الأحد، 12 فبراير، 2017

ما لم يقُلهُ لنا عدنان ابراهِيم







ليسَت هذهِ الصورةُ لحفلِ تخرّجٍ بالجامعَة كمَا أنّها ليسَت لفعاليَة ترفيهيّة أو ضَيف يقدّم محتوى فنياً بل إنّ هؤلاء الآلاف الذين حضرُوا من كلّ أنحاء السلطنة جاؤوا ليستمعُوا للمفكّر إسلامي أو الداعيَة عدنان ابراهيم .. لا تهمّ الألقاب ولكنْ من المهمّ ألا نغفل أنّ هذهِ الجمُوع الغفيرَة حضرَت لسببٍ ما وقاسمٍ مشترك هو اهتمامها بالرّسالة التي يقدّمها هذا الرّجل.
لا أذكرُ متى كانت آخرُ مرّة اجتذبت شخصيّة ذات طابع ديني ، سياسيّ أو اجتماعيّ هذا الثقل والإقبال ولكنّ من الضروريّ بمكان أن نشير إلى أنّ السواد الأعظم من الحضُور كانُوا من الشباب أو كمَا أشارَ المحاضرُ نفسهُ من طلاّب الجامعَات وهذِهِ دلالَة تحملُ بعدَين أو إشارتين لا ينبغي علينَا إغفالها ..
الذي لا يعرفهُ الكثيرون أنّ المجتمعَ العمانيّ واحدٌ من أكثر مجتمعات العالمِ شباباً .. إذ يشكّل السّكان ممن تقلّ أعمارهم عن 34 عاماً قرابة 75% من التعداد الكلي للسكان و85% من مجموع السكّان هم في الأربعين وأقلّ .. نحنُ نتحدّث عن شبابٍ يشكّلون الآن بذرَة وعيهم الأولى للحيَاة .. طاقَات هائلة ، أسئلة متوثبَة .. أفكَار متمرّدة وعقول لا تنطلي عليهَا الخطابات المنقولة والخطَب المعلّبة ..
بالتّالي فإن إقبالاً بهذا الحجم من قبل هذه الفئة على مفكّر كعدنان ابراهيم يطرحُ أسئلة جوهريّة عن قدرَة الخطاب الدينيّ اليَوم في عمان على الاتصالِ بأفكار هؤلاء الشباب وزمنهم ومدَى قدرتهِ على الإجابَة على استفهَاماتهم ومواكبتهِ لرؤاهم ومسَاحات اهتمامهم ..
في الوَقت الذي تواجهُ المسَاجد فيه حالة انفصال كبيرَة بين هُموم الشّارع ومشاكله وبين الخطَابات التي توجّه أسبوعياً يوم الجمعة أو الدّور الذي تلعبهِ المساجد في إدارَة العمليّة التنويريّة لشباب المجتمع.
الوقت الذي أصبحَت فيهِ خطب يوم الجُمعة عبئاً على آذان المصلّين ووقتهِم .. بل وأصبحَت مصدرَ تندّر ونكتة اعتدنَا متابعتها في مناشير المصلّين بعد صلاة الجمعة على حسَاباتهم وتغريداتها .. هذَا العُزوف الذي جعل أعداداً تتزايد اليَوم بين المصلين تنسحبُ حتّى من تلك الفرصَة الأسبوعيّة الوحيدة للوعي.
لماذا لا نرَى خبرَاء اقتصاديين يعتلُون المنبر ويحاضرُون أمام تلك الجموع الغفيرة عن تقلّبات الاقتصاد وأحواله وعن مؤشرات الأداء الاقتصاديّ للبلد وخبرَاء اجتماعيين وأسريين يستعرضُون أهمّ التحديات التي تواجهُ الشباب والأسر والأطفال.. أطباء نفسيين ينشرُون ثقافة الوعي النفسيّ بين المصلين .. لماذا تحتكرُ خطبة الجمعة على الخطَاب الديني الكلاسيكيّ الذي لم يعد بالإمكان "بلعه" من قبلِ هؤلاء الشباب المندفعين الذي يحتاجُون في الأسبوع الذي قفزت فيه تسعيرات الوقود إلى سمَاع خطبةٍ يلقيها خبيرٌ في اقتصاد الوقود عوضَ أن يسمعُوا خطبَة معلّبة عن ثقافة الاعتذار؟!
خطبَة يوم الجمعَة هي نافذة وعي تنويريّ للمصلّين وليست عظَة دينيّة أسبوعيّة .. ولو كانت على هذا الطّراز لما كنّا سمعنَا بعدنان ابراهيم الذي ما كانَ لينتشر لولا خطَاب الوعي التنويريّ المختلف والمتمازج الذي كان يطرحهُ وهو يخطبُ في النّاس يومَ الجمعَة.
هذَا الرّجل الذي لا يسوقَ لك رأياً دونَ أن يقدّم معه باقةً من الاسترشادات التي تخاطبُ عقلكَ ومنطقك .. وهيَ ليست استرشادات على الطريقة التقليديّة التي نسمعها من رجال الدين وإنّما يقتبسُ لك تارةً من شاعرٍ جدليّ وتارةً من مفكّر وآخرَ من فيلسوف .. إنّه يقدّم باقَة معرفيّة هائلة يشعرُ فيها المرءُ بأنّ الرّجل لا يقدّم لك اقتباساً تلقينياً بقدرِ ما يقدّم لك فرصَة للتفكِير في الزّمن الذي اعتدنا فيهِ على خطاباتٍ تلقينيّة بأدواتٍ جاهزَة آخر همّها أن تقولَ لنا: فكّروا ، تدبّروا ، جادلوا وعارضُوا ..
اليَوم أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى يبدُو الخطَابُ الدينيّ في عُمان شديدَ الهُزال في أدوَاتهِ وطريقَة طرحهِ .. لا يحضُر اليَوم اسمٌ شابٌ في عُمان يقدّم فكراً تنويرياً جريئاً ومعتزاً بنفسهِ .. لا يملكُ الشباب –رغم ضرورَة حاجتهِم إلى قدوَة- وجهاً شاباً يخاطبُ فيهم العقل والمنطق ويكسرُ التابُوهات التي استطاع عدنان ابراهيم بجرأةٍ أن يكسرها ..
أيّ رجلٍ دينٍ عمانيٍ اليوم قادر بصرَاحة كما فعلَ عدنان ابراهيم أن يحلّ الموسيقا ويصفها بأنّها غذاء الرّوح .. من القادر على أن يقولَ أنّه يعلّق في بيتهِ لوحاتٍ فنيّة ومنحُوتات كما يعلنُها عدنان ابراهيم صراحَة؟ رغمَ أنني أعرفُ شخصياً أئمة مساجِد يفعلونَ ما أعلنهُ الرّجل خفيةً خوفاً من الصّدام والتكفير.
من القادِر أن يقولَ للنّاس لا مشكلَة لدينا في أن يعيشَ بيننا الملاحِدَة طالما احتفظوا بفكرهِم لنفسهم ورغمَ أننا في عُمان نمتلك هذا التعايش وإن "بشكلٍ صامت" .. من القادِر أن يقولَ كما قالها عدنان ابراهيم في خطبةٍ لهُ قبلَ عام أنّ مشكلتنا الحقيقيّة أننا نريدُ أن يعتنقَ كلّ أحدٍ ما نعتنقهِ ثمّ يكمل قائلاً (يا أخي أنا ملحد أنا كافِر أنا أعبد الشيطان .. يا أخي كيفي!! انت مالك؟ )
نعَم إنّ من قالها عدنان ابراهِيم الذي حضرَ الآلاف من الشباب من كلّ عُمان ليستمعُوا لفكرِهِ ويحضرُوا محاضرتهُ! في الوقتِ الذي انصرفَ هؤلاء الشبابِ عن المساجِد وأحجموا عن خطبِ يوم الجمعَة! أليسَ هذا مدعاةً للتساؤل عن المختلفِ الذي يقدّمه هذا الرّجل عمّا اعتدنا سماعَه من الخطَاب المعتاد؟
قد يختلفُ النّاس أو يتفقون على مصادِر الأخلاق للشعُوب اليَوم .. أهيَ الدين أم التشريعات؟! في ظلّ شيُوع مكارم الأخلاق في دُولٍ تراجعَت فيها سلطَة الدين واستعانت عوضاً عنهُ بتشريعَات وقوانين تسنّ للشعُوب مالها وما عليهَا من واجباتٍ وحقوق ولعلّ التجربة النمساويّة التي كفلت لعدنان ابراهِيم مساحَة أن يخطب في النّاس في مسجدٍ بقلبِ فيينا العاصمَة التي خرجَت منها جيُوش المسيحيّة إلى العالم كلّه قبل قرون مثالاً واضحاً على قدرَة هذه الدول على سنّ تشريعَات تكفلُ مناخاً آمناً للعبادَة والعقيدَة طالما التزم المؤمنون بما لهم وما عليهم تجاهَ الدولةِ وقوانينها..
لكنّ الأزمَة عندما تتراجَع سلطَة الدين وتأثيره وتفترُ أدواتهُ وتنسحبُ العقولُ المؤثرةُ فيه وتتواصلُ الخطابات التلقينيّة في بلدانٍ لا تزالُ القوانين فيها هلاميّة والتشريعات التي تنظّم للنّاس قواعدَ حياتها ومنهج تعاملاتهم هشةً فإنّ الخوفَ على هؤلاء الشبابِ يبدُو أكبر والقلقَ على توجّهاتهم أعمق وهوَ كما يصفهُ محمد راتِب النابلسي مصيرٌ ذو نهايتين متطرفتين فإمّا الخواء الروحي والفرَاغ النفسي الذي يفتقدُ الدوافع الانسانيّة العميقة أو التطرّف الدينيّ واللجوء إلى التياراتِ الدينيّة المتشددة.
لقد جاءَ عدنان ابراهِيم بصخبهِ .. شاغلاً الناسَ ومالئاً مجالسهم بينَ مؤيدٍ ومعارض غيرَ أنّ هذا الاحتدام في نقاشِ طرحهِ يبرزُ مقدار وعي الشبابِ وميلهِم إلى خطاباتٍ مجددة مختلفة عن السائد تخاطِب عقولهم وتقتبسُ لرأي الشاعرِ والفيلسوف تماماً كما تقتبس من سيرَة النبيّ صلى الله عليهِ وسلم وأحاديثهِ ويقدّم إشاراتٍ جادّة إلى ضرورةِ مراجعَة نمط االخطاب الدينيّ الذي يقدّم للشباب اليَوم .. والذي أصبحَ -تزيدهُ القبضَة الأمنيّة عزلةً - يسبحُ في عالمٍ مختلفٍ لا يشبهُ عالمنا ولا مجتمعنا الذي لا يملكُ أدواتٍ ناضجَة بعد في مواجهة مشاكلِه المتزايدة بين إدمان المخدّرات ، اغتصاب الأطفال ، الرشَاوى ، ترهّل النظام القضائي وقضايا عصريّة كثيرة تتزايد وطأتها دون حلّ ولا يبدُو أن الخطابَ الدينيّ لدينا قادرٌ حتى الآن على احتوائها وتقديم خطابٍ يشبهُ الشباب ومشاكلهم المعاصرَة.

هناك تعليق واحد:

  1. مقال ساقط ينبيء عن جهل كاتبه عمّا يدور حوله في المجتمع وإلا فما وجه المقارنة بين الخطيب والخطبة وكان الأجدر بالكاتبة أن توجه كلامها إلى الحكومة ممثلة في وزارة الأوقاف والتي تتحكم بذلك الأمر فالخطيب لا يملك أن يخرج عن نطاق الخطبة المحددة من قبل الوزارة وإلا آل به الحال إلى الجلوس في بيته.
    مقارنة عدنان إبراهيم وغيره ممن أُعطو حرية الخطاب بأئمة المساجد المكبوتين كقول الشاعر: إذا لم تكن بالعلم لله عاملا، فأنت وإياه كفنجا وغيلها ( الغيل يجري خلف مدينة فنجا وهي لا تستفيد منه ).

    وإن تعجبّت من شيء فأتعجب من صراخ الناس وهتافهم بالمفكر وغيره وهو لم يقصد إلى عمان إلا عن علمه بوجود علماء فطاحل ومفكرين بارزين فيها، ولكن كما يقال: العالم بين أهله غريب.

    ردحذف