الاثنين، 31 يناير، 2011

لأنّنـا نقدّس الجثث ..

في السّاعة السّادسة مساءً في الثّامن من يونيُو 1992م .. كان الدّكتور فرج فودة خارجاً من مكتبهِ رفقَة ولدهِ أحمد وأحد أصدقائه ، وفجأة ظهرَ مسلحان أطلقا على فودَة النّار من مسدّس آلي فلفظ أنفاسهُ على الفَور ..
ولمن لا يعرفُ فرج فودَة فهو مفكّر مصريّ دعا طوَال فترَة نشاطهِ السياسيّ إلى فصل الدّين عن الدّولة وكانَ من أهمّ معادي حركَة الاخوان المسلمين ولأجلِ ذلك استقالَ فرج فودَة من حزبِ الوفد الجديد احتجاجاً على تحالفِ الحزبِ مع الاخوَان المسلمين في الانتخابات وأسّس حزباً جديداً أسماهُ حزب المستقبل ..
آرَاء فرج فودَة كانتْ مثيرةً للجدل وكانَ لهُ كارهوه الذينَ ربّما كانوا أكثرَ من مؤيدّيه .. فرج فودَة لم يعرفهُ خارجَ نطاقِ مصرَ أحد إلا حينمَا قتل وتركت محاكمة قاتلهِ الشّهيرة صدمَة لدى جميعِ من تابعها خاصّة بعدَ أن تمّ استضافة علماء دين بارزين كمحمّد الغزالي الذي حينَ سألهُ القاضي إن كانَ من الجائز قتل فرج فودَة فأجابَ .. نعم يجوزُ قتلهُ ، وإن كانَ قاتلهُ قد تعدّى على السلطة لكنّ هذا لا عقُوبة له ..
ردّ محمّد الغزالي أثار ردودَ فعلٍ صادمة خاصّة من شخصيّة اسلاميّة كهذهِ ما حدا بوزير العدلِ المصريّ وقتها إلى الذهابِ بنفسهِ إلى بيتِ محمّد الغزاليّ ليعدل عن رأيهِ ، غير أنّ محمد الغزالي ردّ بلهجةٍ مصريّة قحّة .. ( هوّ أنا اللي جيت ماشي برجليّ ع المحكمة؟ مش انتو اللي طلبتوني ؟ أهو أنا جاوبت بصرَاحة ع اللي سألني عليه سيادة القاضي ) ..
عموماً .. ليست هذه نقطَة الموضوع .. النقطة الفصل هوَ أنّ مؤلفّات فرج فودَة وجدَت رواجاً عظيمَة بعد حادثَة قتلهِ ، وتعاطفَ معهُ كثيرُون ممن كانُوا بالأمسِ ضدّ أفكارهِ ولعلّ مشهداً راسخاً في ذاكرَة كلّ المصريين علقت أثناء محاكمَة قاتلهِ حينَ سأل القاضي القاتلَ:
لماذا قتلتَ فرج فودَة؟
فأجاب القَاتل : لأنه مرتدّ
فسألهُ القاضي: ما الكتب التي قرأتها لفرج فودَة لتحكمَ عليهِ أنهُ مرتدّ
فأجابَ القاتل: لم أقرأ أيّ كتابٍ لهُ ..
فأجابَه القاضي مستفسراً: كيف؟
فردّ القاتل : أنا لا أقرأ ولا أكتب ..


يحيي المصريُون كلّ عامٍ في 8 يونيُو حادثَة مقتل فرج فودَة ويقيمُون الندوات لقرَاءة كتبهِ ، بل إنّ 8 أحزَاب مصريّة اجتمعت قبل شهرٍ حيثُ أحيَوا تاريخ وفاتهِ تحتَ سقفٍ واحدٍ ليدليْ كلّ حزبٍ بدلوهِ في فكرِ فرج فودَة ..

الآن .. لماذا أتحدّث عن فرج فودَة ؟

لقد تذكّرتُ حادثَة فرج فودَة .. حينَ تساءلت صديقَتي ونحنُ نتناول الغدَاء ونناقشُ الأزمَة المصريّة وقبلها التونسيّة عن جدوَى أن يقتلَ الانسانُ نفسهُ وأن يموتَ المئاتُ في محاولةٍ لتذكِير الأمّة أنّ هنالك خللاً ينبغيْ إصلاحه في محاولةٍ لاستنهاض نخوتهَا؟ ..

أجبتها حينهَا بجملَة قصيرَة جداً استخلصتها من الشّاعرة المغربيّة الراحلة مليكة مستظرف حينَ قالت "متنبئةً موتها" : هيَ أننا أمّة تقدّس الجثث ..

لأننا يا أعزّائي أمّة تقدّس الجثث .. فكانَ على أن ننتظر جثثنا لستنتهض فيهَا روح الأمّة .. أليسَ هذا مثيراً للسخريَة؟

هناك تعليق واحد:

  1. عائشة ابحثي عن السحر عن الحب عن الجمال عن لغتك اني افتقدك بقدر ما تشئاين

    ردحذف