الاثنين، 8 يونيو، 2015

أزمــة ثقــــة


أزمَـــــة ثقـــــــة
 

عائشة السيفي
http://ayshaalsaifi.blogspot.com/2015/06/blog-post.html
 

دومينك سترَاوس هوَ واحدٌ من أشهَر السياسيين الفرنسيين والاقتصاديين في زمانهِ .. وهوَ أحد النافذين الكبار جداً في فرنسا وهوَ ما أهّله ليتقلّد رئاسَة صندُوق النقد الدولي منذ 2007 حتّى سقوطه المفاجئ عام 2011 إثر ما سمي بفضيحَة فندق كارلتون آنذاك ..

كانَ الرّجل في المجتمع الفرنسي من القلّة المحميين بحيث يصعبُ للغايَة سقوطهم وكانَ الرّجل معروفاً بحفلاتهِ التي يقيمها حول على العالمِ على متنِ يختهِ وكم تصدّر عناوين الصّحف إثر اتهاماتٍ له بإقامة حفلات تحضرهَا "عاهرَات قاصرات" إلا أنّ الرجل لم يكن ذلك ليعنيهِ فقد كانَ يتجاوزُ الأزمة تلو الأخرى دونَ أن يطالهُ أذى أو يهزّ من نفوذه المتعاظم الذي أهّله ليكون أبرز مرشّحي انتخابات رئاسة فرنسَا لعام 2012 وأكثرهم حظاً بتوقعات الفوز.

غير أنّ الفضيحة التي دوّت عام 2011 نسفت تاريخه السياسيّ ومستقبله وذلك إثر توجيه عاملة نظافة إفريقيّة في فندق كارلتون بنيويورك اتهاماتٍ له باغتصابهَا وإجبارها على ممارسَة الجنس معه ، الفضيحَة التي عدّت الأكبر على الإطلاق عالمياً عام 2011 ورغم أنّ المحاكمَة انتهت بإسقاط التّهم ضد دومينيك لعدم كفايَة الأدلّة التي وجّهتها عاملة النظافة وشكُوك المدّعي العام بنيويورك حول مصداقيّتها وتضاربِ أقوالها إلا أنّ ذلك لم يكن كافياً ليبرئ دومينيك الذي أقيلَ من منصبهِ كرئيسٍ لصندوق النّقد وأزيل اسمهُ نهائياً من قائمة الترشّح للرئاسة الفرنسيّة لسببٍ بسيط جداً هوَ: الثّقة! لماذا يقَال الرّجل إذا كانت القضيّة أسقطت وخرجَ حراً طليقاً؟

الجوَاب البسيط هو أنهُ لا يمكنُ لرجلٍ كهذا أن يكونَ ممثلاً لمؤسسة عالميّة بحجم صندوق النقد ولا يمكن لفرنسَا أن تجعلَ منهُ ممثلاً له وعلى رأس نظامها لأنّ عدم الثّقة في رأس النّظام يبدد الثقة تماماً في النظام نفسهِ ولأنّ شرخاً هائلاً في صورَة هذا الرّجل أمام الرأي العام قد حدث. حمَاية النظام تقتضي إزاحة رأسهِ لانتفاءِ صلاحيتهِ.

طرأت قصّة دومينيك وأنا أتحدّث مع زملاءٍ هولنديين حولَ ما نقلتهُ صحيفَة أثير مؤخراً حولَ تجاوزاتٍ تقدّم بهَا أعضاء بمجلس الشورى لاستجوَاب وزيرة التعليم العالي وانتظارهم موافقَة مجلس الوزراء لأشهر لاعتماد استجوابها إلا أنّ الرّد بعد طولِ صبرٍ وانتظار جاءَ كتابياً وبصفَة "سرّي للغاية" دونَ أن يفلح مجلس الشورى في استقدام الوزيرة إلى جلسَة استجوَاب تقدّم بها 16 عضواً بالمجلس.

وهوَ أمرٌ بقدرِ ما يحملُ كثيراً من الدهشَة بقدر ما يثيرُ تساؤلاتٍ كثيرة أبرزها: هل يدركُ مجلسُ الوزراء برفضهِ طلبَ الاستجوَاب الرسالة التي يمررّها للمواطن حول قصُور دور المجلس وعجزهِ عن أداء دورهِ الرئيسي الذي انتخبَ لأجله وهو أن يكونَ عيناً للنّاس ولساناً لها وحسيباً ورقيباً على أيّ تجاوزاتٍ تصدُر من مسؤولي الحكُومة؟

إذا كانَ ما أقدمَت عليهِ الوزيرة تجاوزاتٍ فتلك مصيبَة وإن لم تكُن بتجاوزات فلماذا يحمِي مجلسُ الوزراء وزيرتهُ من استجوابهَا من قبل ممثلي الشّعب ومنتخَبيه؟

وفي هذا التوقيتِ بالذات ، ألا يدركُ مجلسُ الوزراء حساسيَة المرحلة التي نشارفُ فيها على انتخَابات شورَى جديدة؟ أيّ ثقة بفعاليّة دور هذا المجلس ونفاذ سلطتهِ يمكن أن نشعر بها إذا كان مجلس الوزرَاء يسوّف طلبات استجوَاب مهمّة لأشهُر طويلة ثمّ يرد كتابياً "بملفّ سريّ للغاية" ؟ ألهذا انتخبنا هذا المجلس وخوّلناه تمثيلنا؟ ما النتيجة من "تكتيف أيادي" هؤلاء الممثلين سوى زعزعة إيماننا بدورهِم الحقيقيّ في التغيير والمحاسبة ونحنُ على مشارف انتخاباتٍ جديدة؟ خاصّة أنهُ كان الأولى بمجلسِ الشورى إقامَة الجلسة ولو في غيابِ الوزيرة ضماناً لمصداقيتهِ وتنفيذاً لدورهِ الرئيس في ملاحقة أي تجاوزاتٍ إن كانت جادّة وموثقة.

يبدُو أن مجلسَ الوزراء نسيَ الدّور المحوريّ الذي لعبهُ أعضاء مجلس شورَى في بناء جسُور التواصل بين المعتصمين والحكومَة حينَ كانت البلادُ تشتعلُ في عام 2011 ومن أعضاء الشورى هؤلاء من أصبحَ وزيراً اليوم وهل نسي أنّ المعتصمين حين تجمهرُوا أمام مجلس الشورى أرادُوا إيصال رسالة مهمّة بتطلعاتهم تجاه هذا المجلس ودوره الحقيقيّ في خارطة التغيير.

عوداً على موضوع الثقة , كيفَ ينتظر المجلسُ أن يثقَ المواطنُ بأداء مؤسسةٍ إن كان من ضمن مخالفاتها "استغلال منصب الوزارة لمصلحة شخصية بعقار في إحدى الدول العربية قامت الملحقية الثقافية بالسفارة العمانية باستئجاره ورفع قيمة الإيجار بعد فترة وتحول قيمته الإيجارية لحساب الوزيرة في أحد حساباتها ببنوك السلطنة."

تتحوّل قيمة الإيجَار لحسَاب الوزيرة؟!!! إن صحّ ما ذكر فتلك مصيبَة وإن كان ما ذكر غير صحيحٍ فينبغي تفنيد ذلك علناً لا في "الملفّات السريّة" حمايةً لوزارة التعليم العالي.. أن تهتزّ صورة رأسِ النظام هو مسّ للنظام نفسه وحينها لا يصبح رأس النظام أهلاً ليمثّله وقد التصقَ بهِ ما التصق.

الناسُ لم تنسَ بعدُ فضيحَة البعثات الجزئيّة التي حوّلت لبعثات كاملةٍ عام 2009 لأبناء مسؤولين كبَار في الدولة منهُم حفيدَة عبدالنبي مكي وزير الاقتصاد الوطنيّ آنذاك لأسبَاب منها "تقديراً للظروف التي مرّت بها الطالبة" أو "تقديراً للمسؤولينَ لخدمَات والدهِ في الوزارة" أو" أن وضعَ الطالب يقتضي النظرَ في ظروفهِ الاجتماعيّة" وها هوَ السيناريُو يتكرّر لأنّ رأسَ النظام استمرّ كما هوَ دونَ أن يمسّ ودونَ محاسبَة جديّة.

 

أزمَة الثقة هذه لا تبدُو واضحَة ومدرَكَة في عرفِ الحكومَة العمانيّة إذ أنّ زمناً مرّ على قضيّة مظاهر التاجر التي طالَت ثلاثة مسؤولين يشكّلون "مثلّث الأمن والعدالة" في الدّولة ورغمَ الضّجة التي أحدثها المذكُور وما قدّم من أدلةٍ مكتوبةٍ ومرئيّة إلا أنّ شيئاً لم يحدث رغمَ أنّ شرخاً هائلاً حدثَ في ثقة المواطن بجديّة النظام في المحاسبَة وحرصهِ على نقاء سجلّ ممثلي مؤسساته خاصّة إذا كانت هذه المؤسسات تمثّل اليد الطولَى للمحاسبَة والعدالة في الدولة فإذا كانَت الاتهامات صحيحَة فقد وجبت محاسبتهم وإن كانت ملفقةً فإنّ صورتهُم المهزوزة أمام المواطن ووجُودهم على رأس هرَم هذه المؤسسات يقتضي إزاحتهم حمايةً لصُورة هذه المؤسسات وعملاً على مبدأ تعزيز ثقة المواطن العماني بهَا وبرؤوسهَا.

لقد برزَت أزمَة الثقة هذهِ في تلك الأثناء حينَ خرجَت القضيّة بضجّة هائلة لكنّ أياً من مناشدَات المحاسبة لم تتوجّه لأي اسمٍ في الحكومة ولا لاسمٍ واحدٍ من أفراد العائلة المالكَة المقربين جداً من السّلطان ولا حتّى لمجلس الوزراء والقائمين عليه سوَى لشخصِ صاحبِ الجلالة مع ذكرٍ طفيفٍ لرئيس المكتب السلطانيّ ليوصلَ الرسالة لهُ.

واحدَة من أبرزِ الإشكاليّات التي على الحكُومة درَاستها بجديّة هي حالة عدم الثقة العامّة من قبلِ المواطنين بأدائها وشخُوص القائمين على مؤسساتها وثقتهم العامّة بشخصِ السلطان نفسهِ "فقط" وهوَ أمرٌ يشكّل خطورَة مستقبليّة إذ لا يمكن التعويل على مساندَة العامّة لتوجّهات الدولة إذا كانت متعلقَة بشخصٍ واحدٍ فقط. ومن الواضحِ جداً أن مجلس الوزراء لا يضعُ ذلك في حسبانهِ بتصرفاتٍ كهذهِ.

هذه الإشكاليّة التي تضمّنها صندوق النقد الدوليّ في تقريرهِ عن أزمَة النفط الأخيرة وتداعياتهَا على السلطنَة مشدداً على أن تعملَ السلطنة على استراتيجيّة تواصل مع الشعبِ لضمان مساندتهِ لسياساتها الاحترازيّة فيما يتعلّق بالنفقات العامّة وتقليصها على إثر الانخفاض الهائلِ لأسعارِ النفط.

وحتّى حين خرُوج هذه الاستراتيجيّة إلى النّور وإدراك الحكومة أن الثقَة هي العقد الرئيس بينهَا وبينَ الشّعب وسعيها لحمَاية النظام من أيّ شائبةٍ تطاله بمزيدٍ من الشفافيّة والعلنيّة لا خلفَ الأبواب المغلقة و"الملفات السريّة" فإنهُ ليسَ علينا سوَى أن نعمَل بنصيحَة محمُود درويش: "أن نفعلَ كما يفعلُ السّجناء .. نربّي الأمل" .. الأملَ بمحاسبَة حقيقيّة وخطواتٍ جادّة لكسب ثقة الانسان العُماني .. الذي لولاه فلن تكُون عُمان اليَوم والغد.

 

هناك 5 تعليقات:

  1. كلام جميل جداً.

    ردحذف
  2. مقالك مفكك ومشتت ، تتحدثين عن فرنسا وهولندا كدول حقيقية وتربطينها بعمان هذا التكوين الأبوي الريعي المشوه بكل تفاصيلة والذي لا يصل لمرحلة الدولة بحسب الفقهاء القانونيين ! ما الرابط بين الإثنين !
    كان الأحرى ان تطلبي من السلطان ان يمنحنا دولة مؤسسات لديها قواعد راسخة ونظام واضح ومحكمة دستورية تحمي هذه القواعد بدل هذه الإطروحات السطحية مع كامل أحترامي كشاعرة وأدبية لا تفقهين شيئا في فكر نشأة الدول .

    ردحذف
  3. سلمت يداك ما خطت

    ردحذف