الأربعاء، 27 يناير 2010

نبيٌ منَ الوردِ ..

حَبيبيْ ..
نبيٌ منَ الوردِ ..
أنفَاسهُ ليلـَك ٌ ... دَمـُهُ زعفـرَان !

العَالم قائماً على "ادفشنيْ وأطيح!"/ردُهات


عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com

فيْ كتابهِ الصادر في نهاية ستينيّات القرن المنصرم يتحدّث العالم باول أهرليك عالم السكانيّات والاقتصاد عن التضخم السكّاني الذي يشهدهُ العالم وتسارع الامتلاء السكانيّ للأراضي الفارغة في العالم بأنّ عدد سكان العالم تضاعفَ ستّ مرات منذ ما كانَ عليه في بدايات القرن العشرين حيثُ قفز من مليَار ونصف إلى 6.8 مليَار نسمَة يعيشون على وجهِ هذه البسيطَة ..

يقترحُ بول أهرليك في كتابهِ سنّ قوانين دوليّة صارمَة بشأن حقّ كل فرد في هذه الأرض بأن ينعم بهواءٍ صحيّ بما أن الأرض ملك للجميع .. بمعنى أن تكون قوانين الإنجاب واحدة على جميع الدول ..

الذي دفع أهرليك لذلك هوَ حقيقَة أن البشر يتكاثرونَ بتزايد ولكن دونَ تساوٍ في عمليّة التكاثر .. بمعنى أنّ هنالك دولاً كثيرة تتراجع في مستويات الإنجاب تعوّضها دولٌ أخرى في ذلك ..

فعدد السّكان في الدوَل الفقيرة ودول العالم الثّالث تساوي ضعفَ عدد السكان في الدول الغنيّة ذات الدخل المرتفع وفيما يصلُ معدّل إنجاب المرأة في دولة فقيرَة كأنغولا 7 أطفَال .. يبلغ متوسط إنجاب المرأة في السويد طفلاً واحداً فقَط ..

ليسَ هذا ما يقلقُ أهرليك فحسب بل إنّ تراجع الإنجاب والتزايد السكانيّ في الدول كلّما زاد دخل الفرد فيهَا يدفعه للتساؤل .. هل التقدم العلميّ عدوّ للتكاثر السكانيّ؟ وهل وعي الأبوين نتاج لهذا التراجع السكانيّ؟

يتخذ أهرليك ألمانيا مثالاً على ذلك .. ففيما كانَ عدد الأفراد الذين يشغلون متراً مربعاً واحداً في ألمانيا قبل عشرين عاماً 342فرداً أمّا اليَوم فيشغلُ 230فرداً كيلومتراً مربعاً واحداً ليعيشُوا فيه .. بالنظَر إلى ارتفاع مستوى دخل الفرد الألمانيّ بشكلٍ ملحوظ مما كان عليهِ قبلَ عشرينَ عاماُ ..

الأمرُ يحدثُ بالعكس في منطقَة فقيرَة جداً كغزّة يبلغ دخل الفرد فيها دولارين ونصف حيث يشغلُ مليون ونصف فرد من السّكان مساحَة 360 كيلومتراً مربعاً ..

قبلَ عامٍ نشرت مجلّة العربيّ مقالاً حول ظاهرَة التكاثر السكانيّ في العالم وتحدّثت أنهُ مع تكالب موضوع التكاثر السكانيّ الضوئي وتصاعد كميّات البشر الذينَ يشغلون مساحَات الأرض إضافة ً إلى ارتفاع نسب الأدخنة والملوثات الكيماويّة والصناعيّة التي يملأ بها البشر الأرض بالإضافة إلى ارتفاع مستوَى حياة الفرد فإنّه ينبغيْ تقنين كلّ عائلة لتمتلك طفلين فقط .. وذلك حفاظاً على سلامة الحياة وديمومتها على سطحِ هذا الكوكب؟

فيما لو اختلّت هذه المعادلة واستمرّ البشر خاصّة دول العالم الثالث ومن ضمنهَا سلطنتنَا عمَان .. في إنجاب كلّ عائلة عدد أفرادٍ لا يقلّون عن 6 أطفَال فمَا البديل الذي يمكن الحصُول عليهِ لضمان الاستمراريّة بسلام في الأرض؟

بالتأكيد فإنّ خيار البحث عن كوكب احتياطي خيار وارد وإن كانَ بعيداً .. ويحضرني في ذلكَ مقال للكاتب الجميل فهد الأحمديّ يتحدث فيه عمّا لاحظهُ عالم المجهريّات أنتوني لوفنهوك حينمَا قام بأولى تجاربه في مراقبة البكتيريا والفطريّات في عيّنات العفن .. يقولُ أنتوني لوفنهوك أنّ ما لاحظَهُ كالتّالي: أنّ البكتيريا كانتْ تتكاثر وتتكاثر للحد الأقصى الذي تمتلئ فيه مساحة العفن وحين تجد أنّ العينة لم تعد قادرةً على تزويدها بالحيَاة فإنّها تتوقّف ..

ولوحظ هذا على عددٍ من ممالكِ الحيوانات مثلَ الطيُور .. والأفاعي التيْ تتكاثر في جحر لحدّ معيّن ثم تتوقّف .. بعدَ ملاحظَة أنّ مقوّمات الحياة في مساحة التكاثر لم تعد كافيَة .. فهل هذا ينطبق على عالم البشر؟

العكس طبعاً هو ما يحدث فكلّما كانت الظروف أكثر سوءاً والمعيشة أكثر تعقيداً والدخل أقلّ كلما ازداد الإنجاب والحَمل .. والبشر لا يملكُون تلكَ القدرَة على ضبط الإنجاب بملاحظة أنّ الظروف لم تعد مواتيَة بل إنّ العكس هو ما يحدث ..

يكمل الكاتب القولَ أنّ تلك البكتيريا نفسهَا تستعيد تكاثرها مرةً أخرى .. بمجرّد نقلها لعيّنة أوسع ..

تماما مثل تكاثر فقمة البحر التيْ يقلّ تكاثرها بشكل تلقائي حين يقلّ توفّر السمك قريباً من الشطّ فلا يمكن أن تكونَ هنالك سمكة واحدة لخمس فقمَات .. بينما يختلف التكاثر إذا كانت كل فقمَة تحظى بسمكتينِ كلّ يوم ..

الفرق بيننا وبينَ الحيوانات أنه لا يوجَد مكان بديل أوسَع ننتقل إليهِ فيما لو بلغ استيعاب هذه الكرَة الأرضيّة حدودها ..

ثمّ علينا ألا نقيس تكاثرنا بها بالنظر إلى أنّ ما تحتاجه هذه الحيوانات هو طعام وبيئة للعيش بينما نحتاجُ نحنُ مكاناً نسكنُ بهِ .. تعليماً .. ضماناً صحيّاً .. إلى آخره من متطلّبات عيش الفرد ..

ولا يمكن قياس مساحة الأرض بعدد ما يشغلهَا من سكّان .. فعمَان مثلاً يشغلُ 9 أفراد منهَا مساحة كيلومتر مربّع واحد لكنّ دخل العائلة فيها طبقاً لإحصائيات البنك الدوليّ عام 2006 يبلغ 280 ريَال عمانيّ ..

الآن نقيسها بدولَة مثل الدنمارك يبلغ عدد الأفراد الذين يشغلون مساحة كيلومتر مربّع بها 125 فرداً .. لكنّ الدخلَ

يبلغ 1280 ريَال عمانيّ

فإذن معدّل الإنجاب لدى الدنماركيين ينبغي أن يكون أربعة أضعاف ونصف عدد الإنجاب لدينا إذا قسناه بمستوى الدخل .. رغم أنّ عدد السكان الدنمَاركيين في كل كيلومتر مربّع واحد يعدّ أكثر منّا في عُمان ..

مرةً سُئلَ أحدُ الصحفيين ما هي المقوّمات التيْ تحدّد عدد أفراد كل عائلة فأجاب .. شهادة الأبَوين .. مشيراً بذلكَ إلى حقيقة أنّه كلما كان الأبوين أقلّ تعليما وفقرا كلّما كان وعيهما بالإنجاب أقل..

قبلَ أيّام .. كان أخي يحدّثني عن قريبنَا طالب الجامعَة الذي يدفعُ من مصروفهِ الذي يستلمهُ من الجامعة لمساعدَة والدهِ في إعالةِ أسرتهِ بالنظرِ إلى أنّ عدد من اخوتهِ فاشلون دراسياً للحد الذي يضطرّ أخاهم طالب الجامعة للمساعدة في المصرُوف.. وتذكّرت والدَة ذلك الطالب التي لم تزَل تنجب حتّى بعد بلوغ كبرى بناتهَا الخامسة والعشرين عاما وبعدَ أن نصحتها الممرضّات بعدم الإنجاب لكثرَة ولاداتها فردّت عليهنّ قائلة: ما تصرفن عليهم من جيبكن!

ما الفائدَة في أن تملأ كل عائلَة، الحارَة بأطفالها .. فيما ينشأ هؤلاء الأطفال وهم يعانون من قلّة الاهتمام الدراسيّ والتشتت الأسريّ وقلة المصروف الماليّ عليهم وعدم حصولهم على فرص تدريس خاصّ نظراً لتشتت إعالة والديهم الماديّة على بقيّة اخوانهم !

في زمنِ الغلاءِ هذا .. ما الذي يمكنُ أنْ تفعلهُ 280ريالاً لكلّ عائلة؟ وكم طفلاً يمكنُ أن يعيشُوا وفق مقوّمات الحياة الكريمة اعتماداً على هذا المبلغ؟ فيْ وقتٍ بدأنا نعيش فيه اتساع الفجوة الماليّة بين الأغنياء والفقراء وانتشار ثقافة احتكار الثروات على عيّنة من المجتمع بينما يعيش بقيّة المجتمع على المستوَى الماديّ الذي يقولُ "ادفشني وأطيح" !





عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com

مسقَط/ينَاير/2010


حبّاً طفوليّا أريدُ ..

ودفتراً للرّسم .. كَعباً عالياً للرقصِ .. كيْ يبدُو الغناء على طريقتهِ

وَلا أحتَاجُ من لغَة الغرَام سوَى بساطَةِ لثغتيْ في الرّاءِ

لا أحتَاجُ أكثَر من بكاءِ رضيعةٍ حيرَى تحَاولُ أنْ تدرّب نفسهَا لتصِير أنثَى

أشتهيْ رجلاً بطعمِ الملحِ يحملنيْ إلى جسديْ البعيدِ الغارقِ المنثُورِ في شطآنِ مسقطَ

أشتهيْ رجلاً يعلّمنيْ غنَاء النخلَة البدويّة الأمّ الحنونَة

أشتهيْ حباً طفولياً يعيدُ إليّ أسمائيْ القديمَة .. كلمَا أسقطتُ من عمري ربيعاً .. غادرَ اسمٌ سحنتيْ السّمراء ..

لا .. لا أشتهيْ شيئاً سوَى حبٍ طفوليٍ .. وفارسِ مهرةٍ بيضَاء يحملنيْ لنزَوى فوقَ مهرتهِ
ويقسمُ بيْ.. بأسمائيْ الجديدَة والقديمَة ..

كم أحبّ الرقصَ فيْ أضلاعهِ

وأحبّ أنْ أتقمّصَ الأشيَاءَ بينَ دميْ ولحميْ ..

كمْ يعذّبنيْ الغناءُ وفيْ دميْ حاناتُ رقصٍ لا تنامُ .. وكمْ أنا الحضريّة ُ الأولَى اشتهيتُ جبينَ شيخٍ فيْ الصّباحِ يعلّم الأطفَال تجويدَ الكتابِ وفيْ المسَاء يعلّم الأنثَى الجميلَة كيفَ تجعلُ من معالمها الخفيّة جنة ً دنيا .. وكيف تجيد تجويد الغناءِ الطفلِ فيْ النهدِ البريءِ/

مشيتُ من قِفرِ العِبارةِ للعبَارة ؛ كيْ يعُود الشّيخ من أكفانِ ذاكرتيْ وكيْ أسترجِع الضّحكات من بطنِ القمامة

كيْ اقول: دميْ بكاملهِ حلالٌ للطفولةِ .. سوفَ أنذره لحبّي الطفل وهو يلملم الألوَان من حوليْ ويقذفها .. يعيدُ صياغَة الألوان كيْ يرضي حبيبته ُ يقولُ : بلونِ عينكِ سوفَ تكتملُ الصيَاغة في مخيّلتي أنا المنذورَ .. كيفَ أجيزُ ليْ جسدَ الحبيبة ِ كيْ أدثّرها بملحيْ وهيَ لمْ تتعلّم الأشعَار إلا كيْ تقولَ بصوتِ قلبيْ .. "كم أحبّك َ .."

كمْ أحبّكَ..

فاحتملنيْ طفلة ً تتسلّق الأشجَار كيْ تمشيْ بإصبعها لدغدعةِ الرّياح

وكيْ تصَافح وجهها المرسُوم فيْ جسدِ الغمامِ وكيْ تحنّيها النجُومُ بلونها الذهبيّ

كيْ تبتَاع من قمرٍ سريرا عالياً للنومِ والرّقصِ النبيْ

حباً طفولياً أريدُ .. عصاً يجيدُ السّحر كيْ يتحوّل الرجلُ الذيْ أشتاقُ .. دفترَ طفلةٍ تتعلّم الأشعَار

تكتب فيْ الغلافِ الغضّ .. حرفَ العينِ .. ثمّ تضيفُ :

"لا .. لا أشتهيْ شيئاً سوَى حبٍ طفوليٍ"

وتغلق دفترَ الأشعارِ بحثاً عن حبيبٍ لا يحبّ الشّعر غيرَ عبارة الحبّ الطفوليّ الذيْ كتبتهُ أنثَاهُ الجدِيدَة ْ ..

"حبّاً طفوليّاً أريدُ .. ولا أريدُ سوَاهُ كيْ ألِدَ القصِيدَةْ " !

الأربعاء، 6 يناير 2010

ظلّ جدّيْ ، وظلّ أبيْ .. للغناءِ وللرّقص !

ظلّ جدّيْ ، وظلّ أبيْ .. للغناءِ وللرّقص !

.

عائشَة السيفيّ

/

\

/



وليْ ظلّ جديْ

وظلّ أبيْ

وهْوَ يُمطرنيْ بربيعٍ قديمٍ كحُزنِ إلهَاتيَ البدويَّةِ/

أعزفنيْ نوتةً صعبَةَ اللحنِ

أغرِقُنيْ في دميْ ، فأصير شهيداً يعمّدهُ الضوءُ

تختارهُ الريحُ مهراً على شاطئِ الغيمِ يعدُو

وأختارنيْ ظلّ أنثَى تريدُ حبيباً يلقّنها وخزَةَ الحبّ

أختارنيْ كرنفالاً من الرّملِ

لا يشتهيْ غيرَ بحرٍ جميلٍ يقبّلهُ

فيصيرُ ابنهُ الموجُ.. والسفنُ العابراتُ صديقاتهِ

ويصير عصيّاً على الموتِ ، مستسلماً لنعاسِ الحياةِ

"سدنتُ النجومَ كما تشتهيْ

وعبدتُ البِلادَ كما تشتهيْ

لا أريدُ سوَاي ليكتملَ العبثُ الجدليُّ بروحيْ

ولا.. لا أريدُ من المدنِ السافراتِ سوَى نجمةٍ لتضيءَ الطريقَ إلى جسديْ

وتجهّزَ ليْ في السّماءِ ضريحاً يقيني الفناءَ

أريدُ نسيماً أنيقاً ليعزفَ جُوقَةَ موتيْ البسِيطِ

أريدُ وداعاً يليقُ بسيِّدةٍ أخطأتْها النبوَّةُ

فاستَسلَمتْ للغناءْ"

***

الطوافُ إلى جسدينِ قريبينِ أطوَل مما تخيّلهُ حارسُ الطيفِ فيَّ/

الطّوافُ إلى جسدينِ بعيدَينِ مثلَ الكمانِ يعمّدهُ اللحنُ بينَ يديَّ/

الطوافُ أنايْ التيْ ودّعتنيْ إلى لا غيابٍ ولا عودةٍ

كيفَ أودَعتُها القدرَ الأخروِيَّ ولمّا أعِدَّ صلاتيْ لتتلَى بحفلِ القيَامةِ بينَ الخلائِقِ

قلبيْ عصيٌ على الموتِ

واللحنُ لم يستَلِمْ بعْد نوتاتهِ منْ ضلُوعيْ

لماذَا صعدتُ إلى الوطنِ الحلمِ ، والحُلمُ فيَّ جنينٌ غرسْتُ جبينيْ بهِ ووأدتُ بهِ الزّمنَ الغرّ

مثلَ النبيذِ احتسيتُ دميْ فسكرتُ بقيلُولةِ القَدَرِ الطِفْلِ

ها ظلّ قلبيْ خرَاءٌ

وها ظلّ ذاكرتيْ مستمرٌ على بطْشِهِ

لنْ تواسيْ دمي الذّكرياتُ

ولنْ أستظلّ بدمعِ الكمنجَاتِ

ظلِّيْ استقالَ

وليسَ لديَّ سوَى ظلّ جديْ ، وظلّ أبيْ كيْ يبلّلنيْ الموتُ بالرّقصِ

والبَحر بالأغنيَاتْ !

الثلاثاء، 5 يناير 2010

أحاديثُ عمانيّة جداً (2) / ردُهـات


عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com

** لا تزَالُ إيزابيل ليندي تحضُرُ مخيّلتيْ كلّما تلفّتُ يميناً أو شمالاً فرأيتُ عمَارات "ترس قفِير" تتطاوَل في سمَاء مسقط ..

كنتُ أتساءلُ ما المختلفُ لدينا في عُمان كلّما زرتُ دولة ً خليجيّة ً في الجوار ورأيتُ عماراتهَا الشاهقَة والجميلة ..

زرتُ أغلب دولِ الخليج .. ورأيتُ بناياتها الشاهقَة تعانقُ السّماء .. وكما لدينَا يبدُو التضخمُ العمرانيّ واضحاً هنالك .. مع فرق بسيط .. حداثَة ورقيّ التصميم .. تجذبكَ مشاهدة عماراتهم بتصاميمها الخارجيّة الأنيقة .. وبتشكيلاتها الجذّابة .. تشعرُ أنّ العمارة لم تبنَ فقط لتحتوي على شقق ومستأجرين .. وإنما بنيت بتصميم أنيق لا يتنافَى مع كونها بنيتْ لغرضٍ تجاريّ ..

في مسقط تمرّ على العمارة تلو الأخرى .. فلا تجدُ فرقاً .. تصاميم خارجيّة تقليديّة للغاية .. أغلب مناظر العمارات "بشِع" يخبركَ أن صاحبَ العمارة بناها فقط ليستقبلَ 500 ريال نهايَة كلّ شهر من جيب ساكِن كلّ شقة

المهمّ أن تكونَ هنالك جدران .. وفتحات تهويَة ونوافذ للإضاءَة .. لا أعرفُ لماذا لا يوجدُ لدى أصحاب العمارات حسّ الاهتمام بالتميّز الخارجيّ لبناياتهِم ..

عمارات شاهقَة .. خاليَة من الرّوح والحسّ التصميم الأنيق .. عبارة عن مبنَى رأسي يضم عشر أو عشرين شقّة .. لا همّ لصاحب العمارَة سوى أن يحشرها بأكبر قدرٍ من الجدران الاسمنتيّة .. وحجز كلّ شبر من الممكنِ استغلاله .. فإذا وجدَ مساحَة 50 أو 60 مِتر شغلها بغرفَة وحمام ومطبخ .. وضربَ عليها 200ريَال .. ويحشرهَا إن شَاء الله لو حتى بموقف سيّارات أو بسطح العمَارة !

همسَ ليْ أحدهُم بأنّ البلدية هي التيْ تشترطُ تصاميم معيّنة للعمَارات والمباني.. فقلتُ ليسَ شرطاً أن تكونَ أناقَة التصميم في بهرجتهِ فما رأيتهُ بدول أخرى وراقني لا يمتّ للبهرجَة بصلة .. إنّما كلّما تلفتُ وأنا في الطريق السريع وأشرعتُ نظري تجاه العمارات "خاليَة الرُوح" ، سألتُ نفسي هلْ يوجد بندٌ ضمنَ ترخيص البناء يشترط قبلَ أن تتم إجازة البنَاء أن تكونَ العمَارة "بشعَة" أو لا يُجاز الترخيص؟



** يصبّ أغلب مشرُوع تخرّجي كمهندسَة مدنيّة على تصميم الطرق بمختلف الأنظمَة التابعَة لهَا .. كلّما نزلَت "نفّة مطر" ومشيتُ في شوارع مسقط وتحديداً شوارع الغبرة .. سألتُ نفسيْ: أيعقلُ أنّ مهندسين مدنيين قامُوا بتصميم هذه الشوَارع؟

رغمَ أنّ من أولويّات تصميم الطرق والبدء في تحدِيد ميلان الطريق من الخطّ الوسطي مروراً بذراع الطرق وانتهاءً بممر المشاة ينبغي أنْ يضع في الاعتبَار خطّة لتصريف الميَاه بعيداً عن الطريق وملاحقَاته !

أشفقُ على السّكان وهمْ يعبرونَ يومياً بركَ الماء التيْ تتجمّع كلّ مترين أو ثلاثَة كلّما هطل المطر! وأتساءل: أيّ مهندسٍ هذا الذي صمم الشّارع دونَ وضع اعتبارات لتصرِيف المياه وقتَ الأمطار؟



** قبلَ أيام حضرتُ محاضرَة لبروفسُور أميركيّ زارَ السلطنة .. متخصّص في الهندسَة المدنيّة وتحديداً ما يخصّ الإنشاءات والطرق .. حينَ بدأ المحاضرة أخبرنا وابتسامَة تعلو وجههُ أنه حينَ قرر أن يأتي لعُمان براً من دبيّ وقاد سيارتهُ كانَ يظنّ أنه سيجد شوارع أقلّ زحاماً وأكثر تنظيماً لكن أول مفاجأة صادفها هوَ أنهُ توقّف تماماً لساعَة ونصف في طريق الباطنة بينمَا أمامهُ وخلفه آلاف السيارات .. واتضح بعدها أن سبب التأخير هوَ انقلاب شاحنة على الطريق .. ثمّ تساءل البروفسور: أيعقلُ أن طريقاً رئيسيا يتعطل بالكامل ولساعة كاملة إذا وقعَ حادثٌ بهِ؟ ألم يتمّ وضع خطط بديلة لهكذا حوادث حينَ صمّمت منذ البدَاية؟

لم يمضِ هذا البروفسُور أكثر من يومٍ في السلطنة وغادرها .. وحينَ كانَ يلقي بتساؤلاتهِ السابقة كانَ بودي أن أطلبَ منه أن يمكث ليومين إضافيين فقط ليلمح بنفسهِ حجم الكارثَة التي نعيشها بشكلٍ يوميّ!

تقرير الحوادث الذي أصدرتهُ شرطة عمان السلطانية يشيرُ أنهُ في الفترة من 12 إلى 18 ديسمبر وقع 16 حادث دهس .. أقلّ من أسبُوع .. ويحدث 16 حالة دهس وبالنظر إلى أنّ 48 أسبوعاً كلّ عام فعن كم حادث دهس سوفَ نقرأ؟

في شوارعنَا يعاملُ المشَاة وكأنّهم معاقبُون .. فمن النادر جداً أن تجد جسر عبُور لهم .. وإذا حصل ذلك في خط الشارع الرئيسيّ بمسقط فعليهم أن يمارسُوا الرياضة ويمشُوا كيلو أو اثنين أو ثلاثة كيلومترات تفصل بينَ كلّ جسر عبُور وآخر..

سامحَ الله من خطط ليكون الشارعُ الرئيسي في وسطِ العاصمَة تماماً ، حيثُ يصبحُ أي تعديلٍ مستحيلاً به وسط القفزة العمرانيّة والاقتصاديّة التيْ تقُوم على جوانب الشارع الرئيسيّ .. فإذا تعطل الشارع .. تعطلت العاصمَة بأكملها ..

يدرسُ أيّ مهندسٍ مدنيّ كيفَ نقوم بتحويل خسَائر الوقت أثناء الطريق إلى مبالغ ماليّة .. ولو حسبنا خسائر الوقت التيْ يتعرّض لها سائقو السيارات الذين يعبرُون الشارع الرئيسي بمسقط كلّ يومٍ لوصلنا إلى مبالغ تملأ البرّ والبحر .. والمرّيخ أيضاً !

حادثٌ واحد في الطريق الرئيسي .. وصول شخصيّة مهمّة تغادرُ المطار .. أي عرقلة بسيطة في الشارع الرئيسي بمسقط وتصَاب العاصمَة بأكملهَا بالشلل .. لا حركَة مروريّة ولا شوارع تعويضيّة أخرى غير الشارع الرئيسيّ فقط ..

ليتَ شعري متى نغمضُ عيوننا ونجدُ شبكَات شوارع أخرى تحملُ جزءاً من العبء الواقع على الشارع الرئيسيّ؟

ليتَ شوارعنَا تتكَاثر كمَا أصبحَت العمَارات تتكَاثر في مسقط !

أما في طريق نزوَى السريع فحدّث ولا حرج .. أصبح طبيعيا جداً أن نسمع كلّ يومين أو ثلاثَة عن مصرع عامل آسيويّ أو مواطن فيْ حادث دهس أثناءَ عبوره الطريق .. لا جسور للمشاة ولا إشارات لعبُور المشاة .. سيّارات مسرعة تنقضّ على أجساد العابرين .. وأجزمُ أنّ هذا واقعُ بقيّة ولايات السّلطنة..



** منذ زمنٍ كنّا نسمعُ في دولٍ عربيّة أخرى .. كيفَ يستغلّ أصحاب التكاسي جهلَ السائحين بأسعار التوصيل .. يقعُ ذلك الاستغلال في دولٍ رخيصَة المعيشة وعملتها منخفضَة .. بمعنَى أنّه حتّى حينَ يغشّ أصحابُ التكاسي السائحين فإنّ المبلغ لا يكُون صادماً بالنظر إلى انخفاض أسعار المعيشَة بتلك الدول .. .. أما اليَوم فقد أصبحَ هذا السيناريُو مألوفاً لدينا في عُمان ..

همستْ لي تلكَ السائحة : يا إلهيْ .. عُمان غالية جداً ! سألتها: كيف؟ قالتْ لي: أيعقلُ أن توصيلَة منْ المطَار للقرم .. يكلّف 50 ريَالا؟

قلتُ لها : مسكينَة ! من ضحكَ عليك؟ قالتْ لي : هذا ما طلبهُ صاحب التاكسيْ الأول الذي أقلنيْ .. قلتُ لها: وهل هنالكَ آخر؟ فقالتْ نعم .. الآخر طلبَ مني بنفس المسافَة 18 ريال !

قلتُ لها : ضحكُوا عليك اثنيناتهم .. بس الأوّل كان أشطر !

أخبرتنيْ أخرَى .. تعرّضت لنفس الموقف أنها وأثناء التوصيلَة سألتْ سائق التاكسيْ عن السعر وحينَ أخبرها صدمت .. وقالتْ له أنها لن تدفع هذا المبلغ .. وفي منتصف الطريق.. أوقفها وطلبَ منها صارخاً أن تخرج من السيارَة .. وتدبّر نفسها !

من الطبيعيّ أن يتكرر هذا السيناريُو لآلاف السوّاح .. ما دام لا يوجد قانونٌ حتى اليوم يحدد الدفع وفقَ المسافَة المقطوعة .. ولا تجبر الحكُومة سائق التكاسي على تركيب تلك العدّادات التيْ تحمي السائحين من الخداع والاحتيال ..

وإذا تحدّثنا عن الشركات التيْ يتم الاتصال بهَا لتوفير سياراتِ الأجرة فهيَ لا تقلُ غلاءً .. وأسعارها "نار حمرَاء" !

نظنُ أن السياحة فقط .. هي توفير أماكن سياحيّة للزيَارة وفنادق جميلة ومنتجعَات لكنْ أليستْ حمايَة السائح من النصبِ جزءٌ منَ التشجيعِ على السياحَة؟

متى تصبحُ أمُور كهذهِ في البال في بلدِنا الذي تعدُ شبكَة مواصلات الأجرَة لديهِ ضعيفَة جداً إذا ما قورنتْ بدولٍ أخرى في المنطقَة ، أم أنّ سيناريُوهات الاحتيال هذهِ ستجدُ وقتاً طويلاً لتخصبَ وتتناسلَ إلى أن نجدَ حلاً لها!