الأربعاء، 28 ديسمبر 2011

سماءٌ .. وعصفورَة .. وجناحان!

حينَ قررتُ أن أفتحَ هذهِ المدوّنة .. في أغسطس 2009 أي قبلَ 28 شهراً ، كنتُ قد وصلتُ إلى قناعَةٍ أنّ الإعلام الورقيّ العُمانيّ أصبحَ عاجزاً عن استيعاب عقليّة الكاتب الشابّ العُمانيّ .. كنتُ قد ضقتُ ذرعاً بفكرَة الكتابَة الورقيّة وكانَ الخيط الذي يبقيني على صلَة بالصحفِ هوَ إحساسي بالمسؤوليّة تجاهَ القارئ وعاطفَة جميلة تجتاحني كلّما علمتُ أنّ أمي ذهبتْ إلى المكتبة لتقرأ لي مقاليَ الأسبوعيّ المنشور في إحدى الصحف .. لقدْ كانَ تحديّاً كبيراً بالنسبَة ليْ أن أبدأ مدوّنة لا يعرفها أحد .. وكانَ تحدياً أكبر أن أقنعَ القارئ بأن يفتح الانترنت ليقرأ مدوّنتي ضمنَ جولتهِ الصباحيّة أو المسائيّة في الانترنت ..
وقد أخذَ منّي الأمرُ وقتاً طويلاً لكيْ أعتادَ فكرَة عدم وجُودِ رقيبٍ آخرَ –سواي- ليعملَ على النصّ ..شخصٌ ما يحذفُ جملاً ويعدّل جملاً!
أخذَ منّي الأمرُ زمناً طويلاً لأعتادَ فكرَة أنهُ لن يكُون ثمّة رقيباً سيحذفُ لي كلمَة "السيّد" ॥ حينَ اعتدتُ ألا أذكرَ مفردَة الشعر في مقالاتي دون أن تسبقها كلمَة "السيّد" ॥ كنتُ كلما بعثتُ مقالاً تضمن لفظتي "السيّد الشّعر" ॥ كان الرقيب يحذف كلمَة السيّد ॥ لأنّها لا تطلقُ إلا على السادةِ حملةِ اللقب "المختُوم من وزارة الداخليّة" .. وكانَ صعباً عليّ أن أعتَاد أنّني لن أصادفَ رقيباً يحذف كلمَة "كريم" من عبارَة "رمضَان كريم" .. لأنّ الحكومة لا تستخدم لفظ كريم وإنّما "رمضَان مبارك" ..
كانَ صعباً عليّ للغاية أن أكتبَ لخمسِ أعوامٍ في مساحَةٍ ضيّقة الجدران وأخرجَ بعدها إلى مرجٍ واسع .. لا تحدّني فيهِ أسوَارٌ سوَى أسوَارٍ يرسمهَا قلمِي ..
حينَ قرّرتُ أن أفتح هذهِ المدوّنة ॥ فقد قررتُ ألا تمتّ للشعر بصلة .. لأنّي أردتهَا لجميعِ القرّاء وبكافّة الأطياف .. ولأننا لم نصلْ بعدُ مرحلَة الشّعر الجماهيريّ فقد قررتُ أن أكونَ حاضرةً شعرياً عبر الإعلام الورقيّ والالكترونيّ فقط وأن أبتعدَ في مدوّنتي قدرَ ما أستطيعُ عن تجربتي الشعريّة .. ما أردتُهُ لهذهِ لمدوّنة أن تخترقَ كلّ التابوهات الاجتماعيّة والسياسيّة .. أردتُها أن تكونَ تنفيساً لمّا تعيشهُ فتاة ٌ عشرينيّة عُمانيّة تعيشُ في مجتمعها وتعمَل وسطهُ وتحاولُ على الأقلّ أن تفهم قضاياهُ ..أن تثيرها أحياناً بحلولٍ .. وأحياناً أن تطرح علاماتِ استفهامٍ عاريَة من الإجابة .. أن تعيشَ خلالها مرحلَتها السنيّة الطبيعيّة .. وأن تخطئ في المدوّنة .. نعم! أن تخطئ في المدوّنة لكيْ تتعلم .. وتصيبَ في المرّة التي تليها ..
فكّرتُ بكلّ ذلك وأنا أعرفُ تماماً أنني أقفُ أمام تحدٍ كبير .. أن أبدأ من الصّفر في مدوّنة لا يزورها أحد .. إلى مدوّنة يقرؤها أحد .. أحدٌ ما!
كنتُ حينَ قررتُ فتح المدوّنة قد شعرتُ بفتورٍ في الكتابة .. وقد أرعبنيْ ذلكَ جداً .. ولذا فقد قررتُ أن أضخّ فيها كبسولاتِ حياة عبر هذهِ المدوّنة ..
الحريّة التيْ لم أجدها لخمسِ أعوامِ كتابةٍ مضت قبلَ فتحِ المدوّنة .. كانتْ تقفُ أمامي وأنا أباشر إجراءات فتحِ المدوّنة.. لم أستشِر أحداً حولَ قراريَ التدوينيّ .. وخلال 28 شهراً هوَ عمرُ هذهِ المدوّنة فإنني لم أسبق أنْ طرحتُ أيّ موضوعٍ مهما كانتْ جرأتهُ ومهما كانتِ المساحة التيْ يغطّيها إلا ووجدتُ عائلة ً رائعَةً خلفي .. تساندني وتؤمنُ تماماً بقضيّتي .. كنتُ كلّما طرحتُ موضوعاً عادَ عليّ بالأذى وجدتُ عائلتيْ تحيطنيْ بالمحبّة ، وتؤمنُ بعدالَة ونزاهَة نيّتي ..
هذهِ المدّونة ॥ أصبحتْ منبري الوحيد الذي أكتبُ عبره ॥ فبعد أشهرٍ قليلة من تجربتي التدوينيّة وجدتُ أني غير قادرَة على التعاطي مع سقفِ حريّةٍ أقلّ في أيّ مؤسسة إعلاميّة أخرى وشيئاً فشيئاً انسحبتُ لمدوّنتي فأصبحتْ عشّ الكتابَة الوحيد الذي يدفئني ولأنني تحوّلتُ فجأةً في نظرِ الكثيرين إلى باحثَة عن الشّهرة ومتسلقَة على أكتَاف "المواضيع الجماهيريّة" التي تثيرُ الشّارع فقدِ اعتزلتُ لمدوّنتي حتّى لا أتهم بسعيي إلى كلّ المنابر استجداءً لمزيدٍ من القرّاء ॥ وآرائي التيْ تخصّني ولا تعبّر سوى عني أصبحتْ حكرَ هذه المدوّنة فمن رغبَ في القراءة لي فهي كانتْ ولم تزل مفتوحةً للجميع ومن عزفَ عمّا أكتب فليسَ مجبراً على زيارة هذا العشّ التدوينيّ الصغير فوحدهُ لا غيرَ نافذتِي إلى العالم..



آمنتُ دائماً منذ بدأتُ الكتابة .. أن الحقّ ليسَ هو الحقيقة دائماً .. وأنّ الحقيقة ليسَت ناعمة .. الحقيقة خشنة وصلبة وقبيحة وإنْ ملأناها بالمساحيق .. وهيَ عاريَة وأنْ أسدلنا عليها السّتائر .. الحقيقَة لم تكن يوماً فتاةً جميلة ً ينظرُ إليها الناسُ باستحسَانٍ واستئناس .. ولأجلِ ذلك فالكتابةُ أيضاً لم تكن مهمّة جميلة .. ولذا آمنتُ أنّ المقالات الناعمَة والأليفة هيَ في أغلبِ الأحيانِ أبعد ما تكُون عن الحقيقة ..
آمنتُ أنّ على القارئ ألا يتوقّع مني ما أطرحهُ من القضايا .. وألا يفرضَ عليّ ما أريدُ كتابته ولا نمط ما أكتبه .. الفتاة العشرينيّة التيْ تعيش وسط مجتمعها كانتْ تعبّر عن آرائها السياسيّة والاجتماعيّة والأدبيّة لأنّها تؤمن أنّ الحياة مزيجٌ من كلّ ذلك .. وأنّ من حقي في موقعيْ الصغير وسط هذا العالم الانترنتي غير متناهي الأبعاد أن أتحدّث عما أعيشهُ لا أن أستجلبُ قضايا مريخيّة لا أعرفها ..
أن أتكلّم بلغة الشارع الذي أعايشُ أفرادهُ في كلّ يومٍ من حياتي ..
أن أتعاطَى مع هذا المجتمعِ بصفَة الزّوجة .. وبصفَة المواطنة .. وبصفَة الأمّ .. وبصفَة المرأة العاملة .. فلماذا يصادرُ أحدٌ حقّي في أن أتحدّث بكلّ هذه الأنماط والصّفات؟ ألم تكنْ هذهِ المدوّنة لتعبّر عن كلّ "العائشات" السابقات!
الحقيقة لم تكُن جميلة .. وحينَ تطلّ بوجهها البشع فليسَ علينا أن نتغاضى عنها وأن نملأها بالمساحيق.. على ردودِ افعالنا أن تكونَ بشعة .. وعلى مقالاتنا أن تعكسَ بشاعتها .. وعلى كلماتنا أن تؤمّن حالة التفاعل الكتابيّ مع بشاعة الصّورة ..
وفي مقالي الأخير الذي تحدّثتُ فيه عن رفضي لظاهرة الليدي بويز .. فلا تتوقّعوا أن أتحدث ببالغ النعومة عن الظاهرة .. لأن الظاهرة تلك بشعة وقذرة ومقززة .. وعلى الحالة النفسيّة للمقال أن تعكسَ التقزز الذي أشعرتني بهِ هذه الظاهرة ..
كانَ عليّ أن أعكس نفسيّة الزوجَة والفتاة والأمّ ॥ التي تربّت منذ الصغر على تعاليم أسرَة عُمانيّة نزوَانيّة أصيلَة ॥ أرضعتنيْ الأخلاق ولم ترضعني العادات ॥ أرضعتنيْ الأصالة ولم ترضعني التعصّب أرضعتنيْ الإيمانَ بأنّ هذا الوطن أسرتيْ الكبيرة ॥ ولذا فإنّ أقلّ ما أصفهُ تجاه ظواهر عالميّة قذرة أصبحتْ تتسلل إلى مجتمعنا هوَ حالة تقزز! وما وردَ في المقالِ من ألفاظ ॥ هي ألفاظ بشعَة توازِي بشاعة هذهِ الظاهرة ॥ ألفاظ لم أستخدمها يوماً في حياتيْ ॥ لكنّها تعبّر عن نفس تقززي مما بدأتُ أراهُ حولي ॥ تعكسُ ردّة فعل ابنةِ القريَة التيْ خدشهَا ما رأت ॥ وعلى مقاليْ أن يخدشكم ॥ يهزّكم لأنّ في الخارجِ هؤلاء ॥ يطعنوننا أكثر من خدشنا ॥ ويمسخُون هُوِياتنا التيْ بدأت ملامحها في الفتُور
الكثيرونَ يقولونَ لماذا طرقتِ هذا الموضوع؟! ليسَ هذا مستوَى ما تكتبين! ولقد أشبعَ نقاشاً!
لماذا؟!!!
هذهِ المدوّنة تعبّر عنّي وعن قلقِي كزوجة قبلَ أن تعبّر عني كمدوّنة ॥ تعبّر عني كأمّ قبلَ أن تعبّر عن مدوّنة ॥ تعبّر عنّي كمُسلمة قبلَ أن تعبّر عن مدوّنة..


الموضوع هذا يمسّ مواطنتي ويمسّ حالتيْ الأسريّة ويمسّ هُوِيّتي الدينيّة فكيفَ لا أعتقدُ أنّ قلمي بالضرورة مسؤول عن لفت نظر الشارع إلى هذهِ الظاهرة


الأزمَة هنا يا أصدقَائي أكبر من أن نكتبَ عن فسَاد إداريْ أو فساد اقتصادي أو اختلاس أو ظلم وظيفيّ أو أزمة ارتفاع أسعار ॥ الأزمة أنّنا -بصفتنا الكتابية النخبويّة- غير قادرين على التعاطِي مع قضايا في اعتقادنا تافهة وأشبعت تعاطياً لأننا لم نتعاطاها يوماً كما يجب ॥ لا أحد يكتُب بجديّة عن المخدّرات والشذوذ والحوادِث والاغتصَاب والتسيّب الأسريّ ॥ والليدي بُويز! ॥


رغمَ أنّها قضايا يوميّة ، واقعيّة وحقيقيّة ॥ والأهمّ أنها تنخر في تركيبَة أجيال بكاملها ॥ ممسوخَة الهُويَّة الاجتماعيّة ॥


هل يبدُو حينها مجدياً ومبرراً أن نتحدث عن الفساد في السلطة والإدارة والمال؟ ونحنُ غارقُون في قضايانا المجتمعيّة "التافهة"؟


وأين؟!!!!
أينَ أشبعَ هذا الموضوع نقاشاً؟
في مجلس الشورَى مثلاً؟ في حلقات النقاش العامة في التلفزيون والإذاعة؟ في الصحف!!!؟؟
هذا الموضوع لم يتعدّ كونهُ دردشة منتديَات ومواضيع بأسماء مستعارة .. لماذا نخجلْ ونرفضُ الكتابَة عن اللواطيين؟ والجنسِ الثالث؟ والصبيان .. بينما نتقبلهم وجودهم اليوميّ بيننا في الأسواق والحدائق والعمل؟!! بينما وجدناهم بينَ ليلةٍ وضحاها! جزءاً من تركيبَة هذا المجتمع!
دعونيْ أكتب .. وإن أخطأت .. دعونيْ أعبّر عن الضروريّ وغير الضروريّ .. فأنا لا أكتبُ إلا عمّا يمسنيْ .. دعونيْ أكتب وأعدكم بشيءٍ واحدٍ فقط! أنّي سأكتبُ بصدقٍ .. بصدقٍ عمّا أراهُ .. سأكتبُ بجمالٍ عن الجميل .. وسأكتبُ بقبحٍ عن القبيح .. ولا بأسَ إن صفعكم القبح يوماً .. فالقبحُ لم يخلقْ إلا لنبحثَ عن الجمال ..
اجعلوا منْ هذهِ المدوّنة .. سماءً ليْ أحلّق فيها عصفورَة .. حرّة.. وإنْ أردتمْ ألا ترَوا القبح فهذهِ المدوّنة ليستْ بالضرورةِ المكانَ الذي تبحثُون عنه .. الجمَال لم يخلقْ في أفلاطونيّات اليوتوبيا والمدنْ الفاضلة .. وهذهِ المدوّنة لنْ تكونَ يوماً مدينَة ً فاضلة .. بلْ عالماً واقعياً بهِ من القبحِ ربّما أكثر من الجمال .. دعونيْ أكتبُ بقبحٍ عن القبح .. ربّما تبتكرونَ معي حينها شكلاً مغايراً من الجمال؟

الأحد، 25 ديسمبر 2011

العمانيّون .. وعباقرَة "العهرِ العلنيّ" !

القطريّون .. مشغولونَ مؤخراً باجتذاب أكثر العقولِ العربيّة ذكاءً .. مشغولونَ باستجلاب "عباقرَة العلوم" ودعمهم بالمال والإعلام والإمكانيّات ..

العُمانيّون أيضاً مشغولونَ بعبَاقرَة آخرين .. مشغُولون أيضاً مؤخراً باستجلاب "مخا......" شرق آسيا الذينَ أصبحُوا يغزُون أسواقنا في مسقط ..

و"الليدي بويز" الذينَ أخبرنيْ زوجي حينَ قررنا قبلَ أشهرٍ السّفر لتايلاند أنّ أصدقاءه قالوا له: "تايلاند جميلة ، لكنّك سترى مشاهد تؤذي أهلك" في إشارة منهُم إلى أنني كزوجَة سأتأذى من رؤية الرجال النساء .. الذينَ يمتلكُون أنوثة أكثر من الإناث أنفسهم .. يمشونَ بأنوثة أكثر من الإناث .. يتحدّثون بأنوثة أكثر من الإناث .. يضعُون المساحيق أكثرَ مما تضعُ الإناث .. ويرتدُون الملابس العاريَة أكثر مما تفعلُ الإناث .. وأكثر من كلّ ذلك .. فإنّهم يمتلكُون من "المقدّمات والمؤخرَات" الأنثويّة ما لا تحلمُ بهِ النساء ..

الليدي بويز الذينَ يحذّر العمانيُون المسافرينَ إلى تايلاند من أنّهم يؤذون النظر.. لم يعودُوا بعيدين .. فقد أصبحُوا على مرأى أنظارنا في كلّ مكان .. السيتي سنتر ، الفير ، أسواق السيب .. الليدي بويز يغزُون مسقط وبقيّة المناطق العمانيّة .. وهؤلاء لم يدخُلوا عُمان بدون "فيزا" .. لم يركبُوا القوارب ليدخلُوا الحدود العمانيّة بطريقة غير شرعية .. وإنّما دخلُوا السلطنة برضا "أجهزتنا الأمنيّة في المطار" وعلى مرأى ومسمع مسؤولي التأشيرات .. والأجمل أنّ كفلاءهم هم عمانيُون مثلنا تماماً .. لا تؤذيهم بالتأكيد رؤية الليدي بويز في عُمان!

أستطيعُ القولَ أنني لم أذهب للسيتي سنتر .. يوماً دونَ أن أصادف "حبّة" أو "حبتين منهم" .. يمشُون رافعِي رؤوسهم بعطورهم النسائيّة المثيرة .. غير مكترثينَ بالنظرات التي تلتهمهم .. يرتدُون التنانير القصيرة أو الجينزات التي تكاد تنفجّر وهي تحدد مؤخرّتهم .. يتبخترُون برقة .. وأقصى ما يمكن أن يفعلهُ من حولهم هوَ استراق النظر إليهم .. ثمّ المضيّ وكأنّ شيئاً لم يحدث .. فهلِ اعتادَتِ العينُ العمانيّة وجود هؤلاء؟

نذهبُ لمحّلات الورود ، والشوكولاتة ، والخياطة ، وتجهيزات الحفلات ولا نجدُ سوى هؤلاء! فهلْ أصبحتْ الصناعات السابقة حكراً فقط على "مخان....." شرق آسيا! كيفَ استباحَ العمانيّ حرمَة استجلاب هؤلاء الأصناف لوطنهِ! تصديرهِم لبلدنا .. الذي أصبحَ منفتحاً لثقافة "اللوطيين" و"السحاقيات"!

لماذا أصبحنا نسيء استخدامَ رحَابة وطننا مع الأجَانب ومرونتهُ في تشجيعنا لممارسَة هذا "العهرِ العلنيّ" ! لماذا أصبحنا نأخذ أطفالنا للسيتي سنتر باعتباره مكاناً عاماً ونرى ما يؤذي أبصار أطفالنا ويسيء لمفاهيمهم الجنسيّة! هل أصبح "السيتي سنتر" للكبار فقط؟

الشباب العمانيّون أيضاً ليسُوا ببعيدينَ ب"قمصانهم الورديّة" المطاطيّة .. وجينزاتهم الضيقة .. أو جينزاتهم الواسعة التي "تجاهد" متعلقَة بالمؤخرة حتّى نرَى "بناطيلهم الداخليّة"! .. لماذا اعتَادت أعيننا هذهِ المناظر .. وأين ذهبتْ سلطة الدَولة لحمايتنا وأطفالنا من كلّ ما يحدث!

نسمعُ في دبيّ عن إنشاء شرطة أخلاقيّة مهمّتها الرئيسيّة اعتقال "الصبيان" و"البويات" وأيّ من يسيء في ملابسهِ للحياء العام! أين شرطتنا الأخلاقيّة في عُمان!

قالُوا لزوجي : سيؤذي الليدي بويز نظرَ أهلك .. ولكننا أصبحنا نراهم في مسقط! يمرّون أمامنا فلا يخدش أنظارنا مظهرهم .. فهل هذا جزءٌ من الانفتاحِ الذي أرادتِ الدولة أن نصلَ إليه؟

نحنُ أمام موجَة انحدار أخلاقي، سعار جنسيّ ، ومغرياتٍ جنسيّة على اليمِين والشّمال .. لذا لا غرَابة كيفَ أصبحَ لا يهزّ من رأسنا شعرَة أن نسمع عن حوادث الاغتصاب في كلّ السلطنة وما أكثرَ الملفات في أدرَاج الادّعاء العام التيْ عن حالات الاغتصَاب "المثليّ" التي تفُوق حالات اغتصاب رجلٍ لامرأة وما أكثر حالات اغتصَاب "القاصرين" "للقاصرين" .. أمام حالة التخبّط الجنسيّ التيْ أصبحنا نعايشها واعتيادُ العينِ على وجُود هؤلاء الآسيوين فإنّ هذا يعني أننا سنتقبّل وأجيالنا القادمة فكرَة وجودهم .. سنعتادها ونتقبّل أيضاً ممارساتهم العلنيّة .. و"غير العلنيّة" ..

هذا الوطَن أمانة .. احمُوه كبيوتكم .. خافُوا عليهِ كعرضكم .. أحبّوه واحمُوا أخلاق أبنائهِ كما تحمُون أبناءكم .. وإن كانتِ الحكُومة لدينا سمحَتْ لهؤلاء بخدشِ حيائنا .. فلا تخدشُوا حياءنا باستجلابِ هؤلاء .. لأننا جميعاً حرّاس هذا الوطن ، ولا تطالبُوا الدولَة بأن تحسنَ معاملة أجيالنا القادمة وتقدّرها إنْ خرجنَا بأجيال مطمُوسة أخلاقياً ومنحدرَة قِيَمياً .. لأنكم كيفَ ما تكُونوا يولّ عليكم .. فالله فالله في أجيالنا .. الله الله في أخلاقنا!

السبت، 24 ديسمبر 2011

الانسَان العُمانيّ .. وقيمتهُ في السوق العالميّة!

إذن .. فقدْ تمّ إطلاق سرَاح الدفعة الثانية من الأسرَى الفلسطينيين البالغ مجمُوعهم 1027 فلسطينياً مقابل إطلاق سرَاح الأسير الاسرائيليّ جلعاد شاليط .. 1027 أسيراً فلسطينياً مقابلَ اسرائيليّ واحد .. صفقة وصفتهَا الصحفُ الاسرائيليّة بالباهظة إلا أنّ الحكُومة الاسرائيليّة فسّرتها على أنّها دليل قيمَة ما يعنِيهِ كلّ جنديّ اسرائيليّ لوطنه .. وقبلَ يومينِ حينَ تمّ إطلاق الدفعة الثانيَة من الأسرى بواقع 550 أسيراً فلسطينياً .. كنتُ أتساءل ما الذي تعنيهِ "قيمَة الفرد في السوق العالميّة"؟

وبعدهَا بأيّام بدأت عمليّة تبادلِ 25 سجيناً مصرياً مقابل إطلاق سراح الجاسُوس الاسرائيلي إيلان جابريل تبعتها محادثاتُ إطلاق سراح 60 سجيناً مصرياً من السجون الاسرائيلية مقابل إطلاقِ سراح الجاسوس الاسرائيلي سليمان ترابين. فإذا كانَ 60 مصرياً مقابل اسرائيلي و1027 فلسطينياً مقابل اسرائيلي ... فكم تبلغ قيمة الفردِ العُمانيّ في السوق العالميّة!


التساؤلُ نفسهُ أيضاً طرأ لي وأنا أقرأ أنباء الإفراج عن السجينين الأميركيين الذينِ أطلقَ سراحهما مؤخراً بوساطة عُمانيّة .. وبالإضافة إلى زميلتهما التيْ سبقتهُما .. فإنّ فاتُورة كفالتهم التي وصلت إلى مليون وثلاثمائة دُولار (500ألف عُماني تقريباً) والتيْ قيلَ أنّ الحكومة العُمانيّة جادَت بها .. بينما تقولُ الأنباء الأخرى أنّ الولايات المتّحدة لم يسبق أن دفعت كفالة رهائن أميركان "مباشرَة" وإنّما عبر مظلات وقنوات غير مباشرَة "قد تكُون الحكومة العمانيّة إحداها هذهِ المرّة" لتفادي تشجيع "كلّ من هبّ ودبّ" على اختطاف الأميركان "المحشُورين" في كلّ العالم من أدغال الأمازون حتّى صحراء الربع الخالي .. فإنّ هذا يعيدنا لنقطة مهمّة هوَ أنّ قيمة الأميركيّ في السوق العالميّة "تستاهل" أن تدفعَ حكُومته لأجلهِ 400ألف دُولار.. وإن كانَت قيمَة جلعَاد شاليط لدى حكومته 1027 فلسطينياً .. فيا ترَى كم هيَ "قيمَة العُماني" في السّوق العالميّة!

شخصيا غرقتُ في حالةِ تفكيرٍ عميقَة وأنا أفكّر في قيمَة العُمانيّ في السوق العالميّة ॥ خاصّة ً بعدَ أن اطلعتُ على احصائيتين مختلفتين ॥ هيه .. قبلَ أن ننساقَ في التأويلات الطويلة النابعَة من نظريّة المؤامرَة حولَ أن قيمَتنا يحددها تعاملُ حكومتنا معَ مواطنيها .. يحددها مستوَى دخلنا ، يحددها تطوّر البنيَة التحتيّة في بلادنا ، تحددها براميل الذهبِ الأسود في حقولنا فقد قررتُ أن أشارككم .. الإحصائيتين اللتين اطلعتُ عليهما مؤخراً




الأولَى بعدَ إعلانِ الوزير المسؤول عن الشؤون الماليّة درويش البلوشي عن عجزٍ متوقعٍ مقدارهُ 1.2مليار ريال لعام 2012 وتوقعهِ ارتفاع الدينِ العامّ الحكوميّ إلى 1.6مليَار ريال .. معلناً عن ميزانيّة 10مليَار ريال لعام 2012 .. فيما أعلن أنّ الدخل المتوقّع سيكون 8.8مليَار ريال .. أمّا المثير في الاحصائيّة هوَ إعلانهُ عن أنّ الإيرادات النفطيّة ستساهم في إيرادات الدّخل بما يقدر بـ72% بينما ستشّكل الإيرادات غير النفطيّة ما يقدر بـ16% من المساهمة في الدخل ..

سأقولُ أنني أصبتُ بالصدمَة حين قرأتُ أنّ معدّل ما يسهمهُ أيّ مصدر دخل آخر "غير نفطي" لا يزيدُ عن 16%!

بعدَ 41عاماً من عمرِ النهضة فإنّ الفردَ العُمانيّ غير قادر على أن يرفع رصيد إسهامه أكثر من 16% من دخلِ بلاده .. وعدا عن براميل الذهب الأسود التيْ تقدّم الكعكة الأكبر من الدخل للوطن بنسبة 72% فإننا وبواقع مجتمع بتعداد يقاربُ الثلاثة ملايين تتركز غالبيّة فئته السنيّة على فئة الشباب أننا بعدَ 41 عاماً لا نسهمُ في دخل هذا الوطن إلا بـ16%! أليسَ هذا محزناً ..




عدتُ إلى احصائيّات وزارة الاقتصادِ الوطنيّ علّي أحظى بإحصائيّات "تنعش الروح" وإذ بي أقرأ أنّ إيرادات الدخل غير النفطيّ في عام 2006 كانت 23% ، وفي عام 2007 كانت 19% وفي عام 2008 21।4% وفي عام 2009 كانت 22।6% وفيمَا تفاوت الاسهام غير النفطيّ حول الـ20% يقلّ أو يزيد بقليل ॥ فإنّ كلّ عامٍ ماليّ كانَ يخرجُ بفائضٍ ماليّ تارةً وتارةً بعجزٍ ماليّ آخر في السنة التي تليها ॥ ليس بسبب الإيرادات غير النفطيّة طبعاً وإنما بسبب براميل الذهب الأسود فإذا ارتفعَت قيمتها في السوق خرجنا بفائضٍ ماليّ .. وإن انخفضت خرجنا بعجز ..

بعد 41عاماً .. تغنينا فيها بعمرِ النهضة .. تغنينا فيها بحضَارة البنيان .. """وبحضارة الانسان""" .. إلا أنّ الانسان العمانيّ لم يكن يسهمُ بأكثر من 16% من دخلِ وطنه .. يا ترى ما الذي تعنيهِ حضارة الانسان لدينا؟

في العَام الماضي ، تحدّثت الحكومة أنّ قيمَة الصرف الحكُوميّ تجاوزتْ الميزانيّة المتوقعة ما أدّى إلى حدوث عجزٍ في الميزانية وعزت سببَ ذلك إلى تزايد عددِ المشاريع المنفّذة ومتطلباتها ، أما بالنسبةِ لي فقد أجريتُ حسبة ً رياضيّة بسيطة لأفكّر كيفَ استطاعتِ الحكومة تغطيَة كلّ ما حدث ॥ لا أعرفُ إن كانتِ الحكومة حينَ قررتِ الإعلانَ عن 50ألف وظيفة تكفّلت بحصّة الأسدِ بها كانتْ تعرفُ تماماً التبعاتِ الماديّة التي يعنيها قرارُها ذاك ॥
سأدخلُ معكُم في حسبَة رياضيّة بسيطة .. إذا افترضنَا أنّ نسبة البطالة في السلطنة تبلغُ 5% من عدد السّكان على أقلّ الحدود .. بالنظر إلى أنّ نسبة البطالة في أوروبا مثلاً تترواح من 7-12% وهيَ نسبة معقولة للمجتمعات الصناعيّة العاملة .. إذن فإنّ عدد العاطلينَ في السلطنة يبلغُ قرابة 125ألف عُمانيّ وعمانيّة .. وحينَ تكفّلت الحكومة بتوظيف 50ألف عُمانيّ .. لنقل أنّ 40ألف منهُم ذهبُوا للحكومة و10آلاف للقطاع الخاصّ .. واحتسبنا أنّ متوسّط رواتبهم على "أقلّ تقدير" يبلغ 300ريال عُماني فإنّ الحكومة ستدفعُ 15 مليُون شهرياً لرواتبهم .. وباعتبَار أنّ البقيّة البالغ عددهُم 85ألف عُماني ممن لم يتحصّلوا على وظائف سيستلمُون مساعدَة شهريّة قدرها 150ريال .. لنفترضْ –بعد أن قال كثيرونَ أنهم لم يستلمُوا علاوة الباحث عن عمل- أنّ نصفهم استلمُوا المساعدة من وزارة القوَى العاملة والنصف الآخر لم يستلم فإنّ 42ألف باحثٍ عن العمل سيستلمونَ من الحكُومة شهرياً قرابَة 6 ملايين ونصف ريَال عُمانيّ .. وبافتراض أنّ قيمَة ما احتاجهُ توظيفُ الأربعينَ ألف عُماني من توفير طاولات وحواسيب آلية وتدريب إلخ.. كلّف الحكومة على الأقل 10 ملايين ريال فإنّ الحكومة تكفّلت خلال شهرٍ واحدٍ على الأقلّ بدفع 31 مليُون شهرياً! ناهيكَ عن المساعدات الماديّة التي قدّمتها الحكومة لمؤسسات القطاع الخاصّ من أجل توظيف مزيدٍ من العمانيين الباحثين عن العمل ..
أنا لا أتّهم الحكومة بارتكابِ خطأ في توفير الوظائف لأبناء شعبي .. ولا أريدُ أن أتّهم بالحسدِ إطلاقاً لكونيْ أجري الحسبة الرياضيّة السابقة .. لكنّي أحببتُ فقط أن أضعني وأضعكم في الصّورة حولَ ما يقدّمه الوطن ... وما ينبغيْ أن نقدّمه كمواطنين في المقابل ..
الخطأ الذي ارتكبتهُ الحكومة هوَ أنّ أغلبُ من تمّ توظيفهم تم حشرهُم حشراً في مؤسسات حكوميّة حتّى أنّ كثيراً من المديريّات الحكوميّة التيْ تئنّ من قلّة الشغل والبطالة المقنّعة وجدت نفسهَا عاجزة ً عن إيجاد "عمل مفيد" لموظفين جدد بالعشرات لا توجَد خطّة معيّنة لتدريبهم وجعلهم موظفين منتجين! أليسَ هذا إضاعة للمالِ والجهد البشريّ لشبابٍ عشرينيين .. تحوّلوا إلى مجرّد أرقام زائدة في حكومتهم بلا إنتاجيّة!
شبابٌ في قمّة نشاطهم لماذا لا يذهبُون إلى القطاع الخاصّ ليكتسبُوا الخبرَة التيْ افتقدناها لأربعين عاماً .. لماذا لا تزالُ مشاريعنا الكبرَى تُدار من قبلِ الأجانب .. لماذا لا يزالُ العمانيّ غائباً عن مشهد القطاع الخاصّ! أينَ هو!

بعدَ 41% عاماً .. فإننا لا نزالُ نحتفي ونهلل بخريجي جامعَة السلطان قابُوس، وننقل عبر التلفزيون حفلَ تخريجهم .. وتتصدرُ الصفحة الأولى من صحفنا تغطية تخرّجهم .. إلا أنّ جامعتنا "الوحيدَة واليتيمة" لا أثر لها ضمنَ أفضل 500 جامعة في العالم .. وإذا أحببتم أن تعرفوا ترتيبها فليسَ عليكم سوى دخول موقع ترتيب الجامعات العالميّ ليبهجكم أنّها تحتل الترتيب 1424 .. بل إنّ من المضحكِ المبكي أنّ "جامعتنا الوحيدة" تحتل الرقم 13 في قائمة الجامعات العربيّة .. جامعتنا الوحيدة التي ننقلُ تخريج طلابها عبر التلفزيون الوطني.. عربياً 13.. أليسَ هذا مضحكاً؟




شخصياً لو تسنّى لي التواصل مع القائمين على الموقع لسألتهم إن كانَ ثمّة جامعَة في العالم .. حصلتْ على منحَة من حاكمِ بلادها بقيمة 32مليُون ريال .. ولأنّ الجامعة كانَ لديها ما يكفي لتطوير الأنظمة البحثيّة لديها والميزانية المرصودَة للأبحاث وجوائز الاختراعات العلميّة لطلابها .. ورفع رواتب أساتذة الجامعة المتدنيّة الذي أثر على كفاءة الكوادر التدريسيّة وبعدَ أن طوّرت من خدماتها الصحيّة الموفّرة في مستشفاها ، بعدَ أنْ أنهَت الجامعة كلّ المشاريع التنمويّة التيْ "سترفع" موقعها "تحت" الـ 1400 جامعة فقد قررت توزيع ألف ريال على طلابها و3آلاف لموظفيها .. هل سمعتُم بجامعة تمنحُ طلابها هذا المبلغ لـ "لا سبب" !

كنّا مثلاً "سنبلعها" لو خصصتِ الجامعة مكافآتٍ ماليّة للطلاب المتفوقين ، مثلاً ألف ريال للطالب الذي يقدّم بحثاً علمياً أكاديمياً رصيناً .. لكن أن يمنحَ الطالبُ ألف ريال في جيبهِ فإنني أشكّ أن أجدَ جامعَة قبلَ ترتيب جامعتنا الوحيدَة أو بعد ترتيبها قد فعلتها ..

وكانَ سيكُون أمراً جيداً لو أبلغتنا الجامعَة إن كانت معدّلات طلابها قد ارتفعت بعد منحهم الألف ريال وقلّت نسب الرسُوب بالنظر إلى أنّ المستفيد الأكبر كانَ محلات بيع الهواتف النقالة التي انهالَ عليها الطلاب لشراء آخر صيحات الجلاكسي والآيفون .. ومحلات العباءات اللاتي سارعتْ إليها الطالبات الجامعيّات لاستثمار الألف ريال فيها.. إلى أيّ مدى أفادتْ هذهِ الهبة "المليونيّة" طلاب جامعة السلطان قابوس لرفع تحصيلهم الأكاديمي والبحثي دوناً عن بقية طلاب المؤسسات التعليميّة الأخرى؟ وإلى أيّ مدى ساهمت في "رفع" قيمة الانسان العُمانيّ في السوق العالميّة ..

حسناً .. أنا لا أعرفُ الإجابة على هذا السؤال .. إلا أنني أستحضرُ هذا السؤالَ الآن وبرفقتهِ "جونيّة" أسئلة أخرى ...

ما هوَ تقييمنا لمستوى التعليم العالي في السلطنة؟ لمخرجات الكليّات الخاصّة؟ لمخرجات التقنيّة؟ لمخرجات الكليّات التطبيقيّة؟ لمخرجات جامعة السلطان قابُوس؟

ما هوَ تقييمنا لمستوى الخبرات التقنيّة والعلميّة العمانيّة في القطاع الخاصّ؟ كيفَ يفهم العُمانيّ الدور المعوّل عليه في القطاع الخاصّ إذا علمنا أنّ ما يزيدُ عن 9آلاف استقالة من مؤسسات القطاع الخاصّ خلال شهرٍ واحدٍ فقط حدثت بعدَ إعلانِ الـ50 ألف وظيفة التيْ تكفّلت الحكومة بحصّة الأسد من سدّ شواغرها ؟

ما هوَ تقييمنا لأداء العُمانيّ في المؤسسات الخدميّة؟ الموظف العمانيّ المسؤول عن تخليص معاملات وزارة القوى العاملة؟ العمانيّ العامل في الجوازات؟ العمانيّ العامل في البلديّة؟ المعاملات في مكاتب الولاة؟ المناقصات في مجلس المناقصات؟ ما هوَ تقييمنا لسرعَة الأداء وجودتهِ!

كم نسبَة العمانيين الذين يلتزمُون بقوانين السّير؟ كم نسبة المهندسين العاملين في القطاع الخاصّ؟ كم عدد الاختراعات التيْ يتقدّم بها العمانيون سنوياً؟

كم نسبَة العمانيين الذينَ يتخرّجون من مؤسسات التعليم العالي ويلتحقونَ بالقطاع الخاصّ مقارنة ً بالقطاع الحكوميّ؟ ما هوَ تقييمنا لإنتاجيّة القطاع الحكُوميّ؟

أسئلة كثيرة .. لا تنتهي .. تردنيْ وأنا أتعاملُ يومياً من موقعي في العمَل .. مع موظفين حكوميين غير قادرين على اتخاذ أبسط قرار فلابدّ أن تمرّ المعاملة على الموظف فمدير القسم فالمدير العامّ فالوكيل فالوزير ..

معاملات "تافهة" تنتهي بجرّة قلم ॥ "تخيس" ليالٍ وشهور في أدراج المؤسسات الحكوميّة "التي نتهافت على تقديم طلبات توظيفنا بها" فورَ.. تخرّجنا!

مهندسون عمانيون كهربائيونَ لا يعرفُون قانُون "أوم" .. ومدنيُون لا يعرفُون معادلَة توزيع القوى .. وكيميائيون لا يدركُون أدنى قوانين الميوعة والسوائل .. درسُوا في كليات تجاريّة يديرها اللوبي الهنديّ الذي يعمل "برواتب منخفضة" .. وبـ"كفاءة سيئة" وخرجوا بشهاداتِ مهندسين وهم أبعد ما يكون عن الهندسة .. يديرُون مشاريع مليونيّة ولا يعرفُون أكثر من الإمضاء على الرسائل التي يبعثها لهم المقاولُ والاستشاريّ..

شعبٌ يشتعلُ إذا سمعَ بزيادات راتب في دول خليجيّة أخرى ॥ يتظاهر بالاتصالات والرسائل والواتسأب والفيسبوك والماسنجر والمدوّنات والمنتديات الالكترونيّة ولكنّه لم يسأل يوماً .. لماذا يصلُ العمل متأخراً ويغادرهُ مبكراً؟ كم ساعة ً يقضيها على الانترنت؟ على الهاتف؟ على "الريوق الصباحيّ" .. على طلعات التسوّق أثناء العمل .. لماذا بعدَ ४१ عاماً لا يزالُ لا يسهم بأكثر من 16% من دخلِ وطنهِ!

شعبٌ لا يكفّ عن مقارنة الرواتب والدخل في عُمان بالامارات العربيّة لكنّه لم يقارن مثلاً حجم الإجازات التي نمنحُ إياها ففي هذا العام الذي احتفلت فيهِ تلك الدولة بعيد الاتحاد الـ40 الذي وافقَ الهجرة النبويّة فإنّ الشعب هناكَ لم يحصلْ إلا على يومِ إجازة واحد "للمناسبتين" أما في عُمان فقد كانَ الوضعُ مختلفاً ॥ فرغم أننا نحتفلُ بـ41عاماً .. إلا أنّنا نلنا كيلُو إجازة .. ليسَ في القطاع الحكوميّ فحسب بل والخاصّ أيضاً .. هل سمعتم بدولة تمنحُ إجازاتٍ أكثر منا؟ 3 أيّام للقطاع الحكوميّ و3 أيّام للقطاع الخاصّ .. أي دولة هذهِ التي تساوي إجازاتِ القطاعين؟ ألا توجد عقليّة في الحكومة تفكّر كم سنخسرُ خلال هذهِ الإجازة؟

شعبٌ لا يقارنُ إلا بدبيّ وأبوظبي ॥ ولا يخطرُ في بالهِ أنّ هناك إمارات منسيّة تحت الرمال كأمّ القيوين وعجمان والفجيرة ॥ تعيشُ ضمنَ دولة واحدة مع دبيّ وأبوظبي إلا أنّها تتخلف بسنواتٍ ضوئيّة عن الرواتب والبنيَة التحتيّة والخدمات ليسَ لأنّ شعبَ أبوظبي ودبيّ ينتجُ أكثر مما ينتجُ شعب أم القيوين وعجمان والفجيرة ولكن لأنّها لا تسبح في برك ذهبٍ سوداء كالتي تسبحُ بهما الإماراتين "اللتين على رأسهما ريشة" ॥

يحزنني أن نتحوّل إلى شعبٍ متذمّر .. متطلّب ، بينما نحنُ لم نقدّم لهذا الوطنِ ما يستحق .. يحزنني أننا نريدُ ونريدُ ونريدُ ولكننا لا نريدُ أن نعطي .. يحزنني أنّنا امتلكنا البنيان .. لكننا لم نهتدِ للانسان!

يحزننيْ أنني كلّما ذهبتُ لاجتماع مع مؤسسة حكوميّة أو عسكريّة .. سألنيْ الموظفون هناك: تو انتي عمانية .. ليش تشتغلي في القطاع الخاص؟ روحي حكومة ... نعم! لقد مللتُ هذا السؤال ..في الوقتِ الذي التحقَ أغلبُ زملائي بالقطاع الحكوميّ .. فأيّ تطوّر في الانتاجية سيحدث ونحنُ نتخرّج من الجامعة ونلتحقُ بأقربِ مؤسسة حكوميّة ، والأولويّة لمن تدفع أكثر! شبابٌ في مقتبلِ العمر ، ننتظرُ منهم أن يقدّموا للوطن ما انتظرناهُ لأربعين عاماً .. إلا أننا نقفُ عند نقطَة مسدودة ونحنُ نرتفعُ قليلاً وننخفضُ قليلاً عن المساهمة العشرينيّة في دخل وطننا ..

آه .. يا أصدقائي .. اسرائيليّ واحدٌ خرجَ مقابل 1027فلسطينيّ ، تحتلُ 13 جامعَة اسرائيليّة من بلدهِ مراكزها المتقدمة ضمن أفضلِ خمسمائة جامعة عالميّة.. آه لو أنني أعرفُ إجاباتِ الأسئلة أعلاه ، ربّما كنتُ أخبرتكم حينها كم هي قيمَة الفرد العُمانيّ في السوق العالميّة؟

الأربعاء، 23 نوفمبر 2011

ثرواتكَ الوطنيّة .. أمانة! يا صاحِب "التفالَة" العظيمة

لا أكثر سوءاً حينَ تخرجُ صباحاً إلى عملك .. بنفسيّة منفتحة وعقليّة مستعدة للإنتاج .. تقفُ عند إشارات المرور ، تنظرُ إلى النّاسِ بحبّ ، إلى السيّارات بحبّ ، يضربُ لكَ السائق خلفكَ "هرنهُ" بحبّ كي يحثّك على الدخول من الطريقِ الفرعيّ للرئيسيّ .. معَ ذلك تبتسمُ لهُ وأنتَ تعتقدُ أنّ يومكَ سيبدأ بالحبّ وينتهي بالحبّ.. وفيما أنتَ تنتظرُ دوركَ وسطَ طوابير السيّارات أمام إشارة المرور .. يفتحُ سائقُ السيّارة التيْ تقفُ أمامك بابهُ .. يطلّ برأسهِ وَ "ككككككخخخخخ" .. يرتفعُ صوتُ بصقهِ على الأرضِ وهوَ ينظّف حنجرتهُ من ركَام "شيشة الشوكولاتة" التيْ عبّها البارحَة عباً في حنجرته .. وركَام علكَة الكيف التيْ خبّأها البارحة خلسَة تحت لسانه .. يبصقُ على الأرضِ كيْ يمنحَ "حنجرتهُ" متنفساً قصيراً من طبقَات الأوساخ العالقة من الأمس .. وليسَ عليكَ سوَى أن تبصرَ "التفالة" الكبيرَة التيْ استقرت في الأرضِ لتدرك خبيصَة "المصائب" التيْ تعجّ بها.. تحدّق إليها بكلّ قرف وتتبخّر حينها كلّ حالة الحبّ التي بدأتَ بها يومَكَ وتفكّر .. بسينَاريُوهات مختلفَة لمعاقبَة "صاحب التفالة العظيمَة" الذي عكّر عليك يومك ..

عن نفسيْ فإنّ سيناريُوهات مختلفَة تنتابنيْ وأنا أحدّق إلى ذاك المزيج الشفّاف بألوانهِ الخضراء والسوداء والبنيّة وبتركيبته اللزج .. وأفكّر بلسَان "صاحب التفَالة العظيمة" وبغددِه "المتضخمَة" التي تدرّ كميّة التفال الكبيرَة تلك .. أحدّق إليهِ وأنا أتخيّلنيْ أترجّل من السيّارة .. أحييه مبتسمَة .. أمدّ يدي إلى فكّه .. وأفتحه بقوّة .. أمسكُ بلسانهِ وأقطعها بسكين حادّ وأذيبها أمامهُ في سائلٍ من الأسيد .. أعيدُ إطباق فكّه وأنا أحدّق إلى البخَار المتصاعد إلى الهوَاء بفعلِ احتراق لسانهِ في الأسيد ..

يبدُو هذا السيناريُو الأكثر وروداً بخاطري كلّما رأيتُ "صاحب التفَالة العظيمة" يجُود "بتفالتهِ" على أرضنا الأمّ .. ولأننا حتّى اليوم لا نملك قانُون يحظر على أصحاب "المخزونِ التفاليّ العظيم" إيداعَ مخزونهم على الأرض .. فإنّ علينا أن ننتظرَ الاخوَة المشرّعين المشغولين برفع رصيد الاقتصاد في البلد ، بتشريع قوانين الحريّات والنشر ، بحلّ مشاكل البطالة ، بمكافحَة السرقات والجريمة ، المشغولين بتنظيم قوانين القيَادة في الطريق، بحلّ التحديّات التيْ تواجه الشباب العُمانيّ ، برفع مستوَى التعليم العالي في البلاد ، بتنظيم حقوق المستهلك، فإنّ علينا أن ننتظر حلّ كلّ التحديات السابقة التيْ ينشغلُ بها "حالياً" المشرّع العُماني حتّى يتفرّغ لحلّ كافة التحديّات المتعلقة ب "تفريغ احتياطي التّفال في عُمان" ..

هذا الاحتياطيّ الذي لم يعد حكراً على اخوتنا من الشعبّ الهنديّ الشقيق ولكنّ المنافسة العمانيّة دخلت بقوّة إلى السوق ربّما .. أقولُ ربّما لتدعيم دور التواصل الثقافيّ بين الشعوب بالنظر إلى عمق وأصالة الاحتكاكِ المجتمعي بيننا والشّعب الهنديّ والذي أصبحتْ ثقافة "التتفيل" جزءاً من هذا الاحتكاكِ الضاربِ في عُمق التاريخ .. ولا أقرب مثالاً من مومبَاي العُمانيّة "مطرح" التي تعجّ أرضها بعظمة تلك الثروة حتّى أنّ على العابر في طرقها أن "يرفع دشداشته أو عباءتها" ويغضّ الطرف عن التجمع البشريّ الهائل المحيط بهِ ويحدّق على الأرضِ ليتأمّلها بخشوع خوفَ أن يمسّ بطرف دشداشتهِ خلاصَة الثرواتِ العمانيّة/الهنديّة تلك ..

وحينَ أفكّر في الدور الذي ستلعبهُ هذهِ الثقافة في تأصيلِ التبادل الحضاريّ هذا أشعرُ بالسّخف الشديد وأنا أفكّر في اخواننا بسنغافُورة الذين سنّوا غرامة ماليّة قدرها 175 دُولار (70ريال عُماني) على من "يتصدّق" بتفالته على أمّنا الأرض! بصرَاحة تامّة: اخواننا في سنغافورة مالهم حقّ! .. وبالتأكيدِ ليس لهُم الحقّ أيضاً في نشر صور المتهمين بالبصقِ في الصحفِ السنغافوريّة .. فلماذا كلّ هذا التشهير بأصحَاب هذه الثروَات الطبيعيّة الانسانيّة العظيمة .. رغمَ أنني في الجانب الآخر أفكّر لو أنّ الحكومة –بسعيها الدؤوب لابتكَار الوسائل المتعددة لسلب كلّ قرشٍ من المواطن- أفكّر لو أنّ الحكومة سنّت تشريعاً بتغريمِ أصحاب الثروات البصاقيّة العظيمة .. كم كانتِ الحكومة ستجني من الدخل .. وكم سيكُون جيّداً لمكافأة المبلغين عنهم لحثّ المجتمع على إبقاء "تفالته" في فمه بدَل تكريم الأرضِ بمكوّناتها العضويّة العجيبة ..

حسناً .. في بعضِ الأحيان يردني سيناريُو حملَة وطنيّة مبتكرَة وأنا أحدّق إلى اللافتة الجانبيّة للطريق .. "الماء ثروَة وطنيّة فلنحافط عليه" .. ويخيّل إليّ لو أننا بدأنا حملَة وطنيّة عنوانها "تفّالك ثروة وطنيّة ، فلتحافظ عليها" .. هل كانَ هذا سيغير من الأمرِ شيئاً؟

إلا أنني أعودُ حينهَا وأتراجعُ وأنا أفكّر أنّنا يجبُ أن نعنونَ الحملة بـ"ابصقُوا ، ابصقُوا على أنفسكم" وندشنَها بالعبارَة التاليَة: ابصقُوا .. ابصقُوا كثيراً ولكن على أنفسكم .. انظروا إلى المرآة .. والبصاقُ يملأ أجسادكم وأخبرونَا حينها .. إن كنتُم ستهدرُون بصاقكم مرّةً أخرى على الأرض .. أم ستبقُونَه ثروةً "لأنفسكم" !

الاثنين، 21 نوفمبر 2011

نموتُ .. نمُوتُ .. فيمُوت الوطَن!

"في بلادٍ ..

نسجَ الخوفُ

على الأعينِ

ظلّ العنكبوتْ . .

لم نعد نبكي

على مَنْ ماتْ

بل مَنْ سيموتْ"

عبدالرزّاق الربيعيّ


نعُم .. لم نعدْ نبكِي على أمواتنا .. بل على أحيَائنا الذينَ ينتظرُون دورهم في حفلاتِ الموتِ الجماعيّة التيْ تقامُ يومياً على طرقَاتنا ..

نعم لمْ نعد نبكيْ على الأموَات .. لأنّهم أصبحُوا أرقاماً حاضرَة في تاريخ كلّ أسرة عُمانية .. لا نسأل هل فقدتم في حوادث السّير ولكن نقُولُ كم فقدتُم؟!

وإن كانَ عبدالرزّاق الربيعيّ كتبَ عن أبناءِ وطنهِ في العراق الذينَ يقضُون حتفاً في صراعاتهم الطائفيّة وفي التفجيراتِ الإرهابيّة وبرشَاشات المحتلّ، وإنْ كان الشباب في البلدانِ العربيّة يقضُون حتفاً برصاص قنّاصة شرطتهم في مظاهراتهم ضدّ أنظمتهم.. ويقضُون حتفاً في ساحاتِ الجهاد .. يمُوتون في سجُون تعذيب مخابرات حكوماتهم فإنّ أياً من هذا لا يحدثُ في عُمان وإنّما يمُوتُ العُمانيّ في توَابيت حديديّة .. في أكفانٍ من معدن يقُودها فيعُودُ إلى عائلتهِ جثّة ً هامدة ..

أشعرُ بالفجيعَة وأنا أقرأُ كلّ يوم ضحايا حفلاتِ الموت الجماعيّة في عُمان .. أصَابُ بالفجيعَة حين أفكّر أنّ المجتمع بدأ يعتَادُ سبب القتلِ الرئيسيّ في عُمان .. وبدأ يعتَادُ فكرَة الموتِ في الحوادث .. وأنّ أياً من ولايات السلطنة لم ترفع حتّى الآن حالة طوارئ بينَ سكّانها ..لم يشكّلوا لجنَة طوارئ لمداراة المجازر اليوميّة التي تفتكُ بنا .. أنّهم لم يخرجُوا بأطفالهم ونسائهم ومواشيهم مستجدين "يستسقونَ" الرّحمة من الله ليكفّ عنهم "ابتلاء الحوادث" .. ابتلاء الحوادث الذي فتك بهم أكثر من جفاف الأرض التي لم يَتوقفوا عن صَلواتِ الاستسقاء ليحييها بالمطر ولكنّهم لم يخرجُوا كذلك ليستسقوا فيحيي اللهُ الصحوَة في قلوبِ أبنائهم .. أنّهم لم "يعتصمُوا" مطالبين الحكُومة بوضعِ قوانين أكثر صرَامة من مجرّد شعارات معلّقة على جانب الشارع!

يشعرنيْ بالفجيعَة أنّ الشعبَ العُمانيّ لم يستيقظ بعدُ على جديّة "المصيبَة" التيْ هوَ مقدِم عليها .. في الوقتِ الذي تشكلّ فئة الشباب غالبيّة قتلى الحوَادث .. وإنْ كانتِ البنية التحتيّة لقطاع الطرق في عُمان تلعب دوراً كبيراً في القتلى وتتحمّل مسؤوليّتها الدولة فإنّ الأرقام الضوئيّة للقتلى لا تعبّر فقط عن مشكلة في قطاع النقل وإنّما عن وجود ثغرَة خطيرة في عقليّة المجتمع العُمانيّ ..

مجتمعنا الذي يتعدّى المليونين بقليل اعتَاد على يفتحَ الجريدة ويطالع خبر وفاة 20 فرداً هذا الأسبوع في الحوادث .. أربعة قتلى في حادث واحد .. موت عائلة بكاملها في الشرقيّة .. احتراق مركبتين بركابهما في نزوى ..

البارحَة كنتُ أخبر زملائي أنّ عدد قتلى الحوادث للأسبوع الماضي في السلطنة بلغَ 22 قتيلاً .. وكم كانَ الجميعُ صعقاً لسماعِ هذهِ الاحصائيّة .. ففي دولة كالمملكة المتّحدة يمُوت فيها شخصٌ بسبب حادث سير من كلّ 17ألف شخص نسمة .. يبدُو رقماً خيالياً أن يموتَ شخص عُمانيّ من كلّ 2000شخص في عُمان! يا إلهيْ! ألا تلمحُون معي حجمَ خطورَة المسألة؟

وحينَ نتحدّث عن وصولِ أعداد الوفيّات إلى هذا الرّقم فنحنُ يجبُ أن نغطي أيضاً نمط القوانين المؤطّرة للقيادة لدينا في السلطنَة .. إذ لا تزالُ قوانينُ المخالفات تتعامل بليونَة مع المخالفين .. قيمَة مخالفة السّعر المتدنيّة فيما رفعت الإمارات العربيّة المتحدة سعر مخالفة السرعة فوق المسموح إلى قرابة 60ريال عُمانيّ .. تخيّلوا لو أنّ سعر المخالفة لدينا هكذا في عُمان فإنّ تحصّل أي قائد مركبة لمخالفة سرعَة بهذهِ القيمة فستجعله يفكّر ألف مرّة قبل أن يعيد الكرّة وهو يعرفُ أن 60ريالاً تنتظرهُ ليدفع قيمة المخالفة .. في عُمان لا يمرّ يومٌ دون أن نقف عند إشاراتِ المرور ونلمح أمامنا السيّارات تتدافع حتّى حين تتحوّل الإشارة للحمراء لتقطعَ سيّارةٌ بسرعة جنونيّة الإشارةَ الحمراء .. ألا ينبغي التعامل مع هذا الواقع اليوميّ بقانونٍ أكثر صرامة؟

لا يمرّ يومٌ ولا نلمحُ سيّارة تطيرُ بسرعة 140كم/الساعة وما أن تصلَ عند الرادار تضيء مكابحُ السيّارة الحمراء .. ولا يمرّ يومٌ دون أن نلمح عُمانياً يقودُ وهو يتحدّث على الهاتف ..

وليسَ غريباً جداً أن نمرّ على العُمانيّ وبجانبهِ في المقعدِ الأماميّ يقفُ طفلهُ ذو البضعِ أعوام ..

ثقافَة الأحزمة في المقاعد الخلفيّة للأطفال لم تُخلَق بعدُ في عُمان .. في الوقتِ الذي لو فعلها أيّ عُمانيٍ في دولةٍ كالمملكة المتّحدة فإنّ أوّل ما سيحدث هوَ سحب وصايته على طفلهِ منه ومنحها للجهات الاجتماعيّة .. ربّما حتّى ينزلَ اللهُ رحمتهُ على عبادهِ فيصدرَ قانونٌ يمنعُ الآباء من القيادة ما لم يربط أطفالهُم أحزمَة الأمان .. بل إنّ العمانيين لا يستغربُون إطلاقاً رؤية عُمانيّ يضعُ "بينَ رجليه" طفلهُ الرضيع وهو ممسك بمقودِ السيّارة .. هذا الموقف بالذّات تحدّث إليّ عنهُ بدهشَةٍ أكثر من أجنبيّ قاد في شوارعِ السلطنة وصادفَ هذا الموقف .. وقدِ استمعتُ إليهِم دون أن أخبرهم أني أعرفُ نساءً .. يرضعنَ أطفالهنّ وهنّ يقدنَ السيّارة!! تخيّلوا!

أوّل ما يدهشُ الغريب هنا في عُمان .. أنّ الفتيات يقدن السيارات في كثيرٍ من الأحيان بتهورٍ لا يقلّ عن الرجال .. بل إنني بتّ ألمح كثيراً كيف تتخطى فتياتٌ كثر في ذروة الزحام السيارات التي أمامها وتعبر داخل الخط الأصفر الجانبيّ للشارع .. كيف تقف فتيات في مواقف المعاقين .. ربّما لاعتيادهنّ ثقافة: أنتِ فتاة؟! إذن تفضّلي!

لا يمرّ وقتٌ دون أن نلمحَ عُمانياً يقودُ بيدٍ ويشربُ "شاياً ساخناً" في اليد الأخرى ..

لا يمرّ وقتٌ دونَ أن نلمحَ عُمانياً .. "يرجع للخلف" في الشارع العامّ وقد فوّت مدخلاً جانبياً محاولاً الدخولَ لهُ مجدداً..

لا يمرّ يومٌ دونَ أن نقودَ في الخطّ السريع في الشارع فتلتصق خلفنا سيّارة ملحّة تارةً بالضوءِ الأقصى وتارةً بجرس السيّارة على أن نتزحزح من أمامها بينمَا تفصلنا عن مقدّمتها "بضع سنتيمترات"

لا يمرّ موقفٌ دونَ أن يفاجئنا أصحابُ التكَاسي "بمقالبهم" اليوميّة في الشارع ..

لا يمرّ يومٌ دون أن نلمح سيّارة تعبرُ داخل الخطّ الأصفر في الصباح .. متجاهلةً عشرات السيارات التي تتخطاها ..

لا يمرّ وقتٌ دونَ أن نقرأ في الصّحف خبرَ موتِ طفلٍ رضيعٍ في حادثٍ لأنّ "والديه" لم يكلّفا أنفسهما عناء توفير كرسيّ خاصّ له في السيّارة ..

لا يمرّ يومٌ في عُمان دونَ أن نلمحَ "الآسيويين" يتقافزُون أمامنا في مشهدٍ انتحاريّ لعبُور الشّارع ..

ولا يبدُو كلّ ذلك مستغرباً وأغلبنا نتاجُ "تدريبٍ غير واعٍ" .. في مهنَة كمهنة تعليم القيادَة تديرها فئات غير "مؤهلة تعليمياً" لتعليم النشء القيادة ..في الوقتِ الذي يسبقنا فيهِ جيراننا في الإمارات بأشواطٍ ضوئيّة عبر مدارس محترفة لتعليم القيادة نظرياً وتطبيقياً .. هذا بالتأكيدُ بعيدُ المنال في عُمان حتّى ليخيّل إلينا مع كلّ العشوَائيّة التي تشهدها شوارع السلطنة أنّ ثلثي الشعب العُمانيّ يحتاجُ أن يعود إلى مقاعد الدرَاسة لدرَاسة قواعد القيَادة السليمَة ..

نسمعُ منذ سنوَاتٍ عن قوانين تنظّم عملية تعليم القيادة في السلطنة وعدا عن ذلك لم يحدث شيءٌ سوى أن يرفع معلّمو القيادة يوماً بعد يومٍ أسعار تدريبهم إلى أسعارٍ خياليّة .. فعقدُ التعليم يكلّف على الأقلّ 500ريال عُمانيّ للشخص! وإذا كنتَ محظوظاً فلن تجد معلّم قيادة يدرّبك بأقلّ من6ريالات في السّاعة.. وأقصَى ما نفعلهُ من التعليم النظريّ هو حفظ إشارات الطريق .. ولأجلِ ذلك ليسَ غريباً أن يتصرّف الشعبُ بهذهِ العشوائيّة لأنّ نظام التثقيف النظريّ والامتحان النظريّ في قواعد القيادة السليمة لم تصلْ بعدُ إلى عُمان ..

لا نزالُ حتّى اليوم نشهدُ حفلات الموتِ الجماعيّة ونتفرّج عليها دونَ أن نجدَ خطواتٍ أكثر صرامة من الحكومة .. لماذا لا تنشرُ الشرطة أعداداً أكبر من أفرادها في الطرق؟ أينَ ذهب الآلاف الذينَ انضمّوا للشرطة بعد أحدَاث فبراير 2011؟ ألا يجدرُ بنا أن نراهم يملؤون الشّوارع لحمَاية هذا الشّعب من أكفان المعدن التي نراها يومياً؟

على الشرطَة أن ترفعَ من درجَة صرامتها في التعاملِ مع المتجاوزين .. فأيّ خطأٍ يرتكبه قائد المركبة في الشارع يجبُ أن يحَاسب .. لماذا نرى سيّارات الشرطة تقفُ على جانبِ الطريق فيما النّاس لا توليها أيّ اهتمام مواصلةً ارتكَاب أخطائها أمام أفراد الشرطَة دونَ أن يحرّك الشرطيّ ساكناً؟

جيراننا في قطر والامارات والكوَيت وعوا قبلنَا خطُورة المشكلة وشخّصوها عبر تحسين شبكة الطرق وتشديد القوَانين وتركُوا العقليّات لتتآلف معها .. فالعقليّات مهمَا تبلدَت تنيرها القوَانين ومهما جمدَت فإنّ القوانين –مع الزّمن- ستكُون كفيلة ً بإعادة الحياة إليها ..

أرجُوكم .. احمُوا هذا الشّعب من طيش شَبابه .. احمُوا هذا الوطن من فقدَان ربيعِ شعبهِ .. احمُوا أجيالاً تنتظرُ دورها في هذهِ الحياة .. احمُوا أسراً تنتظرُ أن يحملها الشبَابُ على أكتافهم .. واحموا العقليّة العُمانيّة من العشوَائيّة التيْ غزت الطرقَ في عُمان ..

احمُوا هذا الوطن بالقوَانين التيْ خلقت لتعالجَ المشكلة .. وأنشأت لتنظم حياة الشّعوب .. قوانيننا لا تعايشُ المرحَلة .. ويبدُو أنّ المجتمع والحكومَة على السّواء لا يزالُون في نومَةٍ "كهفيّة" لم يوقظها العشرَات الذي يتسَاقطُونُ في الشّوارع كلّ يوم! اجعلُوا هذا الوطنَ ملاذاً آمنا لأطفالنا ومستقبلهم .. لشبابٍ أوشكُوا على أن يبنُوا أسرهم .. أو بدؤوا مع زوجاتهم حياةً جديدَة ً أنهتها آلاتُ الموتِ الحديديّة التي نقُودها كلّ يوم ..

المشكلة ليستْ نتاجَ سببٍ واحد .. وإنّما تراكم أفكَار خاطئة أنتجتها عقليّات لم تدركْ بعدُ حجم الأزمة وعقليّات اعتادت عدم احترام القوانين ، وقوانين عفا عليها الزّمن .. وزمَن تحوّل الموتُ فيهِ إلى زائرٍ يوميٍ في الطرقات .. دعُونا نحتفل بالحيَاة في هذا الوطن .. لأننا لا نريدُ أن نمُوتَ .. نمُوت .. فيمُوت الوطن!

السبت، 19 نوفمبر 2011

أزمَة "ملح" في الأسوَاق العُمانيّة!


"هرمنَا .. هرمنَا! من إعلانات الضّعف الجنسيّ" هكذا تبادرَ إلى ذهني وأنا أقلّب صفحات صحيفَة عمانيّة..

في ملحق إعلاناتٍ واحد فقط .. رصدَت كاميرتي كلّ هذهِ الإعلانات التيْ أصبحتْ واقعاً يومياً في الصحفِ العُمانيّة!

وكأنّ كلّ مشاكلِ عُمان انتهت وكأنّ كلّ مشاريع "الإصلاح والتطوير" نفّذت .. ولم يتبقّ لدَى العُمانيّ إلا "تطوير" أدائه الجنسيّ في الفراش!

وطريقَة الترويج المبتذلة وأسماء المنتجات "السمجَة" مرّت "سهواً" أمام مقصّ الرقيب في الصحف العُمانيّة فيما لا تمرّ أمامه شاردَة ولا واردة إذا تعدّى الكاتب العُمانيّ حدوده في الموادّ المنشورة إلا وانهالَ عليهَا قصّاً وقطعاً..

آه .. إنني أتذكّر الآن .. باولو كويللو في رواية 11 دقيقة .. حينَ قال أحدُ أبطال الرواية: "الجنس ، الجنس ، الجنس، إنّه ملح الأرض!"

يبدُو أنّ ثمّة أزمَة "ملح" لدينَا في البيُوت العُمانيّة!





هل نحنُ شعبُ اللهِ المختار؟

لا شيءَ يقلقنيْ في عُمرِ هذهِ المرحلَةِ الحقيقيّة من حياةِ الانسانِ العُمانيّ والشعبِ العُمانيّ كما تقلقنيْ الخطاباتُ التيْ تمجّدُ للشعبِ .. تظهرهُ على أنّه "الكمال" .. وتنفي عنهُ أيّ صفَة عيب.. تقلقنيْ الخطاباتُ التيْ تهاجم الكاتب لأنّه انتقد سلوكيّات مجتمعه .. عاب عقليّة ً محليّة .. فإذا كانَ الكاتبُ عاجزاً عن "كشف عورَة المجتمع" وتهذيبه .. عن الأخذ بيدهِ وإيضاح سلبيّاته .. إذا كانَ الكاتبُ لتمجيد المجتمع وتضخيمهِ ووضع مساحيقِ التجميل على عيوبهِ ، ففيمَ تكمنُ قيمَة الكتابَة للمجتمع وعنِ المجتمع؟

في عُمان انتشرت مؤخراً خطاباتٌ تمجّد المجتمع والشعب ، تهاجمُ أيّ مادةٍ تنتقد تصرّفات خاطئة للشعب وكأنّ مليوني عُماني نزلوا جميعاً من الجنّة .. وكأنّ العُمانيّ لم يسرقِ العُمانيّ .. وكأنّ العُماني لم يظلم العُمانيّ ، وكأنّ العُمانيّ لم يحقّر العُمانيّ ، وكأنّ العُماني لم يفترِ على العُمانيّ .. وكأنّ كلّ من فعل ذلك هُم "كائناتٌ فضائيّة قدمت من المرّيخ"..

تقلقني بشدّة هذه النبرة التي بدأت تنتشر في الخطابات .. ويقلقنيْ ندرَة وجود الكاتب الحقيقيّ الذي يتحدّث باعتدال .. عن حسنَات هذا الشعب ومساوئه .. عن ثغراتهِ وعثراته .. عن الانسان العُمانيّ غير المنزّه ، والمجتمع العُمانيّ غير الكامل .. ويقلقنيْ أكثر أنّ الشعب بدأ يرسّخ هذه الخطابات فيرفض أيّ مادةٍ تنتقده .. وهذا ما حدثَ لي شخصياً في مقالاتٍ كثيرَة ليسَ أبعدها مقالي عن الإعصار الذي انتقدتُ فيهِ حبّنا للشائعات .. فجاء بعضهم ليشكك في وطنيتي ويتهمني باستهانتي بما مرّ بالشعبِ العمانيّ في جونو وفيت .. فإنْ كانتِ الحكومة تتحمّل جزءا من تبعات ما حدث فهل فيجبُ أن نتخلى أيضاً عن مسؤوليتنا كشعب في نشرِ الوعي بينَ أبنائه؟

أخافُ أن يركبنا الغرُور ونحنُ نصمّ آذاننا عن أيّ شيءٍ سوَى القول القائل بأنّ "العمانيين شعب راكز" .. "عاقل" .. "متعاون معَ الغريب" .. "مسالم" .. ونغرقَ في هالةِ ما سبق وننصرف عن تقبّل عيُوبنا ومحاولة إصلاحها ..

الأوصافُ السابقة نسمعها كثيراً خاصّة ً من غير العُمانيين وما علينا أن نفعلهُ هوَ أن نرسّخ ما سبق ونتمسك بتلكَ الهُويَّة ونسعى إلى ردمِ العيُوب الأخرى ..

حين خرجَ العمانيّون للتظاهر في فبراير 2011 لم يخرجُوا ليتظاهرُوا ضدّ كائناتٍ هلاميّة .. بل خرجوا للتظاهُر مطالبين برحيل "عُمانيين" .. "عاقلين ومتعلّمين وهادئين وطويلي بال" وبهم من الصّفات الجيّدة ما بأيّ عُمانيّ آخر .. لكنّ ذلك لم يمنعهم من استغلال هذَا الشّعب .. وتسخير هذا الشّعب لخدمَة مصالحهم .. والاستيلاء على ثروَات هذا الشّعب ، وتحويل الوطن إلى مزرعَة لشلّتهم وجماعتهم..

هؤلاء كانُوا عمانيين جداً .. وحينَ جاء العُمانيّ بعدهم ليمسك بيدِ السلطة فالعُمانيّ أيضاً كانَ من مدّ يدهُ على أخيهِ المعلّم بـ"العصا" ..

العُمانيّ نفسه .. الذيْ يعبّئ مخازنهُ وسفنهُ بخيراتِ بحرِ شعبهِ ويبعثها إلى الخارج فيمَا العُمانيّ الآخر يشتري كيلُو "الجيذر" بـ3ريال ونصف في سُوق السمك ..

والذيْ ذهبَ إلى الفقراء وجلسَ معهم على بسطَة بيوتهم ودفع فواتير كهربائهم ومدّ يده بالعشرين والثلاثين والخمسين ريالاً ثمّ لم يروه بعدَ ذلك أبداً بعدَ أصبح بينَ ليلةٍ وضحاها "سعادَة عضو مجلس الشورى" لم يكنْ "قادماً من قصص أليس في بلاد العجائب" بلْ كانَ انساناً عُمانياً أصيلاً !

والذيْ "ضبّط موضوع" زوجته في الهيئة الفلانيّة فتوظّفت "على خشم" ثلاثين متنافس معها انتهَت أوراق طلباتهم للوظيفة إلى أقرب سلّة مهملات كانَ عُمانياً أيضاً .. وبامتياز!

العُمانيّ نفسهُ الذي نصادفهُ وهوَ يتخطى إشارة المرور الحمرَاء ويقلقُ من الرادار أكثر من قلقهِ من مخالفةِ قوانين وطنهِ ، والعمانيّ قائد التاكسي الذي يتصرّف وكأنّ شوارع عُمان مسجّلة باسمِ والدهِ .. والعُمانيّة التيْ تركن سيّارتها في "مواقف المعاقين" ..

العُماني الكسُول غير المنتج .. الذي يصل دوامهُ في التاسعة ويغادرُ في الواحدَة ويخرجُ خلال ساعَة العمل ليشتري "راشن من اللولو" .. ويقرأ الجريدة من الصفحة الأولى والأخيرة .. هذهِ النوعيات التيْ صادفتُ منها شخصياً الكثير .. ولربّما يكونُ من قرائي منهم الكثير ويحزنني أن أقولَ أنهم عُمانيّون أصيلون .. وموظفون غير منتجين .. ويحزنني أكثر حينَ استمعتُ البارحَة إلى صديقتيْ الطبيبة النفسيّة التيْ أعربتْ عن قلقها على الشعبِ العُمانيّ الذي بدأ يتحوّل إلى مجتمع متطلّب أكثر منهُ كشعب منتج متحدثّة لي عن حالاتٍ كثيرة تمرّ عليها .. عن الذي يدّعي خللاً نفسياً في شخصيتهِ ليحصلَ على تقاعدٍ مبكّر.. عن الذينَ لا يتوقفونَ عن زيارتها ليتحصّلوا على عذرٍ يبرر غيابهم عن العمل .. عن الطلاب الذينَ يبتكرُون كلّ يومٍ سبباً ليتغيبُوا عن امتحاناتهم الجامعيّة .. عن "مغتصبي الأطفال" الذينَ يتحوّلون إلى كائنات "معقّدة" نفسياً فرّغت كبتها في اغتصَاب طفل ..

هؤلاء جميعاً عُمانيُون .. ولدُوا بعمان .. ويتحدثونَ بلهجة عُمان .. ولا يختلفُون في "هدوئهم" و"طيبتهم مع الغريب" .. عن أيّ عُمانيٍ آخر لكنّهم ليسُوا كائنات مباركَة ومنزّهة عن الخطأ ..

نحنُ شعبٌ خطّاء كباقي الشعُوب .. بنا ما بنا من الحَسن وبنا ما بنا من السوء .. منّا النزيهُ والفاسد .. منّا الصالحُ والمجرم ، منّا المتسلّق والمتعفف .. ولكنّ علينا أن نصغي لصوتِ الآخر .. علينا أن نتقبّل خطابَ النقد .. وأن نعيْ لمشاكلنا وأن نعترفَ بها فأولى حلولِ العلاج هوَ الاعتراف بالمرضِ بعدَ تشخيصه .. لا تمجّدوا العُمانيّ ولكنْ كونوا صادقين معه .. ولا تقدّسوه ولكنْ كونوا واقعيين معه .. وأحبّوه لكنْ انتقدوه .. واحترمُوه لكنْ اكشفُوا أخطاءه .. فإذا لم يكتب العُمانيّ عن العُمانيّ فمن ذا الذي سيكتبُ عنه ..

نحنُ لسنا شعبَ اللهِ المختار .. فلا مكانَ للكاملين على الأرض .. آخرُ الكاملين كانَ محمّد ، ومحمّد ماتَ قبلَ أربعَة عشرَة قرناً من الآن!

الاثنين، 24 أكتوبر 2011

وهُم يحسبُونَ أنّهم يحسنُون صُنعـَا!

حدثَ في إحدَى الشركاتِ التي تدرّبتُ بها..أنّ أحدَ زملائي البريطانيين في العملِ طلبَ أن تسكِّنه الشركَة ُ في "فيلا" بدلَ تسكينهِ في شقّة .. ورفضَ مديرنا ذلكَ وحينَ جاء ليحتجَّ لدى المدير –وهوَ بريطانيّ أيضاً- سألهُ المدير: من أيّ مدينةٍ في بريطانيا أنتَ؟ فردّ الموظّف: من ليفربول .. فقالَ لهُ المدير: في ليفربول .. هل تقيمُ في فيلا؟ فأجابهُ الموظّف: لا .. فقالَ لهُ: إذن لماذا تطلبُ فيلا هنَا .. وأنتَ تقيم لوحدك وتستلمُ علاوَة "العمل ما ورَاء البحار"، لو أنّك جئتَ مع عائلتكَ وأخذتْ منكَ هذهِ العلاوَة لأقمتَ في فيلا.. أما وأنتَ وحدك فلا ..

حينَ غادرَ الموظّف غاضباً قال لي مدِيري أنّه علم من لكنَةِ الرجل الانجليزيّة أنّه من الطبقَة الاجتماعيّة الدنيا في بريطانيا وعلمَ تماماً في أيّ الأحياء يقطنُ في ليفربُول.. ثمَ تابعَ قائلاً أنّ من أكبرِ الأخطاء أن نقنع أنفسنا باستحقاقِنا للحصُول على ما لا نستحقّه ..

قبلَ أن يأتي هذا المديرُ ... كانَ ثمّة مدير آخر قبله .. وكانَ الموظفونَ يتصرّفون في تلكَ الشركَة كيفَ يشاؤون .. أحدهُم اشترى لشقتهِ تلفزيوناً "بألفِ ريال" وآخر مهندس عربيّ كانَ يترجِمُ الرسائل العربيّة التي تردنا من الوزارات للمدير الذي لا يتحدث إلا بالانجليزيّة .. يترجمها بـ15ريال للورقَة حتّى وإن لم يتعدّ ما كتبَ بها سطران .. وحينَ يأتي موظفُون من خارج السلطنة ويقيمُوا لبضع أيّامٍ في فنادق الخمس نجوم التيْ توفّرها الشركَةُ لهم ، ويغادرُوا بفواتير بمئات الريالات بسبب مصاريف الشّراب الذي لا تعدّ الشركة مسؤولةً عن دفعهِ إلا أنها تتكفّل بدفعهِ عنهم ..

لم يكنْ يدهشنيْ التسيّب الذي كانَ يحدثُ بقدرِ ما كانَ يدهشنيْ هوَ أنّ جميعَ هؤلاءِ الموظفين كانوا يتصرّفون وكأنّهم يستحقُون ما يحصلُون عليه .. أنّ ذلك من حقهم وأنّ حرمانهم منهُ ظلمٌ له ..

وحينَ استبدل المدير بمديرٍ آخر بعد تدهور الأوضاع الاقتصاديّة ثارَ الموظفون نظراً لصرَامة الأخير في الانفاق .. وكنت مندهشَة ً للغاية .. كيفَ يبرر موظفٌ شراءهُ تلفزيوناً بألفِ ريال لشقتهِ .. والآخر الذي يستخدمُ سيّارة الشركة ذات الدفع الرباعي رغم أنهُ يستلم علاوة سيّارة .. كانَ يدهشنيْ جداً كيفَ أقنعُوا أنفسهم باستحقَاقهم لما سبق ..

كانَ ذلكَ هوَ تفسيري دائماً لتدهُور الأوضاع الاقتصاديّة في هذا الوطن .. وتفشي سيَاسة الفسَاد والمحسُوبيّة والسرقة .. نحنُ نؤمن دائماً أننا –ومهما كانت طرقنا ملتويَةً في الحصول على الشيء- نعتقدُ أننا نستحقُ ما نحصلُ عليهِ .. ما نسرقهُ .. ما نلطشهُ من أموَال العامّ والخاصّ .. نعتقدُ أننا "نحسنُ صنعاً" ونحنُ نفعلُ ما نفعلهُ ..

وما يدهشنيْ أكثر هوَ وصولِ هوسَ البعضِ على الاستيلاء على كلّ شيءٍ هو "مضاربتهم" لموظفيهم في كلّ صغيرة وكبيرة ..

المديرُ العامّ يوصّي بكم جرَام زيادة في الزعفران العُمانيّ المخصص للمديريّة الفلانيّة في الوزارة الفلانيّة .. حتى يصطحب "الزيادة" لزوجتهِ المصون لتطبخَ لهُ قهوَة الصبَاح ..

المدير العامّ الذي لا يعذر حتّى من "كرتُونة الكلينيكس" ليصطحبها للبيت .. المدير العامّ الذي يوصّي بمؤونة هيل تكفيهِ ل10أعوَام قادمة لتضييف زوّار مكتبهِ بالقهوَة ومكاتب المديريّة بأكملها حتّى يتمّ شحنُ الكميّة لاحقاً للمطبخ.. ليسَ مطبخ المديريّة بالتأكيد .. ولكن مطبخَ زوجَة المدير العام ..

الموظّف الميكانيكي الصغير في شركَة البترول المعروفة الذي يدخلُ في حربِ منافسَةٍ شرسةٍ مع زملائه في من سيسرّب قطع خردَة من ورشَة الشركَة أكثر ليبيعها بضعف سعرها في السوق ..

الموظّف الحكوميّ الذي لا يشتريْ أقلاماً لأبنائه .. لأنّ أقلام "الحكومة" أحلى و"أغوَى" ..

رئيس مكتب الوزير .. الذي يوصي في كلّ توقيع اتفاقيّة بشراءِ قلمين بثلاثمائة ريال .. القلم السحريّ الذي سيخطّ الوزيرُ عليهِ بتوقيعهِ في دقيقتين ويتبادل الابتسامات والمصافحة مع الطرف الآخر .. وتضيء فلاشات الكاميرات وما أن ينتهي الحدث الإعلاميّ "يركض" الموظّف ويخشّ القلمين السحريين في جيبِ "دشداشتهِ" ..

أعضاء مجلس الشورَى الذينَ اختفَوا عن ولاياتهم لسنوَات وحينَ اقتربت ساعَة الصّفر أمّوا الناس في المساجد .. عطفُوا على الصغير .. مدّوا يدهم من الباب الخلفي بمائة ريال لهذهِ العائلة .. كرتُون خضروات لتلكَ العائلة .. قمصَان رياضيّة وأحذية أديداس لفريق الكرَة المحليّ .. هؤلاء كانُوا يؤمنون أنّ "الإحسان" الذي نزلَ عليهم من السّماء إنّما هوَ لأنّهم دونَ غيرهم يستحقُون تمثيل الولاية .. ومن المبرر جداً أنّ عضو مجلس الشورى "الرَاشي" يُحَاسب وزيراً على الفسَاد .. لأنّه يستحق أن يمثّل الولاية وإن تعدّدت الطرق والوسَائل

حتّى المؤسسات الحكوميّة المفترض بها تقدِيم يد المساعدَة للمواطنين تدهورَت بسبب أنّ الجميعَ يؤمن أنّه يستحق منحَ الديوَان دونَ غيره .. أنّه أحقّ بذهاب "الغوازي" لجيبهِ بدل أن تذهب لجيُوب آخرين ..

ولأجلِ ذلكَ فقدَ الديوَان مثلاً قيمتهُ الحقيقيّة في مساعدَة "المحتاجين" الحقيقيين .. ووجدَ كثيرٌ من المتسلقين والوصوليين طريقهُم إليهِ .. لأننا حينَ نؤمنُ جميعاً أننا نستحقّ جميعاً! فلا يعودُ حينها بيننا من "لا يستحقّ المنحة" . .

موظّف الاسكان الذي يتاجرُ بالأرَاضي ويأخذ العمولات مقابل توزيعها على من يدفعُ "لهُ" أكثر .. هوَ أيضاً يعتقدُ أنّ تصرفه وكأنهُ ورثَ تلك الأراضي عن أبيه .. أن تصرفهُ ذلك سليم وأنّ ذلك من حقهِ!

المواطن الذي يصحُو من النومِ فجأةً في يومٍ ما ويقرر أن يستأجرَ عاملينِ آسيويين .. ليسوّرا سور أرضٍ مجاورة له ، ثمّ يقول للمحكمةِ حينَ تستدعيهِ: والدي –رحمهُ الله- كانَ يروّح "سح" قبلَ ستينَ عاماً في هذهِ الأرض! .. المواطن أيضاً يعتقدُ في داخلهِ أنّ هذهِ الأرض إرثُ أصيلٌ له من والدهِ المرحوم!

حتّى المثقفين الذينَ لبسُوا جبّة المدافعينَ عن حقوق المواطنين بينما استلموا في يومٍ ما وفي زمنٍ ما منحاً ديوانيّة بأربعَة أصفار .. فعلُوا ذلك لأنّهم يعتقدُون أنهم يستحقُون مساعدَة الديوان وأنّ مدّ يدهم لطلب المساعدَة الديوَانيّة لا يتنافى مع مدّ يدهم لـ"كفخ" الحكومة في الجانب المقابل .. حتّى وإن كانَ ذلك المثقّف يمتلك وظيفَة أجمل ما يكون ، وسيّارة أجمل ما يكون .. فإنه يؤمنُ في داخلهِ أنّه يستحقّ كمواطن مساعدَة الديوان .. في الوقتِ الذي ندخلُ فيهِ يومياً مواقع الانترنت ونقرأ عن عائلاتِ تعيشُ بعشرَة أفراد في غرفَة مساحة 4 في 4 متر ..

نقرأ قصص العائلاتِ التي لا تمتلك ترف امتلاك "مكيف تبريد" في الوقتِ الذي تتجاوزُ درجاتُ الحرارةِ لدينا الخمسينَ درجَة ً أحياناً ..

نرَى حولنا المعدمين والفقراء والمهمّشين .. لكننا نعتقدُ أننا –بطريقَةٍ أو بأخرى- نستحقّ ما نحصلُ عليه .. نستحقّه وإنْ لجأنا لقريبنا "ليضبّط لنا موضوع المساعدة" .. وإن مددنا بشويّة "بقشيش" للموظّف المسؤول .. وإن حصلنا على المنحَة قبلَ جارنا الذي طلبها قبلنا بعامين!

إذنْ .. إنْ كنّا جميعاً نعتقدُ أننا نستحقّ المساعدَة .. فمهلاً!! من لا يستحقّها إذن؟

حتّى كبار الحراميّة في البلد .. الوزراء الذينَ خرجَنا في اعتصاماتنا مطالبينَ بإقالتهم .. المسؤولين الذينَ استولوا على أكبر مشاريع البلد .. الهوَامير الذينَ مصّوا دماء الوطن قطرَة قطرَة .. جميعهم ربّما حينَ مدّوا يدهم على أوّل ريالٍ "بالحرام" إلى آخر ريالٍ قبلَ إقالتهم ، كانوا يعتقدُون في دواخلهم أنّهم يستحقُون ما يستولونَ عليه.. مهلاً! هم في دواخلهم لم يكُونوا يعتقدُون أنّهم يستولون على شيءٍ لا يملكونه .. بل كانوا يؤمنُون أن ذلكَ حقٌ لهم .. لهم لا لغيرهم ..

ليسَ هذا في ثقافة وطننا فحسب بل في أوطاننا العربيّة جميعاً .. هؤلاء الديكتاتورات الذينَ حكمُوا الشعُوب بقبضةٍ من حديد وأزهقوا أرواحَ شعوبهم من أجلِ أن يبقوا في كراسيهم آمنُوا دائماً أنّ موتَ الشّعب مبررٌ لبقائهم .. وأنّ من حقّهم أن يجزّوا أعناق الشعوب مقابلَ بقائهم في كراسيهم .. هم في دواخلهم يؤمنون تماماً أنهم على حقّ .. وأنّهم يستحقون .. وأنّهم الأفضل لهذا الشعب .. ولأجلِ ذلكَ لم يكنْ غريباً صراخ القذافي على الثوّار أثناء اعتقاله: ارحمُوني ارحمُوني، ألا تعرفُون الرحمَة.. كانَ الرجل في تلكَ اللحظة الواقعيّة جداً يؤمن أنّه كانَ رحيماً ونبيلاً مع شعبهِ .. ولعلّه حتى لحظَة مقتلهِ كان يؤمنُ أنّ سقوط 20ألف قتيلٍ ليبيّ خلال الثورة .. كانَ أمراً مبرراً لبقائهِ "كقائدٍ للثورة" ..

أتذكّر تماماً الآن باولو كويللو وهو يقولُ أنّ من أكبرِ أخطاءِ الانسان هو إيمانُهُ بأنّه يستحقّ الخير الذي يحصلُ عليهِ .. بينما لا يستحقّ ما يصيبهُ من شرّ!

لمْ يقذفْ بهذا الوطن إلى مستنقع العمَالة والمحسوبيّة و"اللصوصيّة" كما قذفَ بهِ إيمانُنا جميعاً بأننا نستحقّ ما نحصلُ عليهِ .. ما نسعَى إليه .. ما نأخذهُ "بالطيب أو بالغصب" ..

فقط حينَ يتعلّم كلٌ منا ما لهُ وما عليه .. حينَ يفصلُ الموظف بينَ مالهِ ومالِ الوزارة أو مال الشركة. حينَ يؤمنُ كلٌ منا أنّنا لا نستحقّ بالضرورةِ كلّ ما نحصلُ عليهِ .. حينها فقط ستختفي هذهِ الثقافة.. لكن هذا الوطنَ لن يغادرَ أبداً هذا المستنقع .. إن اجتمعَ شيئان .. مالٌ سائب ومواطنٌ يمدّ يدهُ على ذلك المال مؤمناً أنهُ يستحقّه دونَ غيره ..

خاتمَة:

"قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)"

سورَة الكهف