنا .. ولكنكم إن أشركتمُونا فإننا حتماً سنفهم!