الجمعة، 6 مايو 2016

فيْ ذكرَى الإسراء والمعرَاج .. ثورَة المفاهيم والمعطيَات

فيْ ذكرَى الإسراء والمعرَاج نحنُ بحاجَة ماسّة إلى قراءَة قصّة هذه المعجزَة الإلهيّة بطريقة مختلفَة عن تلكَ التي سوّقت لنا في المناهجِ الدراسيّة وخطبِ المنابرِ والوّعاظ ..
وعوضَ مرورهَا كإجازَة حكوميّة نقضيهَا في التسوّق والرّحلات فإننا بحاجَة إلى تسويقِها وترسيخها في وعي أطفالنَا إلى ما هوَ أبعَد من قشُور نختلفُ حولها على شكلِ دابّة البراق أو سرعتهَا بالكيلومترات في السّاعة أو تلكَ التفاصيل التيْ تسلبُ القصّة جوهرهَا وعمقهَا الانسانيّ والدلاليّ ..

نحنُ بحاجَة إلى قراءَة معطيَات المرحلَة التيْ كانتْ تؤسس إلى ثورَة اجتماعيّة وانسانيّة كبرى ستغيّر مسار التّاريخ منطلقةً من واحدَة من أكبر المناطقِ الجغرافيّة صعوبَة والتجمّعات السكانيّة والقبليّة الأكثر تعقيداً والتيْ -بهذهِ المعجزة الإلهيّة- ستحدِثُ هزّة حقيقيّة في حياةِ الرّجل الذيْ سيناطُ إليه لاحقاً أصعب مهمّة هي قيادَة هذهِ الثورة منْ تلك البقعة من الأرض إلى العالم أجمع حتّى قيام السّاعة والذيْ سيقود بعد حدوث هذهِ المعجزة بعامٍ انقلاباً سياسياً وسيسيولوجياً محكماً اسمهُ الهجرَة النبويّة ..

واحدَة من أبرز المعطيَات التي ينبغي تسليطُ الضوء عليها هي أنّ  رحلَة الإسراء والمعراج هذهِ كانتْ ضروريّة للغاية لإحداث هزّة إيمانيّة قويّة وجرعَة تحفيزيّة لرجلٍ كان في عمقِ انهياراتهِ الانسانيّة وأمامَ مهمّة عسيرَة للغايَة ..

كانَ محمّد صلى الله عليهِ وسلّم يتعافَى مع قومهِ من بني مناف من حصارٍ طالَ ثلاث سنواتٍ أقدمتْ عليه قبائل قريش بتواطؤ مع قبائل العربِ اقتصادياً بعدم البيع والشّراء منهم واجتماعياً بعدم التزاوج منهِم ونفسياً بمقاطعتهِم في الحديث معهم أو التداخُل بهم حتّى انتشرتِ المجاعَة بين بني مناف المساندَة لرسالةِ ابنِهم محمّد حتّى سمع صراخُ الأطفال جوعا واشتدّ أنين النساء .. وما كانَ لتلكَ المحاصرَة أن تستمرّ لولا اللحمَة الأخلاقيّة والتعاضد الانسانيّ الذيْ ضربهُ بنو مناف يقودهم أبو طالب درساً تاريخياً لحمايَة محمّد الذي كانت رقبتهُ شرطاً أساسياً لإنهاء الحصار وانتصاراً لإيمانٍ راسخ بصدق الرسالةِ التي تستحقّ التضحيّة ..
كانَ محمّد يتعافَى من أثر ذلكَ وما أن انتهى الحصار حتّى قبضَ الله روح أبي طالب، العضد الاجتماعيَّ الذي كانَ صوناً وحمايةً لنبيّ البشريّة الذي كان حينها يؤسس لدين البشريّة من المربّع الأول .. لكنّ محمّد كان حينهَا على موعدٍ مع أكبر خساراتهِ العاطفيّة برحيلِ حبيبتهِ وأمّ أولاده التي كانتْ أول من آمنَ به .. هذا الانكسَار المؤلم يقدّم درساً حقيقياً يمكنُ أن نملأ بهِ الصفحاتِ والكتب حولَ قيمة المرأة ودورها في توفير الأمان النفسيّ والعاطفيّ لأعظم قادَة البشريّة.. المرأة الملهمَة التي معها وبرفقتها وبتشجيعٍ منها أعلن النبيّ وضع حجرِ الأساس لرسالَة تؤسس في أوج ازدهار وتمجيد دين الأصنام وعبادتها .. هذا الدافع الحسيّ القويّ الذي برحيلهِ كانَ محمّد في أقصى درجاتِ ضعفهِ الاجتماعيّ برحيل أبي طالب وتفنّن قريش بعدها في التنكيل به وأقصى درجاتِ ضعفهِ العاطفيّ برحيل الحبيبَة والملهمَة .. في ذلكَ الوقتِ أكثر من أيّ وقتٍ مضى كان محمّد بحاجَة إلى هزّة إيمانيّة كبرى وإعادة تركيب وتعزيز نفسيّ هائل ليخرجَ من مرحلة الضحيّة والضعف إلى مساحَة المقاومَة وإعادة ترتيب الأولويّات والأهداف .. هذهِ الهزّة التي احتاجهَا تاريخياً كلّ العظماء ليعيدُوا ترتيب أفكارهم وأولويّاتهم من أجل نجاح الرسالة التي ستغير معهُم شكلَ العالم ..
حكايَة الإسرَاء والمعراج بتجليّاتها وإضاءاتها لا ينبغي أن تسرَد لأطفالنا من تلكَ الليلَة التيْ سيهمزُ فيها جبريل قدمَ محمّد النائم في حجر الكعبَة فينتفض مرتينِ دون أن يبصرهُ وفي الثالثَة يحملُ جبريل محمّد من عضدهِ ليبدأ معهُ أعظم رحلةٍ عرفها التاريخ .. كمَا أنّها لا تمرّ مرور الكرام بوصولهِ إلى المسجد الأقصى ولكنْ بتعزيزنَا للحضور الانسانيّ والتاريخيّ العظيم الذي يمثّله الأقصى في عقليّة ووعي أطفالنَا وأجيال اليَوم الذينَ فقدوا تواصلهَم الإيمانيّ وتقديرهم للأقصى باعتبارهِ البقعَة الطاهرَة التيْ شكّلت الفاصل الزمكَانيّ لرحلَة لا يمكن للخيالِ البشريّ استيعابهَا
وأكثر من ذلكَ فإن صلاةَ محمّد مع من سبقهُ من الأنبياء هوَ رسالة كبرى إلى أنّ هذا الدين هو عبارَة عن تراكم أخلاقيّ وقيميّ ومعرفيّ وتاريخيّ لكلّ هذهِ الرسالاتِ التي لا ينبغي إلا أن تعامَل وَإن طالها التحريف -معَ أتباعِها ومعتنقيهَا- بكلّ المحبّة والتبجيل  التي نعاملَ بها ديننا الإسلاميّ ..
إنّ صلاة محمّد مع الرّسل هيَ صلاةُ قائدٍ مبتدئٍ يُهيّأ لحمل رسالةٍ مع قادةٍ متمرّسين .. ورغمَ أنّهم كانُوا على رأسِ رسالاتهِم السّماويّة إلا أنّ قبةً إلهيةً واحدةً جمعتهم وانشغلَ أتباعهم عقوداً وقروناً في التقاتلِ والتناحر مع أنّ قادتهم أسلموا معاً في أقصى درجاتِ الأبّهة وفخامَة التلاحم في صلاةٍ واحدَة أمام ربٍ واحدٍ هوَ مصدر هذهِ الرسالاتِ التي حرّفت أهدافُها وغاياتُها وأصبح لا همّ لأتباعها إلا كسرَ إيمانيّات أتباع الرسالاتِ الأخرى والنيلِ منهم..

اليومَ أكثرَ من أيّ يومٍ آخر نحتاجُ لتسويقِ حكايَات محمّد ومن سبقهُ منَ الأنبياء الذينَ قادُوا ثوراتِ ضدّ الوعيِ الجمعيّ وأنماط التفكير الواحدَة والقالبِ الواحد ليحدثُوا التغيير..

بحاجةٍ اليوم نحنُ إلى أن نسأل أنفسنَا عن أصالة فكرَة القيم والثوابتِ التي نصرّ عليها اليوم فهؤلاء الأنبياء لم يكونُوا ليغيّروا مسارات أممهم لو استسلمُوا لثوابِتهم وعادَات أقوامهم ..
لو استسلمَ نوحٌ لوعيِ قومهِ الجمعيّ لما بنى أكبر سفينةٍ في التاريخِ بيدي رجلٍ واحد .. لوِ استسلمَ موسى لوعيِ قومهِ الجمعيّ لما هزّ عرش أكبر طغاةِ التاريخ .. لو استسلم ابراهيمُ لثوابتِ أبيهِ وقومهِ لما كسرَ الأصنامَ وخرجَ وحيداً في الصّحراء تاركاً زوجتهُ التي ستسعى أقوامٌ حتى قيام السّاعة بشعائرَ تحذو حذوهَا بينَ الصفا والمروَة وتدور أقوامٌ حولَ الكعبَة التي لو لم يثُر ابراهيم على أفكارِ قومهِ لما كانتْ ..

احتفلُوا اليوم بذكرى الإسراء والمعراجِ اليوم معَ أطفالكم بطريقَة مغايرَة وفكّروا معهم في القيمِ التي تسوّقها القصّة واندهشُوا معهُم في استكشَاف ما غابَ عنكم من المعاني الساميَة التيْ تضمّنتها أعظم هديّة يمكنُ أن يُكافَئ بها بشريّ .. هديّة تليقُ بمنْ لولاهُ لما نجحَت أعظمُ ثوراتِ البشريّة وأكثرها إلهاماً ..

اللهمّ بلغنَا تحريرَ مسجدكَ المكرّم من أيدي المحتلّين وحرّرنا من عبوديّة الفكرَة الواحدَة والأنماط الواحدَة والأسماء الواحدَة إلى حريّة الاجتهاد والتقصي والتفكّر في ملكوتِ رحمتك ..

الصّلاةُ والسّلام عليكَ يا حبيبي محمّد .. يا إمام المستضعفِين ويا سيّد الملهمِين .. ويا أجمَل معلّمي الاختلاف بالحبّ والحكمَة التي ما أحوجنَا .. ما أحوجنَا إليها اليَوم.

http://ayshaalsaifi.blogspot.com/2016/05/blog-post.html?m=1

هناك 3 تعليقات:

  1. حلو المقال بس ما عجبني شي واحد فيه
    انه ما محترم الرسول صلى الله عليه وسلم .. كإسم .. المفروض في كل المقال يعيد ويزيد ويكرر كلمة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ..
    عوين في كل المقال يوم تقرأ كنك تحس المذكور هناك بجلوحية تامة كنك تنادي عالبنجالي في المزرعة! ! المقال جميل ولكن يجب احترام سيد البشرية ..الله يحذرنا في كتابه الكريم لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا !!

    ردحذف
  2. اضم صوتي لصوتك استاذي العزيز.. فلا يجب بأي حال من الأحوال أن نستسهل ذكر المصطفى عليه الصلاة والسلام ومن المفروض عدم ذكر اسمه مجرد...
    ملحوظة: الإنتقاد لا يعني التقليل من حجم وروعة المقال..

    ردحذف
  3. كان عليه افضل الصلاة و السلام يقول عن نفسه : إنما انا ابن امرأة كانت تأكل القديد،، و كان يكره ان يُعامل كما يُعامل الملوك،، عاش ليردد الناس كلمة الحق و ليمارسوا قيم الحرية و العدل،،

    ردحذف