الجمعة، 30 يونيو، 2017

إجازة رسميّة


عائشَة السيفِيّ

.

 

انتَهَى العيدِ بالنّسبةِ لي يومَ الأربعاء .. استيقظتُ اليومَ وحضرتُ ثلاثَ اجتمَاعاتِ عمل بدأ أوّلها في العاشرةِ صباحاً وانتهَى آخرها في الخامسَة عصراً ..

فعلتُ ذلكَ ليسَ لأنّي (غاويَة مكدّة) كما وصفَتني شقيقَتي ولا لأنّي مستمتعَة بالعمَل والنّاس إجازَة ولكنّني أدركُ تكلفَة يوم إجازَة على الشّركةِ التي أديرُها ..

 

أخبَرتنا مدربّة السباحَة أنّهم سيتوقفُون عن التدريبِ في اليومِ الأوّل من العيد فقط ثمّ سيواصلون الحصصَ كالمعتادِ بعدها.. قلتُ لها محتجةً: لماذا؟ فغمزتْ لي بعينها: لأننا نحتاجُ المال ..

مدرّبة السباحة تعرفُ أن كلّ مشتركة تدفعُ ل٣٥ حصّة ثابتة وتأجيلُ حصّة يعني خسارَتها لمبلغٍ كبيرٍ إذا ما ضربَ على ٥ أيّام ل٣٠ متدرّبة ..

 

حينَ تديرُ عملكَ الخاصّ أو تكونُ رأسَ الهرمِ في مؤسسةٍ خاصّة تعرفُ كلفَة الإجازَاتِ على الدّخل الكليّ لشركتك فمَا بالكَ بتكلفَة ذلكَ على اقتِصادِ دولةٍ بأكمَلها..

 

حسناً .. دعونِي أهرفُ بما أعرفُ وأتحدّث عن قطَاع الاستشارات الهندسيّة العالميّة الذي أعملُ بهِ .. يقومُ نموذج الدخلِ للاستشاريّ على بيع سَاعات خبرَاته .. هو يعرفُ مسبقاً أنّ المشروع الفلانيّ سيكلّف كذا من الساعاتِ على المهندس البيئي، كذا من السَاعات على مهندسِ الانشاءات ، سيستهلكُ كذا من السّاعات من مدير المشروع ..

عندمَا يأخذُ هؤلاء إجازة رسميّة فإنّ تكلفة ساعاتِ غيابهم تحجز على رصيدِ الإجازات الرسميّة التي لا تغطّيها سيولةُ مشروعٍ ما ..

مثلاً تكلّفني يوميّة مهندس أجنبيّ ذي ١٥سنة خبرَة ٧٦٠ يورو في المتوسّط أي ٣٨٠٠ يورو خلال ٥ أيّام .. ولكم أن تتخيّلوا تكلفَة إجازة ١٥ موظفاً لخمسة أيّام .. قد تصلُ إلى ٥٠ألف يورو في المتوسّط .. وهذهِ تكلفَة شركة صغيرة قائمة على بيعِ ساعاتِ خبرات موظفيها فقط .. وقيسُوا على ذلكَ تكلفَة عمّال المصانع التي لا يدفعُ أصحابها فقط لإجازة العمّال ولكن للتكلفَة التشغيليّة..

الأمرُ ينسحبُ على تقليصِ ساعاتِ العمل من ٨ إلى ٦ ساعاتٍ في اليوم للمهندسينَ المسلمين في رمضَان .. سيحجزُ المهندسون المسلمون تكلفة ٦ ساعات على المشاريع التي يعملونَ بها وسيحجزون الساعتين اللتينِ أعفوا منها على الإجازاتِ الرسميّة التي تغطّي الشركة تكلفتها لا عملاؤها أصحاب المشاريع.. كم ستكونُ فاتورَة ذلك لشهرٍ كامل؟ ٢٠٠٠يورو عن كلّ مهندس .. كثرَة الإجازاتِ الرسميّة هي عاملٌ تضعهُ الشركاتُ الكبرى في الحسبان حينَ تختار بلداً ما  ليتوسّع فريق عملها.

أو الشركات الاستثماريّة حين تقرر ضخّ  أموالها في اقتصاد بلدٍ ما

 

في رمضَان .. خرجتُ في الثانيَة ظهراً لثلاثِ أيّامٍ فقط وعملتُ في بقيّة الأيّام حتّى الرابعة أو الخامسَة لأنّني ببساطَة مدير الشركَة وساعاتي (تطلع من ظهري) علَى قولَة أهل نزوَى .. ولم أكنِ الوحيدة طبعاً فلكم حضرتُ اجتماعاتٍ مع عملاء للشّركة ممن يديرونَ شركَاتهم الخاصّة في ساعاتِ العصرِ المتأخرَة ..

 

هذهِ شركات صغيرة بعددٍ محدودٍ من الموظفين غير أننا عندمَا نتحدّث عن تكلفَة الإجازاتِ الرسميّة على اقتصادِ بلد فنحنُ نتحدّث عن رصيدٍ ب٧أصفار .. مثلاً تبلغ خسائر إجازة يوم واحد على اقتصادِ دولَة صغيرة كالبحرين ما يقدّر ب٣٥ مليُون ريال عُمانيّ.

 

وهذَا الأمرُ ليسَ مردّهُ إجازات القطاع الخاصّ بل إنّ إجازاتِ القطاعِ الحكوميّ مرتبطة ارتباطاً مباشراً بهذهِ الكلفة ..

 

سألتُ قريبيَ الذي يعملُ في دولَة خليجيّة منحتْ موظفيهَا الحكوميين إجازةً من ثلاث أيّام. قلتُ له من الغريب أن يشملَ ذلك موظفي القطاعِ الحكوميّ أيضاً فردّ علي محرّكاً اصبعه في إشارةٍ إلى المال: عارفين كيف يجيبوا الفلوس. وما معنى تعطّل المعاملات الحكوميّة على انتاجيّة القطاع الخاصّ. أخبرني أنّ تعميماً وصلهم نهايَة رمضَان يحذّرهم من مغبّة التغيّب وأنّ من يتغيّب فلا يلومنَّ إلا نفسه.

إنّهم يعرفُون ما الذي يعنيهِ كلفَة توقّف مستشفى حكوميّ عن أداء مهامّه الاعتياديّة لمدّة خمسة أيّام. توقّف الوزاراتِ الخدميّة عن معاملاتها لخمسَة أيّام .. وارتباطُ ذلكَ المباشرِ على حيويّة القطاعِ الخاصّ وديناميكيّتهِ وقس على ذلك.

 

أعرفُ طبعاً أنّ الحديثَ عن تقليصِ الإجازاتِ الرسميّة هوَ محاولَة خطرَة للدّخول إلى عشِّ الدبابير واستفزازِ عامّة الشعبِ والحلولَ محلّ الأخ المطاعني فيْ استقبالِ شتّى أصنافِ الشّتائم. وأنا هنا لستُ معنيّة بالمطالبَة بتقليصِ حصّة كعكة الإجازاتِ من فمِ المواطنين فلهذهِ البلدِ ربٌ يحميها وللاقتصادِ وزراءٌ يرعونَ مصالحَه .. ولكنني أردتُ فقط أن أقولَ أنّنا إذا كنّا نحنُ المسؤولين عن أعمالنا الصّغيرة ندركُ حجمَ ما تلحقهُ الإجازاتُ على أعمالنا ونحرصُ على تفاديهَا بدءاً من موظّفة الصالون التي تفتح أبواب الصالونِ لاستقبالِ الزبائنِ ثالثَ يومٍ في العيد حرصاً على مبيعاتِ صالونهَا مروراً بمدربَة السباحةِ وانتهاءً بالشركاتِ الاستشاريّة والمصانع والبنوك التي تتعطّل كافّة تحويلاتها الداخليّة والخارجيّة أثناء الإجازاتِ البنكيّة فما بالكَ بفاتُورةِ هذهِ الإجازاتِ على اقتصادٍ متردٍ 
أساساً (باغِي دفرَة وبيطيح).

 

.

 

الخميس، 23 فبراير، 2017

رسَالة إلى صَديقيَ الأجنَبيّ الفَاسِد


عائشة السيفي

صَديقِي الأجنَبيّ الفَاسد
تحيَّة طيّبة وبعد ..
سأحدّثكَ عن بلدٍ جَميل في مكانٍ ما من العَالم .. شعبهُ أطيَب شعُوب الأرض .. سماؤُهُ وأرضهُ وجبَالهُ وهوَاؤهُ وبحرهُ هيَ جنَّة ربَّانيَّة لا يقدّرها أهلُها ولكنَّكَ ستقدرُها لأنّكَ جبتَ العَالم وتعرفُ ما يملِكهُ البلدُ هذا من كُنوزٍ لا يعرفُ قيمتَها أهلُ البلد..
غيرَ أنَّ أهمّ شيءٍ هوَ أنَّك ستحصلُ على راتِب مضاعَفٍ لا تحلمُ بهِ في تلكَ البلدِ.. دونَ أن تحتاجَ حتّى شهادةً جامعيَّة لأنَّك أجنبي .. عيناكَ زرقَاوان، بشرتُكَ بيضَاء ولأنّك لا تتحدثُ لغَة البلَد ..
ولأنَّكَ "قيمَة ثمينَة" لا تعوَّض.. فعلى الأرجَح ستعيَّنُ في منصبِكَ حتّى قبلَ أن تصدرَ الموافقَة الأمنيَّة التي تمشِّطُ عادةً ماضيْ كلّ موظف حكُوميّ "من أبناءِ البلد" لكنّها قد لا تنطبقُ بالضرُورة عليكَ لأنَّك "حاجَة ما حصلتش".
ستصبحُ رئيساً تنفيذياً لواحدَة من أكبَر شركَات البلد التي تمسكُ بعصبِ الاقتصادِ الوطنيّ–وليذهَب ماضيكَ المشبوه إلى غيَاهبِ الجبّ- ولن تضطرَّ لتدفعَ بيسةً من راتبكَ الشهريّ الذي يتخطّى العشرينَ ألف ريالٍ للضرَائب.. تصدَّق؟! أن تدفع 40% من راتبكَ لمصلحَة الضرائب وأنت تعمَل في بلدك ولكنَّك لن تدفعَ بيسَة واحدَة في هذا البلد. بالإضافَة إلى حزمَة امتيازَات ملكيَّة بين السّفر في درجَة رجال الأعمَال إلى آخره.
الآنَ حانَ وقتُك .. تعسَّفْ في الموظّفين .. موظفِيك من أبناءِ البلد طبعاً .. عيِّنْ زبانيتكَ وجوَاسِيسكَ بالجُملة في الشركَة التي تسمحُ لك بتعيينِ من تشَاءُ وفقَ نظَام –التعيين خارجَ سياسَات الشركَة- وإذا حدَثَ أن رغبتَ بتعيين صديقكَ وزوجتهِ في حيَّ الله منصب في الشركَة فأهلاً وسهلاً .. إنّهما أيضاً يمتلكان عينانِ زرقَاوان وشعر أشقر. أمورهمَا ماشيَة والحمدلله ..
تلاعَب بالمناقصَات وأحضِر شركَات وهميَّة ودرجَة ثالثَة ممن عملتَ معها سابقاً في ماضيكَ المشبوه وأسنِد لهَا أثمَن مشاريعِ البلد في أثمَن بقعَة في البلد ..
إذا لم يعجبكَ التقييمُ الفنيّ للمناقصَات وأردتَ ترجِيح كفّة شركَة (أعجبتكَ) على أخرى .. عَادِي جداً .. غيِّر فريقَ التقييم (على كيفك).
الذي يقفُ في طريقكَ من الأجَانب .. اطردهُ في نفسِ اليَوم .. بثَّ الرعبَ في نفُوسهم حتّى يصمتُوا .. والعُمانيُون الذين يقفُون في طريقكَ همِّشْهُم .. أو عيِّن عمَانيينَ فوقهُم ليترأسُوهم ممن يقُولونَ لأوامركَ: سمعاً وطاعَة ..
ضلِّلِ الرأيَ العَام .. قُل لهُم أنّ المستثمرِين على مشاريعنَا بالطوَابير .. ما لاحقِين على الطلبَات يا جمَاعة. اعمِل مؤتمراتٍ صحفيَّة .. تحدَّث لوسائل الإعلام بالجُملة .. ادعُ صحفيي العَالم ليغطّوا إنجازاتكَ الوهميَّة وأسكنهُم في فنادِق خمسَة نجُوم ليكتبُوا عنكَ (أخباراً حُلوة)
ولا تنسَ عمل احتفال ضَخم خمس نجُوم لتدشين مشرُوعكَ لتغطِي على فوحَان رائحتهِ ولا بأسَ أن تصرفَ كم مئة ألف من ميزانيَّة الشركَة على حاجَات مالها طعمَة في الحَفل.. والأهمّ على شركَات ليسَت من البلَد بلْ من مدينَة عالميّة مجاورَة تبدأ بحرفِ الدّال :).
أسنِد ما تشَاءُ من المناقصَات مباشرةً دونَ العودَة لدائرةِ المناقصَاتِ في شركتكَ .. خاصّة تلكَ المناقصَات التي تقعُ تحتَ إطارِ سلطتكَ ممن تقلّ قيمَتُها عن الخمسَة والعشرين ألف.
وفي حالِ ضاقَ الوطنيّون من موظفيكَ ذرعاً وقررُوا شكواكَ لدَى مجلسِ الإدارَة ، قُل عنهُم: غيُورون .. دلّوعين ما عاجِبهم رئيس صارِم .. ما يحبّوني لأنّي أجنبي عيُوني زرقَاء وسحنتي بيضَاء .. وسيصدّقكَ مجلسُ الإدارَة ..
لو قرروا اللجُوء لصحفيٍ من أجلِ كسبِ مساندَة الرأيِ العَام .. حاوِلِ استمالَة الصحفيّ فإن رفضَ .. عادِي .. سيكتبُ الصحفيّ ولكنّ الرأي العَام سيتجاهله.. فالرأيُ العُام مشغُول بأزمَة الوقُود ، وبنعِيمة وبقضَايا أهمّ من فسَاد مسؤُول أجنبيّ.
وحينَ يقررُ موظفُوكَ اللجوءَ للسلطاتِ الأمنيَّة والجهَات العليَا في البلد ومجلسَ الشورَى لتخليصِ البلدِ من الضررِ الفادحِ الذي أحدثتهُ ويبدأ الضغطُ عليكَ ويبدَأ المخلُصُونَ في المؤسساتِ الأمنيَّةِ بمحاصَرتك بمخالفَاتك.. اذهَبْ إلى محاميكِ واخرُج بقائمَة من الشرُوط ليسَ أقلّها ملء كرشكَ بتعويضِكَ بكم راتبِ إضافيّ والخرُوج من منصبكَ على اعتبَار أنَّك استَقلتَ لا أُقِلتَ حفاظاً على "صَفحَتكَ البيضَاء" ..
تصدَّق يا صدِيقيَ الأجنبيّ؟! تصدَّق؟
سيُستجَابُ لطلبك .. وعوضَ أن تدخلَ السّجنَ على فسَادِكَ البيِّنِ والأضرَارِ الفادحَة التي ألحقتَها بسمعَة البلدِ واقتصادِها فإنّهُ سيحدثُ أن تنشرَ الصحفُ في اليَومِ التالي خبرَ طلبَك استقالَتكَ (لأسبابٍ شخصيّة) .. وستخرجُ من البلدِ برأسٍ مرفُوعٍ وحسابٍ بنكيٍ متخم .. تاركَاً خلفكَ المشاريعَ الثّمينة التي ذهبَت ظلماً وجوراً  في قبضَة الشركَات الوهميّة التي تركتَها بعدك.. تاركاً خلفَكَ من عيَّنتهُم دونَ وجهِ حقّ يسرَحُونَ ويمرحُونَ وتاركاً خلفكَ ضرراً فادحاً ورائحَةً نتنة لن يضعَ على إثرِها مستثمرٌ ديناراً من مالهِ للاستثمارِ.. القصَّة لم تنتهِ بعدُ يا صدِيقي والذنبُ ليس ذنبكَ وحدَك .. 
نعَم يا صدِيقي الأجنبيّ .. في بلادٍ ما ، حدثَ ويحدثُ هذا السيناريُو .. عندمَا تنعزلُ مجالسُ الإدارَة عنْ التواصلِ مع ما يدورُ في أروقةِ الشركاتِ ، وينشغلُون بعشرَات المهمّات والمناصب الموكلَة إليهم ممن تشغلهُم عن متابعةِ غيِّك ، وعندمَا يثقُون في الأجنبيّ أكثر من العُمانيّ ، وعندمَا لا يحسنونَ اختيارَ الكفاءاتِ الفنيّة والمخلصينَ من مهندسي البلَد ولا تطبقَ قوانينُ المناقصَات والحوكمَة الصّارمة سيتكررُ السيناريُو ..
 قلْ لأصدِقَائكَ الفاسِدينَ الآخرين أن يأتُوا .. ولا يقلقوا .. أمورهم طيّبة يا صدِيقي .. أمورهُم طيّبة ..
***
هَامِش أخِير:
نحبُّ البلادَ كمَا لا يحبُّ البلادَ أحدْ
صَباحاً مَساءً
وبعدَ الصّباحِ
وقبلَ المساءِ
ويومَ الأحَدْ
سلامٌ
سلامٌ
 عَلى من صَمَدْ
نحبُّ البلادَ
لكَي لا يُحبَّ البلادَ أحدْ*


*بتصرّف للشاعرِ التونسيّ أولاد أحمَد

الأحد، 12 فبراير، 2017

ما لم يقُلهُ لنا عدنان ابراهِيم







ليسَت هذهِ الصورةُ لحفلِ تخرّجٍ بالجامعَة كمَا أنّها ليسَت لفعاليَة ترفيهيّة أو ضَيف يقدّم محتوى فنياً بل إنّ هؤلاء الآلاف الذين حضرُوا من كلّ أنحاء السلطنة جاؤوا ليستمعُوا للمفكّر إسلامي أو الداعيَة عدنان ابراهيم .. لا تهمّ الألقاب ولكنْ من المهمّ ألا نغفل أنّ هذهِ الجمُوع الغفيرَة حضرَت لسببٍ ما وقاسمٍ مشترك هو اهتمامها بالرّسالة التي يقدّمها هذا الرّجل.
لا أذكرُ متى كانت آخرُ مرّة اجتذبت شخصيّة ذات طابع ديني ، سياسيّ أو اجتماعيّ هذا الثقل والإقبال ولكنّ من الضروريّ بمكان أن نشير إلى أنّ السواد الأعظم من الحضُور كانُوا من الشباب أو كمَا أشارَ المحاضرُ نفسهُ من طلاّب الجامعَات وهذِهِ دلالَة تحملُ بعدَين أو إشارتين لا ينبغي علينَا إغفالها ..
الذي لا يعرفهُ الكثيرون أنّ المجتمعَ العمانيّ واحدٌ من أكثر مجتمعات العالمِ شباباً .. إذ يشكّل السّكان ممن تقلّ أعمارهم عن 34 عاماً قرابة 75% من التعداد الكلي للسكان و85% من مجموع السكّان هم في الأربعين وأقلّ .. نحنُ نتحدّث عن شبابٍ يشكّلون الآن بذرَة وعيهم الأولى للحيَاة .. طاقَات هائلة ، أسئلة متوثبَة .. أفكَار متمرّدة وعقول لا تنطلي عليهَا الخطابات المنقولة والخطَب المعلّبة ..
بالتّالي فإن إقبالاً بهذا الحجم من قبل هذه الفئة على مفكّر كعدنان ابراهيم يطرحُ أسئلة جوهريّة عن قدرَة الخطاب الدينيّ اليَوم في عمان على الاتصالِ بأفكار هؤلاء الشباب وزمنهم ومدَى قدرتهِ على الإجابَة على استفهَاماتهم ومواكبتهِ لرؤاهم ومسَاحات اهتمامهم ..
في الوَقت الذي تواجهُ المسَاجد فيه حالة انفصال كبيرَة بين هُموم الشّارع ومشاكله وبين الخطَابات التي توجّه أسبوعياً يوم الجمعة أو الدّور الذي تلعبهِ المساجد في إدارَة العمليّة التنويريّة لشباب المجتمع.
الوقت الذي أصبحَت فيهِ خطب يوم الجُمعة عبئاً على آذان المصلّين ووقتهِم .. بل وأصبحَت مصدرَ تندّر ونكتة اعتدنَا متابعتها في مناشير المصلّين بعد صلاة الجمعة على حسَاباتهم وتغريداتها .. هذَا العُزوف الذي جعل أعداداً تتزايد اليَوم بين المصلين تنسحبُ حتّى من تلك الفرصَة الأسبوعيّة الوحيدة للوعي.
لماذا لا نرَى خبرَاء اقتصاديين يعتلُون المنبر ويحاضرُون أمام تلك الجموع الغفيرة عن تقلّبات الاقتصاد وأحواله وعن مؤشرات الأداء الاقتصاديّ للبلد وخبرَاء اجتماعيين وأسريين يستعرضُون أهمّ التحديات التي تواجهُ الشباب والأسر والأطفال.. أطباء نفسيين ينشرُون ثقافة الوعي النفسيّ بين المصلين .. لماذا تحتكرُ خطبة الجمعة على الخطَاب الديني الكلاسيكيّ الذي لم يعد بالإمكان "بلعه" من قبلِ هؤلاء الشباب المندفعين الذي يحتاجُون في الأسبوع الذي قفزت فيه تسعيرات الوقود إلى سمَاع خطبةٍ يلقيها خبيرٌ في اقتصاد الوقود عوضَ أن يسمعُوا خطبَة معلّبة عن ثقافة الاعتذار؟!
خطبَة يوم الجمعَة هي نافذة وعي تنويريّ للمصلّين وليست عظَة دينيّة أسبوعيّة .. ولو كانت على هذا الطّراز لما كنّا سمعنَا بعدنان ابراهيم الذي ما كانَ لينتشر لولا خطَاب الوعي التنويريّ المختلف والمتمازج الذي كان يطرحهُ وهو يخطبُ في النّاس يومَ الجمعَة.
هذَا الرّجل الذي لا يسوقَ لك رأياً دونَ أن يقدّم معه باقةً من الاسترشادات التي تخاطبُ عقلكَ ومنطقك .. وهيَ ليست استرشادات على الطريقة التقليديّة التي نسمعها من رجال الدين وإنّما يقتبسُ لك تارةً من شاعرٍ جدليّ وتارةً من مفكّر وآخرَ من فيلسوف .. إنّه يقدّم باقَة معرفيّة هائلة يشعرُ فيها المرءُ بأنّ الرّجل لا يقدّم لك اقتباساً تلقينياً بقدرِ ما يقدّم لك فرصَة للتفكِير في الزّمن الذي اعتدنا فيهِ على خطاباتٍ تلقينيّة بأدواتٍ جاهزَة آخر همّها أن تقولَ لنا: فكّروا ، تدبّروا ، جادلوا وعارضُوا ..
اليَوم أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى يبدُو الخطَابُ الدينيّ في عُمان شديدَ الهُزال في أدوَاتهِ وطريقَة طرحهِ .. لا يحضُر اليَوم اسمٌ شابٌ في عُمان يقدّم فكراً تنويرياً جريئاً ومعتزاً بنفسهِ .. لا يملكُ الشباب –رغم ضرورَة حاجتهِم إلى قدوَة- وجهاً شاباً يخاطبُ فيهم العقل والمنطق ويكسرُ التابُوهات التي استطاع عدنان ابراهيم بجرأةٍ أن يكسرها ..
أيّ رجلٍ دينٍ عمانيٍ اليوم قادر بصرَاحة كما فعلَ عدنان ابراهيم أن يحلّ الموسيقا ويصفها بأنّها غذاء الرّوح .. من القادر على أن يقولَ أنّه يعلّق في بيتهِ لوحاتٍ فنيّة ومنحُوتات كما يعلنُها عدنان ابراهيم صراحَة؟ رغمَ أنني أعرفُ شخصياً أئمة مساجِد يفعلونَ ما أعلنهُ الرّجل خفيةً خوفاً من الصّدام والتكفير.
من القادِر أن يقولَ للنّاس لا مشكلَة لدينا في أن يعيشَ بيننا الملاحِدَة طالما احتفظوا بفكرهِم لنفسهم ورغمَ أننا في عُمان نمتلك هذا التعايش وإن "بشكلٍ صامت" .. من القادِر أن يقولَ كما قالها عدنان ابراهيم في خطبةٍ لهُ قبلَ عام أنّ مشكلتنا الحقيقيّة أننا نريدُ أن يعتنقَ كلّ أحدٍ ما نعتنقهِ ثمّ يكمل قائلاً (يا أخي أنا ملحد أنا كافِر أنا أعبد الشيطان .. يا أخي كيفي!! انت مالك؟ )
نعَم إنّ من قالها عدنان ابراهِيم الذي حضرَ الآلاف من الشباب من كلّ عُمان ليستمعُوا لفكرِهِ ويحضرُوا محاضرتهُ! في الوقتِ الذي انصرفَ هؤلاء الشبابِ عن المساجِد وأحجموا عن خطبِ يوم الجمعَة! أليسَ هذا مدعاةً للتساؤل عن المختلفِ الذي يقدّمه هذا الرّجل عمّا اعتدنا سماعَه من الخطَاب المعتاد؟
قد يختلفُ النّاس أو يتفقون على مصادِر الأخلاق للشعُوب اليَوم .. أهيَ الدين أم التشريعات؟! في ظلّ شيُوع مكارم الأخلاق في دُولٍ تراجعَت فيها سلطَة الدين واستعانت عوضاً عنهُ بتشريعَات وقوانين تسنّ للشعُوب مالها وما عليهَا من واجباتٍ وحقوق ولعلّ التجربة النمساويّة التي كفلت لعدنان ابراهِيم مساحَة أن يخطب في النّاس في مسجدٍ بقلبِ فيينا العاصمَة التي خرجَت منها جيُوش المسيحيّة إلى العالم كلّه قبل قرون مثالاً واضحاً على قدرَة هذه الدول على سنّ تشريعَات تكفلُ مناخاً آمناً للعبادَة والعقيدَة طالما التزم المؤمنون بما لهم وما عليهم تجاهَ الدولةِ وقوانينها..
لكنّ الأزمَة عندما تتراجَع سلطَة الدين وتأثيره وتفترُ أدواتهُ وتنسحبُ العقولُ المؤثرةُ فيه وتتواصلُ الخطابات التلقينيّة في بلدانٍ لا تزالُ القوانين فيها هلاميّة والتشريعات التي تنظّم للنّاس قواعدَ حياتها ومنهج تعاملاتهم هشةً فإنّ الخوفَ على هؤلاء الشبابِ يبدُو أكبر والقلقَ على توجّهاتهم أعمق وهوَ كما يصفهُ محمد راتِب النابلسي مصيرٌ ذو نهايتين متطرفتين فإمّا الخواء الروحي والفرَاغ النفسي الذي يفتقدُ الدوافع الانسانيّة العميقة أو التطرّف الدينيّ واللجوء إلى التياراتِ الدينيّة المتشددة.
لقد جاءَ عدنان ابراهِيم بصخبهِ .. شاغلاً الناسَ ومالئاً مجالسهم بينَ مؤيدٍ ومعارض غيرَ أنّ هذا الاحتدام في نقاشِ طرحهِ يبرزُ مقدار وعي الشبابِ وميلهِم إلى خطاباتٍ مجددة مختلفة عن السائد تخاطِب عقولهم وتقتبسُ لرأي الشاعرِ والفيلسوف تماماً كما تقتبس من سيرَة النبيّ صلى الله عليهِ وسلم وأحاديثهِ ويقدّم إشاراتٍ جادّة إلى ضرورةِ مراجعَة نمط االخطاب الدينيّ الذي يقدّم للشباب اليَوم .. والذي أصبحَ -تزيدهُ القبضَة الأمنيّة عزلةً - يسبحُ في عالمٍ مختلفٍ لا يشبهُ عالمنا ولا مجتمعنا الذي لا يملكُ أدواتٍ ناضجَة بعد في مواجهة مشاكلِه المتزايدة بين إدمان المخدّرات ، اغتصاب الأطفال ، الرشَاوى ، ترهّل النظام القضائي وقضايا عصريّة كثيرة تتزايد وطأتها دون حلّ ولا يبدُو أن الخطابَ الدينيّ لدينا قادرٌ حتى الآن على احتوائها وتقديم خطابٍ يشبهُ الشباب ومشاكلهم المعاصرَة.