الأربعاء، 30 سبتمبر 2009

المَاركَة .. الصّناعَة ذاتُ الحدّين/ ردُهات


عائشَة السّيفي
ufuq4ever@yahoo.com


وَفقاً للمنظمَة العالميّة لحقُوق الملكيّة الفكريّة فإنّ العلامَة التجاريّة أو المَاركة هيَ إشَارَة مميّزة تبيّن بعض السلع أو الخدمَات باعتبَارها منتجاتٍ أنتجتهَا جهَة معيّنة سواءً كمؤسّسة أو أفرَاد وتكُون معرُوفة لدى الزبُون تمثّلها هذهِ العلامَة وتعتبرُ حقاً لتمثيلها تجارياً في بلدها ..
يعُود نشُوء العلامَة التجاريّة أو "الماركَة" إلى 3 أو 4 قرُون حيثُ شاعَ في أوروبَا استخدَام أصحَاب الحرف رموزاً معيّنة ً لتمييز ما ينتجُونه من حرفٍ فكانَ النجارُون يضعون على الأبوابِ رمزاً معيّناً ليميّزَ كلاً منهم عنِ الآخر وكذا فعلَ الحدّادونَ وسائر الحرفيين .. ومنذ ذلكَ الحين أصبحتْ ملامحُ العلامَة التجاريّة تزداد وضوحاً وبدَأتْ تسريْ بشكلٍ رسميّ وشيئاً فشيئاً غزتِ العالمَ وأصبحتْ جزءاً لا يتجزّأ من تكوينِ السّوق .. إذ لا يمكنُ خرُوج أيّ مشرُوع تجاريّ إلى النور دونَ أن يمتلكَ العلامَة التجاريّة الخاصّة بهِ ..
هذهِ العلامَة قدْ تكُون رمزاً معيّناً .. مجمُوعة حرُوف مختصرَة أو جملَة أو كلمَات .. وقد تكُون رسماً دلالياً وهيَ غير مقنّنة بالشّكل الذي تظهرُ بهِ معَ الاحتفَاظ بقوانين معيّنة في الموافقَة عليها بحيثُ لا تحملُ إيحاءً سيئاً معيّناً للقارئ ولا تخدشُ الأديَان وألا تحملَ معنَى بذيئاً في لغَةٍ أخرى كما يجبُ أن تكونَ واضحَة ومفهُومة بعيداً عن التعقِيد بحيثُ يكونُ من السّهل إشهارها في السّوق والتعاملُ معها على المستوَى التجاريّ والإعلانيّ ..
هذهِ الرمُوز قد تحملُ علاقَة بالمنتَج وبالتاليْ تحملُ أسماءَ أو رمُوز ترتبط بالمنتج كأنْ يتمّ تسميَة سلسلَة مرَاكز تجميليّة باسمِ عالم المَاكياج أوْ شركَة متخصّصة في تصنِيع الميَاه المعدنيّة بشلالات ظفَار فيُوحي لنَا الاسمُ بهويّة المنتج الذيْ تقدّمه تلك الشركَة .. وقد تقدّم الشركَة كذلك رمزا لهُ علاقَة بطبيعةِ منتجهَا مثلَ أن يقومَ محلٌ لتفصيل العباءات بوضعِ رمزِ امرأةٍ ترتديْ عباءَة .. كعلامَة تجاريّة لهُ .. ليستشفَ الزبُون ما يعنيهِ هذا الرّمز ..
وقدْ تأتيْ الكلمَات عشوَائيّة لا علاقَة لها بالمنتَج .. مثلَ لانكُوم لمستحضَرات التجميل .. أو توشيبَا لصنَاعة الحواسيب الآليّة .. أو قدْ نستخدمُ كلمَات دَارجَة كعلامَة تجاريّة لنا .. مثلَ استخدَام سلسلَة محلاّت الملابس والأزيَاء كلمَة "مَانجُو" للإشارَة لمحلاّتها بصرفِ النظر عن عدمِ ترابُط اسمِ العلامَة بنمطِ توجّه منتجات الشركَة وهوّيتها ويكُون كذلكَ اختيَار رمزٍ للشركَة أو الجهَة المنتجَة دونَ أن يكونَ ثمّة ترَابط بينَ الشيئين ..

يقُولُ خبيرُ الاقتصَاد العالميّ دايفيد إيكر في كتابهِ Building Strong Brands أنّ العلامَة التجاريّة هيَ إحدَى نتاجات العولمَة الحقيقيّة في القرنِ الجديدِ حيثُ تسيطرُ الكيَانات الكبيرة على الكيَانات الصغيرَة باسمهَا وحضُورها في السّوق .. وهوَ تماماً نتاجُ ما حدثَ مؤخراً بعدَ رفعِ شركاتٍ مصنّعة لأنظمَة الحواسيب الآليّة قضايا كثيرَة على عملاق أنظمَة الحاسُوب مايكرُوسوفت التيْ أسسها بيل جيتس بسببِ اعتبَار شركتهِ بعبعاً تجارياً يستفردُ على الأخضرِ واليابسِ من سُوق الحَاسوب العالميّ ما جعلَ مايكرُوسوفت مهدّدة ً بتقسيمها لشركَات صغيرَة وكيانات متفرّقة لإفساح المجالِ للجميع بتسويق منتجهِ بعيداً عن استفرادِ شركةٍ دونَ أخرى وصنعِ ثقَة جديدَة للزّبُون الذي لا يعرفُ سوَى مايكرُوسوفت دونَ بديلٍ ينافسها في الثقة أو يتيحُ المجالَ للمنافسَة بعدَ أن اتخذت مايكرُوسوفت سياسَة شراء العلامات التجاريّة لأي شركات منافسَة وضمّها تحتَ عباءَتها ..

وعادةً ما يتمّ تسجيلُ العلامَة التجاريّة في البلدِ الأمّ الذي تخرجُ منهُ الشركَة والنّظر في توافقها مع قوانينِ وأنظمَة هذا البلدِ فإذا أرادتِ الشركَة الخرُوج من حدُود وطنها الجغرافيّ إلى أبعادٍ عالميّة فينبغيْ أن تنالَ الترخيصَ من منظّمة العلامات التجاريّة التيْ وقّعت عليها 60 دولَة منذ إنشائها للتأكّد من أن علامة تلكَ الشركَة لا تشابهُ أو تماثلُ علامَةَ شركةٍ أخرَى موجُودة في السّوق العالميّ فيحدثُ اللّبس أو الخلط ..

اليَوم أصبحتِ العلامَة التجَاريّة بصمَة ثقَة .. فنحنُ مثلاً نعرفُ أن العلامَة التجارية نوكيَا أو سونيْ أريكسُون هيَ الأكثر رواجاً وثقة ً في السّوق وقد نجدُ هواتفَ بمواصفَات أفضَل وميزات تكنولوجيّة أكبر من هواتف نوكيا أو سونيْ أريكسُون لكننا نشتريْ الأخيرَة لثقتنا بهَا فنحنُ ندفعُ للاسم .. للمَاركة قبلَ أن ندفعَ للمنتجِ نفسهِ ..
قد نشتريْ حذاءً بسعرِ 60ريال ونشتريْ آخر لهُ نفس المميّزات وربما أكثر ب5 ريال والفارق أننا في الأول لا ندفع لمميّزات الحذاء بقدر دفعنا لثقتنا بالشركَة المنتجَة للحذاء وأصليّتها وجودَة منتجاتها وندفعُ لسمعتهَا في السّوق واسمهَا بينما في الحذاء ذي الخمسَة ريالات نحنُ لا ندفعُ سوَى للحذاء نفسهِ دونَ أن تكونَ لشركتهِ ذلك الاسم والثقَة الكبيرَة الموجودَة في السّوق ..
ويأتيْ اهتمامنا وتوافقُ المنتج معَ توجّهاتنا الحياتيّة في الأسبَاب التيْ تدفعنَا نتوجّه إلى استخدَام العلامَات التجاريّة في تعاملاتنَا .. فمثلاً قد أذهب أنا إلى أيّ شركَة سيّارات وأشتريْ سيّارة عاديّة بمواصفاتٍ عاديّةٍ لأنني لستُ من النوعِ الذيْ يلقيْ بالاً إلى عالمِ السيّارات بينمَا يأتيْ آخر مستعدّ ليدفعَ أضعافَ ما دفعتُ لسيّارة أخرى لأنّها مثلاً تمتلكُ نظام حمَايّة معيّن .. زوَائد معيّنة ، هيكَلها ، دفعهَا ، قوّة محرّكها ، استهلاكها للوقُود .. فارتبَاطه الحسيّ بالعلامَة التجاريّة لذلك المنتج أكبر من ارتبَاطي واهتماميْ بالسيّارات كمنتج ..
وتلعبُ السيَاسَة والدّين توجهاتٍ كبيرَةً لدَى الزّبُون فمثلاً كنتُ قد أوصيتُ مؤخراً أحدَ وسطَاء شركة عُطور أن يجلبَ ليْ عطراً معيّناً إلا أنهُ عاد واعتذرَ عن أنّ الشركَة أوقفتِ استجلابَ ذلكَ العطر لأنّه منتجٌ اسرائيليّ ..

ومثالٌ آخر ما حدثَ لمذيعَة خليجيّة ظهرتْ بدونِ أن تعرفَ وهي ترتديْ قميصاً يحملُ شعارَ شركَة معرُوفة بانتاجها منتجات للشواذّ جنسياً ودعمهَا لهُم وإقبَال الشواذّ عالمياً على الشرَاء منها باعتبارها تمثّلهم .. لذا لقيتْ تلك المذيعَة الكثير منَ التقرِيع .. لأنّها حينَ لبستْ ذلكَ القميص فإنّها مثّلت تلكَ الشركَة ..
وكذَا يحدثُ لدَى شركَاتٍ يقالُ أنّها تدعَم جيوشاً معيّنة في بلدانٍ معيّنة أو أنّها تقدّم دعماً مالياً كبيرَاً لشعُوبٍ ضدّ أخرَى وبهذهِ الطريقَة ترتبطُ هذهِ العلامات التجاريّة وعلاقَة الزبُون بها في بلدٍ ما أو منطقةٍ ما بالخلفياتِ السياسيّة والدينيّة التيْ ترتبطُ بها شركَة تلك العلامَة التجاريّة لذلكَ يرفعُ اقتصاديُون كثر عالمياً شعَار (لا دين لا سياسَة) كأوّل خطوَات نجاح أيّ علامَة تجاريّة يسعَى أصحابهَا للعالميّة لكيْ لا يحدثَ تعارض في توجهاتِ تلك الشركة السياسيّة أو الدينيّة مع زبائنها في بقعَة معيّنة من العالم ..

غيرَ أنّ الكثِير من الزبَائن أصبحُوا مهوّسين بالعلامَة التجاريّة وأصبحت العلامَة التجاريّة تعنيهم أكثَر من المنتج أو السلعَة نفسها .. فالنسَاء مثلاً يتباهينَ بأنّهن اشترينَ قميصاً بقيمَة 50 ريالاً من شركَة أزيَاء عالميّة لا لشيءٍ سوَى لأنّ تلك الشركَة تمثّل سوقاً للطبقَة الثريّة ..
مؤخرا وأنا أتصفّح إحدَى المجلاّت التيْ كانتْ تعرضُ خطّ ملابس كاجوَال صيفيّة طرحهُ محلّ ملابس في دبي وقد صدمتُ فعلاً لمستوَى الغلاء التيْ وصلتْ إليهِ الملابس .. ففستان شيفُون قصير لا يتخطّى الركبَة وضعَ عليهِ سعرُ 3000آلاف ريَال عُماني .. وحلق أذن بلاستيكيّة على شكلِ وردَة وضعَ عليهَا سعر 700ريَال عُمانيّ .. وشَال على الرقبَة من القطن وضعَ عليهِ سعرُ 1500ريَال عُمانيّ .. وقد كانَ مجمُوع ما ارتدتهُ العارضَة تلك من ملابس خفيفة جداً .. 13ألف ريال عُمانيّ .. وكان هذا حالُ بقيّة الصور التيْ ظهرتْ بها العارضَة .. فهلْ يعقلُ أن الترفَ وصلَ بالنّاس ليلبسُوا في مجمُوع لبسَة واحدَة ما يزيدُ عن 13 ألف ريَال عُمانيّ فيمَا يغرقُ العالم في الجُوع والفقر المدقع؟ هذا فعلاً نتاج العولمَة وضريبتهَا السّوداء ..
هذهِ الملابس لم يبلغْ سعرهَا هذا لأنّها صنعتْ من خامَة خاصّة نادرة جداً .. ولمْ تكن بذلك التميّز الذيْ يجعلُ منها هذا السّعر .. لكنّ ماركَتها واسم شركتهَا في السّوق خوّلها لذلك وصنَع لها طبقَة معيّنة من الزبائن يتوجّهون لشرَاء منتجاتهَا ..
ولتقريبِ الصُورَة أحكيْ لكُم قصّة حكَاها أحدُ أقاربيْ وهو مهندسٌ معماريّ مشهُور في السّوق لديهِ مكاتبهُ الهندسيّة للاستشاراتِ وجاءهُ زبونٌ يطلبُ منهُ أن يعدّل شيئاً ما في خريطتهِ التيْ استخلصها من مكتبٍ آخر .. وفي تلكَ اللحظَة نظرَ المهندسُ إلى الخريطَة ورسمَ خطاً ما في الخريطَة وقالَ لزبُونهِ .. خلاص مشكلتكَ حُلّت .. وحينَ سألهُ الزّبون عن السّعر قالَ لهُ 30 ريَال .. فدهشَ الزبُون وقالَ : ثلاثُون ريالاً أدفعهَا لأنّك رسمتَ خطاً في الخريطَة وفي ثانيتين؟
فأجابهُ المهندس: أنتَ لا تدفعُ لي لأنّي رسمتُ خطاً وإنّما تدفعُ ليْ لدراستيْ 5 سنوَات في كليّة الهندسَة ودرَاسة تخصّصي .. وسنتان للماجستير وتدفعُ لي السّنوات التيْ قضيتهَا في السّوق لأؤسّس اسميْ .. أنت تدفعُ لثقتكَ بي وتوجّهك إليّ دوناً عن بقية المكاتبِ والمهندسين .. أنت تدفعُ لخبرتيْ الطويلة لصنَاعة الثقَة في الزبائن وَصنَاعة جودَة ما أقدّمه للسّوق ..
هذا بالضّبط هوَ ما تعنيهِ العلامَة التجاريّة .. لكنْ هلْ يبرّر هذا المغالاة الكبيرَة التيْ وصلتْ إليها الشركَات في منتجاتها بلا مبرّر؟ وعبَادة الكثيرين منّا للتسوّق من المحلاّت الراقية والماركات المشهُورة ليسَ لشيءٍ سوَى لأغرَاض الترفِ والمبَاهاة؟
في العالمِ الفقير هذا .. لا تمثّل العلامَة التجارية شيئاً للملايين الذينَ يسحقُون تحتَ همُوم الحيَاة اليوميّة لتأمين لقمَة عيشهم وكسوَة أطفالهم ويهمّهم أن يفيْ المنتجُ بالغرض دونَ أن يلتفتُوا إن كانَ هذا المنتج عالمياً أو إن قدّم الفنان الفلانيّ دعاية ً لهذا المنتج .. لأنّ هذهِ الدعايَة إنّما خرجتْ من جيُوب الزّبائن ليحصلَ الفنان على مئات الآلاف لقاءَ تقدِيمهِ دقيقَة إعلان واحدَة أو حضُوره في حفلٍ لشركَة تلكَ المنتَج ..
هكذَا إذن يكُون للعلامات التجاريّة وجهها الأبيض والأسوَد ونظلّ بحاجةٍ لخلقِ توازنٍ حقيقيّ وألا ننجرفَ ورَاء الهوسِ بالعلامَة التجاريّة بدونِ أسبابٍ منطقيّة سوَى التباهيْ أوْ تصنيفنَا وفقَ طبقَة معيّنة نريدُ أن ينسبَنا الآخرُونَ لها .. إنّها بحقّ صنَاعة العولمَة .. الصنَاعة ذاتُ الحدّين !

الاثنين، 21 سبتمبر 2009

أعيَادكُم بلا فيرُوسات !

السّاعة الواحدَة صباحاً .. والآنَ أسمعُ الحلاّق المجَاور لبيتِ جدّتي وهوَ يغلقُ محلّه ..
اليَوم مررتُ عليهِ فوجدتُ الرجَال وقوفاً .. لم أمنعْ نفسيْ منَ الضّحك وأنا أطالعَ شعرَ رأسِ قريبِي وأقولُ لهُ : كأنّه غايتهُ تروح تحلق شعرَك؟
فردّ : لا لا أريد ..
- لمَ؟
- أخاف يحلق شيئاً من شعرِ اللحيَة الملاصق لشعرِ الرّاس
- وإذا حلق؟
-حرام ، يبطل صيام رمضان
- شو يعني ؟ مهُو انت متعوّد تحلق ذقنك
تصدّقوا ؟ 21 عاماً ولم أنتبه بحياتي إلى أنّ الرجالَ يتحاشونَ حلقَ ذقونهِم في رمضَان ..
حسناً .. أنا لست مطوّعة ولا تقرب ليْ الطوَاعة وكمَان شخصياً أخافُ من اللحَى الطويلَة جداً .. لذلكَ لا تعتبرُوا تدوينتي معادَاة للساميَة
عفواً معادَاة لمن يحلقُون لحاهم أو يخفّفونها
يعني حرامات يقعدُوا الحلاقين بلا شغل ولا مشغلَة برمضَان .. بتصِير بطالة ، أقصد باحثين عن العمل
خطيّ والله ما يصير يا جمَاعة تتذكّروا أنكم لم تحلقُوا لحاكم شهراً ثمّ تهبّواع الحلاقين وتخلُوهم سهرانين للسّاعة الواحدَة صباحاً مشَان شغل جزَاز اللحيَة
الحمدلله أنّه الحريم ما عندهُم لحَى .. ولو أنّه عندهُم أمُور أعظم
***
كنتُ أظنّ أنّ انفلونزَا البطِيخ ستمنَع النّساء من زحمَة الصالُونات بس الحريم هُم الحريم ..
قبلَ يومين اتّصلت بالفتَاة التي اعتادتْ على نقش الحنّاء لي .. فأجابت أنّ جدولها ممتلئ منذُ شهر .. بعيد الشّر ! ليش الحريم منتزقَات كذا ولا أنَا نايمَة بالعسل؟ وبعد شدٍ وجذب وافقت على أن تحنّيني قبل العيد بثلاثِ أيّام! يا إلهي .. والله ممنوع عليّ أمسّ الماء لحتّى ما يروح الحنّا .. هذا يعنيْ أني لن أستحمّ لثلاث أيّام ولن أغسل يدي بعد الأكل لثلاثِ أيّام .. كمَا أنني لن أطبخ لثلاثِ أيّام .. والله هذا ما صار حنّا .. المهم تحنينا وعاد لا تسألوني هل سيبقَى الحنّاء لثالث أيّام العيد أي بعدَ مضيّ 6 أيّام على الحنّا ..
الآن يا فيرُوس أتش ون أن ون .. شدّ الهمّة في ساحَات الوغى حيثُ تدوِي أصوَات ماكينَات الاستشوَار وماكينَات الفيشل وتتناضدُ النسَاء فوق بعضهنّ البعض أملاً في إصلاح ما أفسدته الأشهر التي فصلتْ بينَ هذا العيد وسابقهِ
شدّ الهمّة يا سيّد فَيروس .. عفواً نسيتُ أنّ السيد للعائلة المالكَة فقط .. شدّ الهمّة يا أستَاذ فيرُوس فأمامك مشاوير طويلَة
***
فجرَ اليَوم ومن نافذتيْ شاهدتُ الرجالَ يتقاطرُون أمماً أمام منزلنا فعرفتُ بالطبعِ أينَ يكونُ مقصدهم
ككلّ عيدٍ يتكرّر الموقفُ .. يُسَدُ الطريقُ بالسياراتِ التي تقفُ على بعدِ مئات الأمتار .. وتتصَادم الحشُود أمام مصنعِ الحلوَى الصغير القريب من بيتنا .. تختنقُ الأنفاس ويتعاركُ الرجالُ من أجلِ نيلِ مكبّة ولا مكبتين حلوَى ..
آآآتشو في وجهِ كلّ واحد وهزّ وسطَك يا فيرُوس الخنَازير ..
وهي فرصَة لنمعنَ أنظارنا بسيّارات الكباريّة بأرقامها الخاصّة الملوّنة بالأخصر والأبيض والأحمر وسيّارات أصحاب المعالي والسّعادة إضافة ً إلى لوحاتِ سيّارات الأشقّاء الخليجيين .. يا إلهي .. هل سيمُوت العمَانيُون إذا لم يأكلُوا حلوى؟
قبلَ مدّة همسَ ابنُ صاحبِ هذا المصنعِ قائلاً لقريبِي أنّهم كسبُوا من العيدِ الماضي 200ألف ريَال ..
يا سيدي نيّالهم ع قلُوبهم .. اللهُم بارك وزِد
أضحك من حالي .. كادّين كدّ بالدرَاسة لندخل الهندسَة أو حيّا الله تخصص يسترنا ونعمل ونظلنا شي عشرين وثلاثين سنَة
الواحد يشتغل وتشتغل زوجته ويا دُوب يطلّع له بحياته كلها 100 ألف ..
المضحكُ في الأمرِ أنّ أحدهُم أخبرنيْ عن قصّة صديقهِ الذي يملكُ والده مصنعَ حلوَى ويدرسُ هندسَة طيرَان فيْ الخارج ويشكُو من صعُوبات الدرَاسة .. قالَ له لم لا تعمل في مصنعِ والدك .. ألا تربحُون؟
قالَ : لو عملتُ في مصنع والديْ لربحتُ أضعافَ ما أربحهُ من تخصصي هذا
بسْ افهمها يا شَاطر .. لو تصير مليَاردير وتردّ الملايين من صنَاعة الحلوَى في النهَاية تظلّك "حلاّو" يصنع الحلوى .. هندسَة الطيرَان اسم ومكَانة ..
ضحكتُ كثيراً .. يا الله كيف نعبُد الألقاب والمظَاهر !
خلي الهندسَة تنفعنيْ .. يعنيْ لو يخلّوا بنت تشتغل معهم تعمِل حلوَى كنت عقيت الهندسَة بصُوب ورحتْ فتحت لي بعد شي سنتين مصنَع حلوَى ..
طيب .. أنا عندي فكرَة ولحّد يسرق حقُوق الملكيّة الفكريّة .. يعني على كثر ما يعبد العمَانيّون الحلوَى ،لماذا لم يصنَع أيٌ منهُم ماكينَة لصنَاعة الحلوَى؟
صارْ لي شهرين وأنَا أحنّ حنّ على رَاس أخي الطالبِ بهندسَة الكهربَاء
قلتُ لهُ أنتَ تدرس هندسَة كهربَاء .. دعنا نتعَاون لتصنِيع ماكينَة صنَاعة حلوَى .. أنتَ اهتَم بالجَانب الكهربَائي الخاصّ بتخصصّك وأنا أهتم بالجَانب الدينَاميكي الخاصّ بتخصصي ..
منْ يقنعُ أخي بجدوَى فكرتي؟ واللهِ فكرتي مش بطّالة
***
أطالعُ أخي وقدْ شدّ رأسهُ بفوطَة وحرارتهُ عالية .. يُوه .. لا يكُون؟
اليَوم راجع والنّصر حليفه بعدَ معركَة الحلوَى التيْ كادَت أن تودي بحيَاته معَ مئات الرّجال
أوهُوووو نسيت أنّ فترَة حضَانة الفيرُوس من 2-8أيّام
معلِش خيّو .. أجر وعافيَة
***
يا رجَال العَالم اتّحدوا في موَاجهة الفيرُوس ..
أتمنّى أن تكُونوا قد أعددتُم عدّتكم .. خلّوا عنكم عادَة صباب القهوَة وتوزيعهَا على الخمسِين شخص اللي حاضرين بالسَبلة وتمريرها بفنجَان قهوَة أو فنجانين يمرّان على عشرَات الأفواه التي تترك لعَابها الطاهر على الفنجَان ..
ثمّ تمتدّ الأيادي "لتغفص الحلوَى" وفجَأة يعطس أحدهم فيها ويسترِيح الفيرُوس في بحيرَة السّكر المحرُوق في الحلوَى
آهِ يا فيرُوس .. سيزدَاد وزنكَ يا رجل!!
***
البَارحَة تلقّيت نكتة مؤلمَة جداً ..
سألنيْ صديقٌ من السعوديّة .. انتُو بكرَة صايمين مثل أمّي؟
قلتُ له أيوا صايمين .. بس ليش أمّك صايمة؟ هي مش سعوديّة؟
قال لي : بلَى بس ماشيَة ع شيعَة العراق .. هم أيضاً صائمُون غداً
- وَي! بس النَاس تتبع الدولَة التي تقيمُ بها حتّى لو لم يكُونوا من أهل البلد
- وأزيدك منَ الشّعر بيتاً .. أمّي صائمَة غداً .. وأبيْ مفطِر !
- وَأنت؟
- أنَا يا ستّي أصُوم مع آخر بلد يصُوم .. وأفطر معَ أوّل بلد يفطِر
شفتُوا نكتة مثل هاي؟ امرأة تصُوم وزوجهَا يفطِر
آآآآه كم أكرهكِ أيّتها السيَاسة .. حتّى في الدِين حاشرَة نفسك
***
مقُولة جميلَة أحببتهَا في موقعِ الدكتور عبدالله الحرّاصي اقتبَسها من كاتبَة أجنبيّة تقُولُ " السفينَة تكُون آمنَة حينَ تكُون راسيَة ً على الشطّ لكنّها لم تخلق لِذلك "
نعَم أيَها الأصدقاء ، اذهبُوا لزيَارة أحبّائكم .. واقعدُوا معهم .. هنئُوهم بحبّ
ابتهجُوا وافرحُوا فمَا كتبَ لكم لمْ يكُن ليخطِئكم ..
لا تبَالغُوا في الحذَر ولا تبالغُوا في التسَاهل ..
وسيكُون جيّداً لو امتلكَ كلٌ منكُم مطهّرهُ الخاصّ ..
محبّتي لكُم .. قبلَ العيد وبعدهُ

الأحد، 20 سبتمبر 2009

عُد يا رمضَان .. ولكنْ دونَ هؤلاء !

كيفَ حالكم أصدقائي؟
اشتقت لكُم كتير كتير .. وأتمنّى أن تكونُوا قد اشتقتمُوني أيضاً ..
أنهيتُ إعداد كعكِ العيد ولو أنه ما جا عليي أسوّيه .. أحسّ ضلوعي متكسّرة من المكَابس والعجن
أسمَع المفرقعَات تدويْ في أرجاء مدينتي الصّغيرة نزوَى .. صدّعونا .. خلاص عرفنَا أنه بكرَة عيد
ولو أنّي لم أسمع صوتَ مدفع القلعَة .. كونيْ جارَة القلعَة طبعاً فالمدفع أهمّ طقُوس دخُول العيد
عمُوماً .. غادرنَا العزيزُ رمضَان وقد كنتُ أبيّت النيّة لكتابة مواضيع رمضَانيّة "تغثّ الفواد" لأنها تحزّ في القلب
لكنْ ما هنتُوا عليّ أهزّ مشاعركُم الرمضَانيّة .. أعرفكُم حسَاسين بالزيَادة ، زيي يعني ! قلتْ أخرّب عليكُم العيد اعتبرُوها عيديّة العيد غير المحبّذة
***
غادرَ رمضَان وعادتْ شهرزَاد إلى الفعلِ المباح "من وجهَة نظرهَا هيَ"
في الفيس بُوك غيّرت مهندسَة أعرفها صورتها .. كانتْ تعمل في الشركَة التي تدرّبت بها وهي عُمانيّة غير محجّبة
في الفيس بُوك كانتْ أختنا تضعُ صورَة لها وهي بتسريحَة و"فُل ميك أب" وفستان .. أعتقد التقطتْ صورتها إمّا وهي ذاهبَة لزفاف أو وهي عائدَة منهُ .. وما أن حلّ رمضَان حتى تغيّرت الصُورة تلك إلى صورة لنفسِ الفتاة وهي ترتدي عباءَة وشيلَة سوداء لا يظهرُ منها إلا وجهها ..والآن أطالع صورتها القديمَة وقد عادتْ مجدداً .. يا عيني ! ما يحلّ طول العام يحرّم في رمضَان ..
***
في الجانبِ المقابل ، ومن ملاحظاتيْ في الفيس بُوك أيضاً .. شاهدتُ صورَة مهندسَة عراقيّة أيضاً كانت تعمل معي بالشّركة أيّام الصّحراء
حليوة ومكشّخة نفسها بالزيَادة .. الله يعين الشباب في الصحرَاء على وجُودها !
في الفيس بُوك وفي عزّ رمضَان وضعت الأخت صورة لها والجزءُ الأعلى من صدرهَا عارٍ تماماً .. ثمّ لاحقاً غيرت الصُورة إلى أخرى وهي ترتدي فستانا وردياً قصيراً لم أرَ في حياتي أقصر منه .. لا أعرفُ كيف لم يظهرْ سروالهَا الداخليّ من قصرهِ ..
كانتْ تركبُ دراجة ً ناريّة ..
عادةً أعتبرُ كلّ ما سبقَ أموراً شخصيّة بحتَة لا يحقّ لي التدخل بها .. لكنّها أمُورٌ مثيرةٌ للحزن
أذكرُ دكتورتي الأميركيّة التيْ كانتْ ترتدي في رمضَان "عباءَة" رغمَ أنّ ملابسها كانتْ أساساً محتشمة وفضفاضة وقالت يوماً : اللبسُ أمرٌ شخصيٌ تماماً ، لكنّني لستُ في بلدي .. وللناس في المجتمع الذي أكونُ بهِ حقٌ عليّ .. أقلّها إن علمتُ أن ما ألبسهُ يخدشُ طقوسهم الدينيّة !
هذه الفتَاة العربيّة جداً ، ولا أعرف أهي مسلمَة أم لا إنْ كانَ المسيحيّون يسمُون بناتهم زينَب .. المهمّ أنني حزنتُ كثيراً حينَ رأيتُ ما تضعهُ من صُور على الفيس بُوك في رمضَان .. حريّات يا عالَم .. حريّااااااااااات ..
***
منَ الأمُور التي تحزّ في خاطري أيضاً قصّة حكتها لي زوجَة أخي عمّا تعرّضت لهُ عاملةُ أهلها وعاملة جيرَان أهلهَا
فقبلَ 10 أيامٍ تحديداً في الثلثِ الأخير من رمضَان .. وفي السّاعة السادسَة صباحاً حيثُ كانتِ العاملتان منشغلتان بتنظِيف سيّارات الأسرَة كل واحدةٍ أمام بيتِ الأسرة التي تعمَل بها .. مرّ شابان يركبَان دراجَات ناريّة .. نزلا من الدراجتين وانهالا ضرباً على العاملتين .. ثمّ غادرا بسرعَة كأن لم يفعَلا شيئا ً ..
في الساعَة السادسَة حيثُ يخرجُ الرجالُ من المسَاجد مؤدّين صلاة الفجر ..وتستغرقُ النساء في قراءَة القرآن ببيوتهنّ ..
يطُوف هؤلاء "الشلاتيّة أولاد الحرَام" الشّوارع بحثاً عن طرائد ليفرّغوا عليهنّ عقدهم ..
عاملات فقيرَات قطعنَ آلاف الأميال لإعالة أسرهنّ الغارقَة في الفقر المدقع .. لا يعرفنَ إلى أيّ مصيرٍ يلقَين إليه ..
ما ذنبهنّ لينهَال هؤلاء السفلةَ عليهنّ بالضرب؟
قبلها بأيّام كذلك حدثَ أنّ مجموعةً من النسَاءِ عدن منْ تأديَة صلاةِ التراويح بالمسجد .. تمرّ عليهنّ سيارة شباب .. فيخرجُ أحدهم يدهُ ويضربُ بقوةٍ مؤخّرة إحدى النساء .. وحينهَا يقولُ له صاحبه في السيارة : المرَة الماضيَة كانتْ أقوى !
يالَ وجعِ البطُون التيْ أنجبتكُم أيّها الأوغاد ..
***
في نهَار رمضَان كذلكَ .. وفي السّاعة السابعَة صباحاً وفيمَا كانَ الطفلُ يلعبُ أمام بيتهِ مرّ عليهِ شابٌ بسيارتهِ .. قالَ له اركَب معيْ سأريكَ لعبَة بلاي ستيشن رَائعة ..
ركَب الطفل بكلّ هدوء .. وانطلقَ الشاب بسيارتهِ باحثاً عن مكانٍ ينفّذ فيهِ فعلتهُ المشينة .. ظلّ يطوف بسيارتهِ باحثاً عن مكانٍ منعزل .. يطُوف ويطوف .. ثمّ أدركَ الطفلُ أنّ ثمّة ما يبيّت له هذا الشّاب النيّة فبدأ في البكاء وضربِ النوافذ للخرُوج .. حتّى مرّ الشابّ بالسيَارة على أحدِ الرجالِ الذين يعرفُون الطفلَ وعائلته فاستغربَ ركوبه مع الشاب فاستوقفهُ وأخرج الطفل من السيارة .. ليحكي الطفلُ لعائلتهِ ما حدث .. ولولا سترُ الله لوقعَ الأسوَأ ..
مغتصبُو الأطفال هؤلاء لا يختلفُ رمضَان لديهم عنْ غيره ..
عبدَة شهواتهم المريضَة وحيوَانيّتهم الآثمة والله إنّ الحيوَانات لأشرف منهم فقد خلقهنّ الله هكذا وحتّى تناسلهنّ يتمّ وفق شريعَة ونظَام
هؤلاءِ يعيشونَ بيننا ويمرّون في الطرقاتِ أمامنا .. فمن يحمينَا وأطفالنا منهم؟
***
ذهبَ رمضَان .. ربّما عنى الكثير لنا ولم يعنِ شيئاً لغيرنا ..
أسألُ الله أن يعيدَ لنا رمضَان ، لكنْ بدونِ هذهِ النماذج .. النماذج التيْ لا تنتميْ لروحانيّة رمضَان ولا قداستهِ ..

السبت، 19 سبتمبر 2009

ستّر مذيعاتك يا عبّود !

اليَوم شعرتُ بالسعَادة لأنّ الله استجَاب لدعائي أن يكونَ غداً صيَام ..
لقدْ أصبحتُ ورمضَان أصدقَاء .. ومنَ الصّعب ألا تكونَ مستعداً لودَاع صديقك
أقلّها غداً سأكونَ مستعدةً لأقولَ لرمضَان وداعاً .. اذهبْ بهلالك .. بأموَاتك الذينَ كانُوا أحياءً قبلكَ
اذهبْ بروحَانيّاتك .. اذهب مشتاقينَ لك . معلّقةً أرواحنَا بك .. ربّما نلتقيْ بعد عام .. "رمضَان الحيّ" كما يقولُ أخي ..
**
كالعَادة عاودتنيْ حالة القرف من الكتَابة .. ولكنّي أكتب الآن وأنا أقول سأنهي هذا الموضوع ..
نعَم سأنهيهِ رغماً عنه وعنْ أنفِ اللي خلّفوه .. بما أنّي باشرتُ بكتَابة دستَة تدوينات توقّفت عنها في المنتصف .. السّبب ضربَة مزَاج بعِيد عنكُم .. وحديْ قايلَة لكم من زمَان أنا أكسَل من أنْ أكوَن مدوّنة .. أنا كرتُونة كسَل !
**
حسناً الآن لنبدَأ بقنَاة العربيّة .. صحيح أنني لا أحبّك ولكنني أيضاً لا أكرهكِ
نعَم أنا متعصّبة تقليديّة للجزيرة رغم أنّي توقفتُ عن مشاهدتهَا مؤخراً لأنّها صايرَة "تغثّني" بأخبارها التقليديّة التيْ لم تتطور
بس لا زلتُ أحبّها لأنها صنعتْ طفولتيْ ولأنّ بها إيمان بنّورة ولأنّ بها مذيعَة محجّبة أمُوت في "أنتكتهَا" ..
المهمّ أيتها العربيّة .. أي نعَم أحيي فيكِ برنَامج "رجال حول الرّسول" التيْ تقصيْ عنكِ لقب "العبريّة" الذي لا أحبّه بالمناسبَة
ونعَم أحيي تقاريركِ اليوميّة عن الصحّة في رمضَان فأمّي تحبّها وهذا سببٌ كافٍ لأشاهدها وأتعرّف ع موائد الاخوَة العرب في رمضَان
بس ليْ كلمَة راس مع عبدالرّحمن الراشد .. يعني يا سيدي نحاول نحبّكم بس لازم طلعُوا لنا علّة ..
إخبارياً مالي شغل بقناتك لأنّي مكتفيَة بأخبار العاشرة في الأم بي سي اللي تقاريرهَا ومقدّموها زيّ العسل .. لكنْ مع انقطاعها برمضَان اضطررتُ لمشاهدَة العربيّة التي توافقُ أخبارها المفصّلة فترتي اليوميّة لمشاهدَة التلفزيُون لساعتين منَ السّاعة 9 لـ 11م
الآن مشَان الله يا عبدالرحمن الرّاشد خلاص شبعنَا من الفرجَة على "صدُور" مذيعَاتك برمضَان ..
يا سيدي عاملين لنا حالكُم عايشين جوّ رمضان برجال حول الرّسول وصحّتك برمضَان .. ومش قادرين تخلّوا مذيعاتكم يغطّوا صدورهم .. والله عرفنَا أنهنّ Sexy !
برَامجكم الرمضَانيّة في وادٍ ومذيعاتكُم صاحبَات الصدُور المثيرَة في واد ..
مقدّمة النشرَة الاقتصاديّة شو حشرها تكشف لنا نصفَ صدرها؟ ناهيكَ عن الأخت مال الصحافَة
لا .. لم نطالبهنّ بأن يتركنَ التنانير القصيرَة ولا الأكمام العارية .. حلال عليهنّ .. لكنْ وصلتْ لهذا الحدّ وفي رمضان؟
طيّب يعني إذا صايمين بنهَار رمضَان معناه حلال علينَا أن نتلذّذ بصدورهن العاريَة في ليله؟
فالله يرضَى عليك روحْ ستّر مذيعاتك يا عبدالرحمن يا الرّاشد .. حتّى نشرة أخبار نشاهدها برَاحة وبرفقَة اخواننا الذكُور مش قادرين نطالعها
هربنَا من صدُور السليكون في مسلسلات القنوَاتِ الفضائيّة .. لاحقتنا حتّى صدُور مذيعات الأخبار .. حرام عليكُم والله تلوّعنا .. وين نهرب بعمَارنا؟
ورمضَان كريم يا عبدالرحمَن وعيد مبارك أيضاً .. لكَ ولمذيعاتك صاحبَات الصدُور "المُفَرقِعَة" !
وفيْ الزّمن الصعبِ هذا تصيرُ الصداقاتُ كالخَمرِ
نشربُ أوّل كأسٍ ونهتفُ لا .. لا مسَاسَ
ولكننا لثمَانين كأساً تليهِ من الخمرِ نقسمُ ألا نعُودَ وَ .. ننسَى
آهِ يا زمناً نخلعُ الأصدقَاءَ بهِ مثلمَا يخلعُ اليَومُ أمسَا ..
آهِ منْ زمنٍ كلّما قيلَ "يا صاحبي" قيلَ همسَا
عائشَة
.
.
بحزنٍ كثيرٍ أقولُ /
صبَاح الصدَاقات المؤقّتة

الأربعاء، 16 سبتمبر 2009

كمَا قَال فُـوكو عَن العقـل !



http://www.alwatan.com/dailyhtml/culture.html#4


عائشَة السيفيّ
ufuq4ever@yahoo.com


حينَ سألَ أحدُ الأصدِقاء في الفيس بُوك عن الكتبِ التي غيّرت حياتنا؟ كانَ ردّ أحدهم.. تاريخ الجنُون لميشيل فوكو .. لم أكنْ حينها قد قرأتُ لفوكو بعد .. غير أنّ الكتابَ كانَ بين يديّ بعدها بأيّامٍ قلائل.. وحينَ شرعتُ في قراءَة الكتَاب وافقتُ الرأيَ أصدقاءَ الفيس بُوك تماماً !
الأسئلَة التيْ يثيرها فُوكو ثقيلَة جداً .. ما معنَى أنْ تكونَ مصاباً بالجنُون؟ ومن هوَ المسؤول عن إقرارِ ذلكَ؟ وما هوَ تاريخُ الجنون؟ وهل الجنُون نظير للا العقل؟ أو ضدّ العقل؟
أسئلَة من الحَجم الكبير يخصّص فوكُو عشراتِ الصفحاتِ والفصُول لدراستها تاريخياً ، فلسفياً وعلمياً ..
الطريقَة التيْ يبدأ بها فُوكو كتابهُ أقلّ ما يقالُ عنها أنّها صادمَة .. فهوَ يستهلّ دراستهُ العميقة تلكَ للجنُون في أوروبا متتبعاً إيّاه علَى مدَى قرُون.. بالحدِيث عن مرضَى الجذَام في أوروبا حيثُ كانَ يتمّ عزلهم عن المجتمعِ في سَاحاتٍ مسوّرة على ضوَاحي المدن .. بعيداً عن الحياة السكانيّة والاجتماعيّة .. كان المجذوم يعامَل ككائنٍ أكلَ المرضُ روحهُ وعقلهُ أيضاً وليسَ جسدهُ فحسب لكنْ بعدَ قرُون وفي نهاياتِ العصُور الوسطَى كانَ الجذَام قد اختفَى تقريباً .. وخفتت بشدّة حدّة الجذام حتّى أصبحتِ المدَن صحيحة ً تماماً وخالية ً من المجذومين .. حينها احتاجَ المجتمعُ مرة ً أخرى إلى فكرَة العزل .. إيجَاد فئة جديدَة لتُعزل ، إذ لا يمكنُ التسليم بصحّة المدن .. واختفاء فكرَة العزل بشكل أبديّ ، لمْ يكن سكّان المدن الأوروبيّة ليستسلمُوا لعدم وجُود تلك الفئة التيْ كانت يجبُ عزلها ، ولأجلِ ذلكَ وجِدَ المجَانين .. منْ هنا بدأت فكرَة ارتبَاط الجنُون والعزل ويوضّح فوكُو أكثر ذلكَ عن طرِيق أسطُورة أوروبيّة انتشرت في العصُور الوسطى عن سفينَة للمجانين .. وضعَ بها جميعُ أولئك المختلين ليسَ عقلياً فقط بل اجتماعياً .. جمّعوا جميعاً في سفينة ٍ وأرسلُوا إلى الماء .. حيثُ المجهُول تجُوب بهم السّفينة للبحثِ عن دوَاء الحكمة والعقل في الأنهَار الأوروبيّة ولم يعرف أحدٌ بعد ذلك ما حلّ بهم .. لقد تركَ الجنُون في مواجهَة الطبيعَة المجهُولة في محاولة ٍ من "العقلاء" لإقصاءِ "غير العقلاء" منهُم ومنها نشأت الفكرَة القائلَة أنهُ لا يمكنُ لغير العقلاءِ أن يعيشُوا في ذاتِ المكانِ والزّمان ، الحيَاةَ المتكافئَة مع العقلاء ..
بدتْ هذه الأسطُورة أقرب للتحقّق مع انتشَارِ موجَة حملِ هذا المجنُون أو ذاك للسّاحل حيث مئات البحّارة والطلَب منهم حمله معهُم في البَحر كحالَة من أساليب العَزل ..
قبلَ أن تحتدّ هذهِ الموجَة كانَ المجنُون يُعامل ككائنٍ طبيعيٍ في المجتمع بل وككيَان من كيانات المجتَمع .. يعيشُ ضمنَ الأسرَة الأوروبيّة ويأكل برفقتها ويُعتنى بهِ ..
وفي عام 1660م صدَر القرار الملكيّ ببناءِ مبنَىً يُعامل كأنّه سجن وإصلاحيّة ومصحّة ومأوى .. يتمّ فيه سجن جميع المختلين على كافّة المستويات .. تحوّل هذا المكان ليسَ لجدرَان تسجن المجانين بل سجنَ فيهِ أيّ فردٍ يعتبرُه المجتمعُ عالة ً عليهِ .. يعتبرهُ المجتمع مختلاً بشكلٍ ما عن طريق تصرفٍ من تصرّفاتهِ .. فالبخلاءُ ، والشوَاذّ جنسياً والشّحاذونَ والعاطلُون أودعُوا في ذلك المبنَى مع المسَاجين ، فوكُو يبرزُ عبر ذلكَ أنهُ كانَ من الممكن لأيّ انسان نعتبرهُ طبيعياً اليوم أن يكونَ هنالك ، أنا هوَ أو أنتَ.. ورغمَ أنّه لم يكنْ غريباً وجود المجانينِ مع هؤلاءِ إلا أنّ مطالباتٍ كثيرَة طالبت بفصلهِم عن المجانين لاعتبار أنّ ثمّة إهانَة لهُم لوضعهِم مع أشخاصٍ مجانين لا يفرقّون بينَ الصوَاب والخطأ ..
غيرَ أنّ المجتمع لمْ يكن حتّى تلك اللحظة يفرّق بينهم لسبب بسيط هوَ أنّ المجتمع كانَ ينظرُ إليهم بمنظارٍ واحد .. هوَ أنّهم جميعا ً كانئاتٌ غير اجتماعيّة وأنّهم جميعاً عالة علَى المجتمَع .. المجَانين وغيرهم ..
لاحقاً استحدثتِ الحكُومة الفرنسيّة قانوناً يدفع بهؤلاءِ المسَاجين إلى العَمل في المصَانع الفرنسيّة خاصّة القُطن .. لأنها كانتْ تحتاجُ إلى أيدٍ عاملة ٍ كثيرَة لتشغيل العمل .. وهكذا انخرط هؤلاء المسَاجين في العمل في هذهِ المصَانع ما عدَا المجانين الذين لا يملكُون حتّى القدرة لتصرِيف شؤونهم الذاتيّة ناهيكَ عن العمل ومن هنَا بدأ ترسيخُ فصلِ الفئَة الأولى عن المجانينِ ومن هنَا انطلقَت فكرَة اعتبَار المجانين فئة مجنُونة فعلاً .. ما مهّد إلى اعتبَار الجنُون لاحقا ً مرضا ً عقلياً .. وتمّ ربط الطبّ بهِ وهكذا أصبح الطبيب هوَ الرّجل الذِي تمّ إيكَال المجانين إليهِ .. واستحداث أدوَار لهُ فيما يخصّ معالجة الجنُون .. والذيْ مهّد بدورهِ إلى استحداث أنظمَة معالجَة مختلفَة .. نفسيّة وفيزيائيّة .. وهنا يتتبعُ فوكُو أنظمَة المعالجَة الأوروبيّة للجنُون بينَ استخدَام بعضِ الأطبّاء للمعاقبةِ كأسلوبِ علاج والبعض الآخر لحمّامات الماء البارد والبعض تطوّر بهِ الأمر لاستخدامِ الأفيُون علاجاً للرّوح المريضَة والأجسَاد المتعبَة ..
لا يفوّت فوكُو درَاسَة الجنُون وتتبعهِ أدبياً .. وهوَ بذلكَ يرسّخ لفكرَة أنّ الجنُون ليسَ ضداً للإبداع وأنهُ –عكسَ ذلكَ- انطلاق للإبداعِ وأنّ الوقوفَ على حافّة الجنُون هوَ الإحساس بمنتَهى اللذة بما يخبّئه ذلك للموهوبين الذينَ عاشُوا الجنُون وأصبحُوا جزءاً من هُويّته ويعرضُ فوكُو في معرضِ ذلك أسماءً أوروربية ً من كبارِ أدبائها ومفكّريها ومبدعيها يشتركُ جميعهم أنهُم بطريقةٍ ما أو بأخرى دخلُوا مصحاتٍ عقليّة وعاشُوا بينَ المجانين وربّما أصبحُوا جزءاً منهم .. وسخّروا اقترابهم الكبير ذلك من الجُنون في صنَاعة أعمال خالدة ..

فنيتشَه مثلاً –حبيب قَلب فوكُو- والذي يكتبُ فوكُو بطريقَة شبيهَة جداً بأسلوبهِ دخلَ في آخر حياتهِ مستشفَى الأمراضِ النفسيّة وانتهَى بهِ الحال غير قادرٍ حتّى على إدارة شؤونه الذاتيّة وإنما تحتَ رعايَة أمّه .. إنّه نيتشه نفسه المفكّر العظيم والأديب الذي قلبَ موازين الأدب عالمياً ..

وفان جُوخ الرّسام الهولنديّ العبقريّ الذي ظلّ مصاباً بالهلوسَة في حياتهِ الكئيبة حتّى أنهُ كانَ يخرجُ إلى الشوَارع حافياً وهوَ يصرخُ ، وفي النهَايَة قرّر إنهَاء حياتهِ بجرعَة حبُوب زائدَة وانتحَر !

ويُوهان هُولدرين الشّاعر الألمانيّ الكبير الذي جنّ وهوَ لم يتعدّ الثلاثين بعد .. وعاشَ معزولاً لأربعين عاماً وكانت حدّة مرضهِ تصلُ إلى فصَامٍ لأكثَر من شخصيّة ..
وجيرَار نيرفَال الكَاتب والمسرحيّ العَظيم الذيْ بدأت عقدهُ منذ الطفُولة حيثَ فقد أمّه ثمّ تطوّر الأمرُ لخسارتهِ لحبيبتهِ التيْ تزوجّت رجلاً أغنَى منهُ وعاشَ بينَ الشّوارع والصحافة يعيشُ ليجد لقمَة الخبز حتّى تطوّرت أزمتهُ النفسيَة وهجرهُ الأصدقاء ليعَاني من العُزلة والمرضِ والهلوسَة وينتهيْ الحالُ بهِ منتحراً !

هذَا الكتابُ هو أطروحَة ميشيل فوكُو للدكتُوراه ، وأقولُ أنّه ليسَ غريباً أن يهزّ هذا الكتَاب أوروبَا حينَ صدُورهِ لأنهُ خرجَ من رجلٍ عاشَ الجنُون ودخلَ لزمنٍ المصحّات العقليّة وعاش معهَا .. وسَاهمَ شُذوذه الجنسيّ ودخُولهُ في نشَاطاتٍ جنسيّة تعذيبيّة وساديّة في العَيش ككائن منفلت من العقل .. وهوَ نفسهُ الذي كانَ مراسل الصحف الفرنسيّة في إيرَان حيثُ التقَى بالخمينيّ نفسه وعاشَ حالَة غليَان الشّارع ضدّ الشاه والإطاحَة بهِ .. هذا الرّجل الذي درّس بكبريَات الجامعَات العالميّة كالسّوربون وكاليفُورنيا وأصبحَ رئيساً لأقسَام الفلسفَة .. ملعبهِ المفضّل ..
ليسَ غريباً على فُوكو أن يؤرّخ الجنُون لأنهُ اقتربَ منهُ وأدركَ الخيطَ الرفيع الذي يفصلُ بينَ الجنُون واللا جنُون ، وأدركَ كيفَ يصبحُ الجنُون حرفة ً للإبداع .. ظلّ طوَال سنواتِ حياتهِ يكرهُ الأطبّاء لأنهُم كما يرَى ليسُوا المسؤولينَ عن الجنُون ولا ينبغيْ أن يتمّ إيكَال الجنُون إليهم باعتبارهِ مرضا ً عقلياً !
إنهُ فعلاً من نمطِ الكتبِ التيْ تسرقكَ ممنْ حولك ، تشوّشك ، وتضربكَ بعُنف .. بأسلوبٍ لا يملّ يمزجُ بينَ النيتشويّة والكانطيّة ويمهّد فعلاً إلى انتهَاء عصرِ المقولة القائلَة أنّ الجنُونَ ضدّ العقل !

الأربعاء، 9 سبتمبر 2009

وداعاً للصّلع ، والألَم وأشيَاء أخرَى/ رُدهَات



عائشَة السّيفيّ
ufuq4ever@yahoo.com




عِندَما سُئلت المغنيَة العالميّة مادُونا قبلَ 10 أعوَام ، ما الذي تتمنّى أن يتغيّر في جسدهَا بعدَ أن تخطّت الثلاثين .. أجابت: أتمنّى أن يزدادَ طُولي إنشين على الأقلّ ..
قرأ الجَميع أمنيتها وتخطّوها لأنهُ كانَ من المستحيل وقتها حتّى أن نضيّع وقتنا بالتفكير في إمكانيَة حدُوث ذلك استناداً إلى الحقيقَة العلميّة القائلَة أنّ الطولَ يتوقّف بينَ 18ل21سنَة معَ بعض الطفرات في زيادَة الطول حتّى سن 25..
غيرَ أنّ مادُونا لو قالت ذلك اليَوم لربّما وقفَ العلماءُ كثيراً عند جملتها لأنّهم يعملُون فعلاً على فكّ أسرار الطول التيْ يجزمُون أنّ نعمة ً عظيمَة اسمها الخريطَة الجينيّة للانسان استطاعت منحهُم الكثير من هذهِ الأسرار التيْ أصبحت اليوم تحتَ تجربَة مختبرات آلاف علمَاء الجينَات ..
بعدَ أقلّ من 5 سنوَات من حديث مادُونا ذلك ، تمّ فكّ الشفرة الجينيّة للانسان ووَضع مخطّط كامل لعالم الجينَات البشريّة المستقرّ في جسدِ كلٍ منّا ..
وبعدهُ بخمسِ سنوَاتٍ أخرى كانَ العلماء في طريقهم للإعلان عن الجين المسبّب للطول والقصر والذيْ يمكنُ أن يجعلَ وجودهُ منكَ أيّها القارئُ رجلاً طويلاً ويجعلَ غيابهُ منّي امرأة ً قصيرة !
ما اكتشفهُ العلماءُ حينها بدرَاسة عيّنات آلاف من الأوروبيين الذينَ خضعُوا للدرَاسة هوَ مسؤوليّة جِين أسمَوهُ HMGA2 يؤدّي وجُود نسخَة واحدَة منه إلى زيَادة في طول الانسان بمعدّل نصف سنتيمتر ويؤدّي وجود نسختينِ منهُ إلى سنتميتر كامل زيَادة في الطُول إضافة ً إلى وجودِ جينٍ معاكسٍ لهذا الجين يجعلُ صاحبه أقصر بوجودهِ.. ووعدَ هذا العلمَاء بتصنِيع حقنٍ جديدَة تستهدفُ هذا الجين وفقاً لطلبات الزّبائن .. أولئك الذين يشتكُون الطول الزائد أو القصر الزّائد على السّواء ..
فكّ الشيفرَة الجينيّة وتمكّن العلماء من تسميَة أسماء كلّ جين بوظائفهِ دفعَ النَاس أكثر إلى التعلق بأمل إصلاح عيُوبهم وأبرزُها الصّلع ..
نعَم أيّها الرجال .. لن تكُونُوا مضطرين بعدَ اليومِ لتغطيةِ رؤوسكم بالمصَار والكميم لإخفاء صلعكم ولن تعُودوا مضطرينَ للتذمرِ من أنكُم لم تبلغوا الثلاثين بينما سقط نصفُ شعركم والنظر بغيرَة إلى فلان الفلانيّ الذي تخطّى الأربعين وشعرُ رأسهِ مكتمل بالتمامِ والكمَال ..
أو البحث من عيَادة لأخرى عن وسائل زرعِ الشّعر الجراحيّة.. وكذلكَ أيّها النسَاء اللاتي تلاحقنَ كريمَات وزيُوت الشّعر عديمَة الجدوَى وينتهيْ بكنّ الحال إلى صالُون تجميل يضعُ لكنّ خصلَ الشّعر الإضافيّ التي تخفيهَا خبيرَات التجميل بمهارة تحت خصلاتِ شعركن لإخفاء فراغاتِ الصّلع..

ففي عددهَا مايُو 2003 نشرتْ مجلّة العربيّ مقالاً للدكتُور مدحت صَادق مقالاً يتحدّث فيهِ عن نجاح العلمَاء في الوصُول إلى جينٍ للصّلع ، يؤدّي وجوده بقوّة في خريطَة أيّ بشريّ إلى تعطيل سرعَة نموّ الشعر بنسبَة 50%.. ويؤدّي عدم وجُوده إلى كثافَة في الشّعر ومعدّل أسرع في نموّه ..
ليسَ هذا فحسب بلْ قربَ توصّل العلماء أيضاً إلى جين يتحكّم بعددِ بصيلات الشّعر في الانسان .. بمعنَى أنّ متوسط عدد البصيلات في الانسَان تبلغُ5ملايين بصيلَة يتركّز 100ألف منها في فروَة رأسهِ وما وعدَ بهِ العلمَاء هوَ القدرَة على التلاعب بحساباتِ هذا الجين بطريقَة تساهم في عدد بصيلات الشّعر في الرأس وتخفيفها في الأجزاء الأخرى غير المرغُوب بها كالإبط والمنَاطق الحسّاسة ..
نُشر هذا البحث قبلَ ستّة أعوَام من الآن وبعدهَا بخمسَة أعوامٍ كانَ العلمَاء يعلنُون عن تجارب جديدَة لضرب جينَات الصّلع دون أن تؤثّر تلك الحقن على نسبَة هرمُون الأسترُوجين في النّساء والذي إذا زادَ معدّله لدى الرجل تساقط الشّعر من كثير من أجزاءِ جسدهِ بينمَا لو زاد هرمُون التستوستيرُون في المرأة يؤدّي ذلك إلى زيادَة نموّ الشّعر في جسدهَا ولعلّ أبرزهُ ذقنهَا ..

آخرُ اكتشافاتِ العلمَاء المتعلّقة بفك الشفرَة الجينيّة للانسانِ هوَ اكتشافهُم كذلك أنّنا لسنَا متساوينَ في الألم ليسَ بسببِ شيءٍ بل بسببِ الجينَات.. بمعنَى أنّك قد تصابُ بجرحٍ في رأسكَ لكنهُ سيؤلمكَ أكثر من صديقك الذي أصيب بنفس الجرح وفيْ نفسِ المكان..
ليسَ السبب في ذلك أنه أكثر تحملاً منكَ بل لأنّ خريطتكَ الجينيّة تحملُ جينَ SCN9A الذي يؤدّي تعطيلهُ إلى إعاقَة انتقال الألم من الأعصاب إلى المخّ .. وتمّ استخلاص هذَا الاكتشَاف من تطبيقِ درَاسة على عيّنات من عمّال السيرك الذينَ يخرجُون أمام العالم ليمشُوا على الجمرِ أو يغرسُوا آلاتٍ حادّة في أجسادهم أو يجرحُوا أنفسهم دونَ أن يشعرُوا بأيّ وخزةٍ من الألم بينما كانتْ ردّة الفعل العصبيّة أكثر إيلاماً لدَى أشخاصٍ كانَ هذا الجينُ لديهم في كاملِ نشاطهِ ..
بحوثٌ متعلّقة ٌ بالألم ، والقدرَة على تحمّل الجُوع والعطش وقلة النَوم هي بحوثٌ قديمةٌ جداً تعودُ إلى أيَّام هتلر الذيْ سخَر آلافاً من علمائهِ لدرَاسة دور الجينات في كلّ ذلك رغبة ً منهُ في صنَاعة جيشٍ خارقٍ يتحمّل كلّ ما سبق .. غير أنّ الخريطَة الجينيّة لم تكن مكتشفة ً يومها وكانَ أمام العلماء شوطٌ كبيرٍ ليدخلُوا إلى عالم الجينَات الشاسع ..
اليَوم وبعدَ 6 أعوامٍ من فكّ الخريطَة الجينيّة للانسان أصبحَ بمتناولِ اليدِ لدى كثيرٍ من البشر أن يذهبُوا إلى أقربِ معمل ويطلبُوا فكّ خريطتهم الجينيّة ليكتشفُوا قابليّتهم للإصابَة بالسرطَان والجلطَات الناتجة عن طفرَات في جينَات معيّنة بالخريطَة ويكتشفُوا مدَى كثَافَة شعرهم وتقدير أطوال أبنائهم وفقاً لما يحملونهُ من جينَات مسبّبة للطول والقصر ..
سيمكنهُم كذلك التنبُؤ بأشكالهم حينَ يشيخُون ، فمعدّل زيادة التجاعيد ، ووهنِ العظام ، وضعف الذاكرَة وتعطّل الوظائف الحيويّة لديهم حتّى تقدير السنوَات التيْ تفصلهُم عن بدءِ إصابتهم بالضعفِ الجنسيّ ..
نعَم ، مفاتيحُ كلّ ما ذكرَ في الأعلى مرتبطة ٌ بالخريطَة الجينيّة للانسان التيْ تحملُ سرّ كلْ سنتيمتر من جسدكَ وتقدّم قراءَة مستقبليّة لما ستكُون عليهِ ..
وهكذا أصبحَ بمقدُور الانسانِ أنْ يفعلَ ذلكَ بعدَ أن تحوّل فكّ الشيفرَة الجينيّة للانسان قابلاً للتسويقِ التجاريّ فبحلُول عام 2013 سيكُون بإمكاننا فكّ شيفراتنا الجينيّة بمبلغٍ يقلّ عن 300ريَال عُمانيّ وخلالَ ربعِ ساعةٍ فقط ، بعدَ أنْ كلّف العلمَاء مليارات الدُولارات فكّ أول خريطَة جينيّة للانسان بينمَا قلّ السعر بعدَ سنتين فقط إلى 50 ألف دولار واليَوم لا يتعدّى السعرُ في المعامل الأميركيّة عن 15 ألف دُولارٍ للفرد ..
قراءاتنا للشيفراتِ الجينيّة سيدفعنَا حتّى إلى تنبّؤ إصاباتنا بالأمراض تماماً كما فعلتْ قبلَ أشهُر ملكَة جمَال المملكة المتّحدة السابقة التيْ أخبرها الأطبَاء وفقاً لخريطَة جينَاتها بأنهَا معرّضَة للإصابة بسرطَان الثدي بما يزيدُ عن 90% فسارعتْ إلَى إزالتهِ تماماً بعدَ وفَاة أمّها وأختها بسرطَان الثدي ..
هذا سيدفعُ كثيراً من الناس للإصابَة بالشكِ والبارانويا من احتمال إصاباتهم بأمراض مختلفَة وفقاً لدرَاسة قابليّتهم لحدُوث طفرات في هذهِ الجينَات ..
ها نحنُ إذنْ نقفُ معَ ثورةٍ جينيّة جديدَة يتحوَّل الانسانُ فيها إلى مستودعٍ بيُولوجيّ لكلّ مواصفاتِ البشر .. ويتحوَّل إلى جسَد قابلٍ للتعديل عبر حقنَة واحدَة .. هل سينجحُ العالمُ فعلاً في التحكم بعيُوب البشر وهل ستنجحُ هذهِ الخرائط الجينيّة في تغيير بُوصلة جسمِ الانسان؟
إنّهم العلماء .. هؤلاء الجيُوش العلميّة المعتكفَة في مختبرَاتها وَالتيْ تسعَى إلى جعلِ المستحيلِ في تكوِين الانسَان حقيقة ً .. منذ تلك اللحظَة التيْ أعلنُوا فيهَا فكّ سرّ الانسان العَظيم .. الخريطَة الجينيّة !

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2009

المرأة العمانيّة والكويتيّة.. في ميزَان الشّعب

عَن إيلاف ..
عائشَة السيفيّ
قبلَ أعوَام حينَ كنتُ لا أزالُ طالبة ً في المدرسَة طرحتْ وزارة التربيَة والتعليم مسابقَة أفضَل لقاء موثّق بالفيديُو، قررتُ أن أشاركَ بلقاءٍ اخترتُ أن يكونَ ضيفي فيه عضوَ مجلس الشُورى الذي كانَ يمثّل ولايَة نزوى آنذاك.. الحقيقَة أنني قبلَ أن ألتقيهِ كنتُ أتطيّر من أنّ اللقاء سيكُون رسمياً ورتيباً كأيّ لقاءٍ معتادٍ مع شخصيّة حكوميّة بارزَة تحاذرُ من أيّ كلمَة تخرجُ منها، إلا أنني بعدَ نهايَة اللقاءِ كنتُ قد كوّنت فكرةً مغايرةً تماماً..
ورداً على سؤالٍ وجّهتهُ لهُ حولَ رأيهِ في الإنجَاز الكبير الذي حقّقته المرأة في السّلطنة بدخولها مجلسَ الشّورى.. جاءتْ إجابتهُ صادمة ً جداً ومغايرة ً حينَ أجابني: أيّ إنجاز كبير تتحدّثين عنهُ؟ لدينَا قرابَة الثمانين عضواً للشورى ولا توجَد سوَى امرأتين لا تشكّلان أكثر من 2% من مجمُوع الأعضاء؟ هل برأيكِ هذا إنجازٌ كبيرٌ لشعبٍ أولت حكُومتهُ المرأة مناصبَ حسّاسَة وثقَة كبيرَة لم يعكسِ الشعب صداها في مجلسِ الشورى الذي يختارُ الشعبُ ممثليه.. آسفٌ جداً.. لكنّ ما يقَال عنْ أيّ إنجاز حققتهُ المرأة في مجلس الشُورى هوَ كذبة كبيرَة!
في ذلكَ الوقتِ كانت هنالكَ ممثلتانَ للمرأة في مجلسِ الشُورَى، وحينَ جرت آخرُ انتخابات مجلس الشّورى قبلَ عامٍ مفضية ً إلى خيبَة أملٍ كبيرة بخرُوج المرأة تماماً من التمثيل البرلمانيّ المتمثل في مجلس الشُورى وددتُ حينها أن ألتقي بعضو مجلس الشُورى ذلك لأقولَ لهُ.. كم كانَ قارئاً دقيقاً لوضع المرأة العُمانيّة على المستوَى الشعبيّ.. المستوَى الشعبيّ لا الحكُوميّ..

قراءَة في تجرِبَة المرأة في الانتخابات الكويتيّة

لم يكنْ أعضاء مجلس الأمّة الكويتيّ قبلَ أعوامٍ قليلة حين صدرَ مرسومٌ أميريّ بمنحِ المرأة حقوقها السياسيّة وفتح الطّريق أمامها للترشّح على علمٍ حينَ تعالت صيحات الاعترَاض على هذا المرسُوم وفتحهِ الحريّة غير المحدودة لتمثيل المرأة البرلماني أنّهم سيستقبلُونَ بعدَ فترة زمنيّة أقرب مما يتخيّلون 4 نسَاء سيدخلنَ مجلس الأمّة من بابهِ العريض..
بوادرُ هذا الانتصَار برزَ عام 2008م حينَ رشّح حزبٌ رئيسيٌ فاعلٌ في الخارطة السياسيّة الكويتيّة هوَ الحزب الديمقراطيّ المعاصر امرأةً لتمثّله.. وإن جاءتْ النتائج محبطة ً بغياب التمثيل النسويّ في المجلس إلا أنّ 4 نساءٍ بعدَ عشرِ أشهرٍ تحديداً إثرَ حلّ المجلس وإعادة فتح الانتخابات كسرنَ الاحتكَار الرّجالي على المجلس مسجّلاتٍ سبقاً تاريخياً في الحياة السياسيّة الكويتيّة.. النساءُ الأربع لم ينتمين إلى حزبٍ واحد أو مذهبٍ واحد أو إلى فكرٍ متشابه فكلّ واحدة منهنّ ناشطة في مجال مختلف غيرَ أن جولَة سريعَة جداً لاستقصاءِ خلفياتهنّ السياسيّة والاجتماعيّة يدفعنَا للإيمان باستحقاق الأربع للدخولِ للمجلس.. فالمرشّحة معصُومة مبارك –شيعيّة المذهب- الأوفر حظاً بالأصواتِ هيَ أوّل وزيرة في تاريخ الكويت التي أمسكتْ حقيبَة وزارَة حسّاسة جداً كوزارة التخطيط.. ومنّ ثم جدّدت لها الثقة على مدى ثلاثِ وزارات متعاقبة.. غيرَ أنّ معصُومة لم تمضِ أكثر من عامين في منصبها الوزاريّ قبلَ أن تقرّر الاستقالة والتي لم تعنِ خروجها من العمل السياسيّ فهي بعدَ أن كانت في موقع الاستجواب المتواصل من قبل نوّاب مجلس الأمّة عادتْ لتكونَ منهم وتمارس دورهم السّابق.. معصُومة مبارك لم تصلْ إلى ما وصلت إليهِ من فراغٍ فهي قبلَ كلّ شيءٍ حاصلَة على دكتُوراه في العلُوم السياسيّة تدرّس في جامعة الكويت وواحدة من قلائل الناشطات السياسيّات في الكويت التي يجمعُ الكويتيُون على أنها امرأة عصاميّة حفرت اسمها في الخارطَة السياسيّة بكلّ شفافيّة وشرعيّة..
البرلمانيّة الأخرى هي سلوَى الجسّار عضو جمعيّة الشفافيّة الكويتيّة ورئيس مركز تمكين المرأة، ومستشارَة للأم المتحدَة في مجال الإنمَاء..
وقبلَ أن تكونَ كلّ ذلك فهيَ حاصلَة على دكتُوراه في الفلسفَة التيْ سبقتها أربعُ شهاداتٍ في حقولٍ مختلفة فهي حاصَلة على شهادات أكاديميّة في التربيَة وأخرى في الجغرافيَا والاقتصَاد.
أمّا أسيل العوضيّ فهيَ الأخرى حاصلة على الدكتُوراه في الفلسفَة السياسيّة وقد فازتْ عنِ الحزب الديمقراطيّ المعاصر ويلاحظ أنّ أسيل العوضيّ استطاعتْ أن تحصد أصوَات أبناء قبيلتها المنغلقَة قبلياً نوعاً ما وهوَ ما يسجّل على انفتَاح الجماعاتِ القبليّة على منحِ ثقتها لنسائهَا بعدَ أن كانتْ النساء المنتميات لقبائلَ معرُوفة يعانين منْ استحوَاذ رجال القبيلة المترشّحين على أصوَات الناخبين والناخباتِ على السّواء..
وأخيراً فإنّ رولا دشتي التيْ توقّع الكثيرُونَ عدمَ فوزها فاجئت هي الأخرَى الجميع بفوزهَا الصّعب قليلاً.. فرُولا التيْ لا تعرفُ الحديث باللهجة الكويتيّة وتتحدّث باللهجة اللبنانيّة لكونها من أمّ لبنانيّة استطاعتْ أن تدخل مجلس الأمّة وهيَ ليستْ بأقلّ من الثلاث الأخريات اللاتي دخلنَ معها المجلس فهيَ أيضاً حاصلة على الدّكتوراه في الاقتصَاد صنّفت كواحدَة من أقوَى النسَاء العربيّات حيث حلّت في المركزِ السادس والثلاثين المتقدّم نسبياً وهي منذُ عودتها من الولايات المتّحدة عام 92م ظلّت رئيسَاً للمجمَع الكويتيّ الاقتصاديّ لأربع دورَاتٍ متعاقبة ً مسجّلة ً حضوراً قوياً كواحدَة من أبرز اقتصاديّات الكويت.. في الكُويت وحدها فقط ستجدُ امرأةٌ لا تتقنُ لهجَة قومها الطّريق إلى مجلس الأمّة.. كان هذا سبقاً حقيقياً..
النسَاء الكويتيات الأربع اللاتيْ تسبقُ الدَال أسماؤهنّ ويجتمعنَ في أنهنّ حصلنَ على شهاداتهنّ تلك من الولاياتِ المتّحدة كما أنّ جميعهنّ يدرّسن في جامعة الكويت قادماتٌ من خلفيّات فكريّة مختلفة فاثنتان منهنّ محجبات واثنتانِ منهنّ غير محجّبات غير أنّ هذا الاختلاف الفكريّ والمذهبيّ لم يحل دونَ اتفاقهنّ على الرغبة في تمثيل المرأة السياسيّ الحقيقيّ بلْ وكثيراً ما شوهدنَ سويّاً أثناءَ الانتخابات البرلمانيّة الكويتيّة الأخيرة..
هكذا إذن دخلتِ المرأة الكويتيّة عهداً جديداً في الحياة السياسيّة الكويتيّة وبقيَ ألا نستبقَ دخولهنّ بأحكام فضفاضَة قبلَ أن نرَى إلى أيّ مدَى سيعُود تمثيلهنّ بالنفع على المرأة الكويتيّة وإلى أيّ مدى ستكُون قضايا المرأة حاضرَة في طاولَة نقاش مجلس الأمّة الكويتيّ..

التركيبَة السّكانيّة وحقّ الانتخَاب

يبلغُ عددُ سكّان الكوَيت ثلاثة ملايين ونصف نسَمة.. يشكّل المواطنُون منها مليُون نسمَة.. وفي قراءَة للهرم السّكاني الكويتيّ حالياً فإنّ هذا المجتمع الصغير سناً لا يشكّل عددُ الذينَ يحقّ لهُم المشاركَة كناخبين ممنْ يتخطّون 21عاماً أكثر من 300ألف من أصلِ مليُون.. أي ما يعادلُ 31% من نسيج المجتمعِ الكويتيّ يحقّ لهُ التصويت.. ويبلغُ أعضاء مجلسِ الأمّة الكويتيّ 50 عضواً يترشّحونَ عن 5 دوائر انتخابيّة موزّعة جغرافياً وسكانياً ويحقّ لأعلَى 10 مترشحينَ يحصدُون أعلى نسبَة أصوَات من كلّ دائرَة أن يصبحُوا أعضاءً في مجلس الأمّة..
هذهِ التقسيمَة ساعدتْ المرأة الكويتيّة على دخُول المجلسِ نظراً لأنّ هنالك عدداً قليلاً من الدوائر مقابلَ عددٍ كبيرٍ من المرشّحين عن كلّ دائرَة فاثنتانِ فقط حجزتَا مراكز متقدّمة في دوائرهنّ بينما حلّت اثنتان في ذيل القائمَة..
الآن بالنّظر إلى نظَام الترشّح لدينا في السّلطنة فإنّ عدد سكّان السلطنة يبلغُ 1.7 مليُون نسمَة يشكّل عدد الحاصلين على حقّ التصويت قرابَة 500ألف من السّكان حيثُ يبلغ أعضاء مجلس الشّورى 84عضواً بواقع 61 ولايَة يترشّح منها عضوٌ أحياناً أو عضوان حسب تركيبتها السكانيّة وبالتالي فإنّ فرص حصُول المرأة على مقعد في مجلس الشورَى تقلّ بالنظر إلى عدد المراكز الانتخابيّة الكثيرة فأقصَى عدد من الممثلين بالمجلس عن كلّ ولايَة هوَ عضوان فقط ما يقلّص فرص فوزهَا..

27 أكتُوبر الحزين

يوم 27 أكتوبر 2007م كانَ يوماً حزيناً علَى 21 امرأة ترشّحت لشغل منصب عضُو مجلس شُورى ولنْ تنساهُ بالتأكيد أي معنيّة بدور المرأة العمانيّة في الحضُور السياسيّ.. فالنتائج جاءت صادمَة بخرُوج المرأة من مجلسِ الشورَى وغيَاب المرأة الكامل عن التمثيل في مجلس الشُورى.. وفيمَا اختصرتْ قناة BBC في خبرٍ مقتضبٍ طبيعَة الفائزين بأعلى الأصوات بهذا المقطع (وأظهرت النتائج وفقا لوكالات الانباء أن معظم الفائزين بمقاعد المجلس البالغ عددها 84 مقعدا إما إنهم يتمتعون بروابط قبلية قوية أو من رجال الأعمال المعروفين في السلطنة.
ولم تفز أي من السيدات اللواتي خضن معركة الانتخابات بأي مقعد في المجلس خلافا للانتخابات التي جرت منذ أربع سنوات والتي فازت فيها امرأتان بعضوية المجلس) وقد لخّصت القناة بذلك أزمَة كبيرَة وجدتِ المرأة نفسها مرغمة ً في أن تعلقَ بها.. فأن يفتحَ الباب منذ سنواتٍ طويلةٍ للمرأة بدخولِ المجلس ويتحقّق لها ذلك وفيما كانتِ المرأة العمانيّة تتطلّع إلى توسيع فرصها في التمثيل بمجلس الشُورى بأكثر من المقعدين اللَّذَينِ كانا في الدورَة السابقة فإنها في 27 أكتُوبر وجدت نفسَها خارج المنظومَة كاملةً.. هذه النتيجَة لم تكنْ مخيّبة للمرأة فحسب بل للحكُومة التي سعتْ منذ البدَاية إلى وضع المرأة في مناصبَ حساسّة مستبقة ً بذلك الحضُور النسائيّ في دول المجلسِ في الحكُومة وإدارتهنّ حقائبَ وزارات حسّاسة فبعدَ أن تحقّقت الوزارة والسّفارة والوكالَة للمرأة.. وجدتْ نفسها تسقطُ في أبرز اختبَار لاستجَابة الشعبِ في الإيمان بأهميّة الدور النسويّ ولذلكَ لم يكنْ غريباً التعزِيز الكَبير الذي منحهُ ذلك المرسُوم السّلطاني الذي أعقبَ إعلان انتخابات مجلسِ الشُورى بتعيينِ 9 نسَاء في مجلس الدّولة وهوَ أعلى حضُور للمرأة في تاريخ السلطنة في مجلس الدّولة.. المجلس الأكثر سلطَة ونفوذاً بعدَ مجلس الوزرَاء فيما لا يزالُ مجلسُ الشورى لا يمثّل سلطَة رسميّة رغمَ أنهُ كانَ حينها يدخلُ دورتهُ السّادسة.. غيابُ المرأة عن تمثيل مجلس الشُورى وعجزها عن الاستحوَاذ على أصوات الناخبين.. واحدَة من بين 21 امرأة لم تستطعْ أن تقنعَ الشّعب بجدارتها بدخُول المجلس كشفَ حجمَ الهوّة بين في النظرَة لدورِ المرأة بين القيادَة الحكوميّة والشّعب.. وكانَ من المحرجِ جداً للقيادَة السياسيَة في السلطنَة أنه بعد أن قطعتْ شوطاً في منحِ المرأة ثقةً حكوميّة كبيرةً أن يأتيْ الشّعب ليخبرَ العالمَ أنّ ما يفكّر بهِ بعيدٌ تماماً عمّا تفكّر بهِ الحكُومة العُمانيّة..

حولَ غيابِ المرأةِ العُمانيّة عن مجلسِ الشّورى

حينَ فازتْ معصُومة مبارك بالمرتبَة الأولى في دائرتها الانتخابيّة فإن ذلكَ لم يعنِ أنّ الرجالَ فقط من صوّتوا لها أو النّساء.. بل ذهبَ الاثنانِ وتشاركا عمليّة التصويت للدّفع بها إلى مجلسِ الأمّة الكويتيّ.. وحينَ فشلتْ 21 امرأة في الوصولِ لمجلسِ الشورى فقد عنى ذلكَ أنّهُ ليسُ الرجلُ فقط من لم يؤمِنْ بأولئكَ النسَاء لتمثيله وإنّما المرأة الناخبَة نفسها لا تثقُ بالمرأة التيْ ترشّحت.
غيابُ هذهِ الثقة كان مردّها ربّما إلى أنّ الناخبَة قرأت في تجربَة المرأة السابقة في المجلس أن شيئاً لم يتغيّر حينَ دخلت المرأةُ المجلسَ وأنّ أياً من القضايَا التي تعنيْ المرأة لم تنَاقش في مجلسِ الشُورى ففيما لا تزالُ المرأة العمانيّة تطالب بحقوق منحَتْ لنظيراتها كساعَة الرّضاعة التي وصَل صداها للبرلمان البحرينيّ الذي أقرّ بالأغلبيّة أحقيّة المرأة العاملَة البحرينيّة في الحصُول على ساعَة رضَاعة بينما لم تصلْ قضايا ذات خصُوصيّة كبيرة للمرأة العاملة إلى طاولة النقاش في مجلسِ الشُورى سواءً من خلال النساء اللاتي مثلنَ المرأة في المجلسِ لدوراتٍ سابقَة أو من خلال الأعضَاء الرجَال أنفسهُم.. آلافُ النساءِ منحنَ أصوَاتهنّ لمرشّحين ذكُور ربّما انتصاراً للقبيلة وربّما تبعيّة لزوجٍ أو أبٍ وربّما لأنها شعرتْ بعدم كفَاءة المترشّحات مقارنَةً بكفاءَة المرشّحين الذُكور.. وفيمَا اتجهتْ القبائلُ الكبرى بالسلطنَة للأخذِ بيدِ مرشّحيها الذكُور ودعمهم بأصوَات أبنَاء القبيلَة لم تستطعِ النساءُ اللاتيْ خرجنَ من تمثيلاتٍ قبليّة واسعَة أن يحصدنَ هذا الدّعم الذي رجحتْ كفّتهُ لنظيرها الرّجل، ربّما بسبب أنّ مقوّمات المترشّحين وكفاءاتهم كانتْ أعلى ممّا لدى المترشّحات رغم أنّ هذا لا ينطبق على جميعِ العشرين امرأة اللاتي غازلنَ الانتخابات وفيمَا دخلتِ المرأةُ كذلكَ في اللعبَة الإعلاميّة من خلال توزيع صورها في اللافتات الإعلانيّة "بالبنطات" العريضَة والدّعوة لانتخابها فإنّ الناخِبَ العُمانيّ لم يتأثّر كثيراً بهكذا حملَة مفضلاً الانتصَار لمرشّحهِ التقليديّ الرّجل..
ربّما لو كانتْ قضايَا متعلّقة بالمرأة، فتحَ ختمها ونوقشتْ في المجلسِ لشعرتِ المرأةُ الناخبَة أنّ المرَأة عضوَ مجلسِ الشّورى قد تحدثُ فرقاً كبيراً أو تعديلاً في حقُوق تطالبُ بها المرأةُ العمانيّة غيرَ أنّ قضايا ذات طابع نسويّ غابتْ عن المجلسِ إلا فيما ندرَ لتحلّ بدلاً عنها قضايَا ذات طابع عامٍ..
كمَا ساهمَ غيابُ المرأةِ الكبيرِ عن التّصويتِ في تعميقِ فجوَة غيَاب التمثيل النسويّ بالمجلسِ فالرسَائل والخطاباتُ والدعوَات للترشِيح والتي وجّهت لآلاف النسَاء في السّلطنة وعشرَات المدَارس الحكوميّة التيْ دعَيتِ المعلّمات خلالها للمشاركَة في التصويتِ لم تقنع الأغلبيّة بجدوَى دخُولِ المرأة في مجلسِ الشُورى أقلّها من بابِ تقدير التوجّه الحكوميّ لرفعِ الثّقة بقدرَة المرأة ونجاحها في إدارة مناصبَ أكثر حساسيّة من كونها عضواً لمجلسِ الشّورى بالنظَر إلى أنّ إدارة وزاراتٍ بأكملها أسندَتْ إليها فما بالكَ بدخولها مجلسَ الشّورى الذي وإن كانَ لهُ ثقلهُ إلا أنّه يظلّ في النهاية غيرَ ذي سلطَةٍ رسميّة كتلك التيْ نجحتِ المرأةُ في إدارتها كما فعلتْ حينَ مثّلت الدّولةَ دبلوماسياً ووزارياً..
أضفْ إلى ذلكَ أنّ نظام الأحزَاب لا يزَالُ غائباً عن السّلطنة حيثُ يدفعُ حزبٌ معينٌ بامرأةٍ لتمثيلهِ في مجلسِ الشُورى دافعاً بذلك كلّ أعضائهِ ذكوراً وإناثاً للتصويتِ لهذهِ المرأة ومساندتها بعدَ مباركَة الحزبِ لترشّحها تماماً كما حدثَ مع سلوَى الجسّار التي ترشّحت عن الحزبِ الديمقراطيّ الحرّ عام 2008م ففشلتْ في الوصولِ لمجلسِ الأمّة إلا أنها بعدَ عامٍ تحديداً استطاعتْ ممثلّةً الحزبَ نفسهُ الدخُول إلى مجلسِ الأمّة بابتسَامة عريضَة..

المرأةُ العُمانيّة.. بينَ الحكومَة والشّعب

منذُ زمنٍ استضَافتْ قناةٌ إخباريةٌ، إحدَى الناشطَات الكويتيّات في مجالِ حقُوق المرأة وتحدّثت عنْ أنّ المرأة الخليجيّة حتّى اليوم لم تستطعْ إقناعَ الشّعب بأهميّة دورها في الخارطَة السياسيّة غيرَ أنّ المذيع عقّب بأنّ سلطنَة عُمان مثالٌ على وصُولِ المرأة إلى قياداتٍ سياسيّة حساسّةٍ فما كانَ من الناشطَة تلك سوَى أن تعقّب بأنّ المرأة العمانيّة دُعِمَتْ منذ البدايَة بحكُومتها التيْ كانتْ سنداً قوياً لها والتيْ سهّلت أمامها الطريق لتدخلَ إلى أكثر المناصب حساسيّة وفي كلّ الحقول لكنّ نظرةً واحدَة إلى غيابِ المرأة عن التمثيل البرلمانيّ في مجلس الشّورى الذي يحدّد الشعبُ من يدخلهُ كشفَ أنّ المرأة مدعُومة من قبلَ حكومتها فقط وأنّ الشّعب لم يستلهمْ ما رمتْ إليهِ القيادَة الحكوميّة، ثمّ أعقبت أنّ طريقَ المرأة العمانيّة كانَ سهلاً ومدعوماً أمّا المرأة الكويتيّة فكانتْ ولا تزالُ تدافعُ ولوحدها دونَ أن يدعمها أحدٌ.

المرأة العُمانيّة.. حضُوراً تاريخياً

عام 1955 كانتْ فاطمة المعمريّ أول امرأة خليجيّة وليست عُمانيّة فحسب تحصلُ على شهادَة الدّكتوراه، عامَ 1956م كانَ هوَ العَام الذي حصلتْ فيهِ شريفَة اللمكيّ أوّل امرأة عُمانيّة على إجازة في الاقتصَاد والسيَاسة وفي عامِ 1970م كانَ صوتُ منَى المنذريّ يصدح في أثيرِ السّلطنة كأوّل مذيعةٍ عُمانيّة وعَام 1972م كانتْ وضحَى العوفي أوّل امرأة عمانيّة تلتحقُ بجهازِ الشّرطة بعدَ أن كانَ مقتصراً على الرّجل وفي نفسِ العامِ كانتْ ناشئة الخرُوصيّ تدخلُ التاريخ كونهَا أوّل مهندسَة عمانيّة وبعدهَا بثلاثِ أعوامٍ كانتْ خديجَة اللواتيّ أوّل دبلُوماسيّة عمانيّة تمثّل السلطنة في المحافلِ الدوليّة وبعدهَا بعشرِ أعوامٍ بالتّمام عيّنت هدَى الغزَاليّ لتكونَ أوّل مديرَةٍ لشؤونِ الطّفل والمرأة العمانيّة وفي عامِ 1997م كانتْ راجحَة عبدالأمير هيَ أوّل وكيلَة لوزَارة حسّاسة جداً كوزارة الاقتصاد الوطنيّ لشؤون التنميَة.. وقبلَ 13 عاماً بالتحديد من آخر دورَة انتخابيّة سمحَ للمرأة بالتصويتِ والترشّح فكانتْ طيبَة المعولَي وشكُور الغمّاري أول امرأتين تمثّلان المرأة في مجلسِ الشُورى وفي عامِ 1998م كانتْ سعاد اللمكيّ هي أول مستشارة قانونيّة وبعدها بعامٍ كانتْ خديجَة اللواتيّ أول سفيرَة عمانيّة اختيرتْ لتمثّل السلطنة في هولندَا.. وفي عامٍ 2003 كانتْ عائشَة السيابيّة هي أوّل امرأة عُمانيّة برتبةِ وزيرةٍ، وفي عام 2005م كانتْ حُنينة المغميري أول امرأة خليجيّة وعربية في طريقها إلى الولايات المتّحدة لتعمل سفيرةً فوق العادة لعُمان في واشنطن..
فإذنْ بعدَ هذا التاريخ الطّويل الذي تدرّجت فيهِ المرأةُ سياسياً وحكومياً، بدَا من الغريبِ أنّ الشّعب لم يمتصّ بعدُ فكرَ أنّ المرأةَ أصبحتِ اليومَ شريكاً فعالاً في القيادَة السياسيّة

ولذا كانَ مخيّباً جداً أنهُ بعد 37عاماً من انطلاق صوتِ المرأة ليصدحَ هازاً الأثير وبعدَ 13 عاماً من دخولِ المرأةِ المجلسَ بأن تخرجَ المرأةُ بتلكَ الصورَة المحبطَة من أيّ تمثيلٍ في مجلسِ الشّورى حتّى من أولئكَ النسَاء القادمَات من قاعدَة قبليّة واسعَة أو نفُوذ عائلَة من كبريات العوَائل الاقتصاديّة في السلطنَة كما كانَ في دوراتٍ سابقةٍ بالمجلسِ.. لم يستطعنَ مغازلَة الشّعب واستمالتهُ في صفهنّ فما بالكَ بالنساءِ العصاميّات اللاتي من بابٍ أولى خرجنَ صفرَ اليدينِ..

في الدّورة السّابعة

بقيَ عامانِ وقليل ونشهدُ دورةً انتخابيةً جديدةً ستدخلُ المرأةُ مجدداً ضمنَ خارطتها الانتخابيّة.. وسيدخلُ الشعبُ مجدداً في رهانٍ حقيقيٍ حولَ جدوى وجودِ المرأة في مجلسِ الشُورى الذي لم يستطعْ حتّى اليَوم أن يحتضنَ أكثر من مقعدين هما أقصَى ما استطاعتِ المرأةُ أن تشغلهما منذُ سمحَ لها بالترشّح عام 94. فهلْ توسّع المرأة تمثيلها الانتخابيّ؟ وهل ستجدُ المرأةُ العُمانيّة–كما وجدتِ نظيرَتُها الكويتيّة- الإيمَان الحقيقيّ من قبَلِ الشّعبِ بدورها وحقّها الفطريّ في تمثيلِ الشّعب صنوَ الرّجل؟ فقطْ لنتمنّ ألا تكرّر الدرَاما المأساويّة نفسَها مجدداً..

الاثنين، 7 سبتمبر 2009

حكَايَة تبنّي إرهابي .. آخر كُوميديَا عنصريّة التكنُولوجيا !

البَارحَة عصراً .. دخلتُ كعادتي إلى اليُوتيوب ، لتطالعنيْ واجهتهُ بفيديُو ظهرَ على أيقُونتهِ صورَة رجل متنكّر بزيّ أشبه ما يكُون بالعربيّ ، كانَ ذلكَ الفيديُو في أعلَى واجهَة الصفحَة الرئيسيّة لليُوتيُوب، لأنهُ احتلّ أعلَى نسبَة تعليِق لهذَا الأسبُوع في تصنيفِ الفيديُوهات الكوميديّة ، واحتلّ أعلَى نسبَة مشَاهدَة في الولاياتِ المتّحدة وإسرائيل والهِند والمكسيك وآيرلندَا وكندا وعشر دُول أخرى ..
جذبتنيْ أيقونة الفيديُو لأضغط عليهِ .. كانَ عنوَانهُ "تبنّي إرهابيّ" وفيهِ استفتحَ صنّاع الفيديُو بعبَارة "تبنّي مسلِم متطرّف"
أحدَاثُ الفيديُو كانت تتحدّث عن راندي وجانيت واغنر اللذينِ قرّرا تبنّي طفلٍ إرهابيّ وفي الفيديُو يظهرُ رجل .. عشرينيّ وهوَ يلعب دور الطفل الإرهابيّ الذي تمّ تبنيهِ ، ينشغلُ الزوجان بشرحِ عمليّة التبنّي إلى آخرهِ فيمَا يظهر في خلفيّة حديثهما الطفل الإرهابيّ متمثلاً في ذلك الرجل وهوَ يضعُ لحيَة سودَاء كثيفَة تصلُ لصدرهِ ، مرتدياً عقالاً وغترَة عربيّة معَ لباسٍ أبيض ذي نقُوش عربيّة ..
يظهرُ الإرهابيّ الذي تمّ تبنيهِ وهوَ يلعبُ مع طفلِ الزوجين .. وفيما ينشغلُ الطفلُ ذو العَامين باللعبِ البريء وهوَ على "جلاّستهِ" ، يظهرُ الإرهابيّ وهوَ يلعبُ برشّاش ، وفي صورَة أخرى وهوَ يشعلُ النار بطائرَة من ورقٍ صنعها وأمامهُ مجسّما برجين صغيرين يجعلُ الطائرَة تصطدمُ بهما فيسقطَان ..
وفي نهايَة الفيديُو يتمّ توسيع أبعَاد الكاميرَا عن الزوجين ليتّضح أن يديهمَا مقيّدتان وخلفها يظهرُ الإرهابيّ وهوَ يسنّ سيفهُ ثمّ يغطي رأسَ كلٍ منهمَا بحاويَة قماشيّة سودَاء استعداداً لقطعِ رأسيهمَا ..
لا أودّ عرض الفيديُو هنا أو رابطهِ لكي لا أساهمَ في الترويجِ لهُ أكثر ..
كانَ الفيديُو وقحاً للغايَة ، ساخراً بطريقةٍ فجّة ، غيرَ مثيرٍ لأيّ شيءٍ سوَى للقرف ..
أقولُ ذلكَ باعتبَار أنّي شاهدتُ فيديُوهات أخرى ، لكنّ مدَى تصلّب هذا الفيديُو ووقاحَة صنّاعهِ كانتْ أبعد من أن تظهر كغطاء للضّحك والفكاهة وهيَ تغذّي فكرَة ما يسمّى "بالإسلام الإرهابيّ" ، "الإسلام المتطرّف" ، "الإسلام الأصوليّ" ..
وبإشاراتها الجلفَة عبرَ اللحيَة الطويلَة التي تشيرُ في دلالَة لا مرَاء فيها إلى المسلمِ المتطرّف ، وبالغترَة العربيّة التيْ اعتدنَا مشاهدَتها وهيَ تحشر في كلّ فيلم يُخاض فيهِ عن قضَايا الإرهاب ليقرأ المشاهد الغربيّ مباشرةً ارتبَاطهُ بالإرهاب والعرب تحديداً ..

الحقيقَة كنتُ أنوي أن أغادرَ ذلك الفيديُو إلى غير رجعَة حينَ طرأ في رأسي قرَاءة التعليقات التيْ كانت حينها قد بلغت 7آلاف تعلِيق .. لأجدَ أنّ الكثِير مما يدعُو للقراءَة مضمنٌ أسفلَ الفيديُو ..
تتبعتُ الحوَار لأجِدَ أغلبَ المعلقين في حيادٍ حول الموضوع معلقِين بأنّ الفيديُو Funny وأنهُ رغمَ ذلك لا يخلُو من عنصريّة وأنهُم في حياتهم صادفُوا مسلمِين كانوا في قمّة الـ cool
احتدّ النقاش لاحقاً معَ ثورَة عددٍ من المعلقين المسلمِين تجاه الفيديُو .. بعضهُم وصلَ بهِ الحدّ إلى ألفاظ سيّئة جداً ، شوَارعيّة ، معبّرين عن رفضهم لذلك الفيديُو بطريقةٍ متهوّرةٍ كتلكَ ..
تدخلتُ أنا في نقاشٍ قصير حين رأيتُ معلومات مغلُوطة يطرحها المهاجمُون لكنّي سرعان ما غادرتُ إذ أنّ 70% من النقاش الذي دَارَ اختفَى بعدَ سَاعة تقريباً لتبقَى "طراطيش" كلام معلّقة ..
غيرَ أنّ ما لفتني هوَ أن عدداً من المعلقين السلبيين كانُوا يمتلكُون خلفيّة كبيرَة عن الإسلام سخّروها في حوَارهم مع المعلقِين المسلمين ..
أحدهُم .. ظلّ يقتبسُ آياتٍ قرآنيّة مترجمَة للانجليزيّة وتحديداً تلكَ التي تدعُو المسلمين للنّيل من الكافرين وقتالهم .. اقتبسُوا الآية التي يأمرُ فيها اللهُ النبيّ بقتلِ جميعِ الأسرَى وعدمِ إبقاءِ أحدٍ منهم حياً .. واقتبسُوا مقاطعَ من آياتٍ قرآنيّة تتوعدّ اللواطيينَ والشواذّ جنسياً ..
أقولُ لكم لقد أدهشتنيْ خلفيّة هؤلاء عن ديننا للحدّ الذي استطَاعُوا فيهِ التركِيز على نقَاط الاختلاف والاستفهام الكبيرَة المثارَة تجاه الإسلام .. كانُوا يحَاورُون ومعهُم "دزّينة" من الآياتِ القرآنيّة التيْ تظهرُ الإسلامَ باعتبَارهِ دينَ عنف ، وتسلّط الضّوء على القرآن باعتبَارهِ "كتاباً داعياً إلى الإرهاب" ، "ومهمّشاً للأديَان الأخرى" ..
وما أدهشنيْ حقاً هوَ طرحهُم لأسئلَة جوهريّة جداً ، جعلتنيْ أفكّر لو أنني لم أكن مسلمةً وقرأتُ ذلك الحوَار لخرجتُ مندهشةً من دينٍ يتزوّجُ نبيّهُ وهوَ في الخمسين من فتاةٍ عمرهَا 6 سنوَات ..
مهلاً .. أنقلُ لكم بعضَ الأسئلة والتعليقات التي طرحُوها .. والتيْ كانت كفيلَة بإربَاك الطرف الآخر من المسلمين الذينَ أحزنني أنهُم انشغلُوا بإفراد الشتَائم وأربكتهُم تلك الأسئلة .. لأنها كانت ضاربَة في العُمقِ ولأنهُم لم يكُونوا يملكُون تلك الخلفيّة الكبيرَة التي تمنحهُم قدرَة إقناع القارئ الذي يجهلُ الإسلام .. كدِين .. يجهلهُ تماماً ..
أحدُ المهاجمينَ الشرسينَ للإسلامِ قالَ
" نبيّهم محمّد تزوّج وهوَ في الرابعَة والخمسين من فتاةٍ عمرها 6 سنوَات"
دخلتُ أنا وصحّحتُ له المعلومَة قائلةً .. "رجاءً ، لا تطرح معلوماتٍ غير دقيقَة .. خطبها في السادسَة وانتظرها حتّى تبلغ التاسعة وتزوّجها حيثُ كانتْ بالغَة كأيّ امرأةٍ في الجزيرَة كانتْ تنضجُ في ذلك السنّ ، ثمّ أضفتُ ..
قبلَ شهرٍ شاهدتُ فيلماً هوليوودياً جديداً طرحتهُ السينمَا الأميركيّة بعنوَان "الدُوقة" وفيهِ يتزوّج دوقٌ وهو في أربعينيّاتهِ من فتَاة (لعبَت دورها كيرا نايتليْ) من عائلَة أرستقراطيّة وهي في عمر الرابعَة عشرة .. تبَارك البلادُ كلّها زواجهما ولا يعدّ ذلك خروجاً على أعراف المجتمع ، لأنّ الفتياتِ كنّ يتزوجن بهذا السنّ ، كانَ هذا قبلَ قرنين ، بينما لو فعلهَا رجلٌ أربعينيّ الآن وفتاة عمرهَا 14 سنَة لزجّ به في السجن .. السبب أن الظرُوف اختلفت وما كانَ مقبولاً أمس أصبح مرفوضاً اليوم .. نحنُ نتحدّث عن قرنين سبقَا فما بالك بزمنٍ قبلَ 15 قرناً ! لم يكنْ ذلك شاذاً وكانَ أمراً اعتيادياً جداً وفعلهَا قبله اليُونانُ والرّومان"

فردّ عليّ ساخراً .. "نعَم ، سأكُون حينها مرتاحاً بوجودِ 4 زوجَات"
فرددتُ عليهِ "نعَم ، سيكُون ذلك أفضل من وجودِ زوجَة واحدَة و100 عشيقَة كما نشاهدُ في برنامج د.فيل"
ردّ .. "ما الذي يدفعُ رجلاً للزواجِ من فتاةٍ عمرها 9 سنوَات"
وحينها كنتُ أفكّر في أنّ أغلبَ زيجَات النبيّ كانتْ عن أمرٍ إلهيّ إلى أنْ جاء الأمر الإلهيّ بأن يتوقّف النبيّ عن الزّواج وامتثلَ النبيّ لذلك، وفي حالةِ زواجِ النبيّ بعائشَة فقد كان ذلكَ مكافأةً لأبي بكر على وقوفهِ بجانبهِ وكسباً له وتوطيداً لعلاقتهِ معهُ ..
كنتُ أفكّر كيفَ أشرحُ أنّ زواجَ النبيّ الخمسينيّ بفتاةٍ عمرها 9 سنوات يعدّ مكافأةً لأبيها .. كانَ المعلقُون سيعتبرونني مريضَة نفسيّة .. لأنّ من لا يعرفُ النبيّ سيعتبرُ ذلك سخريةً .. كيفَ يكُون زوَاج الخمسينيّ بابنَة التسع أعوام ، مكافأة لها! ألا يبدُو أن العكسَ هو الحادث؟ وكيفَ أقولُ له أن زيجَات النبيّ التسع كانتْ بأمرٍ من ربهِ؟
.
لقد أربكَت الكثير من الأسئلة المطرُوحَةِ ، المسلمينَ المحاورين ، وأحزنني أنّ أحداً منهم لم يكنْ مستعداً للإجابَة على أسئلةٍ جوهريّة جداً ، محرجةً جداً ، وعدم فهمنَا لها ستضعُ أمام القارئِ المحايدِ مساحَةَ استغرابٍ ضخمَة من دينٍ مثيرٍ للجدلِ كالإسلام ..
كانتْ أهمّ الأسئلة .. لماذا الإسلام يدعُو لقتلِ الشواذّ جنسياً؟ لماذا الإسلام يدعُو المرأة للحجاب ويعتبرهَا سافرةً إذا خلعتهُ؟ لماذَا لا يدافعُ ربّكم عن نفسهِ ،ولو كانَ دينكُم حقيقياً لما احتاجَ ربكّم إليكُم لتدافعُوا عنهُ؟
كيفَ يستطيعُ المسلم الزّواج من فتاةٍ لم يعش معها؟ ولماذا يرفضُ إقَامة علاقَة معَ الفتاة المرَاد الزواج بها قبلَ إتمام مراسمِ زواجهما؟ ولماذا يعاقبُ الإسلامُ من يفعلُ ذلك بالجلدِ أو الرّجم؟
هذهِ الأسئلَة ظلّت معلّقة لم يستطعْ عشراتُ المسلمينَ ممن علّقوا إجاباتها ، وحينها كنتُ أفكِّرُ .. كيفَ أنّ جميعنَا مرّ بطريقةٍ أو بأخرى بموقفٍ طُرِحَتْ عليهِ هذه الأسئلة الجوهريّة التي نكُون في الأغلبِ غير مستعدين لإجابتها ..
هنا في الصّحراء .. قبلَ شهرٍ ونصف .. حيثُ كانت درجَة الحرارَة تتعدّى الستين درجَة .. تجرّأ مهندسٌ كولومبيٌ على سؤالي قائلاً .. "أستغربُ كيفَ تستطيعينَ ارتداء الحجَابِ مغطيةً بهِ كلّ رأسك عدا وجهك بينمَا نحنُ نكادُ نذوبُ من الحرارَة داخل ملابسنَا !"
رددتُ عليهِ بابتسَامة: "صدّقني أشعرُ بالرَاحة ، وأتعرّق أكثر في الأماكن المكشوفَة من جسديْ كوجهي ويديّ" ..
قبلَ هذا المهندس سألتنيْ مهندسَة ماليزيّة مسيحيّة بينما كنتُ في غرفتي وخلعتُ أمامها الحجَاب فعلّقت .. أنت أجمل كثيراً دون الحجاب ، لماذا ترتدينه؟ ولماذا تخلعينهُ تحديداً أمام النساء؟ ولماذا وأنتِ تصلينَ تغطينَ كامل جسدكِ عدا وجهكِ ويديك؟ هل تحتاجينَ لتحتشميْ بالكامل وأنتِ تقفين أمام ربّك؟ هل يعدّ ربّك غريباً إن كنتِ تبررين أنّ ارتداءكِ الحجاب يكونُ أمام الرّجال الغرباء؟

لقد صعقتني تلكَ الأسئلة ، وصدقُوني لم أكنْ مستعدّةً لها .. كنتُ أفكِّرُ كيفَ أنني أمضيتُ حياتيْ كلّها دونَ أن أكونَ مستعدةً للحظَة التيْ أسأل فيها هكذا أسئلَة
لقدْ صدمتنيْ خلفيّتهم المعلوماتيّة الضّخمة عن الإسلام ، والتيْ سخّروها في ليّ عنق القرّاء عن الفيديو المقيت أعلاه وإثارَة تركيزهم أكثر على ردّة فعل الجانب المسلم تجاهَ أسئلَة جوهريّة كتلك عجز الطرفُ الآخر سوَى بالرّد بجُنون ، بسوقيّة لا تمتّ للحوَار الإسلاميّ بالصلَة ..
"سأفعلهَا بأمّك ، بأختك ، بزوجتك ، بـ...
اذهَب واستمنِ ..
أيها الزاني بأمّك .."
تخيّلوا .. كانَتْ هذهِ ردُود أفعال المعلقينَ المسلمين .. فيمَا ضحكَ الذي طرحَ كل تلك الأسئلة أعلاه بالقول .. "أيها الأوغاد المسلمُون ، ظللتمْ طوال هذا الأسبوع تبعثُون بالتقارير لمسؤولي اليُوتيوب لإزالة هذا الفيديو لكنّه سيبقى رغماً عن أنفكم وستجدُ عشرات الفيديوهات طريقها للنشرِ بعد هذا الفيديُو"

استمرّ الحوار ، وتعبتُ منهُ وغادرتُ .. والآن وأنا أكتبُ هذه التدوينَة أقرأ عدد التعليقات التيْ تعدّت التسعَة آلاف بمعدّل زيادَة ألفَي تعليق خلال 24 ساعَة فقط ..
.
.
ما حدثَ من تعليقاتٍ حولَ الفيديُو المشار إليهِ في الأعلى .. جعلنيْ أشعرُ بالحزن لأنّنا كأمّة يتعدّى تعدادها المليار شخص .. تجهلُ أساسيّات دينها ، وتجهلُ نمط الحوَار الذي نخاطبُ بهِ الآخر الذي لا يعرفُ الإسلام!
كيفَ أشرحُ حدُود الفتنَة؟ ما هيَ المعايير التيْ تجعلُ منّي فتاةً محتشمةً أو لا .. ما هيَ الأسسُ التيْ أصنّفُ فيها امرأةً أراها في الشّارع بأنها مثيرَة للفتنَة أو لا .. وكيفَ أشرحُ لرجلِ الشّارع الغربيّ الذي لم يرَ في حياتهِ مسلماً سوَى بتلكَ الصورَة التي رآها في الفيديُو أو مسلساتِ هوليُوود وأفلامها المؤدلجَة إعلامياً تجاهَ الإسلام ..
هذهِ البروباجندَا التيْ تشنّ تجاهنَا تحتَ غطاء الكوميديّة وإثارَة الضّحك هيَ التيْ يدخلُ منهَا هؤلاءِ إلى الآخر باعتبَار الإسلام دينَ تطرّف .. لا يجيدُ سوَى قطعِ الرّقاب بحدّ السّيف
نحنُ بحاجةٍ لإيجاد صيغَة حوار جديدَة .. لأنّ جميعنا .. ونحنُ نستخدمُ هذه الشّبكة الصغيرَة سنوضع في مواقفَ نحاورُ فيها الآخر ، ليسَ بطريقَة شرحِ وجهَة النظر الإسلاميّة لمسلمٍ آخر .. بلْ من مسلمٍ لآخر غربيّ ..
فتحَ عيونهُ متقبلاً فكرَة زواج المثليين ، ومعتبراً أن محمّد متحرّش بالأطفال .. وأنّ الإسلام يدعُو لقتلِ الأسرَى .. وأنّ الإسلام دين مضطهِد للمرأة ..
سنجدُ في عشراتِ مواقع الانترنت ، رجال الدين المسلمينَ يشرحُون لنا حكمَ كل ما وردَ أعلاه .. لكنْ من وجهَة نظرٍ إسلاميّة موجّهة للمسلمين .. لا لتقرأ من قبل الغَرب الذي لا يعرفُ عن الإسلام أكثر من طالبَان ، والمُلا عُمر وأبي مصعَب الزرقاويّ !
.
قبلَ يومينِ قرأتُ تعرّض مسلمين في جنوبِ لندن لهجومٍ من قبل عصابَة مراهقين تبلغُ 20 فرداً تتراوحُ أعمارهم بينَ 12لـ15 عاماً .. هاجمُوا المصلين وهم يغادرُون المسجد بعدَ أن أنهوا صلاةَ المغرب .. هاجموهم وضربُوهم بشدّة وهربُوا ..
هؤلاء الأطفال ربّما لم يقابلُوا يوماً مسلمين .. لكنّهم ولدُوا ونشئوا على أفكارٍ معلّبة خلقها الإعلام الموجّه ضدّ الإسلام .. باعتبَارهِ دينَ تطرّف .. ونحنُ نعرف أنّ الدينَ لا يمكنُ أن يكُون ديناً ومتطرّفاً في نفس الوقت ، فالتطرّف صنَاعة بعيدَة عن الدين ، يظهرُ الدينُ فيها فقط .. كجدار ثبّت عليهِ علاّق يتمسّك المتطرفُون بهِ للالتصاق بذلكَ الجدار .. هؤلاءِ الأطفال ، رضعُوا هذه الأفكار ، لأنهُ بكلّ بساطة لم يكنْ هنالك وجُود للإعلام المضادّ من قبَلِنَا، الذي يستوعبُ هكذا اتّهامات ويردُ عليها بلغَة مطابقَة للغة المتلقي الأجنبيّ الذي يرقبُ ما يبثّ تجاههُ منْ معلُومات مغلُوطة عن الدين عبرَ ثغراتٍ كهذهِ التي وردتْ في الأعلَى ..
.
.
ما نستطيعُ فعلهُ اليَوم ليسَ أكثر من توزيع هذهِ الفيديُوهات داعينَ مستخدمي الشّبكة للتصوِيت ضدّ هذا الفيديُو أو ذاك أو إنشَاء شبكاتٍ ومجموعات نوزّع عنها آلاف الايميلات داعينَ إلى الانضمام لهذه المجموعة لإيقاف فيديُو يبثّ مقاطع حرق آيات قرآنيّة أو تدنيسهَا بالبراز .. أو ندعُو الفيس بوك لإزالَة مجمُوعة مناهضَة للنبيّ محمّد .. نحنُ نوزّع ونجمّع ونجمّع أعضاء آخرين دونَ أن نقرّر تعليمَ أحدٍ كيف يحاور؟ ولا كيفَ نفنّد حججهُم بنفسِ الطريقَة التيْ يهاجمُوننا بها ..
نحنُ فقط نجيد تجميع أكبَر عددٍ من الأعضاء دونَ أن نعرفَ ما نقُول وما نفعل!
أصدقائي ..
جميعنَا سيمرّ بطريقةٍ أو بأخرى بهكذا أسئلة .. سيصادفها على الانترنت أو خلال عملهِ أو في المطارِ أو خلال دورَة عملٍ خارج بلادهِ ..
سيصادفهَا المتديّن منكم وغير المتديّن ..
هذهِ دعوةٌ مني للجميعِ ليشاركُوني رؤاهُم الشخصيّة في نمطِ حواراتهم حول الأسئلة الجوهريّة المطرُوحة أعلاه مع الآخر الذي يجهلُ الاسلام ..
وتجاربهم الشبيهَة بما وردَ في الأعلى ..

معَ الحبّ

عائشَة السيفيّ

السبت، 5 سبتمبر 2009

روَائح .. ومذاقَات !


بعدَ مرورٍ عامٍ على نشرهِ في ثقافيّ "شرفُات".. أعيدُ نشرهُ
معَ دعوتي للأصدقاء مشاركَتي الرّوائح الرمضَانيّة التي علقَت بذاكرتهِم "الطّفلة"

محبّتي

.

.



لا يعني رمضَان الكثير لطفُولتي، ربما يشغلُ حيّزا ضيقاً من مساحة الذّاكرة لكنّ الأمرَ الذي أثق بهِ أنّ الروائح والمذاقاتِ لا تخُون وأنّ للرّائحة في حكايةِ ذاكرتي مسَاحة جميلَة ..

لماذَا أجدني مولعة بالروائِح ؟
لا أدري .. ربّما لأني مدينَة لها بإرجاعِ الكثِير من شغب الطفولة الذي لا تزالُ تمارسهُ بي
قبلَ 15عاماً أو ربّما يزيد ، كانَ هنالكَ الأبُ الذي تعدّ له زوجتهُ الطيبة وجبتهُ المفضلة التيْ يستمتعُ بها بعد عودتهِ من صلاةِ التراويح .. تتحدثُ إليه بقليلٍ من السواحليّة وكثيرٍ من العمانيّة ، ثمّ تقدّم لهُ "الأوجي" ، الطّبق اليومي الذي يؤذن رمضان بدخُوله في مطبخ تلك المرأة وفي مائدة ذلك الرجل ..
تلك المرأة هي أمي .. وذلك الرجل أبي !

بعد 15 عاماً ، يقلّ أو يزيد لا تزالُ أمي تعدّ "الأوجي" لوالدِي السّبعينيّ .. يحتسيهَا برضاً كبِير ، ويتمتمُ قبلها بأدعية خفيضةٍ لا أكترثُ كثيراً لسمَاع جرعَاتها الروحانيّة، فقط أؤمن أن كثيراً من الروحانية كذلك تحملها هذهِ الأكلة الأقرب إلى الشوربة .. نسيتُ أن أقول أنّ هذه الأكلة تسمّى بالعمانيّ "الحسيوة"
***

كنّا أربعَة .. أنا وأختي التي تكبرني بثلاثِ أعوَام وشقيقين أصغر منّي .. كنا نحبّ رمضان كثيراً ، فرغمَ أنه لا يعني لنا الكثيرَ وقتهَا لأننا لم نكن قد بلغنا سن الصيام بعد إلا أننا كنا نستمتعُ بالمميزات الإضافية التي تمنحُ لنا في نهارِ رمضان .. إذ كنا نستمتعُ مرتين بالطعام اللذيذ الذي كانت تطهوه أمي استعداداً لحفلة الأكل الليلية ، تارةً في النهار والناس صيام وتارةً في الليل إذ يفطرُ المفطرون ونحنُ معهم مفطرُون ..
لكن الميزة الإضافية التي كانت تمنح لنا هي أن تشتري أمي لنا كراتين اللبن الصغيرة ، والتي لا تزالُ تستهلك في السوق حتى اليوم ، نفتحُ الوعاء الكرتوني الأصفر للبن ونحضرُ كيسة بطاطس عُمان ونكسّر ما بها إلى قطع صغيرة ثم نصبّه في اللبن ونستمتع برشفه حتى آخر قطرة ..
مساء أمس قررت أن أشتري ذات اللبن.. طحنت قطع الشيبس وغمستها في اللبن وأعطيتها لابن أخي البالغ عامين .. شربه باستمتاع كبير ، كنت أنظر إليه باندهاش وهو يمارس متعته الطفولية تلك .. وقررت أن أفعل مثله علّني أحظى بمذاقٍ طفوليّ ممتع .. غير أني حين ارتشفت الرشفة الأولى شعرت بمذاق الفلفل الحارق مع اللبن الحامض يلسعني .. كان المذاق غريباً للغاية .. أدركت لحظتها أن كثيراً من شغب الطفولة قد انقضى .. وأن تلك الأزمنة لم تعد تعني لي شيئاً ، أصبحت غريبة عني .. غريبةً عني تماماً !
***

في عائلتي منذُ يدخلُ رمضان أبواب بيتنا .. تبدأ طقوسٌ جديدة لا تحل علينا إلا كل عام حين يقبلُ رمضان وتغادرنا بمغادرتهِ ، أبرزها أكلة "المسيتو" السواحلية التي تحترفها أمي ..
لم يسبق لي أن جرّبتها بيد امرأة أخرى ، كما لم يسبق لي أن قرأت عنها في كتب الطبخِ الكثيرة التي اقتنيتها لأقنع نفسي بأني أصبحت أنثى ناضجة تمارس مهمتها الفطرية بحبّ ،رغم إيماني بأن الطبخ هو "وسيلة سخيفة لإثبات الأنوثة" ..
لعلّها أمي التيْ أقنعتني بأن الرجل إذا تزوج شاعرةً وأحبّ ثقافتها فهذا لا يكفي لنجاح شراكتهما لأنها كزوجة حينَ يجوع زوجها ويبدأ نداء بطنهِ فإنها لن تصنعُ له وجباتٍ من ورق .. وموائد من قصائد !

لم أفكّر يوماً بأن أتعلم "المسيتو" من أمّي .. لإدراكي العميق أنها جزءٌ من التكوين النفسي الذي أرى بهِ أمّي .. ولأجل ذلك تعني لي هذه الأكلة الشيء الكثير
أدركتْ أمي منذ زمن بعيدٍ ما تعنيه هذه الطبخة لي ومع ذلك فهي ترفض أن تطبخها لي إلا في رمضان ..
وقد سلمت بذلك مؤمنة ً بأنها تستحقُ الانتظار عاماً كاملاً .. وهكذا ظلت "المسيتو" زائراً جميلاً يزور مطبخ أمي الصغير بحبّ .. وألتهمها بحبٍ أكبر طوال 10 رمضانات جميلة هي عمرُ ما صمتهُ حتى اليوم، منذ قررت أن أنضم إلى عالم الصيام في الحادية عشرة.
وأنا في مسقط بعث لي أخي يقول لي: "اليوم أمي عاملة لنا مسيتو ع العشا ، وما وقفت عن ذكرك" .
حينُ عدتُ إلى نزوى قالت لي أمي: عملنا مسيتو من كم يوم .. افتقدتك وناديتك كثيراً .. ما "صنّت" أذنك؟
ضحكتُ وأجبت: بلى .. ابنكُ أوصلَ النّداء !
***
أكرهُ التونة وكلّ ما يمتّ للتونة بصلة وليسَ هذا لشيءٍ سوى لأن رائحة التونة كذلك تذكرني بأشياء لا أحبّ تذكرها .. أشياء صنعتْ هذه العَلاقة الممسوسة بيني وبين التونة ..
حينَ أصبحتُ في الصفّ الرابع الابتدائيّ ، قرّر أبي بأنه آن الأوان لي أن أتدرّب على الصيَام استعداداً للعام المقبل. فرحتُ كثيراً لأنني شعرتُ بأنني أصبحت أخيراً كبيرَةً للقدر الذي أصبحتُ فيه مؤهلة ً لولوج عالم الصائمين . قررتُ في اليوم الأول أن أصوم عن الطعام ولا أفعل مع الماء .. وبزغ النهار الجميل بكل سكينة رمضان وهدوئه ، والطفلة تلعب وتمرح وتستعرض عضلاتها وتخبرُ كل الأصدقاء بأنها كبرت وأصبحت تصوم .. لكن ما أن انتصف الظهرُ حتى كنتُ أتسند على الجدران كي أميز الأشياء أمامي .. شربتُ كثيراً ، للمرة الأولى والثانية والخامسة ، وصيامُ الطعام يشتد بوطئته عليّ .. آخر ما أذكرهُ من مرات شربي للماء أني ولجت إلى المطبخ وما أن أمسكت بكأس الماء حتى خارت قواي وسقطت .. كان آخر ما سمعتهُ صوت ارتطام الزجاج بالأرض .. انتهى كل شيء !
كانت هنالك أصوات كثيرة تختلط عليّ .. صوت أمي ربّما ، باب السيارة وهو يفتح ، خطوات سريعة على الأرض .. أفقت في المستشفى على صوت طبيبٍ عُمانيّ .. بدا وجههُ أليفاً ومتناغماً بلحيتهِ الكثة مع أجواء رمضان .. وضع أنبوباً مغذياً على يدي وغادرني .. انتبهتُ لحظتها لأمي وأخي .. شعرتُ بخجلٍ كبيرٍ حين اكتشفتُ أيضاً أنني كنت حافية ، سألت أمي عن نعلي فأجابتني أنه في السيارة.
جاءتني المضمدة وقدمت لي بلطفٍ شديد وجبة صغيرة .. لا أزال أذكرُ تماماً كيفَ كانت ، التقطت أمي منها قطعةً مثلثة من خبز التوست ..خبزتان رصّتا على بعضهما
حين قرّبته من فمي كانت رائحتها كريهة جداً .. لا أدري هل كانت كذلك أم أن الجوع كان قد أدّى وظيفته في حاسة الشم لدي أيضاً !
كشفتُ عن الحشوة التي بين قطعتي التوست ، فوجدتُ التونة مسترخية ً بسلام..
هكذا لم أعد أنا والتونة أصدقاء .. ويومها قررتُ ألا أرخي أنفي لرائحتها، منذ ذلك اليوم بدأت القطيعة الحقيقيّة بيننا ..
***
رمضَانٌ جديدٌ ومذاقات جدِيدة .. وذاكرَة طويلَة من الرّوائح التيْ لا تنتهي .. وَحدها الحياةُ كفيلَة بصناعَة الرّوائح الأجمَل .. والمذاقات الأرقى التي ستحتفظُ الذّاكرَة بنزقهَا لعشرِين رمضَان قَادم ..
***

( الرّوائح طرقنَا المختصرَة لفهم انسَانية الأشياء )
بودلير

الخميس، 3 سبتمبر 2009

وطنيْ .. لا تُؤاخذنا بِما فعلَ "ولاةُ الأمرِ" منّا !


أصدقائي .. لعلّكم تذكرون مقالي الذي كتبتهُ قبل شهرينِ حولَ عمالَة الأطفال .. أدرجهُ لكم في الرّابط ..


http://www.alwatan.com/graphics/2009/06jun/3.6/dailyhtml/culture.html#6


وقتهَا تلقّيت ردود فعلٍ جميلَة من الاخوة القرّاء ، أقول الاخوة القرّاء وليس المسؤولين لأنّه لم يسبق أنْ تحرّك مسؤولٌ ما من عرشهِ العاجيّ ليتفاعلَ معي حولَ قضيّة طرحتُها طوال سنوَاتِ كتابتيْ

هزّتني هذه الرّسالة تحديداً القادمَة من قارئٍ واعٍ كانَ بينَ حينٍ وآخر يتواصلُ بالردُود حولَ ما أكتب..

ذلكَ اليَوم طلبتُ منهُ طرحَ رسالتهِ هذهِ وإنْ باسمٍ مستعار في إحدى المنتديات ومن يومهَا لم يتواصل معي لأسبابٍ أجهلها ..

الآن أترككم مع رسالتهِ الجميلة .. وفي حنجرتيْ غصّة ، وفي قلبِي ألم ..

آآآآهِ يا وطني ، كم أنتَ تغرَق !



أختي الفاضلة \ عائشة السيفي

السلام عليكم ورحمته الله وبركاته

أسعد الله أيامك بالخير والطاعة

بالنسبة لمقال الاسبوع الماضي والذي تحدث فيه عن عمل الاطفال ،

والله اختي عائشة الواقع مرير وأن كانت لا تتعدى ان تكون ظاهرة ، من خلال نشاطي في العمل الخيري في ولاية البريمي ومن تلمسي

لحاجات المواطنين لدينا ، أرى واقع الفقر لدينا يدقع ناقوس الخطر ، حسبة بسيطة اسردلها لكي هنا :

عدد الفقراء المسجلين لدينا يتجاوز 700 اسرة فقيرة ، منها حوالي 200 اسرة استطيع انا اقول انها لربما تحت خط الفقر ، وضع 200 من هذه الأسر كالتالي رب الاسرة إما متقاعد براتب 150 او 200 ريال عماني ، او انه يحصل مساعدة من الضمان الإجتماعي 80 ريال إلى 126 ريال عماني أو انه يعمل في وظيفة براتب من 100 ريال إلى 200 ريال ، طيب الغالبية منهم يقيم في منزل ايجار لا يقل عن 100 ريال عماني ، عدد افراد الاسرة لا يقل عن 7 افراد ، عدنا نأخذ مثال اعلى راتب لدينا وهو 200 ريال عماني اذا اسقطنا منه 100ريال الإيجار ، كم يظل عنده هل تتصورين انه 100 ريال لـ تكفي لهؤلاء الافراد هذا غير فواتير الماء والكهرباء .

والله اختي عائشة البعض قالها لي بصراحة أنهم يذهبون لدولة مجاورة للتسول ، والبعض دفع ابناءه للعمل في تجميع العلب الفارغة والبعض الأخر في بيع المشاكيك ، واخر دفع ابنته لبيع البخور في محطات البترول ،

يقولون لا حيلة لهم ماذا يفعلون الحياة تكيل لهم اللكمات الواحده تلو الاخرة ، اذكر أني دخلت احدى المنازل وإذا في طفل يأتي لدي منكسر الجناح يقول عمي اريد تلفزيون ، تفاجأة من طلبة قلت وماذا تريد من التلفزيون ، قال اريد اشوف رسوم متحركة كل الأطفال يشاهدون الرسوم المتحركة وأنا لا أشاهد ارجوك عمي .

وما يزيد الطين بله اختي عائشة ما تفعلة وزارة الشئون الاجتماعية تجاه اسر الضمان الاجتماعي ، تخيلي اسرة تستلم ضمان وقدره 80 ريال ، ولديها ابنه خريجة ثانوية عامة لديها رغبة بالعمل وانت تدرين كم راتبها لن يتجاوز 120 هذا في احسن الاحوال ، ولكن تكمن المصيبة في إنها لو عملت سوف تقوم الوزارة بقطع مبلغ الضمان ، وكثير من الناس لا يضمنون استمرارهم في العمل والبعض الاخر يريدون ان يستفيدوا من المنح التي تقدمها الوزارة لطلبة الضمان الاجتماعية بإلحاقهم في الجامعات الخاصة .

والله هذي الأسرة بين نارين ، والوزارة مصرة على موقفها اي فرد يعمل في الاسرة يتم قطع الضمان اي حجه غبية هذه ، يقول لي احد الاصدقاء في التنمية أنه من خلال عمله في التنمية 20 عاما هذه الوزيرة اسوء مسؤول وطئ ارض الوزارة بقراراتها التي تهدم فيها بكيان الاسرة ، الاخت الوزيرة تريد من اسر الضمان الاجتماعي اسر منتجة .

نسأل الله العافية ، وما خفي كان أعظم

واسمحلي على الإطالة ، ولكن ما في القلب الكثير يا اختي عائشة

ولو سمحتي لي من حين إلى أخر سوف أكتب ما اشاهده من مشاهدات في مجتمعنا ، لربما استطعتي يوم من الايام بقلمك النابض ان تحرك الماء الراكد ،

ولك جزيل الشكر على ما تكتبينه وادام الله في صحتك وعمرك

عبدالله

الأربعاء، 2 سبتمبر 2009

حنظلَة .. كما هوَ ، "دايرْ ظهرُه" للعالم !/ردُهات


حنظلَة .. كما هوَ ، "دايرْ ظهرُه" للعالم !

http://www.alwatan.com/dailyhtml/culture.html

عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com




قبلَ أن أولدَ بعَام .. رحلَ صاحبهُ مُغتالاً برصاصةٍ استقرت أسفلَ عينهِ اليمين .. والآن بعدَ اثنين وعشرينَ عاماً من موتِ صاحبهِ .. أصبحَ الأطفالُ الذينَ لم يخلقُوا في بطُون أمّهاتهم حينَ ماتَ شباباً .. وأصبحَ الشبابُ الذينَ عاصرُوا موتهُ كهولا .. ورغمَ ذلك فحنظلة كمَا هو .. لم تغيّر منهُ سنوَاتُ الحياةِ شيئاً .. لا يزالُ على سنينهِ العشر .. عاقداً يديهِ .. ومعرضاً بظهرهِ عن العالمِ كلّه .. يالهُ من حنظلة هذا العصيّ على الدهر .. الواقفُ الزمانُ على قدميهِ .. لا يشيخُ ولا يفنَى ! ولا غيّرتُ منهُ سنوَات الموتِ منذُ 1987 نظرتهُ التهكميّة ، تماماً ولا قرّر أن يبتسمَ لحظة ً ثمّ يعود إلى تقطيبتهِ المعتادَة .. تلكَ التقطيبَة التيْ يلمحهَا القارئُ منَ الخلفِ منذُ رسمهُ صاحبهُ بها لم تتغيّر .. وربّما لأن كلّ ما رآه من مآسي شعبهِ كانَ أكبر من أنْ تستحقَ ابتسامة ٌ واحدَة أن تتحمّله .. حنظلَة هذا .. الرّجل في جسدِ طفل !

هكذا قرّر ناجي العَلي –رسّام الكاريكاتيُور العالميّ- أن يكونَ قدر "حنظلَة" .. قبلَ 40 عاماً .. منذُ قرّر أن يكونَ حنظلَة شخصيّة كاريكَاتيوراتهِ الرئيسَة .. ومنذ ُ أن قرّر جعلـَهُ شاهداً على معاناةِ شعبه .. وكانَ ما قرّر !

ناجيْ العلي تنبّأ أن تكونَ الرّسالة التيْ عهدَ على نفسهِ أن يؤدّيها حتى النهايَة هيَ الرصَاصة التي تودي بحيَاتهِ ولأجلِ ذلكَ قرّر أن يكونَ حنظلة حاضراً في كلّ مشهد .. في كلّ صرخة .. وأن يكونَ كالشّبح ! ينتقلُ من بقعةٍ لأخرى ليعاصرِ مصيرَ شعبهِ المتأرجحِ .. وليؤرّخ كلّ شيء متعلقٍ بفلسطينيّتهِ وعربيّتهِ ..

وحينَ سئلَ ناجي العليّ .. متَى يمُوت حنظلَة أجابَ (هذا المخلوقُ الذي ابتدعتُه لنْ ينتهِي منْ بَعدِي ، بالتأكيدِ ، وربّما لا أبالغُ إذا قلتُ أنّي قدْ أستمرُ بهِ بعدَ موتِي)

هلْ كانَ ناجي العلي يقرأ القادم؟ حينَ يموتُ ناجي ! ويحيَا حنظلَة؟

نعَم .. شاختِ الوجُوه ، والمَبادئ ، وشاخ مخيّم عين الحلوَة بلبنان الذي أمضَى ناجي العليّ سنواتِ عمرهِ بهِ .. وشاختِ الأقبية ، ووقعتِ الحرُوب واغتيلتِ الشخصيّات الفلسطينيّة التيْ عاصرتْ حنظلة .. وكما هُو .. ظلّ حنظلَة صغيراً بسنوَاتهِ العشر التيْ قالَ صاحبهُ عنها .. "أنّ حنظلة ولدَ وعمرهُ عشرُ سنوات .. ولنْ يتحرّك سنة ً للوراءِ ولا للخلف .. سيظلّ دائماً هكذا .."

خرّيج السُجُون المحترف ناجي العلي الذي حينَ سئلَ كم مرّة ً دخل السجن أجابَ .. من كثرةِ ما زرتها نسيتُ أن أحصيها .. والسجُون كذلك لمْ تعد كما كانتْ ولم تعدِ الجدرانُ الاسمنيّة بتلك القوة التيْ رسمَ عليها ناجي العلي حنظلتهُ .. الجدرَان اعتلت .. وهوَ كما هو .. يخبرُ خرّيجي السجون أنّ رجلاً كان هنا قبلَ 40 عاماً .. يختصرُ العالم في رسمَة واحدَة .. وهوَ ليسَ منحازاً لأيّ شيءٍ سوَى للمظلومين .. سوَى للانسانِ المسحُوق تحتَ الاحتلال والظلم ..

من يصدّق أنّ رساماً كاريكاتيورياً استطَاع أن يرسمَ حنظلَة في 40 ألف رسمَة كاريكاتُور دونَ أن يجعلَ من حضُور حنظلة حضوراً مملاً أو متكرراً .. ولم يجعل من شخصيّاتِه الأساسيّة طريقة ً مبتذلَة لإقناعِ الآخر بفكرتهِ ..

ولأجلِ ذلكَ كانتْ فاطمة .. شخصيّة الكاريكاتيُور الشهيرة الحاضرَة دائماً في رسُومات ناجي العليّ ممثلة ً الأمّ الفلسطينيّة .. التيْ ترفعُ من أزرِ زوجها دائماً .. الذيْ قد يتخاذلُ في بعضِ الأحيانِ لكنّ فاطمَة تمارسُ دورها غير الاعتياديّ .. حينَ يلينُ زوجها تقسُو فاطمَة .. وفي أقسَى ورطَات الحرب تبدُو فاطمَة "الحزينَة دائماً" متماسكَة .. رابطَة الجأش !

تظهرُ فاطمَة .. تمسكُ في إحدَى المشاهدِ بيدها اليسارِ طفلها وهيَ ترضعهُ من صدرها .. وفي يدها اليَمين ، تنظّف بندقيّة زوجها الذاهب لمواجهةِ جنودِ الاحتلالِ ..

وفي إحدَى الصور.. تحرقُ النقُود التيْ أغريَ بها زوجها ليصبحَ عميلاً لأحدِ الأنظمَة وهي تقُول: (الله يعمي عيُوني قبل ما أشوفكْ عميل ! )

بفَاطمة .. وحنظلة وزوجها .. وشخصياتٍ أخرى ، قرّر ناجي العلي أن يجابهَ السّلاح .. بسلاحٍ آخر .. تحوّل هؤلاء إلى طريقةِ ناجي الخاصّة في الرّفض وهؤلاءِ أصبحُوا لاحقاً مصدرَ إحراجٍ للأنظمَة المستبدّة –العربيّة والاسرائيليّة على السّواء -التيْ لم تجد طريقة ً أخرى لإسكاتِ ناجي سوَى بإسكَاتِ روحهِ ..

سقط َ ناجي العلي في لندن .. كما أرَاد حينَ قال ( ياللي بدو يرسم لفلسطين يعرف نفسه ميت ميت .. وأنا بديش أتحرك عن مبادئي ولو شعرة واحدة)

خلال سنّي حياتهِ ، اقتربَ ناجي كثيراً من الموت حتّى أصبح كالزهرَة ، تجتذبُ الجَميع .. الأنظمَة العربيّة العميلة التيْ ارتضتِ الهدنة مع العدّو ، والعدوّ نفسه .. ولربّما كان ذلك أقلّ وطئاً من أن يجدَ ناجي العلي نفسهُ مطلوباً من أبناءِ وطنهِ .. هؤلاء الذينَ يرسمُ لأجلهم ، ولربّما تعلقُ في الأذهان التصريحَات التيْ فجّر ناجي بها أزمَته مع منظّمة التحرير الفلسطينيّة التي أشارَ إليها بمحاولاتِ قتلهِ متحدثاً عن حوارٍ هاتفيّ دار بينهُ وبينَ "محمود درويش" الشّاعر القياديّ يومها في المنظمَة الذي هدّده بتصفيتهِ .. هل كانَ ذلك صحيحاً؟ لا أحدَ يدريْ لأنّ الرجلين الآنَ وسّدتهما الأرض وإنْ باعدتْ بين قبريهما مسافَة الجغرافيا !

ظلّ قتلة ُ ناجي مجهولينَ لأعوامٍ حتّى فجرتْ صحيفَة اسرائيليّة نشرت بعد مقتلهِ بسنواتٍ قائمَة بالعمليّات الناجحة التيْ قامَ بها جهازُ المخابراتِ الاسرائيليّ لاغتيَالِ شخصياتٍ فلسطينيةٍ مدرجة ً ناجي العلي ضمنَ القائمَة

لمْ يتعلّم ناجيْ العلي كيفَ يرسم؟ فقد علّمه الحزن ذلك .. وعلّمتهُ حياةُ التشرّد التي عاشها منذُ ولد في وطنهِ وأجلاهُ الاحتلالُ طفلاً إلى لبنان .. وعلّمتهُ السجُون الكثيرة المتشابهَة التيْ مكثَ بها كيفَ يجعلُ من الحزنِ مادة ً للضحك .. وكيفَ يجعلُ من الظلمِ والاستبداد مادة ً للسخريَة !

أكمَلَ ناجي العلي .. قبلَ يومينِ اثنينِ وعشرين عاماً وهوَ يرقدُ في قبرهِ "غير الاختياريّ" في لندن .. الذيْ عجزَ أقاربهُ أن يحققوا لهُ أمنيتهُ بأن يدفنَ بجانبِ والدهِ في مخيّم عين الحلوة .. دونَ أن يمنحَ الملايينَ الذينَ أحبّوه أمنيتهُم بأنْ يرَوا شكلَ "حنظلَة" الذيْ قالَ ناجيْ العلي أنهُ سيريْ وجههُ للعالمِ حينَ تصبحُ الكرَامة العربيّة بأمان .. وينتهيْ خوفُ الانسانِ العربيّ من فقدانِ حريّتهِ وملاحقةِ حكُوماتهِ وهوَ ما لمْ يحدث ..

هكذا إذن كانَ قدر حنظلة .. المطلوبُ حياً أو ميتاً ألا يعرفَ أحدٌ ما بأيّ شكلٍ هو .. وبأيِ وجهٍ يطالعُ بهِ العالمَ ..

ومنذُ كتَّفَ ناجي يديْ حنظلَة إلى الخلف .. لم يرفع حنظلة يديهِ أبداً .. ظلّ كما هوَ رافضاً لأيّ مساومَة على وطنهِ .. غير مهادنٍ لأيّ نظامٍ يمسّ كرامة الانسانِ فيهِ ..

حنظلَة ابنُ المرارة .. وسيظلُ كذلك .. سنكبرُ نحنُ بعدَ عشرين عاماً .. ونشيخ .. سوفَ تملأ التجاعيدُ أوجهنا .. وينمُو شعرنا ثمّ يسقط

لكنّ حنظلة سيحتفظُ بطفولتهِ الصعبة .. وبرقمِ سنوَاتهِ الصعب .. وسيظلّ شعرُ رأسهِ كذلكَ كما هوَ .. بسحنتهِ الساخرَة .. نصفَ حليقٍ .. لا ينمُو أبداً..

الزّمان يمضيْ .. والأمكنَة تتغيّر .. وناجيْ العلي لمْ يعد معنياً بالعالم .. فقدْ تركَ أمانتهُ حية ً .. مطمئناً إلى أنّ أيّ رصاصةٍ لن تستطيعَ إسكَاتَ طفلهِ الذيْ رسمهُ .. هذا الحنظلَة غير الرّاغب في الموت .. غير الآبهِ بنا ونحنُ نشيخُ .. غيرُ المعنيّ بأيّ شيءٍ سوَى بالأوطانِ المسلوبة ..

يقفُ حنظلة كما هوَ "داير ظهرُو للعالم" .. مكتّف اليدين من الخلف .. بثيابهِ الرثّة وحتى بالرقعَة في كمّ قميصهِ اليمين .. بوجههِ المجهولِ لا شيءَ يطالهُ ، بلا مبالاتهِ المعتادَة يقفُ وبطريقتهِ التهكميّة الحزينة ..

حنظلَة ابنُ السجُون .. وخرّيج معاهدِ الحزن .. التيْ حفرتْ في ريشةِ صاحبهِ ذلك الوعيَ الذي لم يأخذهُ من معاهدِ الرّسم .. بلْ من معهدِ الحياةِ التيْ علّمتهُ "لا مسَاومة على الوطن!" وعلّمتهُ بألا ينحازَ لأحدٍ سوَى لأولئكَ المنسيينَ تحتَ أقدامِ الاحتلال .. يمارسُون الحياة ولكنْ بطريقتهمِ السّاخرة .. الشبيهَة بطريقَة "حنظلة" .. المشَاكس الذيْ رأى العالمَ وعمرهُ عشرُ سنوات .. وسينتهيْ العالمُ وحنظلة بسنواتهِ العشر لا يشيخ ..