الأربعاء، 8 يوليو 2015

#هاااااااح كبيرَة في وجهِ العَالم ..

عائشة السيفي
 
"لم يكُن أبي طائفياً ، وقد أثبتَ لنا ذلك عندما رزق شقيقي الأكبر بولد ، فاقترَح تسميتهُ بـ (عُمر). بعد ذلكَ فارقَ شقيقي الحياة: قتلتهُ ميليشيا كُرديَّة ، ثمّ مات أبي مهموماً وحزينا. وفي عام 2005 اضطرّ عمر إلى تغيير اسمهِ إلى (عمّار) تخوفاً من القتل على يد الميليشيات الشيعيَّة لكنه قتلَ أخيراً على يد ميليشيا سنيَّة عام 2009"
عبدالعظيم فنجان ، شاعرٌ عراقيّ
(1)
 
 
يحدّقُ المرءُ في هذهِ الصّورة إلى عيني تلك الطفلةِ الجريحَة المستلقيَة على الأرض والنظرَات المنكسرَة لأمّها بجوَارها ويفكّر .. لوثة؟ جنُون؟ كومِيديا سودَاء؟ نعم ربّما هي كوميديَا سودَاء ما نعيشهُ ونراهُ هذا العام .. الصّورة هذهِ لم تلتقطْ في مستشفى بغزّة وتلكَ الطفلَة لم تسقط ضحيّة قصفٍ اسرائيلي ..لقد التقطت –وللسخريَة الشديدة- في عَدن وبقنبلةٍ أطلقتها يدٌ عربيّة! إنّها ضحيَّة صرَاع طائفي مقِيت وحقير استهلكَت فيه كلّ الأدوات السياسيّة والعسكريّة .. هذا زمَن القوَادة .. القوادَة التي لا تنطبقُ فقط على المتَاجرَة باللحم البشريّ من أجل شهوَة ساعة ولكنّها المتاجرَة بمصائر الشّعوب وبأجسَادها وأرواحَها وبيعها في سُوق النخَاسة الطائفيَّة .. النخَاسة التي لا يقفُ فيهَا طرفَان متصارعَان من دينين مختلفين كمَا خرَجت الجيُوش الصليبيّة وقبلها بقرُون انطلقَت جيُوش الرّوم وفارس في معَارك طويلة .. كلّ هذا الشّلال من الدَم هو لسببٍ يبدُو كوميدياً للناظِر من خارجِ دائرة الاقتتال .. كوميديّ وأسود لأنّ المتناحرين –وإن نمّق المؤولُون أسبابهم- لا تخرُج عن دائرة واحدَة هي مذهبان داخل دينٍ واحد يتفقَان على أنهُ لا إله إلا الله ومحمّد رسُول الله ويتشاركان الإيمان بأركان الإسلام ، يزكّون ، يصلّون ، يصومُون ولكنّ هذا لا يحمِيهم من قتلِ بعضهِم لاختلافِهم .. يا للسخريَّة اللاذعة .. إنّها فعلاً كوميديا سودَاء فجّة .. فجّة للغاية ..
 
(2)
 
يتذكّر المرءُ بضحكَة مسعُورة المناهج الدراسيّة والأناشيد الصغيرَة التي كنّا نضجّ بها: بلادُ العربِ أوطاني .. الأناشيد العُروبيّة الجميلة لابراهيم طُوقان وأحمد شوقي ويتذكّر بهزلٍ أيّام الحلمِ العربيّ ودستَة المغنين المتحلقِين حول المايكرُوفون يغنُون: ده حلمنَا .. طول عُمرنا .. حلم يضمّنا .. كلنا/كلنا .. البعضُ منهُم اليَوم انضمّ لجُوقة الحربِ التي تقودهَا بلاده فمن هُو في النّهاية سوى حجرِ نردٍ يتحرَّك كيفمَا تحرَّكت حكُومته ..
نتذكّر النعُوش التي حملنَاها في المدرسَة أيّام الانتفاضَة الفلسطينيَّة الثانيَة منشدِين بأعلى الصّوت: فلسطِين دَاري ودربُ انتصَاري .. كنّا صغاراً ولكنّنا كنا متفجرِين بالقلقِ الانسانيّ الكبير واللحمَة العروبيَّة .. كنّا ضاجِين بالمحبَّة لكلّ هذه الشعوب المتناحرَة الغارقَة في شلال الدّم ..
ياه.. تواضعَت أحلامنَا كثيراً .. كما تقُول سعديّة مفرَّح ..
هاااااااح ..وتنهِيدَة كبيرَة في وجهِ العَالم .. ليسَ أكثرَ من هذا هوَ أقصَى ما نملكُ فعلهُ ونحنُ ننظرُ حولنا ونسمَع ونقرَأ .. لوثَة؟ جنُون؟ مرَض فيرُوسي؟ لنسمّه ما نشَاء لكنّ الأكيد أنّ ما يحدثُ أكبر من أن نحللهُ في مقالٍ عابر ..
 
(3)
14 رمضَان: مقتل وإصابة 32 يمنياً فى قصف للحوثيين على مدينة «المنصورة«
16 رمضَان: وزرَاء داخليّة دوَل مجلس التعَاون الخليجيّ في اجتمَاعهم يومَ الجمعَة يدينُون تفجِيرات دَاعش التي تستهدِف المساجد ويوكّدون أنّ هذه الأفعَال الإجراميّة لا علاقَة لها بالإسلام وقِيَمهِ التي تحَارب العنف وقتلَ الأبرياء
18 رمضَان: مقتَل 16 حوثياً في غارَة جويّة لقوّات التحالف "الخليجيّة" بينهَم طفلٌ وامرأة
 
قبلَ عامٍ من الآن وفي رمَضَان تحديداً .. كانتْ غزّة تحتَ القصفِ الاسرائيليّ وخرجَت الأصوَات الدوليّة مطالبةً القوّات الاسرائيليّ بوقفِ القصفِ احتراماً لحرمَة الشّهر الفضيل .. واستجابةً لذلك أوقفَ الجيشُ الاسرائيليّ هجماتهِ في هدنَة زمنيّة قصيرَة لم تستمرّ لكنّه تعهّد على الأقل أن يوجّه ضرباتهِ بعدَ الإفطَار .. وبينَ العامِ الماضي وهذا العام .. تبدُو المقارنَة ُ فكاهيّة لدرجَة السوداويّة وساخرَة حدّ القهقهة .. يا إلهي! لقدْ جنَّ العالم!
 
(4)
هاااااح في وجهِ هذا العَالم .. وهذه الجزِيرة العربيّة التي يعتقدُ قادَتها أنّ البترُول قادرٌ على شرَاء كلّ شيء .. إنّهم اليوم يشترُون الصّحف .. والقنوَات الفضائيَّة بملايين نفطهِم .. خصُومهم السياسيون يتقلّصون داخلَ المساحَات الجغرافيَّة فأرخصُ الأشياء ثمناً هذهِ الأيَّام: الضمائر وقوَّادُو الحرب اليَوم سعدَاء إذ أنَّهم يعتقدُون أنَّها نعمَة أبديَّة وأنَّهم قادرُون بما لديهم من بحيرَات نفطٍ على شراءِ كلّ شيء ..
لوثَة الطائفيَّة هذهِ لا تمنعهُم من أن يلجئوا لدولَة كالسنغَال وشرَاء 2100 مقاتل من قوَّاتها البريَّة للدخُول إلى اليمن وثغُورها .. قادَة الحربِ الخليجيين يدفعُون للسنغاليّ ليدخلَ اليَمن ويقتل أخاهم اليمنيّ .. الفاتُورة كم؟َ ومن أيّ بئرِ نفطٍ دُفِعَتِ الفاتُورة؟ لا أحدَ يعرف .. هاااااح كبيرَة هنا أيضاً
 هاااااااح في وجهِ هذا العالم .. الذي نسمَع فيهِ "رابح صقر" الذي لا تتوقّع منهُ صفّ جملتَين صحيحتين على بعضِهما إذا تحدَّث عن السياسة يفتتحُ حفلتهُ الغنائيّة في الكُويت بأغنيَة عنوَانها "عاصفَة الحزم" .. وهااااح أكبر لقنَاة تبثّ حلقَة لأحمد الشقيري يدعُو فيها الشّعوب العربيَّة لتقبل ثقافة اختلاف الآخر من خلال عرض مناظرَة لعلماء خرجُوا من نفس الجامعَة ونفس المدرسَة الفقهيَّة ونفس الوطن ولكن اختلفُوا في تأويل الفتوى .. القنَاة نفسها تبثّ بين الفواصل دعَايات لعاصفَة الحزم وأغانٍ مؤيدة على شاكلة أغنية أخينا رابح صقر .. فصَام هذا ولا مش فصَام يا متعلمِين يا بتُوع المدارس؟
 
(5)
يوماً ما: اليَوم أو غداً .. لن يعُودَ الدَم سوَى بالدّم ، والكرَاهيّة لنْ تعُود محبّة بل كراهيّة مضاعفَة ، والقتلُ لا يعُود إلا بالقتلِ ،  والفتنَة حينَ تبدأ لا تعرفُ صغيراً ولا شيخاً ولا امرأةً ولا قاصراً .. كلّ طفلٍ فقدَ أباه ، كلّ أرملةٍ ترمّلت ، كلّ أمٍ ثكلت .. لن ينسَوا مطلقاً من القاتِل .. فالمَوتُ لا يجرّ سوَى المَوت .. والقاتلُ ينسَى ولا ينسَى أهلُ المقتُول ..
يومَها .. يومَها فقط .. لن يحمي البترُول ولا القصُور ، ولا جيُوش القنوَات الفضائيّة التي تجيّش لتلمِيع مؤّخرَة من يدفعُ أكثر لن يحمِيهم أيّ شيءٍ من الفتنَة التي ستعُود إلَيهم ..
سوَف نرَى المزيد من الجُنون ، سوفَ نرَى العَالم تجتاحُهُ كلّ اللوثَات النفسيَّة .. والمصَابُون بهَا ليسُوا نزلاء المصحَّات العقليَّة فهم يديرُون في مكاتبَ فخمَة وقصُور فارهَة مصَائر شعوبهِم ويرتدُون أغلى البدل والشماغَات المطرَّزة بالذهب ويتحدثُون اللغَات المختلفة .. وهُم يملكُون كلّ شيء وأيّ شيء سوَى شيءٍ واحد: الانسان .. الانسَان داخلهُم!
 
(6)
حتّى ذلك اليَوم .. لنحمِ أنفسنَا من لوثَة الطائفيَّة التي استعَرت بهَا كلّ دول الجوَار.. بقلبٍ ملؤهُ الأسَى والخَوف على هذا الوَطن ومصيرِه أناشِدُ كلَّ عُمانيٍ محبّ على أرضِ هذا الوطن العظيم .. من ظُفار إلى مسندَم .. من السَّاحل إلى الدّاخل .. من السّهل إلى الجَبل .. بأن نتمسَّك بالإيمَان الصّادق بأننا لن ننجُو وسطَ هذا الطُوفان إلا بتعايشنَا معاً .. لا مأمَن من هذا الطُوفان سوَى بالتعَايشِ المحبّ بيننا .. صُوَرنا التي نتبادلها على الوتسأب لجموع المصلّين من مختلف المذاهب ليسَت هيَ الخَلاص ،     ومقَالات المدِيح التي تأتينا تارةً من الخارجِ وتارةً نسبغُها على أنفسنَا لن تعدُو أكثر من كونها شكليّات لا تجعلنَا محميين من قبحِ الطائفيَّة وسوَادها ما لم نؤمِن من صمِيم أروَاحنا أنّ الخلاصَ هو نحنُ .. نحنُ بمحبَّتنا للانسَان قبلَ دينهِ .. للمسلمِ قبلَ مذهبهِ .. لتابعِ المذهبِ قبلَ شيخِ الدين الذي يتبعُ فتاويهِ .. التعَايُش الانسانيِّ اليوميّ في تفاصيل الحيَاة الصغيرَة .. ليسَ شرطاً أن نطالبَ الشيعيَّ بأن يتركَ مسجدهُ ويصطفّ مع الإباضي والسنيّ من أجلِ صورة جميلة .. ولكنْ أن نتقبَّل ثقافة الاختلافِ في حريَّة ممارسَة العبَادة فالله واحد والدِين هوَ الإسلام .. ليسَ شرطاً بأن نطالبَ بمزيدٍ من حالاتِ الزواج المذهبيّ المختلط .. لن يحمِينا هذا حينمَا تستعرُ الطائفيَّة في القلوب..
ذهبتُ لدولةٍ خليجيَّة عام 2011 ومن اللحظَة التي ركبتُ فيها سيّارة الأجرة سألني سائق الأجرَة عن مذهبيْ .. لقد كانَ ذلك صادماً .. في تلكَ البلاد حكَى لي كثيرٌ من الأصدقاء عن أسرهم المختلطة فالأم سنيّة والأب شيعيّ ، والأخ شيعيٌ وزوجَة الأخ سنيَّة ولكن حينَ اشتعلت الطائفيَّة لم يحمهم اختلاطهم من سعيرهَا ونارها .. ذهبتُ لتلك الدولة الخليجيَّة مجدداً بعد عامين فلم أجدها قد تغيَّرت .. كنّا نستطيع أن نلمحَ الفرقَة بين منظمِي الفعاليَّة التي دعيت لها الوفُود فالمنظمُون الشيعة كانُوا يجاهرُون بنفُورهم من المنظمِين السنّة ويدّعون منحَ الحكومَة صلاحياتٍ لهم فقط لمذهبهم وكان السنّة يجاهرُون بذلك كذلك .. لقد كانت تلكَ الدولة أجمَل بكثير حين زرتها في 2007 ولكنّ نار الطائفيَّة حين اشتعلت لم يوقفهَا اختلاطُ الأنساب ومذاهبهَا ..
ظرفنَا التاريخيّ وسطَ الظرُوف الاستثنائيَّة التي لم يعشهَا العالم حولنا يوماً .. لا يمكنُ أن نعوّل فيه على أشخاص.. لا يمكِن أن نعوّل فيه على القيادة التاريخيَّة لسلطانٍ حكِيم هوَ بيننا اليَوم لكنّه لن يعيشَ بيننا أبداً ولا على شخصيَّة دينيَّة نجمعُ جميعاً على محبّتنا لها كالخليليّ .. هوَ أيضاً لن يعيشَ بيننا أبداً .. الظرفُ التاريخيّ هذا لا يمكننا أن نعوّل على استمرارِه ولكنْ على اقتناعنَا بأنّ التعايش وتقبّل اختلافاتنا هما مفتاحُ النجاة .. لقد تعَايشَ أبناءُ هذا الوطَن بمحبَّة دونَ انتظَار مقالٍ من أحدٍ أو برنامجٍ ليثني عليهم .. كانُوا يحبّون بعضهُم دونَ أن يقولوا ذلك ودونَ التغنِي به ليلاً ونهاراً .. كانُوا متسامحِين دونَ أن يقولوها .. ومتعايشين دونَ أن يفردُوا لها الصحفَ والإذاعات في زمنٍ كانَت دوَل الجوَار المستعرَة اليوم أكثر محبَّة وانسانيَّة وألفة .. لأنّهم كانُوا يعرفُون أنّها تأتي من الجَوهر ومن السّور الانسانيّ الكبير الذي أوصدُوهُ عن الفرقَة والخلافِ والطائفيَّة .. ولا خلاصَ اليَوم سوَى بذلك السّور الانسانيّ العظيم الذي لا يبنيهِ الحَجر ولكنْ تبنيهِ الحكمَة ولا شيء سوَاها .. أرجُوكم: احتكمُوا إلى انسانكم .. واحمُوا مصائركم/مصائرَنا!
 
هامش 1:
 أصغرُ شيء يُسكرُني في الخلْق فَكَيف الإنسانْ؟ "
 سُبحانَكَ كُل الأشّيَاء رَضيتُ سوى الذُّلْ
وأن يُوضَعَ قَلبي في قَفَصٍ في بَيت السُلطانْ
 وَقَنعتُ يَكون نَصيبي في الدُنيا.. كَنصيبِ الطيرْ
 ولكنْ سُبحانَكَ حتى الطيرُ لها أوطانْ
 وتَعوْد إليها....وأنا ما زِلتُ أَطير...
 فهذا الوطَن المُّمّتَدُ منَ البَحرِ إلى البَحر
 سُجُون مُتَلاصقة..
" سَجان يُمْسكُ سَجان...
 مظفَّر النّواب
 
هامش 2:
"لو اسرائيل تقصفنا ، كنا على الأقل استقبلنا تبرعات عربية"
عبدالله ، نادل مقهى يمنيّ في الخُوض