الاثنين، 16 مايو، 2011

عن المثقف الذي نريدُ .. ولا نريد ..




الذيْ يجمعُ عليهِ الجميعُ أنّ الاعتصَامات خرجَتْ بإرَادةٍ شعبيّة محضَة وأنّ عمُوم الشّعب كانَ المحرّك الرئيس في تفعيلِ دور الاعتصَاماتِ .. إيمَانهِ بها ، وبصدقهَا وبحاجتهِ إليها .. خرجَ الشعبُ إلى الشّارع ليسَ لأنّهُ كانَ موجّهاً لذلك ، خرجَ بشكلٍ عفويٍ جداً ليعبّر عن سخطهِ على الكثير من السياسَات الحكُوميّة ولكنّهُ أثبتِ في نفسِ الوقتِ أنّه واعٍ يعرفُ إدارتهُ ويفهمها .. خرجَ ذلك المواطن البسيط بأحلامهِ الشرعيّة حينَ شعرَ بضرُورة وجُود الاعتصَامات وإيجَابيّتها وانفضّ الشعبُ –أو لنقل غالبيتهُ- حينَ شعرَ أنّ مطالبهُ التي خرجَ لأجلها تحققت أو لنقلْ –تحقّق أغلبها- .. الموَاطن العُماني نفسهُ الذي خرجَ في مسيرةٍ خضراء ذَات يَوم مطالباً بمطالبَ وإنْ عُدّت بسيطَة .. ولكنّها كانت جوهريّة .. هادئَة .. غير غاضبَة ومتعنتة .. مطَالب مدرُوسة وأهمّ شيءٍ أنها كانَت مطالب واضحَة .. تعرفُ تماماً ما تريد .. هذا الشعبُ البسيط كانَ واعياً بأهميّة مرحلَة التقاط الأنفاس .. مرحلَة التفكِير ومرحلَة انتظَار الآتي .. المرحلَة التيْ هدأ فيهَا منتظراً المطلب الأكثر أهميّة على مستوى الحراك السياسيّ وهوَ التعديلات في النظَام الأساسيّ للدولَة بناءً على المرسُوم السلطانيّ الذي صدر في مَارس 2011 .. وانتظَاره لمرحلَة انتخابات مجلسِ الشُورى في دَورة انتخَابيّة مختلفَة جداً حسّاسَة جداً ، وهامّة جداً في تاريخ العُمانيّ لأنهُ يمنحُ اليَوم صوتهُ للشخصِ الذي سيمنحُ مجلسَ الشورَى شرعيّة التمثيل الشعبيّ في صنَاعة القرار ولأنّ الشخصِ الذي سيذهبُ العُمانيّ لمنحهِ صوتهُ قد يصبحُ وزيراً في أعلَى هرمِ إحدَى المؤسساتِ الحكُوميّة الحسّاسة ..




هذا العُمانيّ الذي ما أنْ صدرَتْ المرَاسيم الوزَاريّة "الإصلاحيّة" تباعاً حتّى عادَ إلى منزلهِ ليؤمِّن الجوّ والمنَاخ للحكُومة للتفكِير بهدوء بلا ضوضَاء .. في الفترَة التيْ كانتِ الحكُومة لا تفعلُ أيّ شيءٍ سوَى التوجّه لإخمَاد حريقَةٍ تلوَ أخرى إثر سلسَلة من أحداثِ عُنفٍ و إضرابَات واعتصَاماتٍ طَالت كلّ شبرٍ في عُمان ، مرحلَة المخَاض هذهِ وإن كانتْ صعبة للغَاية إلا أنّها كانتْ ضروريّة جداً وصحية جداً لامتحَان صبرِ الحكُومة وقيَاس درجَة ضبط النفسِ الحكُوميّ تجَاه كلّ ما يحدث ..




ومعَ إصدَار مرسُومِ إنشاء جَامعَةٍ حكُوميّةٍ أخرى وإنشاءِ بنكٍ إسلاميّ انفضّت الأعدادُ الأكبر مانحَةً الضوء الأخضر بقربِ نهَاية الاعتَصامات التيْ شهدت انسحَابَا شعبياً كبيراً منذ حزمَة المرَاسيم السلطانيّة في مطلع مَارس غيرَ أنّ الذي حدثَ هوَ تحوّل مسَار الاعتصَامات إلى آخر فئويّ طَالبَ بإسقَاط الديُون ومنعِ الاختلاطِ في المؤسساتِ التعليميّة في منَاشير كانتْ توزّع تباعاً كلّ أسبوع .. ولتخرجَ ثلّة من المطالبين بهذهِ المطالب كلّ جُمعَة .. وبمسميَات مستوحَاة من الثوراتِ المجَاورة .. فهنالكَ من سمّاها جمعَة السّلام ، وجمعَة الإصرار ومسميَات أخرَى .. هلْ كانتْ ستقود إلى تدرّج في المسميّات إلى جمعَة الرحِيل أو جمعَة الغضب؟ لمْ يكُن ذلك مستبعداً في ظلّ تصَاعد أصوَات استفزَازيّة كانتْ تدفعُ دفعاً إلى موَاجهات مبَاشرَة مع الأجهزَة الأمنيّة إن لم تتحقّق مطالبَها .. ولذا كانَ متوقعاً جداً تدخّل الجيشِ بعدَ قرَابة 15 أسبُوعاً من الاعتصَامات وممَارسَة أقصى درَجات ضبطِ النفس والأهمّ من كلّ ذلك بمسَاندَة شعبيّة ما انعكَس في فتُور تغطية عمليّة إنهاء الاعتصَام على مستوَى الانترنت والمنتديَات وغيره بلْ كانَ صادماً للغَاية حالَة فقدَان الشعبِ لتعَاطفه مع المعتقلين مؤخراً.. وسطَ كلّ ذلكَ أينَ كانَ موقعُ المثقّف وإلى أيّ جهةٍ كانَ حضُور المثقف يدفعُ المطالبَ الشعبيّة؟ وإلى أيّ مدَى اشتغَل هذا المثقّف لأربعَة عقُود على رفعِ وعيِ الموَاطن العاديّ بحقوقهِ؟ بالقَانون؟ بمؤسساتِ المجتمعِ المدنيّ؟ بأهميّة التعلِيم؟ بأهميّة الشُورى؟ بأهميّة الإعلام؟ بأهميّة الدورِ نفسهِ الذي يقدّمه المثقّف؟




منْ يصدّق أنّ هذا المثقّف نفسهُ الذيْ ملأ الصحف بقصَائد الاحتفاء والتهاني بمرور أربعِين عاماً على الحكمِ القابُوسيّ سيخرجُ مطالباً بإصلاح .. وأحياناً بـ"إسقاط النظَام"؟ ومنْ يصدّقّ أنّ عشرَات الأسماء التيْ أضافت قصائدها قصصها ، خواطرها لتعبئة صفحَات كتبٍ صدرت في العيدِ الوطنيّ الأخير باحتفائيّات ضخمَة شهدَت رعَاياتٍ وزَاريّة في أفخَم الفنَادق؟ ومن يصدّق أنّ الأوبريهَات الغنَائيّة والشعريّة التيْ تنَاسلتْ في العيد الوطنيّ لمْ تكُن انعكَاساً لحَالة استقرار وهدُوء في السلطنَة؟ ومنْ يصدّق أنّ المثقّف الذي كانَ "يضارب" ليحصلَ على دعوَة لحضُور الوليمَة الرمضَانيّة التيْ يقيمها معَالي الوَزير ليزيّن بها مائدته بمثقفينَا وأدبائنا في مجلسِ كبيرٍ يغصّ بالقاصين والصحفيين والكتّاب والشعراء والموسيقيين والخطَباء .. المثقّف الذي كانَ حاضراً في قوَائم أصحَاب المنحِ والهبَات والمكافآت الديوَانيّة السنويّة.. المثقّف الذي –بتزكيَة الآلة الثقافيّة الحكُوميّة- يمثّل بلاده في كلّ مؤتمر بنفسِ الأسماء المتكررة هوَ نفسهُ اليَوم الذيْ ينَادي بمفاهيم الحريّة والعدَالة واتّهام السلطَة التيْ خرجَ لتمثيلها في المؤتمرات والمهرجانات بالاستبدَاد والظلاميّة والتعسّف ..




الشاعر النبطيّ الذيْ تنَافس لتجهِيز 40 قصيدَة نبطيّة احتفاءً بالأربعينيّة في ملاحِق خاصّة صدرت في الصحف تزامناً مع العيد الوطنيّ تبعهُ الشّاعر الفصيحُ الذيْ جهّز هوَ الآخر 40قصيدَة فصيحَة بعد قصَائد النبطيّ من باب "محد أحسَن من حَد" !







المثقّف الذيْ كتَب عن الحبّ والسلام ومَاركِيز وكَافكَا والسينمَا والمَسرح والقصّة القصيرَة والنّظم .. ولكنّه لم يكتب يوماً عن الموَاطن العَاديّ المهمُوم المسحُوق المهمّش يحاولُ اليَوم أن يقنعَ الموَاطن بأفكَاره ورؤاه التي عدمهَا الموَاطنُ لأربعَة عقود .. المثقّف الذيْ سبحَ لأربعَة عقُود في خيَالاته وأحلامهِ واحتفَائيّاتهِ وقصائدهِ ولمْ يُرهق نفسهُ أن يكتب مرة ً كلّ أسبوع ، كلّ شَهر ، كلّ عَام عن حقُوق الموَاطن ، ما يهمّه في النظَام الأساسيّ للدولة ، عن صَلاحيّات مجلس الشُورى ، عنْ قَانون الاتصالات ، عن أهميّة فصل السلطَات ، عنْ توعيَة الموَاطن بالفسَاد ، عن الحوَادث والسّرعة، عن تدهوُر مستوَى التعلِيم العَالي ،عنِ الطفل، عن انتهَاء صلاحيّة التعليم التجَاري ، عن أدَاء الوزرَاء السيّء ، عنْ الثروَات البتروليّة التيْ كانَ الديوَان يوزّعها بجُنون على أصحَاب الألقاب المنتَفخَة.. عنِ ارتفاع سعرِ الطمَاطم، وعنِ احتكَار مزَارع الخيَار لعليةِ القَوم ..




لمْ يفعلِ المثقّف ذلكَ -غالباً وليسَ تعميماً- وبدلَ تنوِير النَاس تحوّل إلى جزءٍ من منظُومة الفسَاد في التصفيق لعليَة القَوم والغضّ عن عثرَات الحكُومَة ، واستلام شيكَات المكافآت وملاحقَة وتزيين مآدب الكبَار!.. غيرَ أنّه حينَ جَاءتِ الاعتصَامات كانَ نشيطاً جداً في ممَارسَة دَور المخلِّص ، المنظّر ، صَاحب السلطة العُليا في توجيهِ الشّعب ، المنَادي بقيمِ الحريّة والعدَالة ، ممثّل الله في الأرض.. النَاشط الحقُوقيّ السيَاسيّ المرمُوق الذيْ يلتقيْ السينَاتُورات الأميركَان في فنَادقهِم ويتحدّث عن "الاستبدَاد والظلم والعنجهيّة والصّلف" الذيْ تمَارسهُ تلك الحكُومَة الشيطَانيّة التيْ كانتْ ملاكَا طاهراً منزّهاً كانَ يقبّل أقدَامها ويتبرّك بهَا قبلَ شهرين ..




حتّى المثقفون المعتدلونَ الذيْن لم يدخلُوا فيمَا مضى في دَائرة "مسّاحي جُوخ الحكُومة" ارتَدوا فجأة ً "بشتَ الوعّاظ" متهمِين الحكُومة حينَ أنهَت اعتصَام صحَار بالبَطش بالمعتَصمين وليتهُم حمّلوا أنفسهُم "قليلاً من المسؤوليّة" لأنّهم بسكُوتهم لعقودٍ طويلة ضللوا هذا الشّعب الذيْ ظن أنّ الأمور "تمام" وكلّ شيء بخير والحمدلله ولازم نبُوس ايدنا "وشّ وقفى" شُكراً.. ولكنّهم تخلّوا عن اعتدَالهم ففي الوقتِ الذيْ كانُوا يطالبُون فيها بمحَاكمة الوزرَاء الفاسدين ، كانُوا يطلقُون ألقاب التمجِيد والتحيّة والنضَال للذينَ كانوا يقطعُون دوّاراً حكُومياً عاماً هوَ ملك للوَطن والموَاطن .. مُلكٌ للصغير والكَبير .. ولمْ يحمّلوا نفسهُم ولو قليلاً من المسؤوليّة لشحنهِم هؤلاء البسطَاء وتأييدهم ومساندتهِم على علاج الخطأ الحكُومي بخطأ آخر لنْ يجرّ سوى إلى سلسلَة طويلَة من الأخطاء كان أهمّها فقدان التعاطف الشعبيّ بسبب ممَارسة ابنِ البلد "الفتوّة" على ابن بلدهِ بقطعهِ للدوّار ...




طوَال الأعوَام التيْ مضَت كانتْ هنالك الفجوَة بين المثقّف وعمُوم النّاس .. تلك الفجوَة التيْ خلقهَا تحليقهُ في عوَالمهِ الخياليّة ونخبويّتهِ التيْ فصَلتهُ عن همّ الموَاطن العاديّ .. واليَوم بعدَ انتهَاء هذهِ الأزمَة .. خرج المثقّف وثمّة فجوَة أكبَر يعكسهَا الرأي العَام الشعبيّ في المنتديَات الانترنتيّة وغيرها .. خاصّة ً مع كلّ بيَان استنكَار نشط المثقّف في إصدَاره واحداً تلوَ الآخر .. مذيلاً البيَان بعشرَات الأسماء التيْ تجَاورهَا ألقَاب : ناشط حقوقيّ ، ناشط ريَاضي ، نَاشط إعلامي ، شاعر ، قَاصّ ، فنّان تشكيلي إلخ .. أسماء تتعدّى المائة إذا تمحّصت قليلاً فيها لوجدتَ أنّ 10أو 20 اسماً منها فقط كتَب مقالاً " حول الأزمة ، الاعتصَامات ، المستقبل ، الشعب ، السلطَة ، القضاء " إلخ.. بينمَا لم يكلّف أيّ واحدٍ من المذيّلة أسماؤهم بكتَابة مقَال واحد.. مقَال واحِد لا غير يعبّر فيهِ عن رأيهِ المستقلّ بدلَ قصّ و"لزق" اسمهِ كلّ مرّة في بيانٍ تلوَ آخر لا يفعلُ أكثر من إثَارة حَالة من السخريّة والتندّر تجَاه الدور الذيْ نصّب المثقّف نفسهُ على القيَام بهِ ..




لمْ يُنافق المثقّف الحكُومة بانضمَامهِ لدَائرة التمجِيد والولاء ولكنّه نافقَ الشعبَ كذلك بأنّ الأمور على مَا يرَام وأن الحاضرَ جميلٌ والقَادم أجْمل بسكُوته عنِ الخطأ منذ البدَاية.. لكنّه اختَار اليَوم أن يجعَل من الحكُومة نداً .. أن يصنَع منهَا بعبعاً كبيراً .. وأنْ يحوّلها إلى مسخ مشوّه .. مهمَا قدّم من بوَدار حُسن النيّة فهوَ شرّير وسيّء وقَامع للحريّات وهوَ ما زَاد الطّين بلّة في نظرَة النَاس للمثقّف وثقتهم بهِ.. واليَوم يستمرّ ذلك النفَاق بتزيين أحلام ورديّة من شعارات المقَاومة والتحرير التيْ أغرقَ بها الموَاطن .. وكأننا في ميدَان تحرير تنزلُ فيه الحكُومة علينا بالرصَاص صبَاح مسَاء!




وفي الوقتِ الذيْ أثبتَ الشعبُ وعيهُ وإدراكهُ بضرورَة الدخُول في مرحلَة التهدئة حتّى يستطيعَ الشعبُ نفسهُ امتصَاص التغييرات التيْ حدثَت وتستطيعَ الحكُومة ترتيب أورَاقها بعدَ أن أدركَتْ أن الشعبَ يعرفُ ما يريدُ ويعرفُ ما يدورُ في الخفَاء ويعرفُ أنّ عُمان يجبُ أن تختلفَ إلى عُمان أجمل وأكثر شفافيّة وأكثر عدلاً .. لكنّ المثقّف أصرّ أن يقفز على الوَاقع وأن يحصلَ على كلّ شيءٍ مرّةً واحدَة .. ناسياً سننَ التدرّج التيْ هيَ سنة ٌ إلهيّة ٌ أزليّة منذ خلقت الأرضُ في سبعَة أيّام .. لم يرد المثقّف لهذا الشّعب أن يستوعِب التغييرَ حتّى يُحسنَ استخدَامهُ .. وحتّى يعرفهُ جيّداً ويخبرهُ ويفهمهُ ويحسّه ويعيشهُ ثمّ ينتقلَ لمرحلةٍ لاحقَة بعدَ استيعَابه .. هذا الشّعب المتأنّي وجدَ أمامهُ مثقفاً غاضباً مزمجراً مستحضراً لبطُولاتٍ جيفَاريّة في الزمَان الخطأ والمكَان الخطأ ..




على المثقّف- وأتّفق مع قَاسم حدّاد في ذلك- ألا ينقَاد بشكلٍ أعمَى لحركَات وموجَات التغيير العالميّة .. بل عليهِ أن يمحّصها ويدرسهَا ويختَار ما يتفقُ مع مجتمعه .. وعليهِ أن يتدرّج فيها لأنّ موجَات التغيير تلك لم تخرُج في شهرٍ ولا عامٍ ولا عقدٍ ولا عقدين .. بل تطوّرت بتدرّج مجتمعاتها في فهمِ تلك الحريّات وإحسَان استخدَامها .. لأنّ التّسرع لن يأتي بنتيجَةٍ سوَى بخطأ آخر .. ونحنُ –وفيْ هذهِ المرحلة تحديداً- لا نحتمِلُ مزيداً من الأخطاء المتسرّعة .. ولأنّ موجَات التغيير تلك أصبحت بشكلٍ ما في بعضِ الأحيَان لعنَة ً على تلك المجتمعَات التيْ وجدَت نفسها يوماً وقد فُرضَت عليهَا قوَانين "متطرّفة في العَدالة والحريّة" .. ومسلسَلاتهم التيْ تضيءُ شاشات قنوَاتنا الفضَائيّة خيرُ دليلٍ على ذلك ..




دَعوا هذا الشّعب يتنفس ، ويعرفُ تماماً ما يريد ، وإنْ كانَ ثمة ما يُراد من المثقّف اليَوم فهوَ أن يكفّر عن سكوتهِ وصمتهِ لعقود ، أقولهَا للجميع لا أستثنيْ نفسيْ.. لا بالتطرّف في المطَالبة بالحريّات والعدَالة والقفز على وَاقع المجتمع وإنّما بتنوير هذا الشّعب .. بتنويرهِ شيئاً فشيئاً .. بالأخذ بيدهِ درجَة ً درجَة ، بانتقَاد أخطائهِ وبمحَاول تغيير ثقَافة الفَساد انطلاقاً من الفردِ العُمانيّ نفسه ، طريقة حياته ، عمَله .. حلّه وترحالهِ وبمتَابعة أداء الحكُومة فإن أحسَنت قيلَ لها وإن أساءت قيلَ لها أيضاً .. وترك نظرَة الشكّ والريبة جانباً لأنّ لعن الظلام لا يُنيرُ طريقاً.. بأن يكونَ المثقّف مسؤولاً عن موقفهِ التاريخيّ .. وإنْ كانتِ العقُود الأربعَة عكسَت تخاذلاً من قبَلهِ في تنوِير أبناءِ وطنهِ الذين أثبتُوا أنّهم أكثر فهماً لطبيعَة وطنهم وحكومتهم منهُ فإنّ عليهِ اليَوم أن يتحمّل تلكَ المسؤوليّة التَاريخيّة لا بحشر الشعب في خَانة والحكُومة في خَانة أخرى ولكنْ في تنظِيم هذهِ العلاقَة ، تفعِيلها ، وتحوِيلها إلى علاقَة تكَامليّة يتحمّل فيها الطرفانَ مسؤوليّتهما الكَاملَة .. في الخطأ والصّواب في الرّخاء والمحنَة .. فيْ كلّ الأخطاء المتراكمة بعمرِ عقُود .. على المثقّف ألا يكُون أدَاة ً للحكُومة لتضليل الشّعب كمَا عليهِ ألا يكُون أداة "على الحكُومة" لتضليل الشّعب أيضاً.. عليهِ أن يقفَ من بعِيد .. أن يبصر من زَاويَة بعيدَة وينوّر .. عليهِ ألا يتّكئ على صفٍ ضدّ آخر وإنما عليهِ أن يقفَ في الوسَط .. في مكَانٍ وسطٍ لا يتطرّف فيه للتطبيل للحكُومة ولا قذفها بالحجَارة .. في خطٍ ينتصفُ فيهِ الرأيُ والعقل .. وعليهِ أن يُمارس ذلك بحزم بعيداً عمّا يفعلهُ الآن من رفع عصَا الاتّهام تجَاه أيّ رأيٍ يرَى فيمَا تفعلهُ الحكُومة خيراً أو رفع عصَا التخوِين تجَاهَ من يرى الشرّ في الحكُومة ، عليهِ أن يُمارسهُ بعيداً عن "شخير الإعلام" الذيْ ضلّل الشّعب لأمدٍ طويلٍ بمسَاعدة ومبَاركة من المثقّف الذي استخدمهُ الإعلام ذاكَ ليقنَع الموَاطن أنّ الأمُور تمَام وعَال العَال.. عليهِ أن يأخذ بيدي الطرفين .. لصنَاعة حوَار وعلاقَة تكَامليّة واضحة المعَالم .. قفُوا موقفاً واحداً لا تغيّرهُ ريَاح ولا تحرّكه موجَة لأنّ هذا الشّعب ذكيٌ جداً وواعٍ جداً ليعرف المتملقين،المطبّلين، الأدعياء ، الخوَنة ، متصيّدي الفرص .. يعرفُهم تماماً .. وأتمنّى أن يعرفهُم المثقّف تماماً .. أن يخرجَ من هذهِ التصنيفات ويقفَ موقفَ العقل وموقفَ المنوّر .. أن يدركَ دورهُ الحقيقيّ لأنّ هذا الشّعب أثبتَ أنّهُ مسؤولٌ أمام وطنهِ وحاكمهِ .. حَاكمه الذي أثبتَ كذلك أنّه يعرفُ شعبهُ ويقدّرهم مهمَا حَاول أيّ أحدٍ أن ينَال من نوَايا وصدقِ هذا التقدير، هذا الشّعب الذي أثبتَ بعدَ الأزمَة كمْ هوَ معتَدل في موَاقفهِ تجَاه هذا الوطن يَعرِفهُ ، يُدركهُ ويقدّرهُ.. وآن للمثقف أن يعرفَ وطنهُ وشعبهُ أكثر .. يدُركهُ ويقدّره!

هناك 7 تعليقات:

  1. سلمت أناملك

    أُخيَّا كما تعلمين أينما وجد الخير في المقابل تجدين الشر يترصده ليصطاد في الماء العكر...

    هذه الاحداث جعلت المسؤوليين من ضمن قائمة (الظالمين) وعامة الشعب "الفقير" من ضمن قائمة "المظلومين" والمثقفين هم المحامون يدافعون امام محكمة
    الدوله "الحكومه"

    اعلمي ان النوايا الحسنه والافكار النيره التي سوف تدوم فما دونها سوف تتلاشى مع الايام ..

    تحياتي

    ردحذف
  2. صارت صفحتك هي صفحتي الرائيسيه

    اصبحت لا اقدر ان انهض من الكرسي ,ان ازيح راسي,ان ابعد عيني عن الشاشه

    يتششل جسدي بأكمله الأ من اصبع واحده لتدير عجله الفارة لتمكنني من اكمال المقال

    هنيئا لنا بك

    سحر مقالاتك ابهرني
    اتمنى ان تستمري بهذا الفكر المتفتح والعقلاني وان لا تنجري الى أحدى الطائفتين....

    ردحذف
  3. عائش، وهل كان الشاعر أو القاص ناطقا باسم الشعب؟
    منذ متى؟
    الأديب [شاعرا أو قاصا] أمر، والمثقف الذي يريده هذا المقال أمرٌ آخر

    شكرا لكِ

    ردحذف
  4. كأنكى أخذتى القلم من يدي و خطيتى ما أردت أن أقول ...

    التغيير يحتاج لوقت و تظافر أيادي الجميع لبناء الوطن ...
    بينما التدمير عكس ذلك

    ردحذف
  5. مميز ما كتبتي....

    فقط لو عرف المثقفون دورهم...!!!

    ردحذف
  6. مقال جميل عائشة ....

    ردحذف
  7. سبحان الله ...ناس لديها مواهب وما نعرفها

    ردحذف