الأحد، 8 يناير، 2012

ما واجد يا شِيخ! ماواجد!

تابع أولاً / مقطع الفيديو في الرابط التالي:


http://www.omanlover.org/vb/media/1356-


أشعرُ في كثيرٍ من الأحيانِ برغبةٍ في التوقّف عن الكتابَة عن الوطنِ والمواطن. أشعرُ برغبةٍ ملحّةٍ في ذلك لأنّي قلتُ كلّما ما أردتُ قوله .. ولأنني ظننتُ في وقتٍ ما أنّ الكثيرَ أنجزَ منذُ مظاهرات فبراير 2011 .. إلا أنني أعودُ لنقطَةِ الصّفر ، للحظَة الحرجَة .. أعودُ مجدداً للقهرِ نفسهِ الذيْ شعرتُ بهِ قبلَ عامٍ من الآن أعودُ إليهِ وأنَا أبصرُ أنّ عُمانيين مثلي .. يحملُون الجواز الأحمر يعيشُون هذهِ الأوضاع الوظيفيّة التيْ ظنناها انتهتْ في وطننا..


أقسمُ باللهِ ..أقسمُ باللهِ .. أنني لمْ أستطعِ البارحَة أن أنَام كأيّ ليلة حينَ شاهدتُ البارحَة الفيديُو الذي عرضتهُ الأختُ حبيبة الهنائي في لقاءاتِها مع تجمّع عمّال الرشّ التابعين لوزارة الصّحة للمطالبة بتحسين أوضاعهِم الماديّة ..



والقهرُ الذيْ انتابنيْ البارحَة .. ظننتهُ انتهَى بعدَ حزمة الاصلاحات التيْ قدّمتها الحكُومة العام الماضي .. شعرتُ بالقهرِ وأنا أفكّر في العُمانيّ الستينيّ .. العُمانيّ الذيْ ملأ البيَاضُ لحيته .. العُمانيّ الذي يقولُ أنّه يعمل بيوميّة 6 ريالات! لا "عيديّة" ولا زيَادة ، ولا علاوة تحسين وضع .. 6 ريالات لا غير! هلْ هناكَ عُمانيّون في هذا الوطن لا يزَالُون يستلمُون راتباً كهذا؟




شعرتُ بالقهر والرجلُ الشاب الملتحي الذي يعملُ منذ 10 أعوام عاملاً للرشّ يقولُ أنّ مجموع ما يحصلُ عليهِ لا يتعدّى 95ريالاً شهرياً وفي أحيانٍ نادرة يتجاوز سقفَ المائة ريال ..


شعرتُ بالقهر والغُبْنِ والأسَى للرجل "الشيبَة" بجلدهِ الأجعد ، بلحيّته التي غزاها البياض ، بعصاه التي يتوكّأ عليها ، بصوتهِ المتهدّج القادِم من بهلا ... ليكرّر شكوَاه "للمرة الخامسة" .. من أجل تحسين وضعهِ الماديّ ..


تسألهُ حبيبة: الوالد كم صار لك تشتغل؟ فيردّ ببساطة: 24 عاماً! ..


تسألهُ: كم تمشي في اليوم بماكينَة الرشّ؟ ، فيردّ: ما واجد .. 7 كيلُو روحة و7 كيلُو رجعة!


ما واجد يا شيخ!!!! ما واجد!!!!


نحنُ الشباب .. تؤلمنا حزمَة كتب نحملها ونحنُ نتنقل من كُليّة لأخرى في الجَامعة .. يؤلمنا حمل حقيبَة يد لمسافة تقل عن كيُلو .. يؤلمنَا حمل حزمَة ملابس من محلّ "الكيّ" لسيّاراتنا!


ورجُل ستينيّ يحمِل ماكينَة رشّ على ظهره ، يمشي بهَا 14 كيُلو ذهاباً وإياباً .. ويراها قليلة .. إيييه يا شيخ .. إيه! ما هوَ "الوَاجد" إذنْ يا شيخ إن كان سيرُ 14 كيلُو "ما واجد!"


يقولُ الشيخُ أنّها المرّة الخامسة التيْ يشدّ بها الرّحال إلى مسقط ليتابعَ سيرَ شكوَاه .. ويقولُ آخر أنّهم تظاهروا 7 مرّات منذ مارس 2011 .. سبع مرّات يشدّ هؤلاء الفقراء الرحال إلى الوزارَة بمسقط ، من بهلا وبدبد وصحار والبريمي والخابُورة وغيرها .. أملاً في زيادَة "شبَحيَّة" لم تبصرهَا أعينهم!


يقولُ آخر أنّهم قابلُوا وكيل الصّحة مرتين وحينَ يئسُوا من وعودهِ التيْ لا تنتهِي ذهبُوا لمقابلَة فهد بن محمود الذيْ أغلقتِ الأبوابُ عنهم ليرَوه .. يقولُ عامل الرشّ ذلك وأقولُ أنيْ أتذكّر قبلٍ عامٍ ويزيد وكأنّها البارحَة حينَ كتبتُ مقالي إلى وزير القوَى العاملة.. كنتُ بصدد كتابَة مقال إلى رئيس مجلس الشورى آنذاك العيسائي .. متهكمة ً على مقاطعتهِ المتواصلة وتقصيرهِ الشديد لأعضاء مجلس الشورى حينَ يرغبُون في طرح تعقيبات ومداخلات على ما يقدّمه الوزرَاء في جلساتهم بالمجلس .. كأنّها البارحَة والعيسائيّ يصرخُ على أحدِ أعضاء مجلس الشورى وكأنّه "مُعاقب في طابُور الصباح" مقاطعاً إيّاه في جلسَة مع وزير النقل السابق خميس بن مبارك العلويّ .. يقول العيسائيّ صارخاً: خلاص خلص وقتك .. واللي حاب يستزيد ويستفسر زيادة فأبواب معاليه مفتوحة .. ثم يلتفت العيسائي ناحية خميس العلويّ قائلاً: معاليك ، أبواب مكتبك مفتوحة ولا ما مفتوحة.. فيردّ العلويّ بارتباك: مفتوحة معاليكم ، مفتوحة..


.


.


.


يا معالي الشيخ أحمَد العيسائي .. أسألكَ بربّ العزّة .. هل أبوَابُ وزرائنا و"نائب رئيس مجلسهِم"؟ ووكلاءِ وزاراتهم مفتوحَة؟


أسألك بالله بعدَ أن خرجَ الناس وتظاهرُوا من جنُوب عُمان لشمالها .. هل فتحَ وزراؤنا أبوابهم لهؤلاء الفقراء المهمّشين ، عُمّال الرشّ الذينَ تظاهرُوا لسبعِ مرّات في أقلّ من عام لأجل تحسين أوضاعهم .. هل فتحتُم الأبواب أم غلّقتمُوها أمامهم ..


ومتَى سيبصرُ هؤلاء الزيادة الشبحيّة ووكيل الوزارَة يقولُ لهُم كلّ مرة أنّ رسالة مطالبهم قد ذهبَت إلى الماليّة وأنهُ ينتظرُ الردّ


فهل يا ترَى سيبصرُ هؤلاء الزيادة الشبحيّة حتى يفرَغ المسؤولون في وزَارة الماليّة من "صنَاعة" الرسالة المنقُوشة بماء الذّهب لتلبيَة مطالبهم التيْ مضَى عليها عام كامل!


انتهَى الفيديُو وعمّال الرشّ يدخلُون وزارة الصّحة "للمرّة السابعة" .. هذهِ المرّة لمقابلَة وزير الصّحة .. الذي تطلّب لقاؤهُ 7 مرّات من شدّ الرحال إلى مسقط .. وعسَى ألا تكون ثمّة زيارَة ثامنَة.. عسَاها عسَاها تكُون السابعَة " الثابتة والأخيرة" ..


فإنْ كانَ وكيل وزارة الصّحة لم يهزّه منظرُ الرجال "الشيبان" بعصيّهم .. لمرّتين مضت من مقابلتهِ لهم .. فعلّ وعسَى أن تهزّ رؤيَتهم قلب الوزير ..


لمْ أنم البارحَة كما ينبغِي .. وحينَ أغمضتُ عينَي كانتَا ممتلئتين بالدمُوع .. وأنا أدعُو الله بدعاءٍ قالهُ قبليْ جبرَان خليل جبرَان .. اللهمّ اجعلنيْ مظلوماً ولا تجعلنيْ ظالماً ، اللهم اجعلنيْ أرنباً ولا تجعلنيْ أسداً ..


هزّني البارحة الفيديُو الذي رأيتهُ .. وفكرتُ هل أشعرُ بالشفقَة أم بالغبطة تجَاه المسؤول الذي يقابلُ هؤلاء الفقراء الأميين المساكين المسحوقينَ المهمّشين دونَ أن تهتزّ له شعرةٌ .. دونَ أن يحلّ مشكلتهم .. ودونَ أن يشعرَ بأرق دقيقَةٍ واحدة لهؤلاء البسطاء حينَ يخلد إلى سريرهِ للنوم! وقد يقولُ قائلٌ أنّنا حينَ نضعُ أنفسنا مكان المسؤول فالموضوع وسرعَة حلّه تختلف .. فأن نكونَ في موقع القرار يختلفُ عن كوننا مجرّد كتّاب ينقرُون على الكيبُورد وأقولُ حينها اللهم .. اجعلنيْ موظفاً صغيراً ولا تجعلنيْ مسؤولاً إن لم أكنْ قادراً أنّ أحلّ لـ"سبع مرّات" مشكلة هؤلاء البسطاء ..


.


.


نعم! أشعرُ أحياناً بزهدٍ في الكتابَة ولا يزالُ في وطني عُمانيٌ يعيشُ ظروفَ هؤلاء! أفكّر أحياناً عن جدوى الكتابة عن هؤلاء! هل سيغيّر ما أكتبُ عقليّةَ المسؤول .. هل سيغيّر رتابة الحكومة التيْ تعجزُ عن حلّ مشكلة عمالٍ كهؤلاء برواتبهم الزهيدَة المتدنيّة!


طوَال حيَاتي وطفولتيْ .. لم يلفتنيْ يوماً مشهدُ الرجل الشيخ بـ"الكوفرول" الأخضر .. حاملاً على ظهرهِ ماكينة الرشّ .. لم يلفتني وأنا أسارعُ في إغلاق الباب والنوافذ خوفَ أن تؤذيني رائحةُ المبيد الكيماويّ .. لم ألتفتْ يوماً إليهم ولم أفكّر كم يقبضونَ مقابل المشي الطويل والماكينة الثقيلة ، والرائحة الكريهَة .. لكنني قررتُ منذ البارحَة أن أتوقّف قليلاً حين يمرّ أحدهم بجانبي .. أن أستنشقَ بعمقٍ رائحة المبيد .. ربّما حينها أدركُ تماماً قيمَة هؤلاء الجنود الصامتين الغائبين عن أجندَة الوطن الذينَ يعملُون بصمت مقابل يوميّةٍ لا تتعدى 6 ريالات!