الاثنين، 24 ديسمبر، 2012

لا "يغُرّنكم" تقلـّبُ الذينَ كفرُوا في البلاد!





"لا يغُرَّنكَ تقّلب الذينَ كفرُوا في البلاد ، متاعٌ قليلٌ ثمّ مأواهُم جهنّم وبئسَ المهَاد"

197/ آل عمران



شعرتُ برجفةٍ تجتاحُ جسدِي حينَ وصلنيْ ما كانَ يتناقلهُ الناسُ من أمرِ وزارة الاسكان .. وبالرغمِ من حالةِ الصدمَة التي انتابتنيْ وحالة التصديق واللا تصديق التي شعرتُ بها .. وانقسَام النّاس بين مصدقٍ ومكّذب .. كنتُ أتساءلُ يا ترى ما الذي أجّج الناسَ هكذا؟ ألم نسمَع لسنواتٍ طوالٍ قصصاً كهذه من هنا وهناك؟ ما الذي جعلهم يغضبُون وينفعلُون بهذهِ الصورة رغمَ أنّ هكذا قصصٍ كانت حديثَ مجالسهم في أحيان كثيرة؟ أحقاً كانَ صادماً ما انتشرَ بينهم إلى هذا الحد؟

أعتقدُ أنّ ما كتبَ كانَ القشّة التيْ قصمتْ ظهرَ البعير .. لم تنفعلِ الناس بسبب زعم الكاتبِ أنّ أرض الوطن تتاجرُ بها المغربيات في المقاهي .. لم ينفعلِ الناسُ لما قالهُ الكاتب عن معادَلة المال والشّرف والجنس؟

لم ينفعلُوا لكلّ هذا .. لكنّهم انفعلوا لأنّ كلّ منهم لديهِ قصّة في وزارة الاسكَان تُحكَى .. لأنّ كلّ واحدٍ منّا لديهِ ما يرويهِ عن هذهِ الوزارة! لأننا ضقنا ذرعاً .. وانتظرنا حتّى جاء برميل الغاز الذي فجّر الكارثة !

أرغبُ في عدم التصديق .. أحدّثُ نفسيْ أنّ كل ما قرأتهُ خيالُ كاتب .. أرغبُ في أنْ أقولَ ما قرأتهُ تلفيق وكذب .. لكنّني أجلس مع الآخرين وأستمعُ لقصّة كلّ واحدٍ منهم وأتساءل؟ هل جميعُ هؤلاء نسجُوا هذهِ القصص من خيالهم؟ هل جميعهم اختلقَ القصص من خياله؟


وأدركَ أننا لم ننفعلُ لما كتبهُ ذلك الرجلُ الذي لم يحضرُ أيّ أدلةٍ للحظة .. لكنني مضطرّة لأصدّق ما كتب .. ربّما لأنّ لديّ قصّتي .. ولدَى الآخرُ قصّته .. وهيَ إن اختلفتِ الأحداثُ تشابهَ السبب! الفسَاد!

********

"لا يغُرَّنكَ تقّلب الذينَ كفرُوا في البلاد ، متاعٌ قليلٌ ثمّ مأواهُم جهنّم وبئسَ المهَاد"

لماذا بلغنا هذهِ المرحلة التيْ انتظرنا فيهَا أن يحرّكنا كاتبٌ في منتدى باسمٍ مستعار؟

هل لأننا تخرّجنا بأعلى النسب .. ودخلنا أفضل التخصصات .. وتخرّجنا من الجامعة بمعدلاتٍ مرتفعة .. يقضي كلّ واحد منا هوَ وزوجته أعواماً وأعواماً لـ"يحوّش" لشراء قطعة أرض تبعدُ عن مقرّ عمله ساعة ً ويزيد .. ثمّ أعواماً وأعواماً أخرى ليتمكّن من بناءِ بيتٍ يسترهُ بعد أن تنهك الديون البنكيّة والجمعيّات كاهله؟ ألا يقطعُ أغلبنا سفراً يومياً من أماكن سكننا في المعبيلة والخوض والحيل إلى مقرّ عمله في الخوير والقرم وروي؟

نضعُ ما أمامنا ووراءنا كيْ نجد الأرض التي تسترنا وأولادنا .. بينما يحصل الآخرون الأقلّ شهاداتٍ منّا ... والأقلّ خبرة... والأقل كفاءةً والأقلّ ضميراً وخشية ً من الله .. ما يريدُون "على البارد"؟

لماذا انفعلنا؟؟؟ هل انفعلنا حقاً لما كتبهُ فُلان عن الوزير وزمرته؟ أم لأننا انفعلنا لأنفسنا .. لقصصنا.. لسنوَات التّعب التي نقضيها كيْ نعيش بكرامة؟ لقطعة الأرض التي لا تتعدّى الـ600 متر في سيوح المعبيلة والعامرات؟ ثمّ تأتي وزارة الاسكان لتقُول لنا أين حصّتي الضريبيّة؟ ويأتينا السمسار ليطلبَ نصيبهُ الذي لا يقلّ عن ثلاثة أصفار من الكعكة التيْ خُبزتْ من لحم عظامنا وعرقِ جبيننا!

لماذا انفعلنا؟ ونحنُ لم ننفعلُ بما فيهِ الكفاية لأراضي بوشر التيْ تعدلُ الملايين .. لم ننفعل لها حينَ أغلقت القضيّة "ضدّ مجهول" نحنُ نعرفهُ جميعاً!

هل حقاً انفعلنا حينَ كانَ الوزيرُ يلقيْ مداخلتهُ في أخبار العاشرَة حولَ أراضي بُوشر وفجأة ً قالَ: "اتّقوا الله" !! لم ننفعلْ أو حتّى نسأله ومن يتقي الله في هذا الوطن الغاليْ الذي انتُهِك عرضهُ!

هلْ حقاً انفعلنا لما كُتِب؟ لماذا لم ننفعلُ مثلاً ضدّ أنفسنا؟ ألم نسمحْ نحنُ بأن يحدث كلّ ما حدث؟ ألا تعتقدُون أننا جميعنا كشعب شركَاء في ما حدث؟ هل انفعلنا لمنْ وردت أسماؤهم  فيما كُتِبَ أم انفعلنا لعشراتِ الموظفين في الاسكان الذينَ وقفنا طوابير أمامهم لينهُوا معاملاتنا؟

ألا تعتقدُون أنّ موظفي الاسكان هم مواطنُون مثلكم صلحَ بعضهم وفسد الآخر .. شجبُوا الفساد ذات يوم .. وربّما خرجُوا في مسيراتٍ تظاهريّة ضدّ الفساد .. وربّما اعتقدُوا في لحظةٍ أنّ تقاسم أراضي البلاد كأنّها "كعكة" .. أنّهمْ بذلكَ يُحسِنُون صنعاً ..

يا ترَى لو أنّ كلّ واحدٍ منّا جلسَ على كرسيّ موظف الاسكان ومرّ عليه ما مرت عليه من مُعاملات .. أتعتقدُون أنّ أصناف البشر والمواطنين الذينَ يحرّضونه على تسهيل أمورهم ووعده وإغرائه بـ"العمُولات" و"البخشيش" وسائر الألفاظ اللذيذة المغلفة "للرشوة" أتعتقدُون أننا كنّا لن نتصرّف كما يفعل؟ كم واحدٍ منّا سيقاوم للمرة الأولى والثانية والعاشرة ثمّ سيستسلم؟

*****

"لا يغُرَّنكَ تقّلب الذينَ كفرُوا في البلاد ، متاعٌ قليلٌ ثمّ مأواهُم جهنّم وبئسَ المهَاد"

ألا تحمّلون أنفسكم المسؤولية تجاه ما حدث؟ ألا تعتقدُون أنّنا جميعاً شركاء في الجريمة!
أتساءلُ ذلكَ وأنا أرى الناسَ استمرأت سرقَة الصغائر .. أفلن تستمرئ سرقة الكبائر حينَ يتسنّى لها ذلك؟

لماذا نلُوم موظف الاسكان ولا يوجدُ قانونٌ رادعٌ له؟ ولم نرَ أحداً يطبّق عليه تشريعات حولَ تضارب المصلحة والمنفعة يتعهّد بعدم مخالفتها فورَ توظيفه؟ لماذا نلومه ولا أحد يسألهُ كلّ عام عن براءة ذمّة لأملاكه وعائلته وعشيرته؟

لماذا ننفعلُ ونغضبُ ونحنُ نتذكّر أنّ ما حدث ليس جديداً على الاطلاق! أنّ ما حدثَ هوَ حالة متكرّرة في كلّ زمانٍ ومكانٍ نسمحُ فيهِ لضعاف النفوس بأن يديرُوا أملاك أوطاننا!
مثلكُم تماماً انفعلتُ .. وارتجفتُ وشعرتُ بالأسى على وطنيْ .. وصدّقت تارةً ولم أصدّق تارة .. لكنّ أمي حينَ قرأت ما كتب هزّت رأسها بوقارِها الأموميّ وقالت: يالله! الله يعينهم! تراه الاّ وسخ دنيا! دنيَا لا تسَاوي عند الله بكلّ ما فيها من كنوزٍ وأعاجيبَ جناحَ بعوضة!

********
لا أعرفُ إن كانت أجهزةُ الدولة قد باشرت بالتحقيق في الأمر.. التحقيق الذي إن ثبتت تهمَتهم أدينُوا وإنْ ثبتت براءتُهم أطلق سراحهم وعادُوا إلى وظائفهم .. لا أعرف إن كانُوا سيحاسبُونهم .. وإن كانُوا سيشهرُونَ بهم كما شهّروا بالمتجمهرين؟ لا أعرف إن كانَ هذا الموضوعُ سينتهيْ وستخمدُ حميتنا بعد حينٍ ويُنسى كأنّ شيئاً لم يكن .. لا أعرفُ ذلك .. وإن عرفتُ فسأتظاهرُ أنني لا أعرف تماماً كما قال الشّاعر:

ليسَ الغبيّ بسيدٍ في قومهِ ... لكنّ سيدَ قومهِ المتغابي

لا أعرف .. وربّما لن أعرفَ يوماً ما حدث .. لكنني أعرفُ أنّ كلّ من مدّ يدهُ على شبرٍ من هذا الوطن بالحرام .. واغتصبَ أرضاً هيَ ملكُ شعبٍ بأكمله .. وواصل وواصل وواصلَ في غيّه لعامٍ وعامين وعشرٍ وعشرين .. أعرفُ أنّ هنالك ربّاً من سبعِ سمَاواتٍ تنبّأ بمصيره .. حينَ قال:

""لا يغُرَّنكَ تقّلب الذينَ كفرُوا في البلاد ، متاعٌ قليلٌ ثمّ مأواهُم جهنّم وبئسَ المهَاد"

الاثنين، 17 ديسمبر، 2012

المرأة في عُمان 2012 .. ما الذي يجعلنَا في ذيلِ القائمَة عالمياً !




عائشَة السيفيّ

وأخيراً .. استطاعتِ السلطنة التقدم بمرتبتين للأعلى في التصنيف العالمي للدوَل للتمييز بين الجنسين محرزين المرتبة الـ125 بعد أنْ كنّا العام الماضي في المرتبة الـ127 .. أحرزنا هذه المرتبة متخلفين عنِ الامارات بـ 18 مرتبة .. وخلفَ دول أخرى كاثيُوبيا والنيبال واندونيسيا .. وقد ظلّت السلطنة في الأعوام الأخيرة تتراجع للخلف فرغم أننا شهدنا في السنوات الأخيرة تعيين الحكومَة لدزينَة من السفيرات والوكيلات والوزيراتِ وعضوَات مجلس الدّولة .. وانشغلنا بـ"حشر" النساء العمانيّات في كلّ ميدان فخضنَ غمار الفرُوسيّة .. وتشكّلت فرق المظليَّات والخيّالات وشهدنا ظهُور مزيدٍ من لاعبات التنِس والسّباحات .. إلا أنّ ذلك لم يشفع للسلطنة لتتقدم بقوَّةٍ في التصنيف العالميّ للتمييز بينَ الجنسين ففي 2007 كان ترتيبنا 119 وفي2008 كنّا في الـ 118 وفي 2009 هبطنا للـ123 ثم ارتفعنا مرتبة ً في 2010 ونزلنا بقوّة في 2011 بالمرتبة الـ127 رغمَ أنّه كان العام الأوّل الذي يشهدُ تنظيمَ أوّل عرضٍ عسكريٍ نسائي .. عزفتْ فيه العُمانياتُ الموسيقا السّلطانيّة ، وأدّت العُمانيّاتُ فيهِ التحيّة العسكريّة ، وقدّمت العُمانياتُ فيه لوحَاتٍ مختلفة من الاستعراضِ العسكريّ وكانَ مفترضاً .. أن تهبطَ "العُمانيّات" من السمَاء إلى الأرض لكنّ الريَاحَ لم تأتِ بما تشتهيهِ "المظليَّات".. ثمّ ها نحن هذا العام نتحسّن قليلاً فنصعد للمرتبة الـ125 وتحتنا كانت إيران والسعُوديّة وسوريَا واليمن .. وبصراحةٍ شديدَة لا أعرفُ إن كانَ هذا التصنيفُ أعدّ قبلَ أزمة "الفريق النسائي للدرّاجات الهوائيّة" أو بعده فقد كانَ هذا الإنجاز العظيم الذي تحقق  في يومِ المرأة العُمانيّة جديراً بأن يكونَ ذا شأنٍ غيرِ هيّن في تصنيفنا العالميّ ..
حسناً .. إذا كانَ لدينا كلّ هذا الكمّ من المناصب التي تشغلها المرأة وهذا العدد المتزايد من الفرق النسائيّة في السلطنة .. ترى ما الذي يجعلنا على بعد درجات قليلة من احتلالِ المركزِ الأخير في التصنيف العالميّ؟ وما الذي يجعلُ دولاً كاثيوبيا يختطفُ فيها الرجلُ الفتاة َ إذا رفضت الزوَاج منه فيغتصبها ثمّ يعيدها لأهلها حاسرة ً ذليلة! ما الذي يجعلنا خلف الفلبين التيْ تسجّل أعلى حوادث تعرض الزوجات للعنفِ على أيدي أزواجهن؟!
هلْ لأننا مثلاً بعدَ مرور عقدَين على تأسيس مجلس الشُورى لا تشغلُ المرأة من أصل 85 عضو مجلس شُورى سوَى كرسيّ واحد؟ هل لأنهُ مثلاً من أصل ما يزيد عن 50 امرأة ترشّحت لعضوية مجلس الشورى لم يؤمن الشعب بأهليّة أي منهن سوَى امرأة واحدة .. واحدة لا غير؟
هل لأن 4% من المتزوّجات ، المطلّقات والأرامل العمانيّات تتراوح أعمارهنّ بين 15سنة لـ19سنَة ؟
أم لأنّ القانُون يسمح للرجل المتزوّج بغير عمانيّة منحَ جنسيّته لأولادهِ فيما تعاني نساءٌ عمانيات تزوّجن بغير عُمانيين وتخطّى أولادهنّ الاعداديّة والثانويّة لم يستطعنَ حتّى اليوم منحَ جنسياتهنّ لأولادهن فقط لأنّه كتبَ على جوَاز سفرهنّ "أنثى" !
أم لأنّ قوانين الوصايَة الأسريّة لم يمسّها قلم التعديل فعلى المرأة أن تحرمَ نفسها من الزوَاج والاستقرار بعدَ طلاقها حتّى لا يأخذ زوجها بناتها بحكم الوصاية .. وحتّى إن تزوّج الرجل بأربعِ نساءٍ بدل الواحدة فله الحقّ أن يأخذ ابنهُ الذكر إن بلغ السبعَ أعوام!
أتذكّرُ الآنَ زميلتيْ في العمل التيْ تطلّقت وعمرها 19عاماً وابنتها لم تتجاوز العام الواحد ولـ16 عاماً وقفَ الخاطبُون على بابِ بيتها لكنّها لم تستطع الزواج خوف أن يأخذ الأبُ ابنتها ..  وها هيَ الآن وابنتها بلا زوجٍ ولا عائلٍ .. أتذكرُ تماماً الأيّام التيْ جاءت تبكيْ فيها بسبب قضايا زوجها التي لا تنتهي فإن سمعَ أنّها ذهبت للسياحة في الامارات مع ابنتها رفع قضية ً عليها .. وإن سمعَ أنّها استصدرت جواز سفرٍ لابنتها ذهبَ للمحكمة ِ ليطالبَ باحتجازهِ عنده ..
لماذا نحنُ في المرتبَة الـ125؟ هل لأنّ الفتاة حينَ تتزوّج لا يطلب منها القانونُ ولو بجرّة قلم أن تضعَ توقيعها لإتمام أوراق الزوَاج؟ فالرّجل مخوّل بالكامل إتمام أوراق الزواج دونَ الحاجة إلى الزوجة التي لا تفعلُ أكثر من أن يستنطقها الملّيك كما جرى عليهِ العرف .. حسناً هل فكّر أحدٌ في بعضِ العوائل التيْ أساءت استغلال هذا أمام القانون؟ نعم .. لقد حدث ذلك بالفعل!
قبلَ أيّام اطلعتُ على مقالٍ لامرأة عُمانيّة في صحيفة انجليزيّة ورغم تحفّظي على بعض ما وردَ في مقالها إلا أنّه حملَ جانباً من الصوّاب فبإمكان الرجلِ في عُمان أن ينادي أيّ شخصينِ من الشّارع ليكُونا شاهدين على طلاقهِ في المحكمة .. ولا يكونُ ملزماً بإرسال نسخَة من الطلاق إلى الزوجَة المطلّقة.. كمَا أنّ الرجل بإمكانه أن يتزوّج امرأةً أخرى دونَ أن يكلّف نفسه إبلاغ زوجتهِ الأولى .. وما أكثر هذه الحالات التي كانَ آخرها حالة قريبتي التي تزوّج عليها زوجها "القاضي" ولم تعرف بزواجه طوال فترة "ملكته" ولا يوم زفافه .. ولا حتّى خلال شهرِ العسل الذي أمضاه مع زوجتهِ الثانية في جزرِ المالديف .. طوال تلك الفترة كانَت الزوجَة المسكينة تظنّ زوجها مزدحماً بعملهِ وكانتْ كلّما عاتبتهُ على تغيبهِ المتواصل عن البيت يقولُ لها: "عندي قضايا أريد أحلّها"!
وتمضيْ الكاتبة في مقارنة طريفَة لكن حقيقيّة حول أنّ المرأة المتزوجة بالحلال بغير عُمانيّ لا تستطيع منح ابنها الجنسيّة بل عليه إن تخطّى الثامنة  عشر أن يبحثَ لهُ عن "كفيل" ليقيمَ في عُمان .. لكنّ المرأة العُمانيّة التي تنجبُ بالحرام من رجلٍ مجهولٍ تحصلُ لابنها على الجنسيّة العُمانيّة فوراً! يا لها من مفارقة!
لماذا نحنُ في المرتبَة الـ125؟ هل لأننا مثلاً بعد 42 عاماً من النهضة لا نملك تشريعات وقوانين في قانون الأحوال الشخصيّة تختصّ بالمرأة وتحميها من العنف؟ هل لأنه لا توجدُ لدينا دُور رعاية تستقبلُ النساء المعنفات الهاربات من طيش أزواجهنّ وعوائلهنّ؟ أم لأننا لا زلنا في عُمان لا نعرفُ معنى "الاغتصَاب الزوجيّ" حيثُ يعتدي الرّجل على زوجته ويرغمها بالعنفِ على الجنس؟
ربّما لا تكُون هذهِ ظواهر وإنّما حالات قليلة لكنْ حين يخلُو القانُون من موادّ تحمي المرأة فما الذي يمنعُ هذه الحالات من أن تتحوّل لظاهرة؟ وما الذي يحمي الحالات التي تتعرّض لما سبق إن لم يكن القانُون يحميها؟
ما الذي يحمي المرأة المعنفة التيْ تطلُب الطلاق فيخصص لها القانُون مبلغ 80 ريَال نفقة من زوجها! (صححونيْ إن أخطأت) وما الذي بالإمكان أن تقدّمه هذهِ النفقة لإعالة أسرة تخلّى عنها معيلها؟ أم من يحمِيها من المجتمعِ إذا قررتِ الزوَاج .. المجتمعُ الذي "يشجّع" ويحرّض الرجل أن يتزوّج مباشرة بعد وفاةِ زوجتهِ لكنّه "يفترسُ" المرأة إن تزوّجت بعد أن تنهي العدّة!
سياسياً يمنحُ التقرير العالميّ للتمييز بين الجنسين السّلطنة 0.09 من أصل 5 نقاط في انخراط المرأة في العمَل السياسيّ .. ويمنحُ المرأة نسبة 0.4% من نسبة تملّك المرأة للأراضي في السلطنة .. وأما اقتصادياً فإنّ المرأة لا تنشط في اقتصادِ البلد إلا بـ20% فيما تذهب الـ80% من المساهمةِ الاقتصاديّة للرجل ..
وعلى المستوَى العالميّ فإنّ عمان من أقلّ الدول التي تمنَح إجازة أمومة للمرأة فحتّى عامٍ كان يحقّ لأي شركة أن تمنحَ موظّفتها التي لم تكمل العام من التوظيف أسبوعين فقط كإجازة للأمومة .. ثمّ تمّ التعديل قبل عام ورفعه لـ50 يوماً .. وحتّى هذا اليوم يخلُو قانون العمل من مادّة تمنح المرأة العائدة إلى العمل بعد إجازة أمومة ساعة ً لرضاعة طفلها ..
الحديثُ يطول .. ولكنّ هذا يعيدنا إلى نقطة مهمّة .. أنّنا في عُمان نعاني من خلل حقيقيّ في فهم معاني تمكين المرأة ومنحها حقوقها ونجهلُ أو لربّما تجهلُ الحكومة أنّ ما يحدثُ هو سطحيٌ للغاية .. وأنّ التركيزَ على القشور لن يرفع رصيدنا عالمياً إذا لم نلتفت للجوهر ..
في تقرير المنتدى الاقتصاديّ العالميّ .. ثمّة ثلاث معايير مهمّة في مسألة التقييم أوّلها أنّه يركّز على الفروقات وليسَ على المستوى الذي وصلت إليهِ المرأة .. أنّه يركّز على النتائج والمخرجات بدل التركيز على المدخلات والأسباب .. وثالثاً أنّه يركّز على المساواة بينَ الجنسين لا على تمكين المرأة ومنحها صلاحيّاتٍ أكثر ..
التقرير لا يحملُ في مجمله كلّ الصّواب .. فهوَ يطالب مثلاً بمساواةِ المرأة بالرجل في الارث وانتقاد تعدد الزوَاج أو انتقاد نبذ الإنجاب خارج إطار الزوجيّة لكنّه يسلّط الضوء على قضايا مهمّة أغفلناها .. قضايا أكبر من فرق نسائيّة رياضيّة .. أو خيّالات يتبخترن بخيلهنّ .. أو وزيرات يتصدّرن شاشاتِ التلفزيون .. التقريرُ يذهبُ للعمق ولا يأتي إطلاقاً على ذكرِ ما سبق ..
شخصياً أرى عُمان أفضل من كثيرٍ من الدول التي تقدّمتنا في القائمَة على صعيد احترام المجتمع للمرأة وكفالة حقوقها .. لكنّي لا أخفي إحباطي من نظرة المجتمع للمشاركة السياسيّة للمرأة ولعلّ أقرب مثال حالة الاستهزاء الشبابيّة مؤخراً بالمترشّحات للمجلس البلدي والتركيز على جمالهنّ أكثر من أخذهنّ على محمل الجديّة .. أضف إلى ذلك التمييز الاجتماعيّ ضد المرأة على مستوَى الزوَاج والطلاق ..

أعتقدُ أننا بحاجةٍ إلى قانونٍ حقيقيٍ بموادّ واضحة وصريحة تخصّ المرأة أكثر من حاجاتنا لمظليّات يقفزن في الهواء .. نحنُ بحاجة أكثر لندرسُ ما الذي تحتاجهُ المرأة الضعيفة المهمّشة غير المتعلمة التي تجهلُ حقوقها وتفضّل أن تمكث تحت وطأة استغلال زوجها بدل أن نركّز على نساءِ المجتمع المتعلمات القادمات من طبقات راقية اجتماعياً ليشغلن مناصب عالية في الدولة! نحنُ نحتاج أن ننظرَ إلى ما خلفَ المرآة .. لا للمرآة نفسها .. وأن نخرجَ إلى الشارع .. وندخلَ المحاكم لنعرفَ تماماً ما الذي يجري في الكواليس .. حتّى ندركَ تماماً ما الذي ينقصُ المرأة العُمانيّة .. وما الذي تحتاجهُ السلطنة لتصعد قليلاً قبل المائة .. قليلاَ قبل اثيوبيا وأوغندا وجامبيا ودولٍ أخرى تحتَ خطّ الفقر!

الخميس، 29 نوفمبر، 2012

منْ سمائل إلى الرّستاق! هذا ما فعلتهُ التكنولوجيا بالشّعب العُمانيّ


عائشة السيفيّ


من سمائل إلى الرستاق فمن سيكونُ عليه الدورُ بعد ذلك؟ هكذا تحولنا .. أو لربّما حولتنا التكنولوجيا الهاتفية إلى شعبٍ متشفٍ ومستهزئ للغاية يبحثُ عن أيّ خطأٍ هنا وهناك ليصنعَ منهُ "مهرجان نكات وسخريّة" ينتشرُ أسرع من الضّوء في أجهزتنا الهاتفية.

تحوّلنا فجأةً إلى ملائكة أو لربّما إلى قضاة الله في الأرض نسخّر طاقاتنا ومهاراتنا في الفوتوشوب ومهاراتنا في التأليف وكتابة النكات إلى السخرية من الآخرين والتشفي منهم .. آخرون أخطأوا ربّما لكن هل يستحقون حالة الاستنفار الشعبي التي حلّت عليهم! وكأننا شعبٌ غير خطاء .. بدأنا بسمائل مع فريق فتيات "يقدن سياكل" وقعن ضحيّة نادٍ يرغب في استعراض عضلاته بمدى التطور والانفتاح الذي أولوه للمرأة فأنشأوا فريقا نسائيا للدراجات الهوائية ولم يعرفوا أن لعنة التكنولوجيا ستحل عليهم ويتحول موضوع هامشي في صفحة جريدة إلى قضية رأي عام تثور لأجلها ثائرة أهل سمائل بعد أن "هبّ الشعب العماني" هبة "أسد" عليهم للسخرية منهم ومن نسائهم!

واعتبروا الأمر يمسّ أعراضهم فتظاهروا لإغلاق الفريق الذي أغلق بالفعل في غضون "ساعات" !

من جديد والدور وصلَ هذهِ المرّة على الرستاق حينَ هبّ الشعبُ من جديد على أحد مترشحي المجلس البلدي بالرستاق .. وفجأة تحوّل شعارهُ إلى "مصدر إلهام" لشبابنا المبدع في استخدام الفوتوشوب فرسموا الطائرات تحلق فوق قلعة الرستاق وبجانبها سكة قطار .. وانطلقت النكات يميناً وشمالاً عليهم وكأنّ كل قضايا البلد انتهت وتوقفت عند أبونا الشيبة الذي وعد بالمطالبة بمطار وسكة قطار!

العتب ليسَ على هذا الرجل المسكين ولكن على حكُومة تمرّر مترشحين دونَ أن تسألهم ولو في مقابلة "خمس دقائق" عن المتوقع والمأمول منهم في دورهم بالمجلس البلدي أو إقامة ورشة عمل لنصف يوم لهم لتوعيتهم بمهامهم القادمة. أبونا الشيبة يبدو أنه لا يعرف في قامُوسه مصطلحاً اسمهُ "التخطيط" ليطالب بإنشاء مطار يتنقل الناس عبره من بيت لبيت لحمايتهم من الحوادث أو قطار يمر من بيت بيت وحارة حارة وزنقة زنقة ليخفف من حوادث السير. لكن من يلوم الرجل؟!!!

هذا الرجل من جيل لم يعرف يوماً ما معنى كلمة المطالبة؟! وهل عرفناها يوماً قبلَ اعتصامات فبراير ٢٠١١؟

فإن كانَ هذا الرجل في المجلس البلدي، فهل عرفنا المطالبة في مجلس شورى "صُوريّ" .. طالبَ أحدُ ممثلينا فيه يوماً متهكّماً بتوفير "بحر"!! "عساه" يحلّ مشكلة ارتفاع أسعار الأسماك!

لماذا ألومُ الرّجل وأنا أتذكّر حتى اليوم حينَ كتبَ أحد شبابنا "المتعلم" في الفيسبوك مطالباً بغلق كل مشاريع البنية التحتية في البلد بما فيها مشروع الدقم الذي بلغ المليار وتوزيع المبالغ المرصودة للمشاريع على الشعب العماني وتوافدت الردود الموافقة على رأيه!

إيقاف مشاريع البلاد وتوزيع مبالغها على الشعب! نعم هكذا ما فكر به أحد الشباب .. فلماذا نسخرُ من رجلٍ ستينيّ طالب بمطار وسكّة قطار؟!!

دعُوا الرجلَ يقدم ما يشاء من الرؤى فالرأي أولاً وأخيراً للناخب فهو لن يكونَ أسوأ من مرشّح للشورى في إحدى ولايات المنطقة الداخلية ، سئِل "قبلَ يومٍ من إعلان النتائج" عن برنامجه الانتخابيّ .. فلم يعرف الرجلُ ما معنى "برنامج انتخابيّ" .. وبالمناسبة فاز الرجل في آخر دورة للشورى بأعلى نسبة أصوات في مدينته!

فإن كانَت القبليّة والفساد والتحيز صعدت برجل يجهل ما هو البرنامج الانتخابيّ؟! فهل سيكون أبونا الشيبة المترشح للمجلس البلدي أسوأ من المثال سالف الذكر؟

أتساءل فقط إلى أي مدى أصبحت هذه القضايا الهامشية تهمنا ونحنُ لم نحل مشاكل الفساد الذي ينخر البلد .. الرشاوى التي أصبح الشعبُ مشتركاً فيها فهوَ إمّا راشٍ وإمّا مرتشٍ ..

نذهبُ لاستخلاص معاملة بسيطة ويطالبنا الموظف الحكومي بعمولة .. نعم! الرشوة أصبحت هذهِ الأيّام في بلادنا اسمها "عمولة" ..

قضايا اغتصاب الأطفال التي أصبحنا نتناقلها في الوتسأب .. وظاهرة اللواط التي انتشرت كالسرطان بين شبابنا .. ولكننا لم ننفعل لها ولم نشعر بخطرها وإنّما أصبحنا نتعامل معها بشكلٍ عاديّ حتّى سمّينا الشواذ "دلّوعين" نتناقل نكات "دلعهم" فيما بيننا بالفم المليان..

انشغلنا عن الجرائم التي أصبحت قصصها تتنوع في هواتفنا واغتصاب الأراضي .. وقضايا الحريات والتعبير عن الرأي انتهت .. وأصبحنا ننشغل ونسخّر كل طاقاتنا الابداعية للحديث عن فرق نسائية للسياكل.

تحوّلنا بين ليلة وضحاها إلى "جلاّدين" نتفنن في السخرية والتقاط أخطاء الآخرين وكأننا نعيش في عالم "يوتوبيا" مثالية .. وكأننا "مثاليون" منزّهون عن الخطأ خالينَ من العُقد!

توقّفوا عن جلد الآخرين .. فربّما تكونونَ أنتم من عليه الدور لاحقاً .. انصرفُوا إلى هذا الوطن ومشاكله الحقيقيّة. انصرفُوا إلى رمال بوشر التي استيقظت حميتنَا عليها لكنّ القضية أغلقت دون محاسبة أحد ودونَ مسائلته. انصرفُوا إلى هذا الوطن الذي تحوّل الاعتصامُ فيهِ إلى "تجَمهر" .. والتعبير عن الرأي إلى "حريّة مسؤولة". انصرفُوا إلى هذا الوطن الذي لا تسهمُون في دخله بأكثر من 16%.

عودوا إلى أماكنكم الحقيقيّة وانصرفُوا إلى أعمالكم . شعبٌ لا يهمهُ إلا النكتة والضحك لن يؤخذ يوماً على محمل الجدّ ، هكذا قالت لي صديقتي المصريّة التي قلت لها أتمنى أن يعامَل المصريّ بجديّة بعد الثورة فردّت عليّ أن أحداً لن يُغيّر نظرتهُ للمصريين فشعبٌ يحوّل كل شيءٍ إلى نكتة ومادّة للضحك لن يأخذه أحدٌ على محمل الجديّة.

فهل أصبحنا كذلك؟ بدأنا بسمائل ووصلنا للرستاق فتوقفوا هناك. ثمّة هموم وطن أكبر نحتاجُ لحملها على أكتافنا ودروس أعمق نتعلمها وثمّة مشروع وطني كبير اسمهُ انتخابات المجلس البلدي اقرؤوه بعمق ولا تنصرفُوا إلى القشور فلن يسامحنا التاريخ إذا كررنا نفس أخطاء مجلس الشورى. لا تسمحُوا للمتسلقين والجهلة بالاستحواذ على كراسيه وكفُوا عن السخرية فلربما هذا الذي تسخرُون منه يصعد إلى المجلس البلدي دونَ أن يستطيع أحدٌ منكم الاعتراض كما صعدَ سابقاً من هم أسوأ منه ومثلُونا لدوراتٍ متتابعة في مجلس الشّورى دونَ أن نحرّك ساكناً!

الثلاثاء، 17 يوليو، 2012

وانشرُوا صورَهُم بـ"الكلبشـَاتِ" أيضاً!

ورغمَ الضجّة الشعبيّة التي حدثَتْ إثر نشرِ صور الدفعَة الأوّل من المُحاكمين في قضيّة الإساءة للذاتِ السلطانيّة، إلا أنّ وقتاً لم يمرّ كثيراً لتنشر صوَرُ الدفعة الثانيَة من المُحاكمين في تجاهلٍ صريحٍ للضجّة التي صاحبَتِ النشر الأول ..


نشرُ صور المُحاكمين "بملابس السجن" كانَ صادماً للكثيرينَ وَأكسبَ المُتهمين متعاطفين كثر ساءهم النشرُ –وكنتُ منهم- رغمَ أنهم لم يحظَوا بتعاطف شعبيّ قبل نشرِ الصور .. ولم يكنْ ينقصُ سوى نشرِ صورهم "مُكلبَشين" وإرفاق أرقام هوَاتفهم لإخرَاج الصُورَة على أعلى المستويات!


الغرض من نشرِ الصورِ لا يزالُ مجهولاً .. إلا أنّ من الواضح أنّ ثمّة رسالة معيّنة يودّ الادّعاء العام تمريرها للرأي العام ..


الصُوَر التيْ لم نألفها إلا أثناء الإعلان عن القبض على عصَابات "آسيوية" لتهريب المخدراتِ أو إدارة شبكاتِ دعارة .. وحتّى المتهمّون في قضايا الشّرف والاغتصاب لا نجدُ صوَرهم في مقدّمة الخبر! أسماءهم الكاملة! تواريخ ميلادهم! وظائفهم! ..


فمنْ هوَ صاحب هذهِ الفكرَة "العبقريّة"؟


**********


لم تكنْ الصحفُ لتنشرَ صور الدفعَة الأولى .. ثمّ تطالعنا مجدداً بنشرِ صور الدفعَة الثانية، لم تكُن لتجرُؤ على نشرِ صورهم لولا مباركَة وإشارة خضراء عريضَة من الإدّعاء العامّ الذي بدأ يضطلعُ بدورٍ أكبر بكثير .. بكثيرٍ مما اعتدنا عليه ..


نشرُ الصّور في صحفنا المحليّة التيْ اعتقدنا لوهلَة أنّها تخلّصت من سلطَة التبعيّة هوَ إجراءٌ عسكريّ أكثر منهُ قانونيّ .. بل وإنّ الفِكر الذي بدأ الادعاء العامّ في بثّهِ هوَ فكرٌ "عسكريّ" أكثر من فِكر "العَسكر" أنفسهم ..


ففي عُمان .. لم يعدْ "العَسكر" أو "الشرطة" من يديرونَ القبضَة الأمنيّة لدينا في عُمان .. بل أصبح الجهَاز القانونيّ والقضائيّ ممثلاً في "الادّعاء العام" هوَ من يحرّك دفّة الأحداث، فهُمْ منذُ اعتصَامات 2011 من تولّوا إصدار البيَانات .. وهمْ من يتولّون تحريك القضايا .. وهُم من يعتذرُون عن محاكمَة الفاسدِين "لعدَم الاختصَاص" ، وهمْ من يتولّون توجِيه التهم في الاعتصامات الثانويّة التيْ تلت فضّ الاعتصامات .. وهمُ الجهَة التيْ تهدّد وتتوعد وتحَاكم وتحَاسب .. إنّهم ببساطة "القبضَة الناعمَة" التيْ لا يستطيعُ أحدٌ الوقُوف أمامها .. فمنْ يستطيعُ منّا التحايل على القانون؟ ومن منّا يستطيعُ الإفلات من قبضتهِ إذا كانتِ البنود واضحة..


*******


الدورُ المتصاعد للإدعاء العام لم يأتِ خبطَ عشواء بل هوَ دورٌ مدروس جداً .. فمبادرَة محاكمة المسيئين للسلطان هي أكبر بكثير من سلطة الادّعاء العام ولم يكنِ القرار ليخرجَ بملاحقتهم قضائياً لولا "إشارة خضراء" من جهاتٍ أكثر نفوذاً من البلد من الادّعاء العام ..


المحاكماتُ هذهِ .. ومسلسل نشر الصّور وتصدّر الأخبار في الصفحات الأولى بلْ والأحكام المتشدّدة التيْ لم نتوقّع أن تكونَ بهذا الحزم ليسَ استعراضاً فحسب بلْ هوَ للتاريخ .. لأنّ محاكمَات كهذهِ هيَ الأولى من نوعها ستحدد مستقبل الموضوع .. فالتساهل معهم قدْ يشجّع آخرين على نهج من سبقوهم والتعامل معَهُم بهذهِ الشدّة سيكفّ مسلسلاً طويلاً لم يبدُ أنهُ سينتهيْ قريباً حينَ كانَ سيل الإشاعات يتوَالى على هواتفنا ومواقعنا الاجتماعيّة .. بل إنّ كلّ شخصٍ قرأ بيان الإدّعاء حولَ الإشاعات يلحظُ تماماً أنّ سيل الأخبار "المتهكمة" التيْ كانتْ تتابعُ إنفاق السلطان وسيرَ رحلةِ "إجازتهِ" وسيل الإشاعات توقّف "تماماً" منذ نشرِ البيان ..

*******


حسنَاً .. لماذا علينَا أن ننتبهَ جيداً لهذا الدّور المتعاظم الذي بدأ الادّعاء العام في ممارسته؟ لماذا علينا أن نشعرَ بالخوفِ من "البياناتِ الأقرب في لهجتها إلى العسكريّة" والتيْ بدأ بإصدارها؟ لماذا علينَا أن نطالب بتحديد وفهم الصلاحيّات المنوّطة بالإدّعاء العام الذي بدأ يأخذُ الواجهة فيمَا توَارى "جهَاز الأمن" وَ"الشرطة" من واجهَة الحدث؟


لماذا علينَا أن نفعلَ كلّ ذلك؟





لأنّه لا قانونَ يحمِينا من "قبضَة الادّعاء العام" .. فالتعديَلات التيْ صدرَتْ قبل بضعِ أشهرٍ في قانُون الجزاء العُمانيّ تقفلُ أمامنا تماماً باب "التملّص" من تهَمٍ كالتحرِيض وبث دعايَات مثيرة .. ولا يوجدُ في قانونِ الجزاء ما يحددُ صفةَ التحريض ولا صفة الدعايات ولا صفَة البيانات المسيئة .. الأمرُ متروكٌ بصيغة مطاطيّة جداً لتقدِير الادّعاء العام وتقدير القضاءِ من بعده ..


لا يوجدُ ما يحمِينا من الزجّ بنا في السّجن بتهمَة التحريض .. بل إنّ قراءتنا لقانون الجزاء العُماني تشعرُ أنّ بالإمكان قلب الطاولة على أيّ مقال ينتقدُ السلطة َ في عُمان وينتقدُ السلطان بسهولَة شديدة ..



*******


لماذا أشعرُ بالقلق؟


أشعرُ بهِ لأنني أؤمنُ أننا لا نمتلكُ قانوناً ناضجاً بما فيه الكفايَة للتمهيدِ لحركَةٍ ديمقرَاطيّة في التعبير عن الرأي .. ولأنني أؤمن أن حالة الانفتاح في التعبير عن الرأي والنقد التيْ نعيشها مؤخراً لو دُرِسَتْ لوجدنا أنها خارج القانون بالنظرِ إلى بنودهِ .. وأنّ سكُوتَ الأجهزة الأمنيّة التيْ أرى أنّ الادّعاء العام أصبح أحدها .. هوَ فقط استجَابة لحالة التهدئة والسياسَة الحكيمَة التيْ انتهجها السلطان .. يا ترَى هل نستشرفُ سياسَة ً تشبهُ سياسَتهُ في المستقبلِ حينَ لا يكُونُ السلطانُ حاضراً بيننا .. من يحمِينا اليَوم هوَ سياسَة الحاكم .. لا قانونَ جزاء ولا قانون مطبُوعات .. إنّها فقط سياسَة الحاكم والحَاكم فقط ولأجلِ ذلك فإنّنا ينبغيْ أن نطالبَ بالتغيير ونعمل على قوانينَ تحمينا اليوم قبل الغد .. فالثمرَة التيْ بأيدينا اليوم قد لا تكونُ كذلك غداً..


قانُون المطبوعات الذي كانَ معوّلاً على مجلسنَا الشُوريّ العمل على إعادة صياغتهِ ، تخلّى عنهُ أعضَاؤنا الذينَ انتخبناهم ليركّزوا على قضايا أخرى أقلّ أهميّة .. قضايا تختصّ بالطُرُق والبلديّات والاختلاط في المدارس .. قضايا متعلقَة بنهضة الجُماد .. ونسوا القضيّة الأهمّ في بلادنا .. قضيّة الانسَان .. الحرّ القادر على التعبير بالإيجاب أو الرفض .. أينَ مشرُوع الانسان .. ومشروع القانون الذي يحمي صناعة الانسانِ في عُمان .. أينَ ذهبَت قضايا النشرِ والتعبير عن الرأي وقانون المطبوعات من أجندة مجلسلنا الشوريّ .. قانُون المطبوعات الذي نعوّل أن يكونَ صكّ حمَايةٍ لنا تخلّى عنهُ ممثلُو الشعب وأحالوهُ لجهة أخرى لدراسته ..



*******


حينَ تمّ الإعلان عن نيّة الإدّعاء العام ملاحقَة من يبثّون الإشاعات والبيانات المسيئة والملفّقة .. حظيَ الموضوعُ بمساندةٍ شعبيّةٍ كبيرة لبيان الإدّعاء .. وكنتُ واحدة ً من هؤلاء في الوقتِ الذي كنتُ أتلقّى فيهِ عشراتِ الردود على مقاليْ "هل أنفقَ قابُوس بن سعيد 64 مليُون على منظّمات بريطانيّة" .. كنتُ أتلقّى عشراتِ الردود يومياً .. نشرتُ أغلبَها إلا أنني في نفس الوقت كنتُ أتلقى ردوداً تحمل "شتَائم قذرة لشخصِ السلطان" بل وَ"ألفاظ جنسيّة خادشَة في حقّه" كتبها بعضُ من ردّوا على مقاليْ .. وبادرتُ بحذفها ..


كنتُ أشعرُ حينها أنّ من الواجبِ التحرّك لإيقافِ هؤلاء ومنَ الواجبِ ملاحقتهم لأنّ حريّة التعبير لم تكنْ يوماً ما يعتقدُهُ هؤلاء .. ولأنّ الديمقرَاطيّة التيْ نطالبَ بها ينبغيْ أن تنطلقَ من مبدأِ "لا ضرَر ولا ضرار" .. وأننا يجبُ أن نضعَ الذوق العامّ دائماً أمامنا ونحنُ نمارس النقد الذي لا ينبغيْ أن يتوقّف .. ينبغيْ أن يستمرّ وألا يكونَ أحدٌ بمنأى عنه حتّى السلطان نفسه .. أن ننتقد ونرفض لأننا مواطنُون نعيشُ على هذهِ الأرض سوَاسية .. ولكنْ ألا تتحوّل الحريّة إلى بذاءَة في الألفاظ وتمادٍ في الإيذاء ..



*******


ما يفعلهُ الإدّعاء العام يضرّ بصورة القضيّة ويسيءُ لصورَة السلطان نفسهِ ولسياستهِ .. ولذا فإنّ على العقلاء أن يتدخّلوا في الأمرِ لأنّ سياسَة "التشفّي" ليستِ الحلّ .. على الجمعيّات الأهليّة أن تكونَ حاضرةً في قلبِ المشهدِ .. على أعضاء مجلسِ الشورى أن يعبّروا عن رفضهم .. على رئيسهم الشيخ خالد المعوليْ أن يقودَ المبادرة .. على الدكتُور عبدالله الحرّاصي .. أن يفتحَ المنبر للنقاش حولَ ما يحدث لأننا مساءَلون تاريخياً بأن نقفَ موقفاً وسطاً .. فرفضنَا لإساءاتِ المتهمين في حقّ السلطان لا ينبغيْ أن يتحوّل إلى سياسَة تشفٍ أو نزعِ حقهمْ في معاملتهم معاملَة حياديّة ليسَ أحدها نشر صورهِم "بملابس السجن" على الملأ..


أودّ أن أسألَ عن الهدفِ من نشرِ صورهم؟ من نشرِ كافَة التفاصيل عنهم! أسماءهم الكاملة؟ وظائفهم؟ تواريخ ميلادهم؟ ما الذي يضيفهُ للقضيّة أكثر من إكسَاب متعاطفين جدد للمُتهمين؟ بل وخلقِ كارهين وناقمينَ أكثر على سياسَات الدولة .. شبابٌ صغارٌ مواليد 1991 و1989 و1988 ..شباب جميعهم في منتصف عشرينيّاتهم كانَ بالإمكان احتواؤهم بأحكامٍ مخففة.. فلماذا كلّ هذا التشدد المبالغ به؟


أخالُ .. بلْ وأجزم أنّ هذهِ السياسَة لا يقبلها الشخصُ الذي أسيءَ إليه .. السلطان قَابوس .. السياسةُ التيْ ينتهجها الإدّعاء العام لا ترضيْ أحداً ولا ترضي في المقام الأوّل السلطان قابُوس .. ولا أظنّ أنه لو بلغهُ ما يمارسُ بحقهمُ اليومَ من تشهير .. أنه سيقبلُ ذلك!


وأشعرُ بتفاؤلٍ كبيرٍ في أنّ عودة السلطان إلى عُمان قد تتبعهَا أحكَام عفو عامةٍ عنهم .. نعمْ! أشعرُ كثيراً بأنّ هذا ما سيكونُ عليهِ سيناريُو القضيّة.. أتمنّى ذلك .. ولكنّني أتمنّى قبلَ كل شيء .. أن يكونَ التحرّك أوسع من مجرّد عفوٍ عام .. أن يكونَ التحرّك على مستوَى قوَانين وبنُود وأنظمة تحمِينا .. فالتعوِيل على سياسَة فرد واحدٍ هوَ الحاكم في صنَاعة التغيير.. وإن نجحت لمدَى قصير إلا أنّها لا يمكنُ أن تكونَ الحلّ في حمَاية أجيال متعاقبة من ظلاميّة القوانين وجَورها!

السبت، 2 يونيو، 2012

هلْ أنفقَ "قابُوس بن سعِيد" 64 مليُون دولار على منظمَاتٍ بريطانيّة؟





"قابُوس بن سعِيد يكرّم هيئة حقوق الانسان البريطاني 21 مليون دولار ومساعدَة للمنظمة المالية البريطانية 43 مليون دولار"

هكذا وصلتنيْ رسالة تناقلهَا الناسُ مؤخراً عبر أجهزة البلاك بيري وبرنامج الوتسأب ومواقع التواصل الاجتماعي .. تناقلَ الناسُ الخبر "المُصَاغ بركاكة لغويّة" بحالة من الغليان حول تبرع السلطان قابوس لمنظمات بريطانية بـ64 مليون دولار. وصلتنيْ الرسالة من أشخاصٍ مختلفين ولم يستطع أيٌ منهم أن يجيبني على سؤالي حولَ مصدر الخبر .. كان جميعهم يتناقل الخبر دون أن يكلّف نفسه بالعودة إلى المصدر ..


بحثتُ عبر الانترنت عن أيّ موقع أو تقرير يتحدث عن الهبةِ السلطانيّة "السخيّة" ولم أستطع الوصول إلى أيّ موقع إخباري أو رسميّ يتحدث عن التبرع. وحينَ حاولتُ البحث عن المؤسستين البريطانيتين المذكورتين أعلاهُ لم أجد لهما ذكراً على أخبار الانترنت إطلاقاً سوى مواضيع طرحها أعضاء منتديات وضعوا الخبر هذا في منتدياتهم وأشاروا إلى المؤسستين بهذا الاسم.


حينهَا قرّرتُ أن أصلَ بنفسي إلى مصادر تؤكدُ لي –على الأقل- صحّة المعلومة من عدمها. حاولتُ البحثَ باللغتين عن مواقع للمؤسستين المذكورتين فظهرت لي مؤسسة بريطانيّة تدعي British Institute of Human Rights المؤسسة البريطانيّة لحقوق الانسان


قمتُ بالاتصال بمكتبهم في انجلترا واتضح أنهم في عطلة نهاية الأسبوع وقمتُ بتحرير بريد الكتروني لسؤالهم حولَ صحّة التبرع .. قمتُ ببحثٍ موسّع عبر موقعهم عن آخر أخبارهم ومقالاتهم ولم أجد أيّ خبر يشير من قريبٍ أو بعيد إلى تبرع "سلطانيّ" بهذه الضخَامة..


وأما ما يسمّى بالمنظمة المالية البريطانية فقد قلبتُ الانترنت رأساً على عقب لأتوصّل إليها ولم أجد ما يشيرُ إلى وجودها من قريبٍ أو بعيد .. باللغتين: العربيّة والانجليزيّة.


ولكونِي أعمل في شركَة بريطانيّة فقد سألتُ زملائي البريطانيينَ عن المؤسستينِ سالفتي الذكر ولم يتعرّف أيٌ منهُم إليهما أو يؤكّد أنه سبق وسمع بهما من قبل.


قمتُ بعدَ ذلك بالاتصالِ بالسفارة البريطانيّة في مسقَط ليقيني أنها لابدّ أن تكون على معرفةٍ أو سمعت بخبر تبرعٍ كهذا يتجاوزُ سقفهُ الستين مليون دولار .. وتحدّثت إلى المسؤول الإعلاميّ بالسفارة طالبة ً منه تأكيد صحّة خبر التبرعين "السخيين" فأوضح أن السفارة البريطانية لم تسمع بهذا التبرع وأنها لا تستطيعُ تأكيدَ صحة خبر تبرعٍ كهذا.


وأضافَ أنهُ –شخصياً- لم يسمع بهاتين المنظمتينِ من قبل .. وحينَ سألتهُ إلى من أتوجه أو من يعتقدُ أنه قد يفيدني لمعرفة حقيقةِ هذا التبرع فأوضح أنه –شخصياً أيضاً- يعتقدُ أن السلطان نفسهُ أو الديوَان السلطاني يستطيعان تأكيدَ الخبر أو نفيه. وأتمنّى أن يصدر ردٌ رسميّ من مكتبِ القصرِ في حالةِ اطلاعهِم على تدوينتيْ لتعذّر وصوليْ إليهم.


وبانتهاءِ اتصاليْ بالسفارة البريطانيّة انتهَى بحثيْ .. وربّما تكونُ الأمُور أكثر اتضاحاً بتأكيد منظمة حقوق الانسان البريطانيّة صحّة التبرع من عدمه. وإن أسعفني الوقتُ قدّمتُ طلباً لمكتَب مفوضيّة المعلومات التابع لمكتب رئيس الوزرَاء البريطانيّ الذي يمنح الحق لأيّ شخصٍ بالاطلاع على وضع التبرّعات والوضع الماليّ لأيّ مؤسسة بريطانيّة والتحويلات البنكيّة الموجّهة إليها. المكتب الذي استحدثَ في عهد توني بلير لضمَان أكبر قدر من الشفافيّة للطلاعِ على الوضعِ الماليّ لأيّ مؤسسة بريطانيّة.






حسناً الآنَ عليّ أن أطرحَ سؤالاً مهماً .. من يقفُ وراءَ هذه الحملة؟ ومن يقفُ وراءَ خبرٍ "محرِّضٍ" ضدّ الحاكم و"مثيرٍ للحفيظة" و لسخطِ الرأي العامّ العُمانيّ الذي استقبلَ –وأنا منهُ- بسخطٍ واستياء "فاتُورةِ التبرع الضخمة" التي يزعمهَا الخبر؟

مؤخراً .. وصلتنيْ رسائل مختلفة على هذه الشاكلة لعلّ من "ابتكرها" مصدر واحدٌ أو مصادر مختلفة .. ولكنّي بدأتُ أشعرُ أنّ ثمّة "فئة" يرُوق لها -بمنهجيّة- ترويج أخبارٍ مستفزّة عن شخص السلطان -أخبار قد تكُون صحيحة وقد تكُون ملفقة-. ولكنّ من الواضح أن من يبتكرها يجيدُ اختيارَ التوقيت المناسب لترويجها ونبش الملفات القديمة.


من "اخترعَ" هذا الخبر .. يعرفُ جيداً أبعادَ ما سيحدثه من ردّة فعلٍ لدى العامّة ويعرفُ أكثر أننا –في عُمان- اعتدنَا "ثقافة الإشاعة" وتداول المعلومة دون أن نكلف أنفسنا ببحثٍ بسيطٍ جداً عبر الانترنت أو تكليف أنفسنا –نفسَ عناء عناء الضغطِ على الأزرار لقصّ ولصق الخبر- بالضغط على بضعة أرقام للاتصال بمصادر تؤكّد لنا صحّة المعلومة .. نحنُ في عُمان لا نعرفُ ذلك ولا نكلّف أنفسنا بفعلِ ذلك ..


حملَة تشويه ينتهجها البعض للنيل من شخص السلطان .. النيلُ منه شخصياً وتحريض الرأي العامّ ضده مستغلينَ عفويّة الناس في استقبال المعلومة وتداولها .. شخصياً لديّ مآخذي الخاصّة على تبرّعاتٍ قام بها صاحبُ الجلالة وثبتت صحّتها ولديّ مآخذي الخاصّة على سياساتٍ معيّنة ولا أرى أيّ أحدٍ في عُمان –كاملاً ومنزّهاً عن الخطأ- وبمنأى عن النقد حتّى السلطان نفسه .. لكنني أحتقرُ من يبتكرُ –بهذهِ المنهجيّة- أخباراً خياليّة هدفها واضحٌ لا غير: الإساءة لشخصِ السلطان وزعزعة ثقةِ الشعب في حاكمه .. ولا أشدّ بغضاً إلى قلبي ممن يدسّ السمّ في العسل عبر أخبارٍ –مجهولة المصدر- لا تكلّفه أكثر من دقائق ليبتكرها ولكنّها قد تقودُ إلى تبعاتٍ خطيرةً جداً لن ينزفَ دمَها إلا هذا الوطَن .. وطنكم أمَانة .. وسمعَة حاكمكم أمانة ٌ أيضاً .. لا تطبّلوا له ولا تنزّهوه عن كلّ خطأ .. ولكن لا تكذبُوا عنهُ وعليه.. أحسنُوا إلى الحريّة ولا تسيئوا إلَيها .. وقولوا الحقّ وحاربُوا الباطل وتأكدُوا أنّه لا شيء أجمَل من البحث عن الحقيقة –بأنفسكم- ولا شيءَ أسوأ من أن نفتري على مواطن .. فكيفَ إذا كانَ هذا المواطنُ حاكِمَ وطنكم!


الثلاثاء، 29 مايو، 2012

ماري انطوانيت لا تريدُ أن تعرفَ أينَ الخبز في عُمان!






لا تذكرُ الثورة الفرنسيّة في التاريخ إلا وتذكر ماري انطوانيت التي تناول سيرتَها مؤرخُو العالم .. ولم تحدث ثورة بعدَ الثورة الفرنسية في العالم إلا ذُكِرَتِ الثورة الفرنسية كمثال على تحقق قيم "الإخاء والعدالة" التيْ نجحتْ تلك الثورة في تحقيقها ..
ولم تخلُ الثورات العربيّة من استحضَار رمُوز هذهِ الثورة وأبرزها ماري انطوانيت .. التيْ جسّدت شخصيّة عدوّ الثورة .. والديكتَاتورة التيْ كانت غارقة في ملذّاتها وحفلاتها ومقامرَاتها في الوقت الذي كانَت المجاعة تجتاحُ فرنسا ..
والعبارَة الشهيرة التيْ نسبتْ لماري انطوانيت حينَ وقفت من على شرفات قصرِ فرساي والجماهِير الفرنسية تنادي "نريدُ الخبز ، نريدُ الخبز"  وسألت كبير خدمها قائلة ً: لماذا يريدُ الناسُ خبزاً؟ فأجابها: لأنهم لا يستطيعُون شراءه أيها الملكة! فردّت عليه بقمّة اللامبالاة والجهل: "إذا لم يجدوا خبزاً دعهم يأكلون الكعك"! ..
الكثير من المؤرخين لاحقاً أشاروا إلى أنّ هذهِ العبارة غير حقيقيّة وأنّ القصّة مفبركة وذلك لأنّ الملكة حينَ كانَت الجماهير تزحف إلى قصر فيرساي .. كانت قد حمَلت متاعها هي وعائلتها وهربت إلى قصر تويلري بعيداً عن اضطرابات الجماهير الغاضبة ..
لكنّ الجدل حولَ هذهِ القصّة لم يخفف يوماً من حماس الجماهير الغاضبة في العالم أجمع من استحضار هذهِ العبارة التيْ كانت دائماً تضرب في انفصال المسؤول والحاكم عن واقع الشّعب وجهلهِ التّام بما يدور في شوارعِ العامّة وأحاديثهم ..
الجهل الذي أبدتهُ ماري انطوانيت بواقع رجلِ الشارع الفرنسيّ ، كانَ حاضراً في صورٍ وأشكالٍ مختلفة فالأحاديث لم تخفت بعدُ حول فواتير الشراء الباهظة التيْ أنفقتها زوجَة الرئيس بشّار الأسد في شراء التحف الثمينة من متاجر بريطانيا في الوقتِ التيْ كانتِ الدبابات تجتاحُ شوارع درعا وآلاف العائلات السوريّة تنزح إلى الحدود التركيّة طلباً للمعونة والمساعدة .. والقصص حول اللحظات الأخيرة لهربِ زين العابدين من تونس والكنوز التي حملتهَا زوجتهُ معها أثناء استقلالهما الطائرة إلى السعوديّة لا تزال مستعرة .. "كراتين" من الأوراق النقديّة .. وَ"حمولات" من الذهب والمجوهرات التي لم تتسعْ لها الطائرة .. ومتاع "امبراطُوري" ضخم لم تتوقفِ الروايات عن سردهِ ..
هذهِ نماذج عربيّة بسيطة جداً من ماري انطوانيت الفرنسيّة .. في الخليج حيثُ نشطت التكنولوجيا وساهمَت في اطلاعنا على الجانبِ الآخر من المجتمع الخليجي "المترف" ، الكثير من التسريبات هنا وهناك .. تسريبات عن "حمّالة صدر" قيمتها أكثر من 100ألف ريال عُماني لأميرة خليجيّة .. وعن سيّارة مرسيدس صنعتْ خصيصاً لأمير خليجي وزيّنت من الداخل بالذهبِ الخالص بمليون ريالٍ ونصف ..
وعن إعلان مطعم كافالي في دُبيّ عن ثريّ سعوديٍ اشترى زجاجة شمبانيا قيمتها 52ألف ريال عُماني اجترعها أثناء عشاءٍ تناولهُ مع رفاقه ..
الناسُ تتداولُ هذهِ القصص أحياناً بالسخريَة وأحياناً بالغضب غير أنّ قصصاً كهذهِ توضحُ لنا ما يدورُ في "العالم العلويّ" الذي أغرقت فيه ماري انطوانيت نفسها لتنعزلَ عن معاناةِ الشعب بلْ وتتمادَى في عنادها لعلّ أبرز القصص التيْ تصوّر عجرفتها حينَ أتى إليها الكونت دي ميرباو ليخبرها أنّ الشعب بدأ يتداولُ قصص حفلاتها الفاخرة وإنفاقها المسرف بالسخط فما كانَ منها إلا أن قادتهُ لحمامٍ كان يصنعهُ لها آنذاك أشهرُ نحّاتي ومجوهراتيي باريس لتسأله: ما رأيكَ بهذا الحمّام يا كونت؟! هل يوجدُ مثلهُ في أوروبا؟
ولا غروَ أنّ ماري انطوانيت تحدّثت بتلك الصورة إذ أنّه بعد مرورِ أكثر من قرنين على الثورة الفرنسيّة إلا أنّ مجوهراتها وأطقمها الثمينة لا تزال تعرضُ في متاحف العالم أجمع .. ولا تزال مقتنياتها ملك كثيرٍ من أثرياء العالم ومن أحفاد وصفائها ووصيفاتها اللاتي أغدقت عليهنّ بالحلي والمجوهرات الثمينة..
أنا نفسي .. ورغم كوني من الطبقة المتوسطة البعيدَة تماماً عن بذخ الأسر الثريّة جداً في عمان تذكّرتُ ماري انطوانيت في كثيرٍ من الأحيان لمصادفتِي نماذجَ تشبهها .. لأنّ ماري انطوانيت حينَ أطلقت عبارتها عن الكعك لم تكنْ تعبّر فقط عن تعاليها وجهلها بل كانتْ تعبّر عن ضيق رؤيتها وقصُور حلولها لمشاكلَ عميقة يعانيها الشعب .. عبارتها كانت تعبّرُ عن الجدار الاسمنتيّ الذي أحاطت نفسهَا بهِ فمنعها عن إدراك مشاكل الشعب ..
لقد تذكرتُ ماري انطوانيت وأنا أستمعُ لمقابلة تلفزيونية كانَ يتحدث فيها عضوُ مجلسٍ شورى بطريقة عجيبَة للغاية عن لجوء الناس للتسوّل والشحاتة في عُمان قائلاً للمذيعة: نحن والحمدلله الأوضاع طيبة واجد عندنا .. ومستوى المعيشة تحسّن والرواتب ارتفعت! لقد شعرتُ حينها ب"الغيظ" من حديث سعادة العضو وفكّرت في كيفيّة وضع حلول حقيقية لأزماتنا إن كان هذا حديثُ ممثلينا الذينَ انتخبناهم!!
شعرتُ بـ"الغيظ" وأنا أستمعُ للمسؤول الذي كانَ يحدّثني عن "حمّامهِ" المطليّ بالذّهب .. وبالغيظ وأنا أستمعُ لزميلتي التي تحدّثني عن بيت "المسؤول" الذي طلبَ أن تصمّم له في بيته الجديد "نافورة" تنزل من الطابق الثالث لطابقه الأرضيّ ..
شعرتُ بالحرقة أكثر .. حينَ قابلتُ عضو مجلس شورى سابق في اجتماع عملٍ كانَ يريدُ العضو "المليونير" أن نصمّم له مرسى ليخوتهِ مع شريكه رجلِ الأعمال السعوديّ .. لقائي بالعضو السّابق كانَ قصيراً جداً ولكنّه حمل في طيّاته "فكراً متعجرفاً" وَ"لغة أنانيّة ووقحة" حينَ استطردَ في الحديثِ عن سيّارته التي صنعَتْ خصيصاً له في ألمانيا .. وعن رقمهَا المميّز .. حينَ استطرد في الحديث بشكلٍ سيء عن عُمان وحكومتها وأغدق المديح والثناء على "أولاد زايد وَمشاريعهم ورؤيتهم الاقتصاديّة" .. ذكّرني بماري انطوانيت وهو يوجّه ب"اصبعه" إلى نعالهِ قائلاً: راتب الجندي العمانيّ ما يسوى قيمَة نعالي!
نعم .. كنتُ مضطرّة لسماعه وأنا أفكّر كيفَ أننا ساهمنا كمواطنينَ –باستلام رشوةٍ أو تعصبٍ قبليّ- في صعُود "ماري انطوانيتات عمانيين" إلى واجهتنا الشعبيّة العمانيّة في مجلس الشورى لنتيح الفرصة لأمثال هؤلاء ليقرروا عنا مصير وطننا ..
قصُور النظرة وضيق الأفق والانعزال عن مشاكل الشعب وأهمها المكابرة والعجرفة.. أدّى بماري انطوانيت إلى المقصلة .. واليوم وبعدَ 200 عاماًً لا يزال الفرنسيّون يحتفلون بثورة الباستيل كعيدٍ وطنيّ لفرنسا .. فرنسا بعد الثّورة ..
قصّة ماري انطوانيت ينبغي أن تكونَ حاضرةً دائماً في أذهاننا لأننا نرى نماذج كثيرةً منها حولنا من المسؤولين وصنّاع القرار.. نماذج قد تكونُ أقلّ تعجرفاً من ماري أو أكثر .. وقد تكونُ أكثر ضيقاً في الأفق أو أقلّ لكنّها تعبّر دائماً عن أنّ المسؤول لن يقدّم أيّ حلٍ لمشاكلنا وقضايانا إذا لم ينزل إلى الشارع ويعرفها .. ولن يقدّم لنا حلولا حقيقيّة لأزماتنا إذا لم ينزل من برجهِ العاجيّ ويستمع إلى شعبهِ! ولابدّ أن يخرجَ الشّعب ليحتج ويعترضُ وهو يشاهدهُ يقدم على تصرّفات "مغيظة" وسياساتٍ باذخة ومسرفَة تضربُ بعرضِ الحائط المشاكل الماديّة التيْ تخنقُ الأسرَ العمانيّة .. إنهَا معادلَة أسهل بكثيرٍ من معادلة الخبز والكعك التي اقترحتها الملكة الفرنسيّة .. ولكنّ من الصعب على عقلياتٍ كثيرة لدينا استيعابها وقد حجبَ عنهم الجدار الاسمنتيّ معاناةَ الناسِ وهمومهم!

الاثنين، 7 مايو، 2012

ساركُوزي .. محبُوب العرب! - Arab’s Got Sarkozy






إذن فقد أصبحَ فرانسوا هُولاند رئيساً لفرنسا لتعودَ الاشتراكيّة إلى قصر الاليزيه ويغادرَ اليمين المتطرف الذي حكمَ فرنسَا لما يزيدُ عن 15عاماً .. غادرَ ساركوزي الاليزيه وفي جعبَة التاريخ عنه الكثير .. ربّما إلى قعر ذاكرَة النسيان ليكونَ أول رئيسٍ فرنسي لا يفوز سوَى بفترة رئاسيّة واحدَة منذ أكثر من 30 سنة ..

ساركُوزي الذي فرضَ نفسهُ علينا كمسلمين للمرّة الأولى .. حينَ كانَ عرّاب قرار حظر الحجابِ في فرنسا مذ كانَ وزيراً للداخليّة وفرضَ نفسهُ أكثر وأكثر حينَ أصبح رئيساً يمينياً لفرنسَا مبدياً سياسات تحيّز واضحة مع اسرَائيل ومعاداة واضحَة للإسلام ما حدا بالجالية المسلمة إلى إعلان تأييدها المطلق لمنافسه هولاند في الانتخاباتِ الأخيرة ..

هولاند الذي صرّح أنّ من الأمور القليلَة التي يتفقُ فيها مع ساركُوزي هو قانون حظر الحجاب الذي من الوَاضح أن الجاليات المسلمة ستنتظرُ طويلاً وستجاهدُ طويلاً للحصُول على حقوقها الدينيّة "الأبسط" التي تدخلُ في نطاق الحريّة الشخصيّة التي يعتبرُ الحجابُ أحدها ..

غادرَ نيكُولا ساركُوزي .. حاملاً الكثير الكثيرَ من الألقاب .. ومن يتابعُ مسيرتهُ السياسيّة يكتشفُ عمق الديمقرَاطيّة التي وصلتْ إليها فرنسَا .. فرغم سياساتهِ التعسفيّة ظلّ ساركُوزي –بحياتهِ الشخصيّة- مدار حديثٍ متواصل في صحافَة فرنسَا والعالم .. لعلّ أوّلها أنّ الرجل ليسَ "فرنسياً أباً ولا جداً" .. فوالدهُ "مجريّ".. وأمّه "يونانيّة" كلاهمَا حصل لاحقاً على الجنسيّة الفرنسيّة .. وحينَ انتخبهُ الفرنسيُون رئيساً لفرنسا لم يكترث أحدث بفكرة كونهِ ابنَ "مجنّسين" .. هذهِ القوانينُ التيْ لا تجدُ طريقها إلا في أروقَة السياسَة العربيّة وليتَ الشعوبَ العربيّة استنفعتْ من قوَانين الرئيس موَاطن أباً عن جدّ .. طوال العقود الماضيّة من الحكم الديكتاتوريّ لرؤساء عرب "مواطنين أباً عن جدّ" لم تمنعهم مواطنتهم "الأصليّة" من إذلال شعوبهم واستبدَادها!
ولم تمضِ شهورٌ قليلة على تولي ساركُوزي الرئاسة حتّى خرج نبأ طلبِ زوجته سيسيليا الطلاقَ منه .. سيسيليا أوضحت لاحقاً أنّ فكرة كونها السيدَة الأولى والاضطلاع بالمهام الرسميّة بصفة زوجة الرئيس أمرٌ يصيبها بالملل .. وحينَ سمعتُ تعليقها شعرتُ بالضحك وأنا أفكّر كيفَ أنّ النساء في الوطن العربيّ يتباهين ويتهافتن ليصبحن زوجاتِ المسؤولين .. فما بالك بأن تكونَ زوجة الرئيس .. ولا عجبَ في ذلك ففي أوطاننا تعتبرُ زوجة الرّئيس .. "رئيسة" ! تأمر وتنهي .. تُطَاعُ ولا تطيع .. يقدّسها النّاس فتمشي على رؤوسهم ..
فأن تصبحَ –في وطننا العربيّ- زوجة الرئيس هو مبلغ السعَادة والجنّة الدنيوية للنساء العربيّات .. فيما في فرنسَا ، تطلّق المرأة زوجها لأنها "غير مهتمة" بأن تكونَ زوجة الرئيس ..

تغادرُ سيسيليا .. ويغرمُ ساركُوزي بعارضة أزياء إيطاليّة .. تدخل الايليزيه وتحضرُ المناسبات الرسميّة برفقته .. بصفتها ماذا؟ بصفتها "جيرل فريند الرئيس"! .. ساركُوزي كان الرئيس الفرنسيّ الوحيد الذي يدخل "جيرل فرينده" إلى الاليزيه وهو الرئيس الفرنسيّ الوحيد الذي أثار زوبعة ً في زياراتهِ الخارجية حولَ اصطحابهِ الجيرل الفيرند أو لا .. لعلّ أبرزها زيارته للهند والسعوديّة .. إذ لم يكن ضمن بروتوكولات الدولتين استقبال الرئيس "وجيرل فرينده" .. ولذا فلم تمض فترة حتى تزوّج ساركوزي بعارضة الأزياء التي كانت هديّة زواجها من الصحافة نشر صور "عارية" لها حين كانتَ في بدايات مشوارها الفنيّ .. أن تنشر صورٌ عارية ٌ على الملأ للسيّدة الأولى كان أمراً عادياً لدى الفرنسيين وكانَ عادياً جداً أن يكون ساركوزي "أول رئيسٍ فرنسي يطلق ويتزوّج" أثناء فترتهِ الرئاسيّة .. ثم دخلَ ساركوزي التاريخَ مجدداً حينَ أصبح "أول رئيسٍ فرنسيّ" تنجبُ زوجتهُ أثناء فترتهِ الرئاسيّة ..
الكثير من الألقاب حصدها ساركوزي .. ربّما ليست ألقاباً تثير الفخر كـ "كونهِ مثلاً أقصر رئيس فرنسيّ" .. ولكنها تضاف لسلسلة الألقاب التي تبرز حجم الديمقراطيّة التي تعيشها فرنسا .. فساركوزي أيضاً قد يكُون أيضاً الرئيس الفرنسيّ "الأكثر عبطاً" .. والأكثر تعرّضاً للضرب ..

نعم هوَ الرئيس الفرنسيّ الذي "انضربَ" أكثر من أيّ رئيسٍ آخر .. فقد ضربهُ طالبٌ فرنسيّ في الابتدائيّة بقنينَة ماء .. ثم ضربهُ مدرّس موسيقا في مناسبةٍ أخرى .. ثم صفعهُ  فرنسيٌ ثالثُ على وجهه بكعكةٍ  .. ضرباتٌ كثيرة وجهها الفرنسيُون لرئيسهم .. الفرنسيون الذينَ يضربُون رئيسهم دونَ أن "يتعفنوا في الحبوس" كما يحدث مع من يهين ولو بكلمة .. "فخامة الرئيس العربيّ الموقر" .. في بلداننا العربيّة فقط يُعامل المواطن "كارهابيّ" وَ"يتختخُ في السجن" لتجرّئه على فخامة الرئيس أو حتّى على أي مسؤولٍ آخر ..
طالبُ الابتدائيّة العربيّ لا يكادُ "يقفُ من طولهِ" حينَ يلتقيْ المسؤول العربيّ .. يكونُ قد حفظ "لمائة مرّة" ما سيقولهُ للمسؤول .. أمّا طالب الابتدائيّة الفرنسيّ فيجهّز قنينة ماء ليرميهَا على "رئيسه"!

انضربَ ساركوزي كثيراً من أبناء شعبه .. لكنه لم يرفع أيّ دعوى ضدّ أي أحدٍ ضربه .. كانَ كلما ضربهُ أحدهم واصل طريقه غير آبهٍ لما حدث .. هل من نسخةٍ عربيةٍ لهذهِ الديمقراطيّة الفرنسيّة؟
دولنا العربيّة التي يولدُ فيها الطفل ثمّ يصبح شاباً ثم يشيخُ والرئيس لم يتغيّر .. بينما في فرنسَا فإنّ أقصى فترة حكم يحكمها الرئيس هيَ عشر سنوَات .. في فرنسا لا تجد صورَة الرئيس "الجمهوريّ" معلقة خلف كلّ مكتبٍ حكوميّ .. لا يعبدُ الفرنسيون رئيسهم ولكنّهم يلقون عليه الكعك والبيض وقناني الماء ..

في فرنسا لم "يعشق" الفرنسيُون ولم يعبدُوا رئيساً للحد الذي يجتمعُ فيه البرلمان حينَ وفاة الرئيس –كما حدثَ مع حافظ الأسد- ويغيّروا الدستور الذي ينصّ على ألا يقلّ عمر الرئيس أثناء حكمهِ عن أربعين عاماً .. يجتمع البرلمان السوريّ ويسقط "10سنوَات" من عمر الرئيس .. يتغيّر الدستور ليصبح شرطُ الرئاسة ألا يقل الرئيس عن 30عاماً .. لماذا يجتمعُ البرلمان؟ لينصبُوا ابنَ الرئيسِ .. رئيساً .. بشّار الأسد طبيب الأسنان الذي كانَ عمرهُ آنذاك 30عاماً رئيساً لسوريا خلفاً لأبيه! يا لهذهِ النسخَة المشوّهة "للديمقرَاطيّة" العربيّة!
الرئيس الذي تتحوّل سلالتهُ إلى "سلالة رئاسيّة" فيحكم الأبُ "الجمهوريّة" ثمّ يحكم الابن! من أين نجدُ "جمهُوريّات ملكيّة" من هذا الطراز في فرنسَا!

 الرئيس الجمهُوريّ الذي يمسكُ ابنهُ وأخوهُ "قيادَة الجيش" في اليمن .. والرئيس الجمهوريّ الذي يمسكُ "أخوهُ" قيادة الجيش في سوريّا .. والرئيس الجمهوريّ الذي يتحوّل وأبناؤه وذريّته وقبيلتهُ إلى "قادة ثورَة" في ليبيا! .. نسخ الديمقرَاطيّة هذهِ "لا تُوجد في فرنسا" ..

كانَ ساركُوزي واحداً من أسوَأ حكام فرنسَا –خاصةً لنا نحنُ العرب والمسلمين- .. نحنُ العرب الذينَ استقبلَ ساركُوزي "ديكتاتوراتنا" في حفلاتهِ ومناسباته العسكريّة .. ساركُوزي الذي وقفَ موقفاً معيباً من الثورة التونسيّة والمصريّة اللتين كانَ ساركُوزي على علاقة "سمن وعسل" مع حسني وزين العابدين .. كانَ على علاقةٍ رائعة مع ديكتاتوراتِ العرب .. لكنّه احتفظ بديمقراطيّة فرنسَا لفرنسا ..
وحينَ واصلَ موقفهُ المعيب من ثورة ليبيا .. جاءَ "العقابُ" من أبناء بلدهِ حينَ صفعه معلّمٌ فرنسيّ بكعكة على وجهه قائلاً: هذهِ تذكار من المدنيين الذينَ يقتلونَ في ليبيا!
ورغمَ العلاقة الجميلَة التي ربطَت ساركُوزي بديكتاتُورات عرب .. إلا أنّ أريحيّته أثارت حنق أنظمةٍ عربيّة أخرى .. فقد أثارت طريقة جلوسهِ مع العاهل المغربيّ محمّد السادس جدلاً حين وضعَ ساقهُ على الأخرى .. دونَ أن يأبهَ بالعادات المغربيّة التي تقدّس العاهل المغربيّ لدرجَة صادمة .. فالمغاربَة الذينَ يعاملُون ملوكهم "من نسلِ النبيّ" بأبّهة تصل إلى التبرّك بأقدامهم وتقبيلها صدمُوا من أريحيّة هذا الفرنسيّ ..
والسعُوديُون الذينَ يتباهونَ بتقاليدِ "ضيافتهم المبالغِ بها" أدهشهم حينَ رفض ساركوزي تذوّق طبقٍ سعوديّ محليّ دعاهُ العاهلُ السعوديّ لتذوقه معهُ .. كانَ ساركُوزي ببساطة .. يتصرّف بحريّة وَ"ديمقرَاطيّة" في بلدانٍ لا تزالُ "الحريّة" مغيبةً عن قواميسها!

الفرنسيُون يعرفُون الديمقراطيّة التي كانَ على ساركُوزي أن يتبعها في فرنسَا .. ومع ذلك لم يمنحهُ الفرنسيُون ثقتهم لفترةٍ رئاسيّة ثانية .. هل لأنهُ كانَ "أعبطَ رئيس"؟ .. أم لأنهُ كانَ أكثرهم "جلافة ً وتعجرفاً" ؟ أم لأنهُ كانَ الأكثر فشلاً على صعيد خطط الإنقاذ الاقتصاديّة لفرنسا ولدول الجوار الأوروبيّة.. اليونان وإيطاليا وإسبانيا!

ربّما كانَ كل ذلك صحيحاً .. لكنّ ذلك لم ينفِ أنهُ كانَ رئيساً "ديمقراطياً" لشعبٍ "ديمقراطيّ" .. متى يستطيعُ العربُ استصدَار نسخَةٍ عربيةٍ "ديمقراطيةٍ" من ساركوزي كما أصبحُوا يستصدرون نسخاً معرّبة من برامجهم الفنيّة ..
“Arab’s got talent” .. “Arab Idol” .. وغيرها ..

هل سنجدُ نسخة ً عربيّة من ساركُوزي في دهاليز قصورنا الرئاسيّة! إن كانَ هذا سيحدث .. فسأجهّزُ كعكتي من الآن .. وأزيّنها وأخبزها .. ربّما حينَ ترتفعُ معدّلات البطالة .. وينتشرُ الفسادُ وتمنحُ صكوك "أراضي أوطاننا" لمسؤولينا الحكوميين .. ويتصرّف الوزراء وكأنهُ ليسوا وزراءَ وزارات ولكنْ "مُلاّك وزارات" .. حينها سأحملُ كعكتي وأرميها في وجهِ أقربِ مسؤولٍ وأقولُ لهُ: "هذهِ الكعكة ، لكي تتذكّر جيّداً من تكُون"!

الثلاثاء، 27 مارس، 2012

مهنّد ونور وموزَة خميس في مهرَجان مسقط السينمَائيّ!





قرَابة خمس أعوام مرّت منذ تصدّر مسلسل مهند ونور شاشات البيوت العربية وطوال خمسة أعوام استمرّ "الخبز والعجن" في هاتين الشخصيتين الدراميتين اللتين فتحتا الشهية على الدراما التركيّة ..


خمس أعوام والمهرجانات العربية "تهيسنا وتقرزنا" بصور الأخيرين ولأنّ المهرجانات العربية "ما أحسن" من مهرجان مسقط السينمائي فقد قرّر القائمون أن "ينكّهوا" المهرجان بحضور مهند ونور ويخصصوا صفحةً كاملة من جريدة الشبيبة كما في الصُورة أعلاه للإعلانِ عن اللقاء الموعود والاجتماع المسعُود ॥ وأنا من جهتي أقترح على القائمين بالمهرجان "إضافة نكهة عمانيّة" في حدث حضورِ الشخصيتين البارزتين بأن "يوزّروا مهند بوزَار عماني قطن" ودشداشة بفريخَة وأربع خيوط مزجزجَة ومصر تورمة ॥ وخنجر سعِيدي وعصَا عمانيّة .. وأن يلبسوا الست نُور "عُمانيّة باللحاف والشّال" وبنطلون خياطة شرقيّة .. ومفرق ذهب ومريَّة تكسُو صدرها .. وست بناجري مشوكَة وأن يزفّوهما في قاعة فندق البستان على وقع ماء الورد الجبليّ وأنغَام صوتنا العمانيّ الأصيل موزة خميس صادحة ً "مليان قلبي مليان ، ويسيل مثل الوديان" ॥ زفوهما وأرجوكم أنهوا قصتهما بالنهاية السعيدة .. ربّما في مسقط ينتهي سعار الناس بهمَا ويتزوجان زواجاً عمانياً أصيلاً .. أرجوكم زفّوهما وخلصُونا من رؤيتهما مجدداً في صحفنا .. زوجُوهما وارحمُونا من لعنَة اسمها "مهند ونور" لا تبدُو أنها ستنتهي قريباً ولا يبدُو أنكم تريدُون أن تنهُوها قريباً .. زوجوهما في مسقط وأريحونا منهم للأبد .. وسنأتي لقاعة فندق البستان ونحضر الزواج ونزفهما زفافاً مسقطياً أصيلاً يتزوج فيهِ الأمير الهمام بالست نور فتاة الأحلام .. ويعيشوا في ثبات ونبات ويخلفوا عشرة صبيان وعشر بنَات!

الأحد، 25 مارس، 2012

قال مُوهْ .. قال صبَح يوكِل "جيذر"!

في عُمان ثمّة مقولة شهيرة نتداولها نحنُ العامة ونضربها في الشخصِ الذي يمتلكُ بين ليلةٍ وضحاها ثروَة كبيرة لينتقل من مصاف الناس العاديين إلى الأناس فاحشي الثراء .. العمانيونَ يقولونَ في وصفِ شخصٍ كهذا .. أنهُ نام .. وصبح الصبح وهوَ يوكل صفيلح!

الصفيلح .. غايَة أحلام العمانيين .. فلا أثرى من شخصٍ يستطيعُ تحمّل تكاليف أكل الصفيلح في عُمان. لا يوجدُ عُمانيّ لا يعرفُ الصفيلح لكنّي أدّعي أنّ أحداً منا –نحنُ العمانيين- لم يبصر الصفيلح في حياتهِ فما أن يقعَ الصفيلح في شباك الصيّاد المحظوظ حتى يتبخّر من أرضِ السلطنة إلى مائدَة ثريٍ خليجيّ .. أو مائدةِ مطعمٍ فاخرٍ في دبي لا يستطيعُ دفع تكاليفهِ إلا أصحاب الحساباتِ البنكيّة "المتخمة" .. ولهذا فقد أصبحَ الصفيلح رمزاً لا يقترنُ إلا بالثراء .. أعني الثراء الفاحش جداً جداً ..

إلا أنّ "أحلامَ العمانيين تواضعَتْ كثيراً" هذهِ الأيّام بعدَ أن تبخّر الجيذر من أسواقهم .. الجيذر الذي بدأ يختفي شيئاً فشيئاً .. بدأت نبوءات "تبخّره" من السوق المحليّ بمتابعَة ارتفاع سعرهِ في السوق فوالدِي الذي اعتاد أن ينزلَ كلّ صباحٍ إلى سوق نزوى اعتادَ قبل 5 أعوام أن يشتري كيلو الجيذر بريال واحد فقط فيما وصل سعرُ كيلُو الجيذر مؤخراً إلى أربع ريالاتٍ ونصف أي ارتفاع قدرهُ 450%!!!!!.. قبلَ أن ينسحبَ شيئاً فشيئاً من الأسواق ولا يتبقى غير الشعري والجرجور وأصناف أخرى مما رحمَ ربي..

فإذا كانَ سوقُ نزوَى "نطيحَة" كونها مدينَة داخليّة فإنّ مدناً ساحليّة كصور لم تكن أحسن حال من المترديَة وما أكلَ السبع فالناس تشتكي من ندرَة الجيذر في صُور "مدينَة البحر" .. وتشتكِي من الغلاء الذي حلّت لعنتهُ على الأسماك..

وبدلاً من لغة "التذمر" والكلام الإنشائي دعُوني أستعرضُ معكم آخرَ إحصائيّات المديريّة العامة للاحصائيّات الاقتصاديّة حول مؤشرات الارتفاع "الخطيرة" التي حلّت بأسماكنا العمانيّة فسعرُ التونة ازداد بنسبَة 25.5% في عام 2010 وازداد سعرُ الجرجور بنسبة 21.1% في عام 2010 أيضاً .. وحتّى السردين الذي يعدّ "ضيفاً" متواضعاً في مآدب العمانيين .. السردين الذي هوَ "غداء الفقارى" كما نسمّيه ارتفع بنسبة 13.4% خلال 2010م ..

حسناً .. سأعترفُ أنني انسانة بسيطة جداً .. ربّما أفهم لغة الأرقام لكنني لا أفهم كثيراً في الخطط الوطنية التي تخرجُ لنا بها وزارة الزراعة والثروَة السمكيّة بين الحين والآخر ولا أودّ أن "أتفذلك" و"أنظِّر" و"أهرف فيما لا أعرف".. لكنْ دعوني أسأل وزارة الزراعة والثروة السمكيّة وعلى رأسها الوزير الموقّر .. قلتم أنّ الجرّافات تم حظرها .. ولكنّ سعر السمك لم ينخفص بل تواصلت أسعاره في الصعود .. قلتم يا عمانيين سنحميكم من "استغلال الصيادين الجشعين الأشرار الذين هم مصدر بلائكم" بإنشاء سوق مركزي للأسماك .. وظلت الأسعار في ارتفاع .. قلتم يحظر على "الصيادين الأشرار" بيع السمك "غير المقطّع للامارات المتّحدة .. الحوت "الكبير" الذي نبيعهُ خيرات بحرنا مقابل "جواني الدراهم الاماراتيّة" .. ما يعنيْ أنّ حصّة "التصدير" الكبرى ستنتقل من الصيادين العاديين إلى "القروش الكبيرة" الذين يمتلكون معدات تقطيع الأسماك .. ومعَ ذلك ظلّت الأسعار أيضاً في الارتفاع ..

أنا أيّها السيد الوزير ومسؤوليك في الوزارة آنفة الذكر لا أفقه في الخطط الوطنيّة لإنقاذ ثروات بحرنا .. ومنح المجتمع المحلي جزءا بسيطاً من وافر بحرهِ "العمانيّ" .. لا أفقه ولا أدّعي علماً ولكنّي مواطنة عمانيّة بسيطة .. تقرأ عن خططكم الوطنيّة في الجرائد ولكنّي أذهبُ في السوق كلّ صباح ولا أرى اختلافاً في الأسعار .. أليست النتيجة المتوقعة من "خططكم الوطنيّة" هو توفير كميّة أسماك تغطي السوق المحليّ وتضبط أسعاره؟ حسناً أنا لا أرى ذلك ..

أنا أفتحُ الجريدة صباحاً وأقرأ عن صيادين يقسمُون أنّ الجرافات لا تزال تجوبُ بحار السلطنة .. ويقسمُون أنها لا تزال تقضي على الأخضرِ واليابس .. ويقسمُون أنّهم قدّموا بلاغاتهم ضدّها وأنّ أحداً لم يتحرك فبادر الصيادون أنفسهم بإيقاف الجرافة التي "تنافسهم" في رزقهم .. أنا أقرأ في الجريدة هذه القصص وأعود لأسرتي ومحيطي لأسمع بقية القصة عن أنّ الجرافة التي أوقفها الصيادون في اليوم الفلاني اتضح أنها لصاحب السمو الفلاني أو صاحب المعالي العلانيّ .. الناس تقولُ ذلك وأنا أقولُ لك: صدقاً .. ما الذي يحدثُ يا معالي الوزير؟

يا معالي الوزير .. هل تنزل إلى سوق السمك صباحاً وتبصر الناس كيفَ "يتقاتلون" على الحبة والحبتين من السمك؟ أنا أراها كل يوم وأنا في طريقي عائدة من عملي فأمر ببسطة سوق السمك وأرى "الأمم العظيمة" التي تتقاتل على كم حبة سمك ..

يا معالي الوزير.. شواطئنا تمتد لمسافة 3165كم .. والعماني يصرخُ ليل نهار: وينه السمك؟ وينه؟ يا معالي نحنُ بلاد البحر ونحنُ أبناء البحر .. ولكننا لا نعرفُ أين تذهبُ ثروة البحر؟

لا أعرفك يا معالي الوزير ولا أريد أن أحمّلك المسؤولية كلّ المسؤوليّة وأقسم بالله أنني يوم تعيينك احتفلتُ لأنّي ظننتُ أن الوزير السابقَ "هوَ المشكلة" ... وأنكَ ، أنكَ "الحلّ" ! قد أكونُ –كغيري- حمّلتك الكثير من الأحلام فوق طاقتك ومنحناك آمالاً أكثر مما أنتَ قادرٌ على تحقيقها .. لا أعرف! ولكنني خائفة على ثروة بلدي التي أراها تتبخرُ أمام عيني .. نحنُ أولى بها .. نحنُ أحقّ بها .. أرجوكَ افعل شيئاً!

يا معالي الوزير .. لقد حمدنا الله وسبّحنا وحوقلنا .. حين صدرَ قرارُ إيقاف الجرافات .. يا معالي الوزير .. نحنُ لا نطلبُ "الشارخة" التي نأكلها في مطاعم تايلاند والإمارات .. يقدمونها لنا ويكتبون تحتها بفخرٍ "الشارخة العمانيّة" .. فيما لا نعرف للشارخة العمانيّة طريقاً في بلدنا .. ولا نريدُ "الروبيان العمانيّ" الذي اختفى من أسواق كارفور واللولو وحلّت مكانه "جنسيّات الروبيان الأخرى" .. لا نسأل عن الأخطبوط ولا عن الحبّار ولكننا نسأل عن الجيذر والجرجور والشعري وسمك ابراهيم وبقية الأنواع التيْ اعتدنا أن نراها على مائدة "المواطن العُمانيّ العادي" ..

ما الذي أقترحهُ إذن يا معالي الوزير؟

إن كان بمقدروك أن تنقذ أسماكنا من أيدي "لصوصِ البحر وقراصنته" .. إن كانَ بمقدورك "مناطحة صاحب المعالي وصاحب السمو" الذي يلمزهُ الناس يمنة ويسرةً في قصصهم عن الجرافات "السائبة" .. إن كانَ بمقدورك أن تفعل شيئاً فافعل فقد بدأ الناسُ يضجون .. بدأوا يعيدون نظريّات المؤامرة على "بحرنا العُمانيّ" .. إن كان بمقدورك فافعل فليس ثمَة وقتاً أفضل من الآن.. وإن لم يكن بمقدورك ذلك .. فإنني أدعوك وأدعو كلّ عمانيٍ يقرؤني أن يقف دقيقة صمت .. دقيقة صمتٍ في وداع الجيذر .. في وداع "سكان البحر" .. أن يقفوا دقيقة صمتٍ .. يصلون فيها على "رزق البحر" الذي شحّ على أبناء البحر وذهبَ إلى غيرهم ..

دعونا نقفُ يا أصدقائي دقيقة صمت.. وقِفْ معنا يا معالي الوزير .. سوف نتوقف في دقيقة الصمت هذه عن الحديث عن أحلامنا التي تواضعت من الصفيلح للجيذر .. سوف نتوقف عن الحديث عن الجرّافات .. سوف نتوقف عن الحديث عن ارتفاع سعر السمك الخيالي.. سوف نتوقف عن الحديث عن كلّ شيءٍ وأي شيء .. وسوف نصمت .. نصمتُ لدقيقة واحدةٍ عن كل ذلك .. ونترحم على "البحر العمانيّ" وَ"السمك العُمانيّ" الذي هاجرَ من أسواقنا المحليّة ربما .. ربما إلى غير رجعة!

الأحد، 8 يناير، 2012

ما واجد يا شِيخ! ماواجد!

تابع أولاً / مقطع الفيديو في الرابط التالي:


http://www.omanlover.org/vb/media/1356-


أشعرُ في كثيرٍ من الأحيانِ برغبةٍ في التوقّف عن الكتابَة عن الوطنِ والمواطن. أشعرُ برغبةٍ ملحّةٍ في ذلك لأنّي قلتُ كلّما ما أردتُ قوله .. ولأنني ظننتُ في وقتٍ ما أنّ الكثيرَ أنجزَ منذُ مظاهرات فبراير 2011 .. إلا أنني أعودُ لنقطَةِ الصّفر ، للحظَة الحرجَة .. أعودُ مجدداً للقهرِ نفسهِ الذيْ شعرتُ بهِ قبلَ عامٍ من الآن أعودُ إليهِ وأنَا أبصرُ أنّ عُمانيين مثلي .. يحملُون الجواز الأحمر يعيشُون هذهِ الأوضاع الوظيفيّة التيْ ظنناها انتهتْ في وطننا..


أقسمُ باللهِ ..أقسمُ باللهِ .. أنني لمْ أستطعِ البارحَة أن أنَام كأيّ ليلة حينَ شاهدتُ البارحَة الفيديُو الذي عرضتهُ الأختُ حبيبة الهنائي في لقاءاتِها مع تجمّع عمّال الرشّ التابعين لوزارة الصّحة للمطالبة بتحسين أوضاعهِم الماديّة ..



والقهرُ الذيْ انتابنيْ البارحَة .. ظننتهُ انتهَى بعدَ حزمة الاصلاحات التيْ قدّمتها الحكُومة العام الماضي .. شعرتُ بالقهرِ وأنا أفكّر في العُمانيّ الستينيّ .. العُمانيّ الذيْ ملأ البيَاضُ لحيته .. العُمانيّ الذي يقولُ أنّه يعمل بيوميّة 6 ريالات! لا "عيديّة" ولا زيَادة ، ولا علاوة تحسين وضع .. 6 ريالات لا غير! هلْ هناكَ عُمانيّون في هذا الوطن لا يزَالُون يستلمُون راتباً كهذا؟




شعرتُ بالقهر والرجلُ الشاب الملتحي الذي يعملُ منذ 10 أعوام عاملاً للرشّ يقولُ أنّ مجموع ما يحصلُ عليهِ لا يتعدّى 95ريالاً شهرياً وفي أحيانٍ نادرة يتجاوز سقفَ المائة ريال ..


شعرتُ بالقهر والغُبْنِ والأسَى للرجل "الشيبَة" بجلدهِ الأجعد ، بلحيّته التي غزاها البياض ، بعصاه التي يتوكّأ عليها ، بصوتهِ المتهدّج القادِم من بهلا ... ليكرّر شكوَاه "للمرة الخامسة" .. من أجل تحسين وضعهِ الماديّ ..


تسألهُ حبيبة: الوالد كم صار لك تشتغل؟ فيردّ ببساطة: 24 عاماً! ..


تسألهُ: كم تمشي في اليوم بماكينَة الرشّ؟ ، فيردّ: ما واجد .. 7 كيلُو روحة و7 كيلُو رجعة!


ما واجد يا شيخ!!!! ما واجد!!!!


نحنُ الشباب .. تؤلمنا حزمَة كتب نحملها ونحنُ نتنقل من كُليّة لأخرى في الجَامعة .. يؤلمنا حمل حقيبَة يد لمسافة تقل عن كيُلو .. يؤلمنَا حمل حزمَة ملابس من محلّ "الكيّ" لسيّاراتنا!


ورجُل ستينيّ يحمِل ماكينَة رشّ على ظهره ، يمشي بهَا 14 كيُلو ذهاباً وإياباً .. ويراها قليلة .. إيييه يا شيخ .. إيه! ما هوَ "الوَاجد" إذنْ يا شيخ إن كان سيرُ 14 كيلُو "ما واجد!"


يقولُ الشيخُ أنّها المرّة الخامسة التيْ يشدّ بها الرّحال إلى مسقط ليتابعَ سيرَ شكوَاه .. ويقولُ آخر أنّهم تظاهروا 7 مرّات منذ مارس 2011 .. سبع مرّات يشدّ هؤلاء الفقراء الرحال إلى الوزارَة بمسقط ، من بهلا وبدبد وصحار والبريمي والخابُورة وغيرها .. أملاً في زيادَة "شبَحيَّة" لم تبصرهَا أعينهم!


يقولُ آخر أنّهم قابلُوا وكيل الصّحة مرتين وحينَ يئسُوا من وعودهِ التيْ لا تنتهِي ذهبُوا لمقابلَة فهد بن محمود الذيْ أغلقتِ الأبوابُ عنهم ليرَوه .. يقولُ عامل الرشّ ذلك وأقولُ أنيْ أتذكّر قبلٍ عامٍ ويزيد وكأنّها البارحَة حينَ كتبتُ مقالي إلى وزير القوَى العاملة.. كنتُ بصدد كتابَة مقال إلى رئيس مجلس الشورى آنذاك العيسائي .. متهكمة ً على مقاطعتهِ المتواصلة وتقصيرهِ الشديد لأعضاء مجلس الشورى حينَ يرغبُون في طرح تعقيبات ومداخلات على ما يقدّمه الوزرَاء في جلساتهم بالمجلس .. كأنّها البارحَة والعيسائيّ يصرخُ على أحدِ أعضاء مجلس الشورى وكأنّه "مُعاقب في طابُور الصباح" مقاطعاً إيّاه في جلسَة مع وزير النقل السابق خميس بن مبارك العلويّ .. يقول العيسائيّ صارخاً: خلاص خلص وقتك .. واللي حاب يستزيد ويستفسر زيادة فأبواب معاليه مفتوحة .. ثم يلتفت العيسائي ناحية خميس العلويّ قائلاً: معاليك ، أبواب مكتبك مفتوحة ولا ما مفتوحة.. فيردّ العلويّ بارتباك: مفتوحة معاليكم ، مفتوحة..


.


.


.


يا معالي الشيخ أحمَد العيسائي .. أسألكَ بربّ العزّة .. هل أبوَابُ وزرائنا و"نائب رئيس مجلسهِم"؟ ووكلاءِ وزاراتهم مفتوحَة؟


أسألك بالله بعدَ أن خرجَ الناس وتظاهرُوا من جنُوب عُمان لشمالها .. هل فتحَ وزراؤنا أبوابهم لهؤلاء الفقراء المهمّشين ، عُمّال الرشّ الذينَ تظاهرُوا لسبعِ مرّات في أقلّ من عام لأجل تحسين أوضاعهم .. هل فتحتُم الأبواب أم غلّقتمُوها أمامهم ..


ومتَى سيبصرُ هؤلاء الزيادة الشبحيّة ووكيل الوزارَة يقولُ لهُم كلّ مرة أنّ رسالة مطالبهم قد ذهبَت إلى الماليّة وأنهُ ينتظرُ الردّ


فهل يا ترَى سيبصرُ هؤلاء الزيادة الشبحيّة حتى يفرَغ المسؤولون في وزَارة الماليّة من "صنَاعة" الرسالة المنقُوشة بماء الذّهب لتلبيَة مطالبهم التيْ مضَى عليها عام كامل!


انتهَى الفيديُو وعمّال الرشّ يدخلُون وزارة الصّحة "للمرّة السابعة" .. هذهِ المرّة لمقابلَة وزير الصّحة .. الذي تطلّب لقاؤهُ 7 مرّات من شدّ الرحال إلى مسقط .. وعسَى ألا تكون ثمّة زيارَة ثامنَة.. عسَاها عسَاها تكُون السابعَة " الثابتة والأخيرة" ..


فإنْ كانَ وكيل وزارة الصّحة لم يهزّه منظرُ الرجال "الشيبان" بعصيّهم .. لمرّتين مضت من مقابلتهِ لهم .. فعلّ وعسَى أن تهزّ رؤيَتهم قلب الوزير ..


لمْ أنم البارحَة كما ينبغِي .. وحينَ أغمضتُ عينَي كانتَا ممتلئتين بالدمُوع .. وأنا أدعُو الله بدعاءٍ قالهُ قبليْ جبرَان خليل جبرَان .. اللهمّ اجعلنيْ مظلوماً ولا تجعلنيْ ظالماً ، اللهم اجعلنيْ أرنباً ولا تجعلنيْ أسداً ..


هزّني البارحة الفيديُو الذي رأيتهُ .. وفكرتُ هل أشعرُ بالشفقَة أم بالغبطة تجَاه المسؤول الذي يقابلُ هؤلاء الفقراء الأميين المساكين المسحوقينَ المهمّشين دونَ أن تهتزّ له شعرةٌ .. دونَ أن يحلّ مشكلتهم .. ودونَ أن يشعرَ بأرق دقيقَةٍ واحدة لهؤلاء البسطاء حينَ يخلد إلى سريرهِ للنوم! وقد يقولُ قائلٌ أنّنا حينَ نضعُ أنفسنا مكان المسؤول فالموضوع وسرعَة حلّه تختلف .. فأن نكونَ في موقع القرار يختلفُ عن كوننا مجرّد كتّاب ينقرُون على الكيبُورد وأقولُ حينها اللهم .. اجعلنيْ موظفاً صغيراً ولا تجعلنيْ مسؤولاً إن لم أكنْ قادراً أنّ أحلّ لـ"سبع مرّات" مشكلة هؤلاء البسطاء ..


.


.


نعم! أشعرُ أحياناً بزهدٍ في الكتابَة ولا يزالُ في وطني عُمانيٌ يعيشُ ظروفَ هؤلاء! أفكّر أحياناً عن جدوى الكتابة عن هؤلاء! هل سيغيّر ما أكتبُ عقليّةَ المسؤول .. هل سيغيّر رتابة الحكومة التيْ تعجزُ عن حلّ مشكلة عمالٍ كهؤلاء برواتبهم الزهيدَة المتدنيّة!


طوَال حيَاتي وطفولتيْ .. لم يلفتنيْ يوماً مشهدُ الرجل الشيخ بـ"الكوفرول" الأخضر .. حاملاً على ظهرهِ ماكينة الرشّ .. لم يلفتني وأنا أسارعُ في إغلاق الباب والنوافذ خوفَ أن تؤذيني رائحةُ المبيد الكيماويّ .. لم ألتفتْ يوماً إليهم ولم أفكّر كم يقبضونَ مقابل المشي الطويل والماكينة الثقيلة ، والرائحة الكريهَة .. لكنني قررتُ منذ البارحَة أن أتوقّف قليلاً حين يمرّ أحدهم بجانبي .. أن أستنشقَ بعمقٍ رائحة المبيد .. ربّما حينها أدركُ تماماً قيمَة هؤلاء الجنود الصامتين الغائبين عن أجندَة الوطن الذينَ يعملُون بصمت مقابل يوميّةٍ لا تتعدى 6 ريالات!