الثلاثاء، 26 أكتوبر 2010

اسميْ عائشَة وهذهِ حكَايتيْ (5)

اقرَأ أولاً:

اسميْ عائشة وهذهِ حكايتيْ (1)

اسميْ عائشة وهذهِ حكايتيْ (2)

اسميْ عائشة وهذهِ حكايتيْ (3)

اسميْ عائشَة وهذهِ حكَايتيْ (4)


خطَّت يدُ "بلقيس" قريبتيْ على الأرضِ بالطبشُور ، لترسمَ مربعاتٍ متوَازيَة ومتقاطعَة .. مربعَان كبيرَان متتاليان رأسياً فمربعَان صغيرَان متوَازيان .. فمربعٌ أسفلهما أكبر حجماً فمربعَان صغيرَان متتاليَان ..

واستعدّتْ رجلايَ للقفزِ داخلَ المربّعات استعداداً للعبِ لعبَة "بو رجيلَة" التيْ كانَ شائعاً كثيراً لعبهَا بين الأطفال ..

أصحابُ الأقدام الصغيرَة والأجسَام الضئيلة كانُوا في الغالبِ من يفُوز فأساسُ اللعبَة هوَ ألا تطأ قدَم اللاعب على حدُود المربعات الخارجيّة فإن لمسها خسرَ اللعبة وأعطى الفرصَة لغيره..

بدأتُ بالقفزِ بخفةٍ داخلَ المربّعات وعيُون الأطفال الذينَ كانُوا معيْ ترقبُ أيّ زلّة قدمٍ أطأ بها حدّ أيّ مربع ..

وانتهَت اللعبَة بفوزيْ فقدْ كنتُ الأضأل بينهُم والأكثر خفّة ..

وكالعَادة انتهتِ اللعبَة ببكاءِ بلقيسَ لأنّها كانت الخاسرَة في أغلب الأحيان ملمحَة ً إلى أني دستُ الخط أكثر من مرّة وأنّ أحداً لم يلمح ذلك وأنّي أغشّ في اللعبَة .. أمّا أنا فكنتُ مزهوَةً بفرحَة الانتصَار ..

حانَ وقتُ الغداء ونادتنا جدّتي فذهبناً جرياً لملءِ بطوننا الصغيرَة وفيمَا كنّا منهمكِين في حشرِ اللقمَة تلو الأخرَى من قبُولي الدجاج الشهيِ الذي صنعتهُ أيادي نسَاء العائلة ..

ظهرتْ تلك المغنيَّة الجديدَة في التلفَاز.. كانَ اسمهَا أحلام .. فتاة عشرينيَّة بشعرٍ أسوَد طويل وناعِم .. ترتديْ الجلابيَّة الاماراتيَّة وتغنّي: "اللي ما يذوق العنب، حامض(ن) عنّه يقول"

نظرنَا إليهَا مشدُوهين فقد كانتِ المرّة الأولى التيْ نبصرُ فيها مغنيةً خليجيَّة على الشاشَة ..

كنّا نتطلّع إليهَا باندهاشٍ وعيُوننا ترَاقبُ خصلات شعرهَا التيْ كانتْ تنسدلُ على كتفيها بانسيابٍ عجيب..

علّقت بلقيس: تو ذي كيف شعرها كذا سايل سايل..

فأجابتْ أختي الكبيرة: هذا يسووله آلة تخلي الشعر اللي مثل شعر الجيعدَة ولا أحلى منّه ..

تحدّثت النساءُ كثيراً ، بعضهنّ بغيرَةٍ وبعضهنّ باندهَاش ونحنّ نرقبُ تلك المغنيَة الجديدَة .. وأنا لم أنتبهْ لكلّ ما قيل فقد كنتُ غارقة ً في أحلامي الخاصّة ..

وتخيّلتنيْ أقفُ على المسرح وأغنّي .. وشعري ينسدلُ على كتفيَّ كتلك المغنيَّة ..

وخلفي فرقة ٌ من الموسيقيين .. الطبالُون والعازفُون وغيرهم ..

تذكرتُ حينهَا مرارَة ما حدثَ لي .. زمنَ الأبلَة عيشة وزمَن أحلامِ "الطبّالة" الصغِيرة .. كنتُ لا أزالُ أعيشُ مرارَة ما حدَث وفكرتُ قائلة ً : لماذا حلمتُ أن أكونَ طبالة ً أتبعُ من يقودنيْ بغنائهِ؟ لماذا لا أصبحُ أنا التيْ تغنّي وتوجّه كلّ من خلفيْ بآلاتهم الموسيقيّة ليطوّعوهَا لصوتيْ ..

نعَم .. شعرتُ بحمَاسةٍ كبيرَة لفكرَة أنْ أمحُو فشليْ في الموسيقا بنجاحِي في الغنَاء ..

هببتُ واقفة ً وأسرعتُ إلى غسلِ يديَّ من بقايا الأرزّ الذي علقَ في يديَّ الصغيرتين من القبُولي ..

كنتُ أبتسمُ كثيراً وأنا أفكِّر .. نعم ، هنَا سيكُون مستقبليْ ، منذ اليَوم سأبدأ بالغنَاء..

***

اسميْ عائشَة .. في يومٍ ما كنتُ على وشكِ أن أعيشَ خرسَاء طوَال حيَاتيْ حينَ فكّرت أمي أن تعقد لساني عن البكَاء وأنا رضيعَة عبر كتَابة حرزٍ ورميهِ في إحدَى خراباتِ نزوَى بعدَ استشَارةٍ جماعيّةٍ مع الجاراتِ اللواتي قررنَ أنّه على كثرَة ما أنجبنَ من الأطفال فإنّهن لم يرينَ في حيَاتهنّ قطّ طفلَة ً تبكيْ بجنُونٍ كما كنتُ أفعل ..

وحدَها الأقدار الإلهيّة .. حالتْ دونَ أن أكتبَ لكم اليَوم وأنا غير قادرَة على قراءَة ما أكتب بصوتٍ مرتفع ..

لو أنّ والديْ استمَعَ يومَها لأمّي وهي تطلبُ منهُ أن يغيَّر اسميْ وفقاً لنصيحَة جاراتهَا أيضاً اللاتيْ استعنّ بعرافةٍ من عرّافات نزوَى من أنّ سبب بكائي الشدِيد عائدٌ لاسميْ وأنّه "لم يركب علي" .. وأنّ الاسم قد يكُون "نيراني" مختلف عن طبيعَة حاملَة الاسم .. لكانَت كثيرٌ من الموَازين تغيَّرتْ ..

غيرَ أنّ والديْ لم يفعلْ أكثَر من الاستمَاع لتوسّلات أمّي بصمتٍ ولم يعلّق سوَى بـ : "استهدي بالله يا حرمَة ، عائشَة زوجَة الرسُول عسَى أن تشبّ ابنتنا على نهجِها" ..

***

بعدَ يومَينِ من مشاهدتيْ لتلكَ المغنيَّة الجديدةِ التي أثارتْ حديثَ النسَاء ، وقفتْ عائشَة أمام جمُوع الطالبات في إذاعَة الطابُور الصباحيّ.. وخلفَ اعتيَادهنّ على صوتيْ وأنا أقدّم البرنامجَ الإذاعيّ فقد تركتُ هذهِ المهمّة لإحدَى زميلاتيْ –ليست عائشَة الأخرى بالتأكيد- لتقدّمنيْ إلى الطالباتِ قائلة ً : والآن .. نقدّم لكم هذا النشيد بصوت الطالبة: عائشة السيفيّ.. علتِ الدهشَة الطالباتِ فقد كانَ صوتيْ معتاداً لتقديم الإذاعَة لكنّها كانتِ المرّة الأولى التيْ أقفُ أمامهنّ وأشدُو ..

علتنيْ رهبَة ٌ وأنا أتقدّم إلى المنبرِ والعيُون متعلّقة ٌ بيْ .. وبدأتُ بصوتٍ مرتجفٍ أغنّي.. إلا أننيْ سرعَان ما دخلتُ في الجوّ ، فاكتسَب صوتيْ مزيداً من الثقَة واختفَى التشنّج الذي بادرنيْ في البدَاية ووقفتُ أغنيْ أمام الطالبَات ، مغمضَةً العين مستمتعة ً بجمالِ الكلمَات وهي تخرجُ من فميْ .. أغمضتُ عينيَّ بعمقٍ بينمَا كانَ فميْ يتحرَّك ومع أنغام النشِيد كانَ رأسيْ يتمايلُ يمنة ً ويسرَة :

طلعَ البدرُ علينَا/ منْ ثنيَّات الودَاع

وجبَ الشّكر علينَا/ما دعَى للهِ داع

حلمتُ أنّي أقفُ على المسرَحِ حاملة ً منديلاً كمَا كانتْ تفعلُ تلك المطربَة المصريّة التيْ تلبسُ نظّارةً شمسية ً دائماً .. حلمتُ فقط بالمنديل في يديْ إلا أنّي حلمتُ بشعريْ منسدلاً على كتفيَّ .. طويلاً ، أسوَد فاحم .. وأماميْ النساء والرجالُ يستمعُون بصمتٍ .. بينمَا وحدَهُ صوتيْ يتطَاير في أرجاء القاعَة الكبيرَة ..

حلمتُ بالطبَالين يضربُون الطبل على إيقاع الكلماتِ التيْ كانتْ تتراقصُ في فميْ .. وبذلك الرجلُ يوجّه بعصاهِ فرقَة العازفينَ خلفيْ .. المسرحُ معتمٌ تماماً سوَى من تلك الدائرَة الذهبيَّة من الضوءِ المركّزة على تلك الفتاة بشعرهَا المنسدل الأسود وبمنديلهَا الأبيض ..

انتهَى النشِيد وعائشَة مغمضَة العينينِ مستمتعَة بالنشيد ومستمتعَة بأحلامها الجميلة .. انتهَى النشيد وأنا لا زلتُ مغمضَة العينين .. وحشدُ الطابُور الصباحيّ ينظرُ إلى هذهِ الفتاة التيْ أطبقتْ عينيها منذ بدأت الغنَاء لكنّها لم تفتحهمَا حتّى حينَ انتهتْ ..

وأنا؟!

كنتُ أظنّ أنّي سأستمرُ في أحلاميْ الصغيرَة حتّى يقطعها صوتُ التصفيق الحَاد من حشُود الطالبات والمعلّمات أماميْ إلا أنّ ذلك لم يحدث .. وأطبقَ صمتٌ رهيبٌ على المكان ..

أنا مستمرَة في أحلاميْ التيْ لم يقطعهَا أيّ تصفيق.. وهنّ مستمرات في التساؤل عن سببِ إطباقي على عينيَّ حتّى بعدَ انتهَاء وصلَة الغناءِ..

ولمْ يوقفْ أحلاميْ الصغِيرَة سوَى تربيت مقدّمة الإذاعة على كتفيّ منبهةً إيَاي أنهُ حانَ وقت الاستيقاظ وحينها شعرتُ بتيارٍ كهربائيٍ يسري في جسدِي ليوقظنيْ .. ارتعشتُ فاتحةً عينيَّ لأرى الجمُوع تنظرُ إليَّ .. بجمودٍ غريبٍ ولكنْ دونَ تصفيق ..

وقفتُ لهنيهَة أستوعِب ما حوليْ ثمّ تراجعتُ للخلفِ وأنا أشعرُ بكميّة خيبَة تهشِّمُ عظاميْ ..

يا إلهيْ! إنّها المرّة الأولى التيْ أنشد فيهَا أمام هؤلاء الطالبات البليدَات اللاتيْ لا يملكنَ أيَّ حسٍ للتفاعلِ مع غنائي ..

تقدّمت الطالبات استعداداً للعودَة إلى فصولهنّ وبدءِ يومٍ دراسيّ جديد وأنا مشيتُ مع طاقم الإذاعَة المدرسيَّة ورأسيْ منحنٍ على الأرض تأخذنيْ الفكرَة تلو الأخرى ..

ربتت المعلّمة المشرفَة على الإذاعَة على كتفي وهيَ تلمحَ ما أعيشهُ من خيبَة وقالت: ما عليه، المرة الجاية بتسوي أحلى..

وهنا قفزتْ إحدى زميلاتيْ قائلةً: ها الشيمَة أبلة ، لا تشجعيها على مرة ثانية !

نظرتُ إلى تلكَ الفتاة بحقدٍ وركضتُ نحوَها لأنهَال عليها بقرصةٍ أو ضربةٍ تفرغُ حجمَ ما بيْ من خيبَة .. ركضتْ أمامي بسرعَة وركضتُ خلفها محاولة ً اللحاقَ بها .. ولم أشعرْ لحظتها هلْ كنتُ أحاولُ اللحاق بها أمِ اللحاق بأحلامي الكثيرَة التيْ رأيتها للحظةٍ تسيلُ أمامي بينما أحاولُ التشبّث بها وإقناعَ نفسيْ بأنّ هنالك فرصاً أخرى لديَّ لأثبتَ نفسيْ في ساحَة الغنَاء حتّى وإنْ عرقلهَا بعضُ الحاقدِين..

***

اسميْ عائشَة .. في الحاديَة عشرة من عُمريْ ، قررتُ أن أسلكَ طريق الغناءِ علّه يعوِّض قليلاً من فشلي الذرِيع فيْ التعاملِ مع الآلاتِ الموسيقيَّة ..

وأوَّل ما فعلتهُ هوَ جمع أكبر عددٍ من القصائد المدرسيَّة التيْ كنّا ندرسهَا وتلحينها .. ظللتُ لساعاتٍ طويلةٍ كلَّ يومٍ أتدرَّب على كلّ قصيدَة ، أغيِّر فيْ كلّ مرةٍ لحنَ غنائها.. تارةً أبدأ بلحنٍ وأنتهيْ بآخر.. تارةً أبدأ بلحنٍ وأنتهيْ بغناء القصيدَة على لحنِ أغنيةٍ مشهُورة .. وتارةً أغرقْ فيْ مقاماتِ الألحَان الصعبة التيْ تعجَزُ طبقَة صوتيْ عن اللحاقِ بها .. لكننيْ واظبتُ وبإصرارٍ شديدٍ على غنائها فطريقُ الغناء طوِيل وعليَّ الاجتهاد بهِ حتّى أثبت للجميع أنّ فشليْ في الموسيقَا ألهمنيْ لأنجحَ في الغنَاء..

وبعدَها بشهرينِ كنتُ أعدُّ نفسيْ لغنَاءِ قصيدَةٍ قرأتها في كتَاب أختيْ طالبَة الثانويَّة وكانتْ مجارَاة أحمد شوقيْ لقصيدَة "البردَة" للبوصيري..

ريمٌ على القاعِ بينَ البانِ والعلمِ/ أحلَّ سفكَ دميْ في الأشهُرِ الحُرُمِ

وهكذَا ظللتُ كلّ أسبوعَين أطلّ في الطَابُور الصباحيِّ لأنشدَ قصيدَةً من تلك القصائد التيْ كانتْ عينَاي تقعُ عليها في المنهجِ الدراسيّ .. وشيئاً فشيئاً بدأت الطالباتُ في التصفيقِ لي بعد انتهَاء وصلتيْ الغنائيَّة ..

وحينهَا بدأت معلَّمة اللغة العربيَّة أيضاً إسنَادَ إنشادِ أيّ قصيدةٍ جديدَةٍ نأخذها في المنهجِ الدراسيّ لأنشدهَا أمام طالباتِ الصفّ .. قبلَ أن تبدأ بقراءتها أمامنَا ..

كنتُ مستمتعة ً تماماً بالدورِ الجديدِ الذي بدأتِ المدرسَة بإسنَادهِ إليَّ .. حيثُ بدأتِ المديرَة في استدعَائي للغنَاءِ أمام أيّ مسؤولٍ يأتي من الوزَارة لأنشدَ له النشيد الترحيبيّ:

أهلاً بكم ومرحباً..يا أجمَل الزوَّار

أهلاً بكمْ في بيتكُم.. نهدِيكُمُ الأزهَار

نهديكُم أحلى المنَى.. ونعزفُ الأوتَار

وبعدهَا بأشهرٍ ذهبتُ مع فريق الجماعة الموسيقيَّة بالمدرسَة للتنافسِ مع بقيَّة مدَارس المنطقَة على المراكزِ الأولَى ، وكانتِ الطالباتُ يقدّمن معزوفاتٍ موسيقيَّة ورقصاتٍ أمام المقيّمين بينما تم اصطحابيْ معهنّ لأغنّي قصيدَة أحمد شوقيْ على عزف الأورج الذي كانتْ تلعبُهُ فتاةٌ أخرى ..

حينَ حانَ دوريْ تقدّمتُ أمام المقيّمينَ بثقةٍ فسألونيْ ماذا ستقدِمين لنا اليَوم، فقلتُ بثقَة: سأغنّي ، وكنتُ أرتديْ الزيّ العُمانيّ التقليديّ .. وما أنِ انتهَتْ وصلتيْ حتّى علّق أحد المقيّمين وهوَ يربّت على رأسيْ: منْ علّمك حفظ القصيدَة يا حلوة؟

قلتُ له: أنا تعلّمتها بنفسيْ وحفظتهَا، ولحّنتها أيضاً.. فضحكُوا جميعاً أمام جرأة تلك الطفلَة الصغيرَة بجسدهَا الضئيل جداً ومنحُوني علامَة ً مرتفعة ً في التقييم ..

كنتُ سعيدَةً باجتيَازي أولَى اختبارات الغناءِ .. وهكذا ظللتُ كلّ مرةٍ أقرأ قصيدَةً من المنهجِ وألحّنها وأغنيها ..

ثمّ تطوّرتُ لاحقاً بعد أن شعرتُ أنّي استوفيتُ غناء كلّ القصائد ولم يتبقَ ليْ ما أغنّيه.. فبدأت في نظم القصائدِ بنفسيْ على نسقِ القصائد الأخرَى التي أنشدتهَا.. وكنتُ أفعلُ ما يليْ .. أقرّر أنْ أكتبَ قصيدَةً ينتهيْ رويّها بحرفِ النون .. فكنتُ أجمّع الكلمَات قبل الشرُوع في كتابة القصيدَة إن صحّ التعبير .. أجمعها: الأمان ، المكان ، الزمان ، عمان ، إيمان ، إحسان .. إلخ ..

وأبدأ في صياغة الأبيات لأنهِيها بتلكَ الكلمَات .. وهكذا..

كنتُ كلّما وقفتُ أمام المقيّمين ، أنشدتُ تلك الأبيات وإن سئلتُ نسبتها إلى كبار الشّعراء فتارةً أبي نوّاس وتارةً المتنبئ وتارةً أخرى أحمد شوقيْ ..

هلْ كانتْ حِيَليْ مكشوفةً أمامهم؟ لا أعرف.. غيرَ أننيْ واصلتُ ما أفعَل مخترعةً كلّ يومٍ قصيدَة ً جديدَةً وشاعراً جديداً لأنسبهَا إليه..

إلى أنْ جاءَ اليَوم الذيْ وقفتُ فيهِ أمام ذلكَ الرّجل العراقيّ بشاربهِ الكبير وجسدهِ الضّخم .. كانَ يعملُ معلّماً في مدرستيْ نفسها إلا أنّه كانَ يعلّم البنين في المدرسَة المسائيَّة بينمَا كانتِ الفترَة الصبَاحيَّة لتدريس الطالباتِ ..

وقفتُ أمامهُ حينَ قدّمتنيْ المديرَة إليهِ مرةً وقدْ دخلتُ إلى مكتبهَا وتصادفَ وجُودهُ.. فقَالت لهُ: أنّ لديَّ صوتاً جميلاً في الغناءِ واختياراتٍ موفقة ً في القصائدِ المغنّاة.. وحينها سألنيْ هل لديكِ قصيدَة كتبتها شاعرَة؟ لتغنِيها ليْ..

وقفتُ مشدوهة ً للحظَات إذْ لم أكنْ قد غنّيتُ قطّ لقصيدةٍ كتبتها شاعرَة .. غيرَ أنّي استحضرتُ لحظَتها قصيدةً كنتُ كتبتهَا بنفسيْ .. فغنّيتها أمامهُ .. وما أنِ انتهَيتُ ، سألنيْ: أيّ شاعرةٍ هذهِ التيْ كتبتْ هذه القصيدَة؟

وقفتُ للحظاتٍ أحدّق إليهِ وقد أربكنيْ سؤالهُ .. إذ لمْ أكن قد مررتُ من قبل على قصيدةٍ لشاعرَة .. ولم يخطُر بباليْ أيّ اسمٍ حينها.. فكّرت طويلاً محاولةً استحضَار أيّ اسمٍ لأرميهِ أمامه.. ثمّ فجأةً لمعَ في ذاكرتيْ اسمُ تلك الشاعرَة التيْ مرّت عليّ في إحدَى الصحف .. لمْ أتذكّر اسمها جيداً فقدْ كانَ اسمهَا واسمُ والدها وقبيلتها تحملُ جميعاً أسماءَ صفَات .. قلتُ له: هذه القصيدة للشاعرَة العمانيّة الكبيرة: خاطرة بنت فارس السعيدي ..

نظرَ إليّ لثانيتينِ ثمّ انفجَر ضاحكاً وهو يقول: تقصدِين سعيدة بنت خاطر الفارسي؟

شعرتُ لحظتها برغبتيْ أن أمتلك حلّة الاختفاء وأختفي في اللحظةِ نفسها ، قلتُ له محاولةً الهرَب بإجابةٍ مقنعَة: آه لا هذهِ شاعرَة أخرى .. هنالك شاعرَة أيضاً اسمهَا خاطرة بنت فارس السعيديّ ..

نظر إليّ بابتسامَةٍ حنُونة وقد اكتشف حجمَ ما أعيشهُ لحظتها من إحراج وقالَ ليْ: لا بأس .. هذه القصيدَة ليستْ للدكتورة سعِيدة لأنّ القصيدَة بها ما بها من الكسُور ومستوَاها بدائيٌ جداً .. هذهِ من كتاباتكِ ..

أنتِ لا تجيدين الغناءَ .. لكنّك تكتبين بشكلٍ جيد جداً مقارنةً بسنّك .. وأنا متأكّد أنّك ستكونين أفضّل بكثير في إلقاء الشّعر عوضاً عن غنائهِ ..

قالَ ليْ: تعاليْ إليّ غداً في نفس الوقت .. سأعلّمك إلقاء الشعرِ .. ومنهَا ستتعلمينَ شيئاً فشيئاً وزنَ القصيدَة.. لربّما تستطعينَ يوماً أن تكتبيْ قصيدَة موزونَة .. من يدريْ؟

نظرتُ إليهِ بنظرةٍ خجولةٍ جداً.. وغادرتُ غرفَة المديرَة ، أجرّ قدميَّ كالمصَابة بمسّ .. كنتُ أمشيْ ببطءٍ شديد وأماميْ كنتُ أرى أحلاميْ تتبخّر ..

تتطايرُ أماميْ صورَة الفتاة بشعرها المنسدل.. يتطايرُ المنديل.. يتلاشى الجمهُور .. ويتبخّر الرجل بعصَاه وهو يوجّه جوقَة العازفين .. ومعه يتبخّر العازفُون كذلك ..

شعرتُ بالإعياء الشديد كمنْ وخزنيْ بإبرَة تخدير.. كيفَ استطاع هذا الرجلُ دوناً عن البقيَّة أن يكشف حيَليْ؟ كيفَ ميّز أن القصيدَة من كتابتيْ؟ وكيفَ لم يقنعهُ صوتيْ بقدرتيْ على الغنَاء؟ وهلْ سأعُود حقاً غداً إليهِ ليعلّمني ما وعدنيْ بتعليمهِ؟

الكثير من التساؤلاتِ التيْ شعرتُ بها تدويْ في رأسيْ الصغِير .. وأنا أصعَد الدّرجَ عائدةً إلى صفّي الدراسيّ .. عينَاي معلّقتان بالسقفِ .. لا أرى من حوليْ .. فقط موجةٌ من الأفكارِ تهدرُ داخليْ ..

فجأة ً وجدتُ قدميْ تنزلقُ من الدرجِ وجسديْ يهوِي على بلاطهِ .. وكانَ آخرُ ما شعرتُ بهِ هوَ رأسيْ مرتطماً بأرضيَّة الدّرج وحينهَا تطايرَت كلّ تلك الأسئلة والأفكار .. انفجرَتْ كشظَاياً زجاجيّة ، ومعها تطَاير كلّ شيء.. وأنا؟ غرقتُ في عتمةٍ لذيذةٍ جداً انتزعتْ كلّ ذلك الفيضَان الهائل من الأفكار ، الخيبات .. والأسئلة ..

انتزعتْ مشهَد الحشدِ الذيْ يستمعُ لغناء تلك الطفلةِ في الطابُور الصباحيّ ..

انتزعتِ مشهَد الطفلة بزيّها العمانيّ وهي تقفُ أمام أربعةٍ من المقيّمين.. انتزعتِ القصائد المقفّاة التيْ كنت أنظمهَا كلّما شعرتُ بحاجتيْ للغناء ..

كانَ السقفُ بعيداً للغايَة وأنا غارقةً في أفكاري وخيباتيْ .. لكننيْ شعرتُ به يقتربُ أكثر وأكثر وأكثر وأنا غارقَة في العتمَة وأصوَاتٌ صاخبَة حولي.. "عايشة السيفي طايحة، أبلة تعالي شوفي عايشة السيفي" الأصوَات حولي تزدادُ والفتياتُ يرددنَ اسميْ المركّب دائماً : "عائشة السيفيّ" .. وعتمة ٌ لذيذةٌ تحيطُ بالمكان ..

العتمَة اللذيذًة ذاتها التيْ شعرتُ بها وأنا أغمضُ عينيّ في المرّة الأولى وأنشدُ فيها أمام الحشُود:

طلعَ البدرُ علينَا/ منْ ثنيَّات الودَاع

وجبَ الشّكر علينَا/ما دعَى للهِ داع

***

اسميْ عائشَة .. قررتُ في يومٍ ما أن أصبحَ مغنيَّة حينَ رأيتُ تلك المغنيَّة بشعرها الأسود المنسدل على التلفزيُون.. لا أعرفُ لماذا أقنعتنيْ بفكرَة الغناء؟ هل كانَ شعرهَا من فعل؟ صوتها؟ أم خيبتيْ من فشليَ الموسيقيّ؟ وأيّ قدرٍ من الأقدَار ساقَ ذلك العرَاقيّ المسمّى: جبّار حسين.. ليغيّر كلّ حياتيْ ، ويقلبها رأساً على عقِب.. مقرراً أني سأكتبُ يوماً قصيدةً موزونَة ً أجمل مما ألقيتهُ أمامه.. وأننيْ سأكون في إلقاء الشّعر أفضل من غنائهِ .. ترى ما الذي قرأه ذلك الرجل في عينيَّ ذلك اليَوم؟ وكيفَ استطَاع فعلاً أن يأخذ بيديْ ويقولَ ليْ: أنتِ هنا ، لا هناك !

اسميْ عائشة.. وكانَ اسمهُ جبّار حسين.. آمنَ بيْ ، وآمنتُ أنا بالأقدَار التيْ ستضعُ عائشَة في طريقهَا الصحيح ربّما .. ترَى لو كانَ اسميْ سارَة! أكَانت الأقدَار رسمتْ لي خطاً آخر مختلفاً عمّا رآه جبّار حسين يومها؟

اسميْ عائشَة .. وكانتْ لي حكَاياتٌ مع الموسيقا والغناء ، قدَران حاولتُ صناعتهمَا بكلّ ما أمتلك من شرَاسَة فلم أفلح إلى أن جاء ذلك اليوم الذي جمعنيْ بذلك الرجل ومعهُ بدأتْ حكَاياتٌ أخرى مع الشّعر .. ذلك القدر الغريب الذي لم أخطط لهُ يوماً وظلّ دائماً ذلك الزَائر المفاجئ ، المفاجِئ تماماً كسؤال جبَار حسين عن الشّاعرة التيْ كتبتْ تلك القصيدَة المكسُورة وإجابتيْ إيّاه.. إنّها الشاعرة الكبيرة: خاطرة بنت فارس السعيديّ !


الثلاثاء، 19 أكتوبر 2010

على الكبَارِ أن يدفعُوا الثمَن أيضاً !


عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com



حينَ كنتُ في الابتدَائيَّة، اعتادتِ المعلّمة أن تعطي "حطبة شوكليت" لأوّل طالبة تنهي حلّ أيّ مسألة رياضيّة متعلّقة بدرسِ ذلك اليوم..

، وقد استمتعتُ بتلك الحظوَة في أغلب الأحيان .. إلا حينَ انتقلتُ للعامِ التالي وانتقلت إلى الصفّ طالبة ٌ جديدَة .. كانتْ ما أنْ تطرحَ المعلّمة المسألة حتّى تهبّ الطالبة وقد أنهتْ حلّها.. ولم يكنْ ذلكَ يستغرقها أكثرَ من دقيقَة ..

أثارَ نشاطها غيظي وغيرتيْ .. وحاولتُ في كلّ مرةٍ منافستهَا ولم أستطع .. كنتُ بمجرَّدِ أن تطرحَ المعلّمة المسألة حتّى أنسى كلّ شيءٍ وأركز في حلّها بأقصى سرعَة وفي حقيقة الأمرِ أنّي كلما كنتُ كلمَا أسرعتُ في حلّ المسألة كلّما كثرت أخطائي في حلّها وتأخرت عن تلك الطالبةِ والبقية .. كانَ حنقي يزدادُ أكثر على تلك الفتاة التيْ سحبتِ البساط من تحتي دونَ أن أستطيعَ بشتّى الوسائل أن أسبقها وأحظَى ب"حطبة الشوكليت" تلك ..

حينَ وجدتُ أنّه ليسَ بالإمكانِ منافستها ذهبتُ مشتكية ً إلى المعلمَة مع رفقةٍ من زميلاتي الحانقات أنّ الفتاة تخرجُ كلّ يومٍ بـ"حطبات شوكليت" بعدد المسائل التي تطرحها علينا المعلّمة .. فذهبنَا مطالباتٍ بأن نحظى نحنُ أيضاً بنصيبٍ من الكعكة .. وكانتْ إجابة المعلّمة بسيطة: " هذه ليستْ مشكلتيْ أو مشكلة الطالبة، هذه هي مشكلتكنّ.. ما دامت الطالبة لا تغشّ وتحل بشكلٍ صحيح وسريع فإنّ الشوكولاتة لها بالتأكيد"

جنّ جنوني وأنا أفكِّرُ ما الذي بالإمكان فعله .. حتّى أنني نلقتُ مكانيْ يوماً في المقعد الذي يقعُ خلفَ مقعَدِها لأحاولَ أن أتأكّد إن كانت الفتاة قد كتبتْ حلول المسائل في الدفتر قبل أن تطرحها المعلّمة إلا أنني وجدتُ دفتر الطالبة ناصعاً ..

قلتُ: يا عائشَة.. لا سبب لسرعَة هذه الفتاة إلا أنّها تمتلك حلولاً للمسائل في البيت .. وما فعلتهُ هوَ أني ذهبتُ للمعلمة قائلة ً أنّ الفتاة لابدّ أن تمتلك حلولاً للمسائل تحفظها جيداً في البيت.. فقالت لي المعلّمة: "غداً أطرح مسألة ً لم ترد في مسائل الكتاب" وكانَ أن فعلتْ ذلك ونالت تلك الفتاةُ أيضاً "حطبة الشوكليت" .. كانَ هوسي وغضبي قد بلغَ حدّ الهستيريا ما دفعنيْ يوماً للبكاء أمام أمّي مشتكية ً أنّ في الأمرِ "إنّ" !

فقالتْ أمّي ببساطة وعيُونها على خيُوط "السين العمانيّ" الذي كانتْ تغزله: ليش حارقة أعصابش؟ روحي سألي البنت..

شعرتُ أنّ أمي وضعتْ لي خطّة النجاة .. ضغطتُ على كبريائي الطّفل وذهبتُ لسؤال تلك الفتاة التي أجابتنيْ وببساطة شديدة: أحضّر الدرس في البيتِ قبل أن تشرحه المعلّمة .. أفهمه وأحلّ المسائل .. فإن أخطأتُ في أيّ مسألةٍ عدتُ وحللتها لمرةٍ واثنتين وثلاثة حتّى أحصل على النتيجة المطابقة ..

ومنذ ذلكَ اليوم بدأتُ أمارسُ ما قالتهُ لي رغبة ً منّي في اكتشافِ أهليّتي في المنافسة إذ كنتُ سابقاً أحلّ بناءً على فهمي للمعلمَة في الحصّة الدراسيّة دون أن أفكّر يوماً في أن أحضّر للدرسِ مسبقاً .. وما أنْ بدأتُ ذلكَ حتّى بدأتْ "حطب الشوكليت" تتزايدُ في جيبيْ وبدأتِ الثقة تدبُ في نفسيْ مجدداً ، حتّى استطعتُ التفوق على تلك الفتاة مجدداً .. وفي نهايَة العام سألتنيْ المعلّمة : ألم أقل لك أنّها مشكلتكِ لا مشكلتها؟

تذكّرتُ هذهِ القصّة وأنا أتصفّح المستندات الرئيسيّة لمناقصَة كانت الشركة التي تعمل بها قد أعدّتها لإحدى المشاريع الضخمة وكانت المناقصَة هيَ جزءٌ من مشروعٍ كبيرٍ تتفرعُ تحتَهُ مشاريعُ صغيرة وتمّت دراسَة جدوى ذلك المشروع بعد مباشرة البدء في المشروع الأضخم ففضل ملاّك المشروع طرحهُ كمناقصَة منفصلة عن المشروع الرئيسيّ الذي يتبعهُ المشروع الصّغير ..

قلتُ لرئيسي متذمرةً: لماذا تطرحُون هذا المشروع الصغير للمناقصة؟ أنا متأكدة أن المقاول الفلانيّ الذي يمسكُ بالمشروع الضخم الذي ينضوي هذا المشروعُ تحتهُ سيستحوذ عليه ويفوزُ بالمناقصة بعد تقييم عرضهِ من الناحية المالية والتقنية..

ثمّ أتبعتُ: هذا ليس عدلاً.. فضخامة شركة هذا المقاول وتكاملها من ناحية الموارد البشرية والآلات والاحترافيّة لن تترك فرصة ً أمام المقاولين الصغار في السوق.. هذا المقاول يستحوذ على كلّ المشاريع الضخمة فلم أمرّ على مشروع داخل مسقط وخارجها إلا وجدتهُ هو المقاول الذي ينفّذ المشروع ..

فردّ عليَّ رئيسي ببساطة: وإذن؟ هذه ليسَت مشكلَة مالك المشروع أو الاستشاري أو مشكلة المقاول الكبير .. هذهِ مشكلة المقاولين الصغار..

حينَ غادرنيْ رئيسي ، تذكرتُ أخطبوط البرمجيّات العملاقة مايكرُوسوفت، وكنتُ قبلها بأيّامٍ قد قرأتُ أنّ الاتحاد الأوروبيّ قد رفع قضية ً ضدّ مايكروسوفت بتهمَة احتكارها لسوق مشغلات الانترنت .. وتضييعها الفرص على بقية الشركات الأوروبيّة الأخرى وذلك لأنّ مايكروسوفت ترفقُ مشغل الانترنت الخاصّ بها "انترنت إكسبلورر" من ضمن باقة البرامج الموجُود في الويندوز مباشرةً في الجهاز وهوَ ما يعنيْ أنّ المستخدم سيلجأ لاستخدام المشغّل المتوفر لديه مباشرةً دون اللجوء لمشغلات انترنت أخرى .. وقد انضمّت شركة جوجل التيْ تملك مشغل الانترنت "كروم" وانضمَت شركَة مشغل الانترنت "موزيلا" أيضاً في المجموعة ضدّ مايكروسوفت .. وتوجّهتُ للبحث إن كانتْ هذه الشركات قد ربحَتْ دعوَاها ضدّ مايكروسوفت أو لا؛ لأجد أنّ مايكروسوفت رفعتْ دعوَى معاكسَة ضدّ جوجل أيضاً لأنّه يضمّن أيقونة تحميل متصفحهِ في واجهَة موقع البحث وهو ما ألزم جوجل على إزالته من صفحة البحث الرئيسيّة..

هذه المشكلة تحديداً وشبيهاتها جعلتْ مايكروسوفت نزيلاً دائماً في المحاكم الأميركيّة والأوربيّة التي أصابها الصداع من كثرَة القضايا التيْ تردّ كل عامٍ بأشكالٍ وألوانٍ مختلفة ضدّ مايكروسوفت .. فقبل مشكلة مشغّل الانترنت انترنت اكسبلورر .. خسرت مايكرُوسوفت قضيّتها التي رفعتها أيضاً ضدها الاتحاد الأوروبيّ ومجموعة من صغار الشركات التي تمتلك مشغلات موسيقيَّة وذلك لأنّ المشغل الموسيقيّ "ميديا ريل بلاير" يكون أيضاً ضمن باقة البرامج الموجودة أصلاً ضمن أيّ ويندوز موجود في أيّ جهاز .. وقد خسرت مايكرُوسوفت أكثر من مليار دولار في هذه القضيّة بعد أن أرغمت المحكمة مايكرُوسوفت بفصل هذا البرنامج عن الويندوز لإتاحة الفرصة أمام صغار المنافسين ليتجهَ إليهِم بقيَّة المستخدمِين .. وهوَ أيضاً ما حدث مع برنامج المحادثة "ماسنجر" الذيْ خسرت مايكرُوسوفت أيضاً حقوق وضعه ضمنَ باقة برامج الويندوز المجانيَّة بعد أن رفعت شركات المحادثة ضدَّهُ قضية ً نالت الفوز فيها ..

ما استطاعتِ المحاكم الأميركيَّة فعلهُ هوَ إقناع الآخرين أيضاً أنّ وجُود أخطبوط ضخم واحد ضمن مجموعة من الأخطبوطات الصغيرة هي مشكلَته هوَ وليستْ مشكلة الأخطبوطات الصغيرة التيْ يبدو من سابع المستحيلات أن تلتحقَ حجم الأخطبوط الكبير ما لم يتمّ تقطيعه إلى أجزاء أصغر حجماً تتساوى في الحجم مع الأخطبوطات الصغيرة .. وهو ما حدث بعد فصل الميديا بلاير والانترنت إكسبلورر والماسنجر عن الويندُوز الأصليّ ..

وأعتقدُ أنّ على صغار الشركات أيضاً في عُمان أن تُقنع محاكمنا بجدوَى ما فعلتهُ المحاكم الأميركيّة لأنّ المشكلة َ ليستْ دائماً في الصغير .. ولكنّ على الكبيرِ أيضاً أن يدفعَ الثمن أيضاً خاصّة حينَ يكُون خارجا المنافسةِ تماماً .. وهوَ ما حدث فعلاً في سوق الاتصالات الذي تحسَّن بعد انتهاء زمن الاحتكارِ فيه لشركةٍ واحدة ..

لا أعرفُ لمَ يراودنيْ إحساسٌ بأنّي سأسمع قريباً رفع محركات البحثِ الصغيرة دعوَى قضائيّة ضدّ أخطبوط البحث "جوجل"؟ لابدّ أن يومَ "جوجل" قد اقتربَ أيضاً من يومِ "مايكرُوسوفت" فيومٌ لها ويومٌ عليها ..

الأحد، 17 أكتوبر 2010

عن المرأةِ العُمانيّة .. في يومِ المرأةِ العُمانيّة

عن المرأةِ العُمانيّة .. في يومِ المرأةِ العُمانيّة

اقرأ أولاً:

http://ayshaalsaifi.blogspot.com/2009/09/blog-post_08.html


قبلَ شهرٍ أجبتُ حينَ سألتنيْ المذيعَة شيماء الحمّادي في برنامج "على السّحور" عن وضعِ المرأة العُمانيَّة في عُمان فقلتُ لها أنّ المرأةُ العُمانيَّة منِحَتْ من الحقوق والمناصب السياسية ما لم تمنح إيّاه نظيراتها في الدول الأخرى ، وأنّها –خلافَ شقيقاتها في الخليجِ- سُهِّلَ لها الطريق (أكثر مما يجِب) .. مستشهدَة ً بعبارةٍ قالتها إحدى البرلمانيَّاتُ الكويتياتُ في لقاءٍ بقناةِ الحرَّة حينَ كانتْ تتحدَّث أنّ تجربَة المرأة الكويتيَّة ينبغيْ أن تكونَ ملهمة ً لبقيَة النساءِ الخليجيَّات في كفاحهنّ من أجل نيل مساحَة في الخارطَة السياسيَّة في بلدانهنّ فردَّت المذيعَة أنّ المرأة العمانيَّة تخطّت الكويتيّة بمراحل في مجال حجزِ مقاعدَ في التشكيلَة الحكوميَّة والبرلمانيَّة في إشارةٍ منها إلى توزير المرأةِ وتمثيلها في مجلس الدولة إضافة ً إلى دستة السفيرَات ووكيلات الوزَارة العُمانيَّات .. فردَّت تلك المرشحَة بأنّ المرأة العُمانيَّة سهل لها الطريقُ من قبلِ حكُومتها كما لم يسهل لأيّ امرأةٍ في دولةٍ أخرى وأنّها منحَت المناصب بسهولةٍ في إشارةٍ منها إلى أنّ الحكُومة في عُمان تقفُ بأكملها لدفع المرأة العمانيَّة إلى الواجهة .. واجهة المناصِب الرفيعَة ..

***

تقَامُ اليَوم عشرات الفعاليّات التيْ تحتفيْ بالمرأة العمانيّة .. يتمّ فيها دعوَة نساء الأعمال والنساء البارزاتِ في الرياضة والسيَاسة والحكُومة .. يكرّمن ويُحتفى بهنّ .. بينمَا يتمّ إهمال ربّات البيُوت العاديّات .. اللاتيْ أخرجنَ -رغمَ أميّتهنّ- جيلاً من الشباب الذي يعملُ اليَوم في شركَات النفط والبناء وفي المؤسساتِ الحكوميَّة والخاصة .. ولو سألتنيْ من أحقّ بالاحتفاءِ منهنّ؟! لقلتُ أمّي الحاصَلة على شهَادة الصفّ السَادس والتيْ أنجبت 9 أبناء دخلَ جميعهُم جامعَة السلطان قابُوس من أوسع أبوابها ، وأمّهات هؤلاء النسوَة اللاتيْ يكرّمن اليوم دوناً عن أمّهاتهنّ.. أمّي التيْ علّمتنيْ أنّ وطنيْ أكبر من كلّ شيء .. وعلّمتنيْ أن أمسك القلم للمرّة الأولى وأن أدركَ تماماً كم نحنُ مسؤولون تجَاه هذا الوطن .. أمّي التيْ قالت لي البارحة: لا تنتقدي وطنكِ كثيراً يا عائشة فثقافَة النقد غائبة في عُمان وأجبتها مبتسمَة: ثقافَة النقد موجُودة .. على الأقلّ في بيت محمّد بن ماجِد في إشارَة إلى والدي..

الكثير من النساء المجهُولات .. اللاتيْ يعانين تحتَ وطأة العنف الأسريّ والضغط المجتمعيّ .. نساءٌ منسيّات خلفَ أزواجٍ يعودُون إليهنّ آخر الليل وهم يترنّحون يمنَة ويسرة .. ينقضّ عليها بغريزتهِ الجنسيّة التي أزكاها الخمر كالحيوَان .. يضربُها أمام أطفالها ..

هذهِ حكَايَة شيخة.. قريبتيْ .. التيْ لجأت لبيتنا آخر مرّة بعد أنْ فوجئت بزوجهَا يحمل السكين لقتلهَا وهو في سكرَة خمر ..

قالتْ لي شيخَة: والتجاعيدُ في وجهها وهيَ لمّا تبلغ الأربعين: فيه رجال موتهم أحسن من حياتهم ..

شيخَة لا تستلمُ إعانةً من الحكُومة لأنّها لا تستحقُ الإعانة فهيَ متزوّجة وراتبُ زوجها يزيدُ عن 200ريَال .. ولكنّها فعلياً تعيشُ على حسنَات النّاس ومؤخراً ترك ابنها المدرسَة ليعمل عاملاً في شركة نفط بمبلغ 120ريال يعيلُ بها أمهُ واخوانه..

هنالك شيخَة وهنالك الأم زيَانة التيْ كنتُ ألتقيها في ممرّات الكليّة وقد انحنَى ظهرها بينما لا تزالُ ممسكة ً ب"مجمعتها" تكنسُ الأرض .. أخبرتنيْ يومَاً عن ابنِها الذي يعملُ براتبِ 80ريَال .. وأنّها تعملُ معهُ لتعينهُ فأسرتهُ تقيمُ معهَا و80ريَالاً لا تأتي بقيمَة البيت الإيجَار الذي يسكنُون بهِ ..

ألا تستحقُ زيَانة .. الجنديّة المجهُولة أن تكرَّم؟! أليستْ ناجحَة –على مستوَى قدرَاتها- أكثر من أيّ من النساءِ أولئك؟

نساءٌ يرزحنَ تحت الهمُوم اليوميّة .. الفقر ، بطالة أبنائهنّ ، غرق أبنائهنّ في بحُور المخدّرات وتجَارة الدّعارة الجنسيّة إلخ ..

زيَانة وشمسَاء وحكَايات أخرى بعددِ شعرِ الرأس .. فكلّ عامٍ يا نسَاء عُمان وأنتنّ بخير .. وكلّ عامٍ يا وطني وَأنتَ بألفِ .... ألفِ خير ..

***

بعثتْ إليَّ ثلاث زميلاتٍ صحفيَّات نفس التساؤل حولَ ما أودّ قولهُ في يوم المرأة العمانيَّة الذي يوافقُ السابع عشر من أكتُوبر.. وفي حقيقة الأمرُ كنتُ قد أبديتُ تحفظاً للتصريح بشيءٍ يخصُ هذا اليوم لولا تكرارُ السؤال لثلاثِ مرَّات.. ففيْ عُمان إذا امتدحَ الكاتبُ الحكُومة قيلَ متملّق وطامعٌ في السفارة والوزارة .. والعمَارة إلخ .. وإنِ انتقد الحكُومة ، قيلَ غيورٌ باحثٌ عن الشهرَة والضوء ولفتِ الانتباه على حساب الحكُومة .. وبينَ هذا وذاك وجدتُ أنّ من الضرورةِ الحديث بعقلانيةٍ عن تجربَة المرأة العمانيَّة نفسها .. بعيداً عن الدور الحكومي المبذول في "دفعها دفعاً" ، بأيديها وأرجلها وحتّى مناخيرها إلى المقدمة ، أقولُ ذلكَ وأنا أقرأ رسالة ً لأحد أقاربي بعثها إليّ متسائلاً: أنّه في عُمان آن الأوَان لتحديد يومٍ للرجلِ العُمانيّ في إشارةٍ منهُ إلى كميَّة الضوءِ والانتباهِ "الزائد" الذي توليهِ الحكُومة تجاه المرأة..

حسناً .. لابدّ من القولِ أنّ الحكُومَة العمانيّة قامتْ بدورها على أكمل وجه .. والرؤى التي وضعهَا صاحِبُ الجَلالةِ تحَققتْ .. ولم يبقَ علىْ المَرأةِ إلا أنْ تعمَلَ على المسَاحةِ التي مُنِحَتهَا .. هُنا أقتبسُ لكم مقطعاً من مقالي : المرأة العمانيّة والكويتيّة.. في ميزَان الشّعب والذيْ تتبعتُ فيهِ تدرّج المرأة العمانيّة في الخارطَة السياسيّة:

(عام 1955 كانتْ فاطمة المعمريّ أول امرأة خليجيّة وليست عُمانيّة فحسب تحصلُ على شهادَة الدّكتوراه، عامَ 1956م كانَ هوَ العَام الذي حصلتْ فيهِ شريفَة اللمكيّ أوّل امرأة عُمانيّة على إجازة في الاقتصَاد والسيَاسة وفي عامِ 1970م كانَ صوتُ منَى المنذريّ يصدح في أثيرِ السّلطنة كأوّل مذيعةٍ عُمانيّة وعَام 1972م كانتْ وضحَى العوفي أوّل امرأة عمانيّة تلتحقُ بجهازِ الشّرطة بعدَ أن كانَ مقتصراً على الرّجل وفي نفسِ العامِ كانتْ ناشئة الخرُوصيّ تدخلُ التاريخ كونهَا أوّل مهندسَة عمانيّة وبعدهَا بثلاثِ أعوامٍ كانتْ خديجَة اللواتيّ أوّل دبلُوماسيّة عمانيّة تمثّل السلطنة في المحافلِ الدوليّة وبعدهَا بعشرِ أعوامٍ بالتّمام عيّنت هدَى الغزَاليّ لتكونَ أوّل مديرَةٍ لشؤونِ الطّفل والمرأة العمانيّة وفي عامِ 1997م كانتْ راجحَة عبدالأمير هيَ أوّل وكيلَة لوزَارة حسّاسة جداً كوزارة الاقتصاد الوطنيّ لشؤون التنميَة.. وقبلَ 13 عاماً بالتحديد من آخر دورَة انتخابيّة سمحَ للمرأة بالتصويتِ والترشّح فكانتْ طيبَة المعولَي وشكُور الغمّاري أول امرأتين تمثّلان المرأة في مجلسِ الشُورى وفي عامِ 1998م كانتْ سعاد اللمكيّ هي أول مستشارة قانونيّة وبعدها بعامٍ كانتْ خديجَة اللواتيّ أول سفيرَة عمانيّة اختيرتْ لتمثّل السلطنة في هولندَا.. وفي عامٍ 2003 كانتْ عائشَة السيابيّة هي أوّل امرأة عُمانيّة برتبةِ وزيرةٍ، وفي عام 2005م كانتْ حُنينة المغميري أول امرأة خليجيّة وعربية في طريقها إلى الولايات المتّحدة لتعمل سفيرةً فوق العادة لعُمان في واشنطن..
فإذنْ بعدَ هذا التاريخ الطّويل الذي تدرّجت فيهِ المرأةُ سياسياً وحكومياً، بدَا من الغريبِ أنّ الشّعب لم يمتصّ بعدُ فكرَ أنّ المرأةَ أصبحتِ اليومَ شريكاً فعالاً في القيادَة السياسيّة ) ..

فعلَى الرغمِ من مرُور 7 أعوامٍ على توزير المرأة .. ومرورِ قرابَة ربعِ قرنٍ منذ دخولِ المرأة إلى السلكِ الدبلوماسيّ .. إلا أنّ الكثير من الحقوق العامّة للمرأةِ العمانيّة ظلّت غائبة .. وأنّ الفكرة ظلّت في كون وجودِ نساءٍ يمثلن السلطنة في المناصبِ العليا .. إلا أنّ المرأة العمانيَّة عامةً لم تستفد من المزايا التي منحَت إيَّاها نخبَة ٌ معيّنة ٌ من النساء لبلوغ مناصبَ بارزة .. لا أعتقدُ أنّكَ لو سألتَ كلّ امرأةٍ عمانيَّة عن أسماء الوزيرات ووكيلات الوزارَة العمانيَّة لأجابتك بأسمائهنّ جميعاً .. لأنّ المرأة العمانيَّة –لا أستثنيْ نفسيْ- ستنشغلُ أكثر بالحقوق العامّة التيْ تتشاركها كلّ امرأةٍ عمانيَّة وليس مسميّات ومناصب توزّع على هذهِ المرأةِ وتلك .. ولو سألتُك –كونيْ فتاة عمانية عاديّة- عن العدد المتصاعد من النساءِ العمانيّات اللاتي وصلنَ لمناصبَ عليا لقلتُ لك: أخبرنيْ كم عددهنّ؟! أقلْ لكَ ما فعلنَ؟!

وإنْ سألتنيْ إن كانَ يعنينيْ كثيراً أن هنالكَ أربعُ نساءٍ عُمانيّات يتقلدنَ الوزارة –على الأقلّ وفق ما أعرف- فلأجبتُك: لعلّه يعنينيْ .. لكنّ ما يعنيني أكثر هوَ ما قدّمتهُ النساءُ بمناصبهنّ الرفيعَة .. للنساء الأخريات اللاتي يمثلنني أنا ويمثلن جوخة وفاطمَة وسامية وفلانَة ممن لا جدَال في عُمانيّتهنّ .. ووطنيّتهنّ .. ولكنّ السؤالَ ما الذي قدّمته لنا تلك النساءُ العمانيَّات من خلفِ طاولاتِ مناصبهنّ؟!

إنْ قلتَ لي قدّمن كذا لحدّثتك عن رابعَة .. السكرتيرة التي تعمَل في نفس الشركَة التي أعمل بها والتيْ تطلّقت منذ أكثر من 14 عاماً وبموجَب القانُون تمّ أخذ جواز ابنتهَا من قبل والد ابنتها وبمُوجب القَانون أيضاً ومنعَ عليها السفر مع ابنتهَا خارج السلطنة .. لأربعَة عشرَ عاماً لا تستطيع رابعة أن تعتّب شبراً خارج عُمان لأنّ الجواز منح للوالدِ رغم أنّ رابعَة هي المتكفلة بتربيَة ابنتها المتفوقة دراسياً والأولى على صفُوف مدرستها..

رابعَة لا تستطيعُ الزواج لأنّ القانُون بمجرّد زواجها سيسقط عنها حقّ حضانة ابنتها التيْ ستذهبُ بالإكراهِ إلى بيتِ والدها حتّى وإن رفضت ذلك ..

لماذا لا يتمّ تطوير القانُون بحيث يتمّ إصدار أمُور الحضانة بعد نظَر المحكمة لطريقَة ومستوَى حياة الأمّ ودراسة مستوَى حياة الأبِ ولماذَا يتمّ تطبيق قانُون واحِد على ظرُوف الطلاق أجمعها؟ فمهمَا كانَ الوالد بدرجَة من السُوء فإنّ قانُون الحضانَة في صفّه، ومهمَا بلغت الأمّ مبلغَاً من الحياة الكريمة لأطفالها ومستوى التربيَة فالقانُون ضدّها !

مثل رابعَة وآلاف النساء يعانِين من التحيز الواضح للقانُون ضدّهن.. دونَ أن تفكّر أيّ من النساء "الراهيَات" إثارة هذه القضية التيْ ترزح تحت وطأتها آلاف النساءِ العمانيّات المطلّقات..

إنْ قلتَ لي قدّمنَ كذا! فلحدّثتك عن صديقتيْ التي خرجتْ بنسبَة 88% من الثانويّة العامة وكنّا في نفسِ الفصل الدرَاسيّ لينتهى بها الحال تطبخ في البيت بينما دخلَ شابٌ بنفسِ نسبتها كلية الهندسَة بجامعة السلطانِ قابُوس من أوسعِ أبوابهَا.. لم تستطعْ صديقتيْ هذهِ دخولَ أيّ مؤسسةٍ تعليميّة فقط لأنّها تحملُ في بطاقتها الشخصيّة لقب "أنثى" .. وفي الوقتِ الذيْ كانتْ أقلّ نسبَة قبُول لطالبة في كليّة الهندسة بسنتي الدرَاسيّة هيَ 95.6% .. بينما استطاع طلابٌ لم يبلغوا التسعين دخول الكليّة بتلك النسب فقط لأنهُم ذكور ..

ما الذي فعلتهُ النساءُ "صاحباتُ المناصبِ الرفيعَة" من أجلِ آلاف الفتياتِ اللاتيْ لم يتمّ قبولهن لا لسببٍ سوَى لصفَة أنّهن إناث.. ولماذا بعدَ مرورِ قرابة 8 أعوامٍ على توزير المرأة .. وهذا السيناريُو يتكرّر منذ 30 عاماً ويزيد؟

على هؤلاءِ الطلابِ أن يعيشُوا مسؤوليَّة الاجتهاد لدخول الجامعة بفرصِ نسبٍ متساويةٍ مع الطالبات لأنّهم ببساطة لا يمتلكونَ قدراتِ ذكاءٍ أقلّ منهنّ والدليل أنّ الكثير من الطلابِ يتفوقونَ لاحقاً بعد دخولهم الجامعة على زميلاتهم من ناحيَة المعدلات والمستوَى العلميّ العامّ ..

لو أنّ الطلاب أدركوا أنّ التسهيلات التيْ اعتادُوا على نيلها في دخولهم للمؤسساتِ التعليميّة العليا لم تعُد كذلك لرفعُوا من مستويات أدائهم لتلحقَ بركبِ نظيرَاتهم الطالبات ..

إنْ كانَ ثمّة ما تريدُهُ المرأةُ العمانيّة من الحكُومة العمانيّة فهوَ إيجاد حقوق عامّة تستفيد منها المرأةُ العمانيّة ككل –قرار أحقيّتهن في امتلاك منحِ الأراضي خيرُ مثال- دونَ أن يخصّ بنصيبِ الكعكة امرأة أو اثنتان أو عشر عبر مناصب معيّنة رفيعة ..

إن كانَ ثمّة ما تريدهُ المرأة العمانيّة التيْ اجتهدت في درَاستها الأكاديميّة وتخرّجت باحثة ً عن فرصَة عمل حكُوميّة تصطدم من خلالها بفرص العمل في الوزاراتِ التي تذيّل وظائفها المطلوبَة بـ (ذكر) .. في إشارَةٍ إلى أنّ الوظيفة لا تخصّ سوَى الذكور .. تطرحُ وظيفَة محامي .. مهندس .. مدقق مالي أو حتّى مراسل وتحتهُ عبارة "ذكر" في احتكار الوظيفة للرجلِ لا المرأة!؟ فبأيّ حقوق الكفاءةِ يصحّ ذلك؟

سيقولُ أحدكم بحقّ ظروف الوظيفة غير الملائمة للأنثى وسأقولُ لكم .. فللأنثى الحق أن تستمعَ من قبلِ الممتحنين حولَ توصيف واضح للوظيفة ولها الحقّ في قبولها أو رفضها ما دامتْ أبدت كامل المسؤوليّة في عدم التقصير بوظيفتها الحكوميّة والمهام المسندَة إليها.. وهيَ خطوة ليستْ جديدَة بالمنَاسبة على المستوَى الحكوميّ فقد سبقَ إليها شؤون البلاط السلطانيّ بإلغاءِ شرط اشتراطِ الجنسِ من ضمنِ شروط الوظيفة.. قبل بضعِ سنوَاتٍ وأثبتت نجاحها.

أليستِ الكفاءَة وحدها المعيار هنا؟ فالمرأة لم تقدّم في طلباتِ التجنيدِ العسكريّة التيْ نؤمنُ أنّها للرجلِ .. وإنمَا أرادتْ أن تمارسَ حقّها في تقديم طلباتِ التوظيف في المؤسساتِ المدنيّة! وإذا كان القطاع الخاصّ نفسه بما لهُ من متطلبات خاصّة لا يشترطُ هذه الشروط علناً وضمنيّاً بينما تفعل الحكُومة ذلك .. لماذا؟!

أكثر من 10 سنوَاتٍ منذ مثلتنا المرأة في مجلس الشورَى .. وسنوَات عدَة منذ انخرطت في مجلس الدولة ومناصب أخرى أعلى ولكنّ أياً من هؤلاء النساءِ لم يسعينَ يوماً للفتِ الانتباه إلى الحقوقِ العامَة للمرأة العمانيّة .. وحتّى حينَ خرجتْ بعض هذه الحقُوق فإنها خرجت بمبادرة حكوميّة عليا لم تدفع لها علناً أو إعلامياً صاحبات الألقاب الرفيعة .. بل كنّا نعجب من أساليب ردّهن حينَ تطرحُ عليهنّ قضايا للنقاشِ في مجلس الشورى .. فلابدّ أن أياً منكم أصابته الدهشة من الطريقة الاستعلائيّة التي تردّ بها عددٌ منهنّ أثناء تبريرهنّ لبعض أوجه التقصير في وزاراتهنّ من قبل أعضاء مجلس الشورى .. تتطلعُ إليهنّ وتتساءل: يا إلهيّ ! أحقاً هؤلاءِ هنّ واجهَة نساءِ عُمان؟

لا أودّ أن أبالغَ في السوداويّة إلا أنّ برأيي أن أفضل ما قدَّمتهُ الحكومة العمانيّة للمرأة بكلّ خلفياتها الاجتماعيّة والتعليميّة هو المرسُوم السلطانيّ الذي تفضّل بهِ جلالته بتعديل قوانين المرأة المعضّلة والسماح لها بالتظلم لدى جهة أعلى من المحكمَة في حالَة خسرت قضيّتها..

هذا المرسُوم الذي ينبغيْ أن يتمّ تدريسهُ في المناهج وتقامَ له الاحتفاليّات لم يجد من الترحيبِ بهِ –رسمياً- وإبداء التفاؤل من قبلِ أيّ امرأةٍ تمسكُ منصباً رفيعاً في الحكُومة العمانيّة رغمَ أنّه يعدّ انتصاراً للمرأة العمانيَّة .. أعني بها أيّ امرأة سواءً تلك التيْ يتقدّم اسمها حرفُ الدال أو تلك التيْ لا تستطيعُ تهجّي اسمِها .. ولم يجد هذا المرسُوم سوَى بضع كتاباتٍ خجولة من قبلِ "كتابٍ عمانيين" وكاتبات أخريَات سلطنَ عليهِ الضوءَ باقتضاب ..

مثلُ هذهِ القوانين هيَ القوانينُ التيْ تستفيدُ منها المرأة العمانيّة على اختلافِ أطيافها .. أيّ امرأة عمانيّة تحملُ جوازَ السفر العمانيّ الأصيل .. لا جملَة من النساءِ يُدعين للاحتفالاتِ الوطنيّة والتمثيل الرسميّ الداخليّ .. يحضرنَ بعباءاتهنّ وملابسهنّ الفارهة .. بحقائبهنّ وسياراتهنّ الفخمَة ويغادرنَ الاحتفالَ دونَ أن يتركنَ أكثَر من ترابٍ متطَايرٍ خلفَ موكبِ سياراتهنّ ..

حينَ تجاهدُ المرأةُ وتتعبُ لنيلِ حقوقها العامّة .. وتجاهدُ أكثر لتمثيل الشعب في المناصبِ العليا فإنّها حينها ستدركُ تماماً حجم الدور المنوط بها تماماً كما أدركتهُ شقيقاتها في دولٍ أخرى كالكويت والبحرين .. وحينها تستطيعُ المرأة إقناع الشعبِ بأنّها قادرةٌ على تمثيله وتنجح في إقناع نظيرتها المرأة بأنها تستطيعُ إيصال صوتها لصنّاع القرار .. وإلا أليسَت من عجائبِ الزمان أنّ منا السفيرة والوزيرة والوكيلة وهي مناصبُ تأتي بتعيينِ رسميّ بينما لم تستطع أيّ امرأةٍ عُمانيّة أن تحجزَ ولو مقعداً واحداً .. واحداً فقط بين 84 مقعداً في آخر دورة انتخابيّة لمجلس الشورى؟ بل إنّها لم تستطع إقناع نظيرتها المرأة بالتصويتِ لها وتمثيلها في مجلس الشورى؟ لماذا فضلت المرأةُ الرجلَ ليمثّلها في المجلس بدلَ أن تمثلها ابنَة جنسها والأقربَ إلى قضاياها؟

هذا يدلُ على أنّ الشعب العمانيّ يحتاجُ وقتاً أطول من قبل المرأة العمانيّة لإقناعهِ بجديّة دورها ورغبتها في تغيير الصورة النمطيّة عن المرأة العمانيّة التيْ تحصلُ على المناصب جاهزَة .. وعبّد لها الطريق لبلوغ أعلى المراتب الحكوميّة ..

سيقولُ أحدهُم: وما الذيْ أفادهُ الرجلُ صاحبُ المنصب الرفيع بما لمْ تفدهُ المرأةُ صاحبَة نفس المنصب؟ وأقولُ: من النّار للدعصة!

وضعَ السلطان قابُوس رؤيته بعيدَة المدى من أجل الأخذ بيد المرأة العمانيّة وبقي الدور عليها .. بقي أن تدركَ ذلك جيداً وأن تكونَ عند حسنِ ظنّ هذا الرجل الحكيم الذي منحها زمام الأمور .. وعليها قبلَ كلّ ذلك أن تدرك أنها لم توضع في ذلك المنصب لتكون فيْ الواجهَة الإعلاميّة المحليّة والدوليّة ويقالَ أنّ لدينا كيت وكيت من الوزيرات .. وكيت من السّفيرات.. وكيت من الوكيلات .. إلخ، وإنما لتحملَ صوتَ أيّ امرأةٍ عمانيّةٍ مجهولة ، تتشاطرُ معها أرضاً واحدة وسماءً واحدة كفلها لنا هذا الوطنُ الذي أبصرَ النورَ منذ 40 عاماً ..