الأحد، 3 يونيو 2018

مَاذا لو كَانت كَارولينَا عُمانيّة؟

أسئِلَة إشكاليّة التسَامح بينَ القرنقشُوه والزوَاج بالعرجَاء
 
.
عائشَة السّيفي
 

قبلَ أشهَرٍ التقيتُ بكارولينا ، في اجتمَاعٍ بمقرّ عملي. كانت كارُولينا مبعوثة وزارة الخارجيَة بدولة أوروبيّة معرُوفة. لدَى كارُولينا إعاقة جسمانيّة. ومعَ ذلك فقد بَدت متألقة وواثقة من نفسِها وأدَارت الاجتماع بكفاءَةٍ عالية. بعدَ الاجتماعِ أضافتني كارولينا على أحدِ مواقع التواصلِ الاجتماعيّ لأكتَشفَ أنّها لا تتخطى الأربعَة والعشرين عاماً من عُمرها وهَا هي تمثّل بلادها في المحافلِ الدوليّة بكامِل الثقَة.
تذكّرتُ كارولينَا بعدَ انتشارِ مقطَع "عجَب حد يتزوّج عرجا؟" لداعيةٍ عُمانيّ شهير يَحظى بتقديرٍ عالٍ بينَ الجُمهُور.
يا تُرى ماذا لو كَانت كارولينَا عمانيّة هل كانت ستمتلك تلك الثقة العاليَة بالنّفس وهيَ تشاهِد برنامجَاً تلفزيونياً يضحكُ فيه المضيفُ قائلاً: عجب حد يتزوّج عرجاء؟ ستفكّر كارولينَا أنّها مشرُوع "عَانس" وبعدَ سنوَاتٍ طويلة فسيتكرّم رجلٌ متزوّج ويتزوجها كزوجَة ثانيَة "شفقةً بها" بناءً على نصيحَة رجل دين في التلفزيون.
هل نَحنُ متسامِحون؟
فكّرتُ بهذا السؤال وأنا أشَاهدُ الدّاعيَة المشهُور على مواقعِ التواصل الاجتماعيّ يديرُ حواراً تلفزيونياً وفي الحوَار يظهرُ أحد ضيوفهِ من "شيوخِ الدّين" وهوَ يحضّ الرجلَ المعدد على أن يستهدفَ حينَ يقرر الزواجَ بأخرى فئاتٍ كالمرأة التي أصابهَا المرض، العميَاء أو العرجَاء فيدخلُ مضيفهُ في نوبَة ضحك متواصل متسائلاً عجب من بيتزوج العرجَاء! .. ثمّ يبادر بسؤال ضيفهِ الآخر انت بتتزوج عرجاء؟ فيرد عليه: أنا لا لكن فيه حَالات زوَاج.
ورغمَ أنّ الداعيَة اعتذرَ عن تصرّفه كما قيل -ولستُ هنا في معرِضِ سَحلهِ- إلا أنّني بقيتُ لأيّام أستحضرُ هذا المقطع.. هل يَرى مُجتمعُنا فعلاً أنّ المرأة التي بهَا إعاقَة جسديَّة هيَ امرأة ناقصَة لا تصلحُ إلا كزوجَة ثانيَة؟ هلِ المرأة بكلّ مكوّناتها العاطفيّة والعقليّة والانسانيَّة هيَ مشروع "جسَد"؟!
"قد" أفهَم نفور الرّجل من الزواج بامرأة مشوّهة الوجه، مقطوعة الأعضاء مثلاً.. لكنْ ألا تكُون المرأة العرجَاء كافيَة للارتباط! ما بها المرأة العرجاء وما الذي يمنعها من أن تكون امرأة كاملة وجميلة وربّة بيت وأمّ؟
ألهَذا الحد نُعلي الجَسد وتنتصرُ المعايير الجسديَّة على كلّ المقوّمات الأخرى في الارتبَاط بالمرأة؟
إذا كَانت المرأة العرجَاء غير كافيَة لتملأ عينَ الرجل فما نقولُ عن المرأة العميَاء؟ أو المقعدَة؟ أو مشوّهة الوجه؟ ثمّ ما هذا التركيز العجيب على "المَعايير الجسديّة" في الزَواج بالمرأة!
سمعتُ من قبلُ دعاةً يروّجون للتعدد لاستهداف فئات كالمرأة المطلقة والأرملة التي لها أطفال أو الرجل الذي ابتليت زوجتهُ بمرضٍ يمنعها عنه. لكنْ أن نروّج للتعدد بتسوِيق النسَاء ذوَات الإعاقة "الجسديّة" على أنّهن فئات ناقصَة فهذَا أمرٌ جديد عليّ. لمَاذا هذا الربط بين التعدد و"نقص المرأة الجسديّ" الذي يخلصُ إلى الشفقةِ عليها و"تخليصهَا من واقعها" بإنزالهَا كزوجة ثانية؟
هل أنتَ متسامحٌ فعلاً أيّها المجتمع؟ وما هوَ مفهوم التسَامح الذيْ نروّج له في كلّ محفل؟
وهل ما قالهُ هذا الشيخ هوَ حديث المجالس الذي قد لا يقولهُ الناسُ أمام التلفزيون ولكنّهم يتداولونهُ بينهم.
"هيَ بنت زينة، بس فيها حوَل" .. سمِعتُ من قبلُ هذه العبارة. وسمعتُ من قبلُ من "البنت إصبَعها مقطُوعة"
نحنُ نحتكر التسَامح في عُمان على التعايشِ المذهبي والقبول الدينيّ ولكن يَا جمَاعة التسامح مفهُوم واسعٌ جداً. ماذا عن تعايشنَا مع الفئات الأخرى في المجتمع من ذوي الاحتياجاتِ الخاصّة؟ إلى أي مدى تبدو هذه الفئات مندمجة مع المجتمع وهل يتجاوز المجتمع العلل الجسديّة في التمازج الاجتماعيّ معها؟ هل يبذلُ مجتمعنا كلّ جهدهِ ويسخّر طاقاتهِ للحرص على خلقِ حالة تعايش تامّة مع فئة المعاقين؟ قفُوا أمام مرآة ضمائركم واسألوا أنفسكم إن كنّا نفعلُ ذلك! هل تحرُص الدولة على تمكينِ والدّفع بذوي الاحتيَاجات الخاصّة إلى منَاصب قياديّة لتمثيلهم مجتمعياً كما ينبغي كمَا حدَث لكارولينَا الأوروبيّة؟
هل نَحنُ متسَامِحُون؟
فكّرتُ في هذا السُؤال مجدداً ونحنُ نعيشُ نفسَ الجَدل الذي يثارُ كلّ عامٍ حول "القرنقشوه" .. هذه المرّة كانَ هنالك تطوّر جديدُ.. وهوَ انتشَار فيديو "وعظي" لبعضِ الأطفال وهوَ يصدحُون بنشيدِ القرنقشوه فيقاطعهم طفلٌ آخر "مرتدياً عمّةً بيضَاء" ويبدأ في وعظهم على أنّ القرنقشوه ليسَ من عَادات "المؤمنين" وبهَا ألفاظ لا تليقُ برمضان وموعظَة يطُول ذكرهَا..
إذنْ فقدِ انتقلتِ هذه الجدليَّة السنويّة هذهِ المرّة إلى استخدَام الأطفال وإسقَاط قناعات "الكبَار والبالغين" وحَشر الدين كأداةٍ في فرضِ آرائهم ..
أغلبُ الهجُومِ يأتي من متدينين قادِمين من ولايَات لا يشيعُ فيها القرنقشوه. ومعَ انتشَار القرنقشوه في العَاصمَة وزحفهَا إلى ولايَاتِ الداخل بحكم تنقلِ عائلاتِ الداخلِ إلى العاصمة.
السؤالُ هنَا – وأنا القادمَة من ولايَة لم تكُن هذهِ العادَة بها حتّى عامين مضَى- هوَ لماذا لا نحترِم فكرَة أنّ هذهِ عادَة اجتماعيّة من صميم عاداتِ وتقاليد ولايَات أخرى في السلطنة؟
لماذا نهَاجم ونقلل ونسخّر كلّ الأدوَات الدينيّة لدحضِ عادَات وتقاليد أبناءِ بلدنا القادمين من ولايَات أخرى فقط لأنّها لا تروق لنا أو تتنافَى مع عادَات الولايَة التي أتينا منها؟ لماذا لا نتقبّل هذَا الاختلاف حتّى وإن لم نتفقُ معه بالضرورة؟ ولماذا النيل منها وحشر شيُوخ الدين والفَتاوى في الشّاردَة والواردَة لتجييش الرأي العامِ ضدّ عادَة متجذرَة في طُفولة آلافِ العُمانيين؟
هذا يُثيرُ مرةً أخرى مفهُوم التسَامح الذي نحرصُ في كلّ المحافلِ على الترويج لهُ كسمَة عُمانيّة.
هل نَحنُ فعلاً متسامِحُون أمْ أنّ حالة الانحدار العامّة في أخلاقِ دولٍ مجاورَة جعلَتنا "نبدُو" أفضَل الموجود. وهل سَاهمَت قبضَة الحكومَة وصرامتها في إسكَات التعصّب والعنصريّة "العلنيّة"؟
أليسَ التسامُح هوَ الحَالة الطبيعيّة للشعوبِ؟ لماذَا يسوّق التسامح اليَوم على أنّه صفَة حصريَّة يُحتفَى بها؟
لقد سافرتُ في السنوَات الأخيرة كثيراً ووقفتُ على ثقافاتٍ في غايَة التعايش وعلى درجَة عاليَة من التقبل للآخر.
عِشتُ في هُولندا وشاهدتُ مهرجَانات وعادات تخصّ محافظاتٍ معيّنة فيها تتيح لها الدولة إجازة رسميّة للمدارس والمؤسسات دُوناً عن محافظاتٍ أخرى فقط احتراماً لخصوصيّة تلك المحافظات وحفاظاً على إرثِها.
زرتُ الهِند فرأيتُ موطنَ قدمٍ لكلّ عقيدَة. وزرتُ أذربيجان مؤخراً ووجدتُ حالة تعايش مذهبي عاليَة، أخت محجبَة تمشي بجوار شقيقتها غير المحجبَة واحترام كبير للآخر القادم من الخَارج، ذهبتُ للمغرب غيرَ مرّة ووجدتُ شعباً محبّاً للآخر متعايشاً في تنوعهِ العرقيّ واللغوي الهائل بل إنّ لغاتِ الأقليّة أصبحت تدرّس في المدارس في رسَالة مفادها أنّ كلّ لغة هي لغَة ثمينَة تُقدَّرُ وتحترم، في الوقتِ الذي تناضل لغَاتٌ في عُمان للبقاءِ بين متحدثيها الأصليين ناهيكَ عن فكرَة أنّ تدريسها في المدارس هوَ أمرٌ أبعدُ من الخيال.
يُحيلنا كلّ ذلك إلى إدراكِ الحاجَة إلى تحليلٍ عميقٍ ومحَايد لفَهم المجتمع للتّسامحِ بمنظُورهِ الشُموليّ ولعلّ هذا يبدأ بطرحِ هذا السؤالِ أولاً.. هل حقاً نحنُ متسامِحُون؟ هل نحنُ متسامِحُون بمَا يكفي؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق