الأربعاء، 24 مارس، 2010

العمّ أحمَد . . آخر سلالَة الطيّبين /ردُهات


عائشَة السيفيّ

ufuq4ever@yahoo.com



كلّما التقيتهُ صدفة ً في الطريق . . يمشيْ بتأنّيهِ الهادئ.. بلحيتهِ المُرسلَة والبيضاءِ تماماً .. بفمهِ الذي يتحرّك بخفّة وبصوتٍ غير مسمُوع بالتسبيحِ

فكّرتُ: يا ترَى فيمَ يفكّرُ هذا الرّجلُ؟

أصادفهُ في كثير من الأحيان وأنا أركبُ السيّارة ذاهباً في الأغلبِ إلى الصلاة ِ في جامعِ السّلطان قابوس القريب منّا أو عائداً منها.. ولا أملكُ إلا أن أبتسمُ حينَ ألمحهُ أحياناً يوبّخ أصحَاب المحلاّت في السوق منادياً إيّاهم إلى الصلاة ورافعاً صوتهُ بقولهِ سبحَانهِ : " "يا أيّها الذينَ آمنُوا لا تلهِكُمْ أموَالكُمْ وَلا أولادُكمْ عنْ ذكرِ اللهِ ومنْ يَفعَلْ ذلكَ فأولئكَ همُ الخَاسِرُون" (9 المنافقون)

معرفتيْ بالعَمّ أحمَد تمتدّ لمدة بعيدَة منذُ أبصرتُ النّور.. أعرفهُ جيّداً وأولاده واحداً واحداً وتجمعنيْ ببناتهِ معرفة ٌ كبيرَة رسّختها العشرَة الطويلة..

كنتُ أذهبُ مع ابنتهِ دائماً لنحلّ واجباتنا سوياً .. وحينها كنتُ أستمتعُ بصوتهِ وهوَ يعلُو في درسهِ الدينيّ اليوميّ الذي يقيمهُ مع مجمُوعة من الشبابِ المهتمين بالقراءة .. كانَ أغلب نقاشهم دينياً بحتاً مطعماً بالقضايا المعاصرَة.. منع الحجَاب في بعضِ الدول الغربيّة، حرب العِراق.. أسعَار النّفط ..

كانو يقرؤون كلّ يومٍ كتاباً ويناقشُونهُ .. تارة ً كتب العلامّة اطفيّش وتارةً كتب الشّيخ أحمد الخليلي .. وتارة ً كتب سيّد قطب ..

كانَ ذلكَ منذ زمنٍ بعيد .. مرّت عشرُ سنوَات أو تزيد وعاماً بعدَ عامٍ كانَ كلّ شابٍ ينشغلُ بحياتهِ .. يقلّون تارة ً ويزيدُون في لياليْ رمضَان .. إلا أنّ العَم أحمَد الذي أعرف ظلّ كما هو .. في نفس الوقت بصحبَة أحدٍ أو وحيداً .. يمسكُ كتابه ويقرأ .. فإنْ حضرَ أحدٌ جلستهُ علا صَوتُ العَمّ أحمد بالنقاش.. وإن لم يحضر أحد.. انكبّ قارئاً كتاباً .. وحيداً في جلستهِ سوَى من الصّمت ..

طالمَا اشتكتْ لي ابنتهُ بهوسهِ الشديد بالتبرع ومساعدَة النّاس وكانتْ تقول: إنْ أفلس أحدٌ من الصدقَة فهوَ والديْ .. وكنتُ أقولُ لها: نعْم الإفلاس إذن ..

كلّما هلّ رمضَانٌ تقاطر الناسُ إلى بيتِ العَمّ أحمد الذي اعتاد أن يتعاقد كلّ عامٍ مع إحدى محلات الموادّ الغذائيّة .. يعدّ قائمة ً بأسماء العائلاتِ المحتاجة ويضمّها للقائمة ويأتي إليهم أو يبعث لهم بأنْ يتوجّهوا للمحلّ الفلاني ليشترُوا ما يلزمهُم من غذاءِ رمضَان ..

ولكمْ أن تتخيّلوا كيفَ يكونُ الحال.. يأتي إليهِ أناسٌ من نزوَى وخارجها.. نساءٌ شاباتٌ .. ورجالٌ مسنُون .. ولا يتوقّف رنينُ الجرس في بيتهِ..

لا يعرفُ أحدٌ إن كانوا محتاجينَ أم لا .. إلا أنّ العَم أحمَد لا يردّهم أبداً وإن كانَ مبلغُ ردّه لهُم بأن يدسّ بضع أوراقٍ ماليّة في جيبهِم .. ويدعو الله أن ييسّر عليهم..

علّم العم أحمَد أبناءَه : إيّاكُم وردّ سائل.. لا تردّوهُ ولو بمائَة بيسَة .. فلعلّ اللهَ بفضل مائة بيسَة أنقذكم من مصيبَة لا قِبل لكم بهَا

فيْ إحدَى جلساتِ ثرثَرة النسَاء لدينا في نزوَى .. همسَتْ امرأة لصاحباتها: هلْ تظنُون أنّه يوزّع هذه الصدقاتِ من نقودهِ؟ هذهِ النقود يموّلونها لهُ منْ (......... ) وذكرتْ إحدى المؤسسات الحكوميّة الكبيرَة التيْ تشتهر بمنحها الماليّة لبعض العوائل..

ابتسمتُ كثيراً وأنا أفكّر.. يا حظنا إن كانُوا يموّلون مشاريع الصدقات حكُومياً !!!

آخرُ رمضَان مضَى .. تعدّتْ تكاليفُ الصَدقة ما يملكهُ العمّ أحمَد فاضطرّ للاقتراضِ حتّى لا يردّ أياً ممن أتوهُ طالبين الصدقَة . .

ما دعَا أبناءهُ للتذمّر من أنّ الله لم يأمرْ بالصدقَة حتّى يبلغ حال المرء ليقترض ليتصدّق .. فكانَ ردّ العم أحمَد سريعاً : ما ذهبَ في وجهِ الله ضاعفهُ الله لهُ!

يمرّ المرءُ على بيتهِ فيجدُ فيه مبلغَ البساطة .. يعيشُ وعائلتهُ حياة ً مستُورَة.. لا تبدو عليها أيّ مظاهر فخَامة أو ثراء..

آخرُ ما فعلهُ هوَ بناؤهُ لمدرسَة قرآن لتعليم الأطفَال الصغَار.. وقتهَا حاوَلَ كثيرُون إقناعهُ أن هناكَ مدارس قرآن كفايَة في نزوَى،وأنّ الخشيَة أن ينتهيْ بها إلى الإغلاق..

لكنّه أصرّ على بنائها .. وحينَ انتهَى منها.. افتتحتِ المدرسَة لعدّة أشهُر غير أنّها أغلقتْ لاحقاً لعدمِ توفّر من يمنحُ معلّمة القرآن راتباً شهرياً لتعليم الأطفال..

آخرُ عهديْ بهِ .. كانَ حينَ قرّر أن يبنيْ مسجداً فيْ زنجبَار لأنّ أحدهم جاء إليهِ يشكُو عدم توفّر المساجدِ في زنجبار..

كانَ ذلكَ الرجلُ يأتي بشكلٍ دوريٍ للعم أحمد ليُريهِ صوراً لمراحل بناء المسجد..

أذكرُ حينها تعليق ابنتهِ أمامي وهي تقولُ: لا أحد يدريْ إن كانَ هذا المسجدُ فعلا يُبنى أم أنّ الأمرَ كلّه عمليّة احتيال ! قلتُ لها: لا بأس.. هو أحسنَ النيّة بأنّ ثمّة مسجداً يُبنَى هناكَ وسيعطيهِ اللهُ على ما نوَى..

كثيراً ما كانَ العمّ أحمد محلّ جدلٍ بينَ النَاس كان آخر ذلك حينَ قرر توسعَة شارعٍ ضيقٍ جداً في حلّتنا وشراء جزءٍ من الأراضي المجاورة لهُ ، وخلالَ أشهرٍ تحوّل ذلك الشارع من طريقٍ لا يكادُ يكفيْ سيّارة للعبور لجهة واحدة إلى طريقٍ يكفيْ سيّارتين ويزيد ..

كلّما مررتُ عليهِ وَبرفقتيْ أحدٌ وهوَ يمشيْ بوقارهِ العجيب.. كنتُ أشيرُ إليهِ وأقول: هذا آخرُ سلالَة الطيبين ..

ليسَ ما يميّز العم أحمد أفعالهُ الخيريّة بل فعلهُ ذلكَ بدون "دَوشة" وصخَب المتفاخرين.. تراهُ نوَى على عملِ خير وفي اليوم التالي رأيتهُ يعملُ عليهِ..

لطالمَا كانَ وعائلتهُ –رغم كلّ ما يقدّمهُ من خيرٍ- موضعَ حسدِ النّاس ..

فأبناؤهُ جميعاً بلا استثناءٍ يحملُون شهاداتٍ ما بينَ البكالوريوس والماجستير.. ما بينَ مهندسٍ وطبيبٍ واقتصاديّ .. لم يضطرّ يوماً ليدفعَ فلساً لتعليم أحدِ أبنائه فجميعهم خرجُوا بأعلى النِسَب.. ولطالما كان الناس يتساءلونَ عن سرّ ذلك..

كانتْ أمي تقولُ عنه دائماً .. بأنّ السرّ أنّ الله يكافئ المرءَ على أعمالهِ في ذريّتهِ .. فلعلّ العمّ أحمد لا يعرفُ أن تفوّق أبنائهِ هوَ ما كافأه الله على حبّهِ للخير..

ليسَ العم أحمَد قادماً من كوكبٍ آخر.. هو يعيشُ بيننا ويحيا .. لعلّه لا يقرأ الجرائد ولا يشاهد التلفزيُون .. لكنّهُ أكثر وعياً بالمجتمع من أكثرنا علماً وأعلانا شهَاداتٍ .. لا يجيدُ القيادة .. ولا يملكُ سيّارة فارهَة .. لأنّه يؤمن أن المظاهر تذهب وأنّ الناس تملّ المظاهر حينَ تتكرّر .. لكنّه يعرفُ تماماً.. أن المجتمع ومساعَدته فوقَ المظاهر .. لا ينتظرُ مديحاً ولا إطراءً .. لأنهُ يعيشُ في رضا وسلامٍ داخليٍ لا يملكُه أثرَى أثريائنا وهواميرنا الذي يتشجؤون الريالات ولا يرَى منهُم المجتمعُ صدقة ً ولو بشقّ تمرَة !


هناك 5 تعليقات:

  1. قال تعالى {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}

    سنكون كلنا العم احمد .. وانما الاعمال بالنيات

    ردحذف
  2. الأخت عائشة السيفي
    مقالك رائع بأسلوبه وطرحه لقضية إجتماعية هامة من خلال حياة العم أحمد ... وأتفق معك بأنه ليس هناك ضرورة في أن نفهم كل نواحي عمل الخير لكي نقوم به ... فالبساطة والنظر بإيجابية للفعل قد تكون كافية أحيانا لإسعادنا وإسعاد الآخرين.
    أعجبتني الفقرة الأخيرة من المقال بأن العم أحمد أكثر وعيا بالمجتمع من آخرين أكثر علما واعلى شهادات ... رغم أني لا أتفق مع ذلك لأنها مقولة نسبية لذا فهي قد تحمل احيانا نوع من الحقيقة حيث ليس بالضرورة الشهادات العليا تعني فهم أعمق للمجتمع بل قد يكون ابتعاد عن المجتمع وقضاياه.

    شكرا على المقال ... وبالتوفيق
    سيف الجهوري

    ردحذف
  3. مـا أجمـلَ العمَّ أحـمـد ..!!
    نـادِرونَ هـُم أمـثالـهُ وقلائلٌ جدًّا
    يبقـى العمُّ أحمد شخصيّةً نادِرةً وفريدةً في المُجتمع الذي يحرِصُ أغنياؤهُ على إخفاءِ قروشهم عن عيونِ الناس من البخل الذي يفشَّى في أجسادِهـم ..!!

    كم أحببتُه دون أن أراه ..!!

    عسى الله أن يمدَّه بالعمرِ المديد ويرزقـه كل خير ..

    عائشة .. كوني بخير

    ردحذف
  4. السلام عليكم

    مقال رائع جدا عن العم أحمد
    تمنيت لو أنني من نزوى و كنت قريبا منه
    لمناقشته و التزود من علمه و طيبته
    أتفق مع الناس و مع ابنائه
    (و لا تبسطها كل البسط )
    و لكن الله سبحانه و تعالى جزاه خيرا


    حفظه الله دوما

    شكرا لمشاركتنا بروعة هذا الرجل ( أخر سلالة الطيبين )

    ردحذف
  5. يا ستي .. ربنــا إن شاء ما يجعلهوش آخر سلالة الطيبين .. و أنــا متأكدة إنه ولاده طيبين زيه ..


    :)

    ردحذف