الثلاثاء، 18 مايو، 2010

عنِ المجتمَعِ وصنَاعة الغبَاء ! /ردُهات

عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com

يتحدَّثُ ديلْ كارنيجي الأشهرُ عالمياً في علمِ البرمجَة العصبيّة أنّ كمَا لصنَاعة الذكاءِ فنٌ فلصنَاعة الغباءِ أيضاً فنّها الخاصّ . . ويضربُ بذلكَ مثالاً ما فعَلتهُ الدولُ الاستعماريّة التيْ كانت في الأغلبِ تشنُّ باسمِ "الرجل الأبيض" أو الشعوبِ ذاتِ البشرَة البيضَاء في احتلالها لدولٍ أخرَى حينَ استطَاعت توطِيد فكرَة ستعيشُ عليها تلكَ الشعُوب لسنوَاتٍ طويلةٍ جداً عليها وهوَ الشعُور بالدونيَّة الدائمَة أمام المحتلّ حتّى بعد رحيلهِ وانتهاء كابوسهِ أو بمعنَى آخر اعتبَاره جنساً أرقَى منْ جنس الشَعبِ الذي تمّ احتلالهُ ، فكرَة وإن رفضتهَا تلك الشعُوب علناً إلا أنّها ستظل في داخلها تتصرّف لا تلقائياً بعبُوديَّة كاملَة للمحتلِّ . .

حدثَ ذلكَ فيْ إحدَى مطاعم الأكلاتِ السريعةِ المشهُورة وفيمَا كانَ الناسُ يصطفُونَ في طابُورٍ طويلٍ على "كاونتر واحد" لصّرف الوجبَةِ . . دخلَ مجمُوعةٌ من الأجَانبِ ذوي البشرَةِ البيضاء إلى المطعَم وما أن رآهُم رئيس فرعِ ذلك المطعَم وكَانَ آسيوياً حتّى هبّ واقفاً ليفتح "كاونتر" آخر ويقُوم بمحاسبتهِم!

لمْ يكُن يعرفُهُم . . ولكنّه بنزعتهِ هبّ واقفاً لخدمتهِم دوناً عن الكلّ . . ترَى لوْ كانَ من دخلُوا من شعُوبِ ذوي البشرَة السّمراء أكان حدثَ ما حدث؟

فيْ إحدَى محلاتِ السيتيْ سنتَر وفيمَا كنتُ أستفسرُ العاملَة التيْ بالمحل عن إحدى المنتجاتِ وجدتُها تنسحبُ تلقائياً وتتحوّل إلى زوجَين أجنبيين دخلا المحلّ . . ظلّت بجانبهما لا تفارقهمَا ! وتعرضُ عليهما ذاك العطرَ وذاك! حتّى أنها رافقتهمَا إلى أن غادرا المحلّ . . كنتُ أحدّق إلى كلّ ما يحدثُ وأتساءلُ: لماذا؟

يكملُ كارنيجيْ قولهُ بأنّ صنَاعة الغباءِ هوَ برمجَتنا على فعلِ شيءٍ دونَ أن نستفسرَ عنهُ . . وهذهِ مصيبَة خاصّة على المستوَى الدينيّ !

أذكرُ أني تابعتُ عن كثبٍ إحدَى المحاوراتِ التيْ جرتْ بينَ مسلمِين وأجانب تعقيباً على فيديُو مسيءٍ للإسلام نشرَ في اليُوتيوب واحتلّ أعلَى نسبَة مشاهدَة لأسَابيع. .

كانَ بعض الأجانبِ –ومن الواضح أنّهم قرؤوا كثيراً عن الإسلام أو عايشُوا مسلمين لأمدٍ بعِيد- لماذا تصلُون 4 ركعَات ظهراً و3 ركعات في المغرب؟ ما الفَرق؟ ولماذا تصُومُون لشهرٍ واحدٍ وليسَ لشهرين أو نصف شهْر؟

كانُوا يسألونَ عن مغزَى كلّ حركَة من حركَات الصلاة! لماذا البدء في الوقُوف ثمّ الركُوع ثمّ السجُودِ ثمّ الجلُوسِ وليس العَكس؟

الحقيقَة أني كنتُ مندهشَة ً تماماً من دقّتهم وتساءلتُ لماذا وأنا أتخطّى العشرينَ لا أعرفُ أيّ إجابةٍ على ما سبق! بل إنّه لم يثرنيْ مطلقاً أن أتساءلَ هكذا تساؤلات! رغمَ أني أصلّي كل يومٍ 5 صلواتٍ وأصومُ شهراً كلّ عام !

هذا تماماً ما أعنيهِ . . أنْ نعيشَ وفقَ نمطٍ معيّن ونعتَاده ونرفضَ ما سوَاه ولا نتسَاءل يوماً عن ماهِيَتهِ؟

أتجوّل في الشوَارع والمحلاتِ التجاريّة وأصادفُ فتياتٍ يرتدينَ عباءاتٍ غريبَة ! لماذا ترتديْ فتاة ٌ عباءةً ترتفعُ لتكشفَ النصفَ الأسفلَ كاملاً من كتفها؟

أو فتاة ٌ أخرَى ترتديْ عباءةً مفتوحَةً بينمَا تلبسُ داخلَ العباءَة بنطالاً قصيراً يكشفَ عن أسفلِ ساقيهَا "الملمعتَين" جيّداً في الصالُون !

ولو أنّك سألتَ هذهِ الفتيَات هل بالإمكانِ أن يخرجنَ من البيتِ بلا عباءةٍ لأجبنكَ لا . . لأنّه عيب!

وما مغزَى أن أصادفَ البارحة فيْ حديقةٍ عامٍ فتاةً محجّبة ولكنّها ترتديْ قميصَاً من الشَبكِ يكشفُ عن كتفهَا كاملاً؟

مقالٌ جميلٌ قرأتهُ قبلَ أمدٍ لنارت اسمَاعيل يتحدّثُ فيهِ عن دور التربيّة في برمجَة سلُوك الفرد الذيْ يتحوّل إلى كائنٍ لا يفكّر وإنّما ينفّذ ما يمليهِ الخارجُ عليهِ . .

إنّ من أكبَر نتاجاتِ الغباءِ هوَ ما يسمّى العُرف العامّ الذيْ بموجبهِ فإنّ على المرءِ أن يتّبع من الألفِ إلى الياءِ ما تمليهِ عليهِ تقاليدُ الخارجِ بصرفِ النظرِ عن تقبلهِ هوَ لهَا أو رفضهِ . . لا أحَد يدعُو إلى مصادمَة جوِّ أي مجتمعِ بقدرِ ممارسَةِ أعرافهِ بطريقَة عقلانيّة يعرفُ كلّ امرئٍ لماذا يفعلُ هذا وذَاك !

ليسَ على المستوَى الاجتماعيّ فحَسب بلْ على مستوَى الدِين نفسهِ . . يخرجُ منّا الفردُ وهوَ يقدّس الاسم الفلانيّ والاسم الفلانيّ من شيُوخ المذهب الذيْ ينتميْ إليهِ ! ليسَ لهُ الحقّ في الاعتراض على أيّ من كتاباتهِم الدينيّة أو فتاواهم ! يتحوّل من تبعيَّة الدينِ لتبعيّة شيُوخ المذهبِ الذي ينتميْ إليهِ . . وهكذَا ينشأ هوَ ومن ثمّ أولاده وما يليهِ من أحفاد !

مشاكلنَا تتضاعفُ كلّ يومٍ بسببِ عجزنَا عن الوقُوف للحظَة واحدة ومجابهَة كلّ ما سنّه السابقُون بفكرٍ أكثَر وعياً . .

هاتفتنيْ صديقتيْ وهيَ تخبرنيْ بعقدِ قرَانِ أخيهَا . . سكتتْ قليلاً ثمّ قالتْ ليْ : طلبُوا منّا 7 آلاف ريالٍ مهراً مع جهَاز الملكَة الذي يقتربُ للألفِ ! قالتْ ليْ أنّ أمّ الفتاةِ قالتْ أنّها زوّجت بناتها بهذا المهرِ وهكذا ستزوّج ابنتها تلكَ ! سألتُها: وما كانتْ ردّة فعلِ أخيكِ! أجابتنيْ: شو بعد بنقول! فضيحَة نجلس ننقص المهر ! اقترضَ من بعض المقربينِ ودفعَ إلى عائلة الفتاة مهرهَا !

يدهشنيْ بالفعلِ اعتبَار مناقشَة أهل الفتاة في المهرِ المشترطِ عيباً ! أو مساً برجُولتهِ "والشحطة" التيْ يبديها فهوَ على وشكِ قرَان! وبياض الوجهِ أمام عائلة الفتاةِ أساسيّ .. إذا لم يكنْ بإمكان الرجل توفير ذلك المهر فأيّهما أفضّل أن يقترضَ لتشتريْ الفتاةُ بما اقترضهُ ملابسَ وماكيَاج وحليّاً؟ ويقعَ هو في الديُون! ألن يكونَ ذلكَ زوجها!

لا يوجَدُ إنقاصٌ في رجُولَة أيّ رجلٍ حينَ يرفضُ مبدأ وحينَ يقال: لا مجالَ للتراجِع فقد خطبها وتمّ الأمرُ !

أنا أعتقدُ أنّها مسألةُ مبدأ . . وعلى الرجلِ أن يعبّر عن مبدئهِ! أليسَ ضرباً من ضرُوب الاحتيَال أنْ يتمّ مفاجأة الرجل بالأمر الواقع . . عليك أن تدفع كيتَ وكيت من المال وإلا فلا زوَاج!

ولماذا لا يفعلهَا الرجالُ فعلاً ! أن يتراجعُوا عن الإقدَام على زيجَةٍ تبدأ منذ البدَاية بمصّ كل قرش من جيبهِ! ما هذهِ التسلقيَّة الغريبَة والطمَع غير المبرر! كيفَ يصاهرُ رجلٌ عائلة ً لا يهمهَا أن يقعَ في الدَين فالمهمّ أن تترَس ابنتهم "دولابها" بالمجوهرَات ويشربَ هوَ من البَحر!

مفاهِيم غريبَة للغايَة تزرَع داخلنَا عبرَ المجتمع وعبرَ عوَامل خارجيَّة كثيرَة نسخَّرُ نحنُ تحتَ طائلتها ونحملُ إثمَ من سبقُونها وإثمَ من سيلحقُوننا !

إنّها صنَاعة الغباءِ فعلاً ! أن تتحوَّل إلى آلَة يُملَى عليها ما تفعَل لا مجَال للنقاش ولا حوَار . . عقولٌ مبرمجَة تعملُ بشكلٍ الكترونيّ دونَ تفكِير . . وفي مقدّمتها زرٌ أحمَر كبير كتبَ عليهَا كلمَة (عَيب) يُمنع المسَاس بهِ !

هناك 8 تعليقات:

  1. بالفعل أحيانا أشعر بأننا ندور في حلقة مفرغة وراء ترهات الغباء ؟!
    الأمر بحاجة لجهد كبير ، بحاجة للخروج من المرعى وقول لا للكثير من التفاهات التي تحت طائلة العرف وأحيانا تصل إلى الدين نجبر على الإنقياد خلفها .
    عاطر الود على هذه الإضاءة المهمه .
    مريم

    ردحذف
  2. السلام عليكم أخيتي عائشة ,,,
    جميل بما جااد به قلمك ها هنا ,,, موضوع جميل عن تجمد الفكر وعدم تشغيله ,, في مجتمعاتنا العديداو يكاد الاغلب يطبق ما يملى عليه سواء كان هذا التطبيق نظرا للمرئوسية او للعادات والتقاليد ,, اما بالنسبة للدين فهناك مسلمات لا يمكننا النقاش فيها ,,,,
    يجب علينا ان نستغل عقولنا ونناقش ما يقال لنا ,, هكذا هي الحياة ...
    شكراا لك

    ردحذف
  3. "شيئان لا حدود لهما تمدد الكون وغباء الانسان "
    انشتاين

    ردحذف
  4. جميل ما خطت انملك اختي عائيشة

    جميل ان نقراء لكارنجي والاجمل قراءتنا لفكره

    الاعراف الكثيرة للاسف مسيرة للمجتمع ومن وقف في وجهها وقف المجمتع في وجهه - هذا واقع الا من رحم ربك

    حتى صلواتنا الخمس معظمنا يؤاديها لا يفقه ما قال او ماذا عمل او لماذا عمل

    بالامس كنت اصلي المغرب ولفت انتباهي وجود جنازة بالمسجد
    بعد الصلاة حمل الجميع الجنازة للمقبرة ولفت انتباهي ان الجميع لا يعرفون آداب الجنازة ولكن يسمعون ويشاهدون ويقلدون
    الا من رحم ربك

    دمتم بدون غباء

    ردحذف
  5. being an arab means one of two:
    either u r an idiot
    or in the best situations, a smart idiot

    ردحذف
  6. لقد شدني في هذا المقال جرأة الكاتبة على انتقاد الوسط التي تعيش فيه تابي اخيتي نتشوق لقرائت جديدك

    ردحذف
  7. غبي يتكلم عن الغباء!

    مصيبه

    ردحذف
  8. السَّلامُ عليكُمْ !


    يجبرني هذا المقالُ ان اسأل نفسي .. لماذا أعيش ؟!

    سأسألُ نفسي أسئِلة لم تخطر عليها أبداً !!



    مقالٌ يؤدِّبُ العشوائية التي نعيش فيها !


    شكراً عائِشتنا

    ردحذف