الأحد، 21 أكتوبر 2018

عنِ التّعليم ، وَحريَّة التعبير والشرَاكَة المجتمعيَّة ..


قرَاءَة في مقتَل صَحَفي.. ضمنَ السيَاقاتِ الأوسَع: المسوّغات والنتائج

قبلَ يَوم، حَضَرتُ ورشَة عمَلٍ حولَ (التعليم، التنميَة والسيَاسات) في لندَن. أثِيرَتْ عدّة أسئلةٍ في الورشَة يتعلّق أغلبهَا بأهداف التنميَة المستدامة للأمم المتحدَة.. لكنّ سؤالاً طرحَ في الورشَةِ أثَار انتباهي هوَ كيفَ بالإمكان بنَاء أنظمَة تحترِم الحريَّات وعلى رأسها حريّة التعبير، وتقدّر الشرَاكة المجتمعيّة في وضعِ سياسَات الدولة ، والمساءَلة الشعبيّة لأدَاء الحكومة.. الإجَابَة كانتْ كلّها وَاحِدَة: التّعليم.. وبينمَا قالَ البعض أنّه يبدأ من العائلة إلا أنّ الحضُور اتفقَ أنّ التعليم يتفوَّق حتّى على العَائلة ..
عقبتُ وقتَها على حدِيثهم بأنّ ذلك يبدَأ من الحضَانة حتّى قبلَ دخُولِ المدرسَة.. أتذكّرُ أنني عندمَا كنتُ أطَّلعُ على ملاحظَات حضانَة ابنتِي في هُولندا كانَ من ضمنهَا تعليم الأطفال الوُضوح في إبدَاء مشاعِرهم، والجرأة في إبدَاء آرائِهم أمام وَالديهم.. كانتِ المربيّة تعلّم طفلتي: عندما تكُونين سعيدَة أظهِري مشاعِركِ أمام والديكِ، عندمَا تحبطين لا تخبئي مشاعِرك، كوني واضحَة في آرائك ومواقِفكِ ولا تشعِري بالخوف..

إنّهم يعلّمون الأطفال منذ سنّ الحضَانة الشجَاعة في إبدَاء مشاعِرهم وآرائهم أمام السلطَة الأبويَّة.. وعلَى السلطَة الأبويّة أن تحترمَ ذلك وتناقش الطفل بالمنطِق لا بالكبت والترهِيب..

قبلَ أيَّام أخبرني زميلُ عملٍ سابقٍ قادم من دولَة تقمَع الحريَّات ولكنّ حُسنَ ظنهِ قادهُ للزواج والاستقرار في المملكة المتحدة وهكذَا فقد اختبَر الرجل فارقَ التفكير بينَ البيئة التي نشأ فيهَا والبيئة التي ينشأ فيهَا اليومَ ابنهُ ابنُ العاشرَة..
يقولُ لي إنّهم يعلّمونهم حقُوقهم منذ الصفّ الأوّل..

- من حقِّكَ على الحكومَة أن تنعَم بهوَاء نظيفٍ.. إن لم تفعلْ ذلكَ فعليكَ مساءَلتها
- من حقّك أن تكونَ لديكَ حديقَة في حيِّك ومساحَة خضرَاء تلعبُ فيهَا مع أقرانِك.. إذا لم تتوفّر فعليكَ مساءلَة عمدَة المدينة
- من حقِّكَ مسَاءلة الدولَة في سيَاساتها وقوَانينها لأنّها وضعتْ لتنظّم حيَاتك فإذا ضرَّت حيَاتك فمنْ حقِّك مساءلَتها في أيّ قانون يلحقُ بمصلحَتك الضرر..
- ليسَ من حقِّ أيّ أحدٍ مساءلتكَ في معتقدِكَ.. إنّ أيّ معتقدٍ لا يضرّ بالمصلحَةِ العامّة هوَ شأنٌ شخصيّ
- إذا تعرَّضتَ للضرب والأذَى فإنّ على الدولَةِ حمَايتك حتّى من عائلتكَ نفسهَا
- إنّ مصلحَة الدولة هيَ مصلحتكَ طالمَا قدّمت لكَ الأمن والعدَالة ومتطلبَات العيش الكَريمة وعندمَا تنتفي هذهِ الأساسيَّات فمنْ حقّك محَاسبَة الدّولة

 عندمَا تُغرَسُ مثل هذهِ المبادئ وتلقّن تلقيناً في وعيِ جيلٍ طوَال 12 عَاماً فلا يُمكنُ للأسرَة ولا أيّ مؤثر آخر أن يمنعَ الموَاطن من حريَّة التعبيرِ عن الرأي، ومساءلَة حكومَته عندمَا تخطئ..

هنَا تكمُنُ المشكِلة: لقدْ تمّ تلقين الشعُوب العربيَّة التابعَة للأنظمَة عامّة وللأنظمَة المتوارثَة على وجهٍ خاصّ .. أنّها فوقَ المحَاسبة وأنّ الوطَن يختصَر في شخصِ الحَاكم وأنّ الحَاكم يملكُ الوطَن.. وأسوَأ من كلّ ذلك فقد تمّ زرع منطِق الحُكم الأبويّ في عقليّتها الجمعيَّة.. بمعنَى أنّ طَاعة وليّ الأمر واجبَة ومسَاءلته ممنوعة تماماً كما يتعففُ الابنُ عنْ مسَاءلَة وَالده في تسييرهِ لشؤُون المنزل وإدارتهِ الماليّة وإلا كَانَ عاقاً..

كيفَ إذنْ يجرُؤُ صحفيٌ علَى مسَاءَلةِ الحَاكم؟ إنّهُ ببسَاطَة يسَائلُ السلطَة الأبويَّة في "إدَارتها لشيءٍ من أشيَائها" فالوَطنُ كلُّهُ لها.. والخَير الذي يتمتّعُ بهِ الموَاطِنُ هوَ من النّعم التي يبسِطها الحَاكم على شعبهِ..

في هذَا السيَاق أتذكّرُ مجدداً النموذج الهُولندي. عندمَا كنتُ مرةُ مع مجموعةٍ من الأصدقاء الهولنديين الذينَ تتراوحُ أعمارهم بينَ العشرين والثلاثين: ما الذي يعنيهِ المَلِكُ لكم؟ هل تحبونهُ؟ هل أنتُم مرتبطين عاطفياً به؟ وما الذي تعنيهِ لكم الأسرَة الحَاكمة؟
وقد أجمَعُوا أنهُم لا يشعرُون بأي عاطفَة تجَاه الملك.. وأنّه بالنسبَة لهم يمثّل رمز الملكيَّة الهولنديَّة ويرَعى مصَالح الشعب.. قالَ لي أحدهم وهوَ يرفعُ كتفيه: إنّه بالنسبَةِ لي ملك وفقَط.. إنهُ لا يعنيني طالمَا كانتْ حقوقي واضحَة على هذهِ الأرضِ وواجبَاتي كذلك..

عندمَا تتخلَّص الشعُوب من الحوَاجز العاطفيَّة التي تحجُب عنها رصَانة النقدِ السّليم والمنطقي لحكُوماتها ، فإنّها ستستطيعُ وقتَها بنَاء منظُومة تسَائل الدّولة ، وتدَافعُ عن حقوقِها وتعبرُ عن رأيِها.. والأهمّ من كلّ ذلك فإن الحكُومات ستتعلَّمُ احترَام ذكَاء شعُوبها وعدَم استغفَالهم وعدَم التَعامل معهُم "كشيءٍ مضمُون".. أمّا عندمَا تصبِحُ مساءَلة الشعب للدولَة خروجاً على طَاعَةِ وليِّ الأمر ، فلا نستغربُ حينهَا أن ينتَهي أمرُ أيّ صحفيٍ يسائلُ الحَاكم في "شيءٍ" من أشيائهِ (شيءٌ اسمهُ الوَطن بالمنَاسبة) ويقومَ العالمُ على عقبيهِ إلا أبنَاء بلدهِ ..

نسيتُ أن أقولَ لكُم.. أنّ الورشَة بدَأت باعتلاءِ أحدهم المنبر وقرَاءة أبيات للشَاعرِ الهنديّ طاغور يختصرُ فيهَا منطِق التعليم متمثلاً في المعرفَة ومؤسساً للحريّة.. يقولُ فيها:

"عندمَا لا تختلطُ المعرفَة بالخوف، تُرفَعُ الرُؤوس للأعلى. هنالكَ حيثُ المعرفةُ حرةٌ.. حيثُ لا يجزأ العَالَم إلى قطَعٍ صغيرة منفصِلَة، حيثُ لا يطمَسُ العقلُ في الصحرَاءِ المجدبَة ، وإنما يتحررُ من الجَهلِ، وتخرجُ الكلماتُ منْ عمقِ الحقيقَة إنهُ حينهَا ينعمُ بالحريَّة.. يا أبتِ دَعْ وطَني يستَيقظ"..

تصبِحين على خيرٍ أيتهَا المَعرفة.. تصبِحينَ على خيرٍ أيتهَا الحُريَّة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق