الأحد، 9 أغسطس 2009

عامٌ على درويش












فإذن مرّ عام على رحيل درويش .. يا إلهي ! لا أكاد أصدق


كأنني أغمضتُ عينيّ وفتحتهما مجدداً


قبل عامٍ تحديداً وفي هذه الساعة .. أذكرني جيداً !


على المنبر وأنا أقدم أمسيةً شعرية لأربعة من الأصدقاء : زكي الصدير ، حسين الجفال، عبدالرزاق الربيعي وهاجر بوغانمي


كانت أمسية شعرية عربيةً جميلة .. بعدَ نصف ساعةٍ من الآن .. س9م سأتلقى ويتلقى الآخرون معي نبأ رحيل درويش !


بعدها بأيامٍ نشرتُ هذا النصّ في الصحف .. في شرفات وصحف عربية أخرى


أعيدُ نشرهُ .. لنعيدَ إشعال الشموع مجدداً احتفاءً بجمال هذا الرجل .. محمود درويش






الصَّبِيـَّةُ والشّاعِر


عَصر السّبت .. كنتُ منهمكَةً فيْ التّجهيزِ لمقدمَة أمسيَة السّرد والشّعر المقَامة فيْ النّادي الثّقافي بمسقَط.. تصِلنيْ رسَالة من الشّاعرة بدريّة الوهيبي نصّها : ( محمُود دروِيش في العنَاية المركّزة .. يخضَع للتنفسِ الصناعيّ في وضعٍ محرِج )
أتمتم .. لابدّ أنّها إشَاعة .. لم أسمَع عن أنّه دخَل المستشفَى أصلاً.. هكذَا أخبَار تجدُ متابعَة صحفيّة كبيرَة ..
أكملُ كتَابة المقدّمة
***

أنَا كائنٌ لمْ يكُنْ.. وَأنَا فكرَةٌ للقصيدَةِ ليسَ لهَا بلَدٌ أوْ
جسَدْ
وليسَ لهَا والدٌ أوْ ولَدْ
أنَا قيسُ لَيلَى ، أنَا وَأنَا .. لا أحَد
!

***
أكمَلتْ شهراً منذُ بدَأت درَاستها الجَامعيّة .. لا تزَال فيْ السّنة الأولَى
كَانتْ تحتضِنُ بقوّة ذلكَ الديوَان الشّعريّ ، تشعرُ أنّها لا تحمِلُ بينَ ذرَاعيهَا ديوَاناً فحَسب .. كَانت تحمِلُ الشّاعر نفسهُ .. تحدِّقُ إلَى الفتَيات بتعَالٍ .. أنا لديّ هذا الديوَان .. أنتنّ ماذا لديكُن؟ ، الحقيقَة أنّها كَانت تحمِل أوّل ديوَانٍ شعريّ في حيَاتها .. أعَارهُ لهَا قَاصٌ يعملُ في جَامعتهَا : قَال لهَا أنتِ دروِيشيّة ، لذَا يحسنُ أنْ تقرئي هذَا الديوَان ..
***

لمْ يكنْ كافياً أن نكونَ معاً
لنكُونَ معاً ..
كانَ ينقصنَا حاضرٌ لنرَى
أينَ نحنُ، لنذهَبْ كمَا نحنُ
إنسَانةٌ حرَّةٌ
وصديقاً قديماً .. لنَذهَبْ
معاً فيْ طريقَين مختلفَينْ
لنَذهَبْ معاً.. ولنكُنْ طيّبَينْ
***
بينمَا كنتُ أستمعُ بإنصَاتٍ إلَى الشّاعر زكيْ الصّدير وهوَ يلقيْ مقَاطع منْ جنيّات شُومان .. أضَاء هَاتفيْ معلمَاً وصُول رسَالة .. أتفقّدها .. كانتْ رسَالة من أحدِ منظمّي الأمسيَة القَابعين في المقَاعد الخلفيّة بالقَاعة .. نصّ الرّسالة يقُول ( وفَاة محمُود دروِيش )
***
الاجتمَاع الأوّل الذي حضَرت الصّبية فيهِ جلسَة الشّعر الفصيح والقصّة بجمَاعة الخليلِ للأدَب بالجَامعة .. تردّد اسمٌ وَاحدٌ كثيراً .. الطّلاب المتحمّسون في الأمَام كَانوا يذكرُونه بنبرَة منفعلَة .. بدَا اسمُ هذَا الشّاعر مألُوفاً وإن لمْ تكُن قرأتْ لهُ من قبل ..
بعدَ الاجتمَاع الثّاني قرّرت أن تذهَب لمحرّك البَحث "جُوجل" ليخبرهَا عن هذَا الشّاعر الذي وصفَهُ أحدُ زمَلائها المتحمّسين ( مالئ الدّنيا وشَاغل النّاس )
نصّها الأوّل .. علّق عليهِ أحدَهم ( يبدُو أنّك تقرئينَ كثيراً لدروِيش )
ابتَسمت ثمّ علّقت بتهكّم ( لم أقرأ لهُ معَ الأسَف )
***

أرَى لغتيْ كلّها .. علَى حبَّة القَمحِ مكتُوبَةً
بإبرَةِ أنثَى ، ينقّحها
حَجَلُ الرّافِدَينْ

***
بدَأتُ أحرّك قدمَيَّ بعصبيّة .. الشّاعرة هَاجر بُوغانميْ كانتْ تلقيْ مقطَعاً ترحيبياً بلهجَتها التوَانسيّة الجمِيلة .. ابتَسمتُ كثيراً فيمَا ازدَادت حركَةُ قدمّي ..
أغمَضت عينيّ وتمتمت: لطفَك يَا ربّ
***
القَاصّ قبلَ أن يعيرهَا الأعمَال الكَاملة لهذَا الشّاعر قَال لهَا : أجمَل دوَاوينهِ علَى الإطلاق ، الجدَاريّة .. أمّا هيَ فحِين قرَأتْ إصدَارات الشّاعر التيْ وقَعتْ بينَ يدَيها أخبَرتهُ بأنّها أحبّت سَرير الغريبَة أكثَر من الجدَاريّة ..
يومَها كتَبت الصّبية قصِيدَة ( علّمهم كيفَ تبُوح الحمَامات ) .. وفيْ مقطعٍ صَغير منْ قصِيدتها التّعيسة تلكَ قالت: ( دروِيش لم يرحَل ولمْ يترك حصَاناً جافلاً .. هوَ نَائمٌ بينَ السّطورِ بعطرِه )
لمْ تعرِف الصّبية أنّ تلكَ القصِيدَة ستحُوز المركَز الأوّل في مسَابقَةٍ شعريّةٍ بالجَامعة
المفَاجأة أنّ الجَائزَة كَانت ظرفاً صغيرَاً .. وبدَاخلهِ كَان ديوَان ( سَرير الغرِيبَة ) في انتظَارها
***

لدَى غدنَا ما سيكفيْ من الوقتِ ، يكفيْ لنمشيْ على الجِسرِ
عشرَ دقَائقَ
أخرَى.. فقدْ نتغيَّرُ عمّا قليلٍ وننسَى ملامِحَ ثَالثنَا المَوت .. ننسَى الطّريق
إلى البَيت قربَ السّماء التيْ خذلتنا كثيرَا

***
انتَبهتُ إلى أنّ هاجر بوغَانمي أنهَت دورهَا خاتمَةً الأمسيَة .. تحرّكتُ بسرعَةٍ لأصعَد إلى المنبِر .. ختَمت الأمسيَة باقتضَاب وفيْ طريقي للعودَة .. هتَف صوتٌ منْ نهَايَة القَاعة ( وفَاة محمُود دروِيش) وقَفت لحظَاتٍ أتأمّل البَشر المَاكثينَ في الكرَاسيّ .. فهمتُ أنّهم يطلبُون منّي أنْ أعلنَ خبرَ وفاة دروِيش في المنصّة .. ظللتُ قرَابة العشرِ ثوَان متجمّدة بالقربِ منَ المنصّة ثمّ حسمتُ أمرِي بالنّزول .. ( لا .. لنْ أكُون أنا من يعلنُ خبرَ وفَاة دروِيش)
***
عامٌ مضَى علَى دخُول الصّبية إلى الجَامعة .. كلّما ازدَاد تعلّقها بالشّاعر كلّما كرهَتهُ أكثَر .. كرَاهيتها كَانت نَابعَةً منْ خوفهَا من استعبَاد هذَا الشّاعر لهَا فيْ نصُوصها ..
زمِيلها الشّاعر الذي يكبرهَا فيْ الجَماعة قَال لها : لا تخَافي ، جميعنَا لا بدّ أنْ يتلبّس بهذا الشّاعر .. هيَ لمْ تكنْ تريدُ ذلك .. وهمْ كَانُوا فيْ كلّ مرةٍ يجتمعُون لابدّ أنْ يعلّقوا على أيّ نصٍ شعريّ بأنّه متأثّر بدروِيش .. كانتْ هنَالك نصُوص ضعِيفَة للغَاية تمرّ .. جَميعها تنسَب لدرِويش .. مرّةً ضجَرت وصَرخت: كفَاية يا جمَاعة ، لا تعلّقوا كلّ خيبَاتكم الشّعرية على درِويش ، مللنَا منْ تكرَاركم اسمهِ
ردّ أحدهُم : دروِيش مدرسَة شعريّة لا يمكِن لشَاعر إلا وأن يمرّ بها ..
تمتمتِ الصّبية : درويش مدرسَة .. عرفنا !! لكِنْ حينَ يأتينيْ من يقُول ( انظريْ ثمّة كلمَة كمَنجَة في نصّك ، إذَن أنتِ دروِيشيّة ) فإنّ ثمّة ما هوَ غير طبيعيّ .. هذِه النّصوص الضّعيفَة تحتَاج للكثِير كيْ تسكنهَا رُوح دروِيش .. أوّلها هذَا النّص .. وأشَارت إلى قصِيدَةٍ جدِيدةٍ لهَا كَانت وزّعتها فيْ تلكَ الجلسَة علَى زمَلائها ..
***

رُزِقتُ معَ الخُبزِ حُبَّكْ
ولا شَأنَ ليْ بمصِيريَ ما دَامَ
قُربَكْ
ويَا لَيتنيْ لمْ أحِبَّكَ
يَا ليتنيْ لمْ أحِبّكْ

***
حينَ نزلتُ من المنبرِ سَارعَ القاصّ سلَيمَان المعمريّ إلى الصّعود إليهِ .. علّق قائلاً بأنّه بعَث ليْ برسَالة هاتفيّة يعلمنيْ بخَبر وفَاة دروِيش وانتظَر منّي إعلانها .. علّق مازحاً : يبدُو أنّ هاتفَ عائشَة السّيفي كانَ بعيداً عنها ..
علّق أحدُ الحضُور: دروِيش حَالته كثير تعبانَة هاليومين .. آخرُ هتَف: اطلُب من الجمهُور أن يقرَؤوا الفَاتحة على روحهِ .. قالَ المعمريّ : الخَبر غير مؤكّد حتّى الآن لذَا لا يمكنُ أنْ نفعلَ ذلكَ في حين نحنُ غيرُ متأكدِين..
***
بعدَ فوزهَا في مسَابقَة محليّة صرّحت الصّبية بالقَول ( مللنَا درِويش ونزَار وفَاروق جويدَة وآن أن نكُون أنفسنَا )
أوّل رسَالة هاتفيّة تلقّتها كانتْ كالتّالي : ( أوّل خطأ ارتَكبتهِ كَان أن تحشريْ فارُوق جويدَة بينَ الاثنين )
وبعدَ نشرِ ذَات اللّقاء في مجلّة عربيّة .. كَانت الصّبية علَى المَاسنجر حينَ حَادثها شَاعرٌ فلسطينيّ مشهُور غيرَ أنّه أقلّ شهرَة من الشّاعر ذلكَ .. قَال لهَا : برَافو عليك.. أحببتُ لقَاءك .. الأجمَل العبَارة التيْ قلتِها في اللقَاء .. تصدّقين؟ أنَا أيضاً أكرَه دروِيش أعني أنّي لا أحبّه
هوَ يكرهنيْ ولا يحبّني .. غضبَ كثيراً حينَ فزتُ بالجَائزَة الفلانيّة .. إنّه يرَى أنّه الأوحَد ولا يمكِنُ لأيّ شَاعرٍ آخَر أنْ ينافسهُ علَى قضيّته
- عفوَاً لم أقصد ذلكَ
- فعلاً أنتِ تقصدِين ذلكَ .. منَ الجيّد أنّ هنالك شعرَاء شبَاب بوعيك
تحدّث الشّاعر طويلاً دونَ أن يدَع لهَا المجَال لتقُول لهُ أنّها لا تكرهُ دروِيش .. فقَط كرِهتْ تكرَار النّاس لاسمهِ وحشرهِ في نصُوصهم دُونَ أنْ يكُونوا فهمُوا فلسفَة ما يكتُب .. أرَادت أن تخبرهُ أنّ أجمَل ما لدَى الشّاعر أنْ يكُونَ نفسهُ .. دونَ أنْ يكونَ صورَةً من أحَد ..
هوَ أصرّ على رأيِهِ وودّعها بالقَول ( ظلّي على موقفِكِ )
***
اقتربَ منّي عبدالرّزاق الرّبيعي وبنبرَة حزينَة سألنيْ إنْ كانَ وصلنيْ ديوَان سوزَان عليوَان الجديد ( كلّ الطرقِ تؤدّي إلى صَلاح سالِم ) .. رددتُ عليهِ بأنّه لم يصلنيْ .. قالَ لي ( خذي هذهِ النّسخة إذَن .. وإذا وصلتكِ نسخَة من سوزَان دعيْ النّسخة الأولَى في مكتبَة الجامعة ) ، حينمَا غادرنيْ الرّبيعي تذكّرت لحظَتها أنّ سوزَان بعثتْ لي هاتفيّاً تبلغنيْ بإرسَالها نسخَة بريديّة لي من الدّيوان .. أغمَضتُ عينيْ وفكّرت .. ليغفِر لي الرّبيعي نسيَاني .. كنتُ في حالَة مضطربَةٍ فعلاً !
فيْ مكتبِ النّادي الثّقافي لمحتنيْ القاصّة بَاسمَة الرّاجحي .. رأت شرُود نظرَاتي .. تمتمت : مالك؟ قلتُ لهَا : حزينَة لموتِ درويش ،وبسرعَة ردّت: ليش هوَ نبيّ؟
فكّرت لحظاتٍ ثمّ تمتمت: وهلْ ينبغيْ للمرءِ أن يكونَ نبياً لنحزَن عليهِ ..
ردّت قائلة : انتو صغَار وبتكبروا وبتفهموا
***

تَحتَاجُ أنشُودتيْ للتّنفسِ: لا الشّعرُ شعرٌ ، ولا النّثرُ نثر
حلِمتُ بأنَّكِ
آخِرُ ما قَاله اللهُ ليْ في المنَامْ .. فكَانَ الكَلامْ
***
انتظَرتْ بترقّبٍ اللقَاءَ الذيْ أجرَاه زَاهي وهبيْ في برنَامج (خلّيك بالبَيت) معَ ذلكَ الشّاعر .. في ربورتَاج قصِير ظهرَ الشّاعر قبل بدءِ اللّقاء وهوَ في ملعب كرةٍ ضخمٍ عجّ بعشراتِ الألُوفِ منَ النّاس ، وقفَ الشّاعرُ ملقياً : ( علَى هذهِ الأرضِ ما يستحقّ الحيَاة ، علَى هذهِ الأرضِ سيّدةُ الأرضِ أمّ البدَاياتِ ، أمّ النهَايات ، كانتْ تسمّى فلسطِين .. صَارت تسمّى فلسطِين ، سيّدتي أستحقّ لأنّكِ سيّدتي .. أستحقّ الحيَاة )
انتهَى الربُورتَاج .. والصّبية ممسكَة بهَاتفها تصوّر بالفيديُو ذلكَ اللّقاء .. بدَأ زَاهي وَهبي لقَاءهُ سائلاً الشّاعر ( قبلَ كلّ شَيء .. دعنيْ أسألكَ أوّلاً كيفَ هيَ أمّك؟ ) أجَاب الشّاعر وابتسَامة صغيرَة علَى شفتهِ ( بخَير .. لا زَالت جميلَة وفتيّة وَتحبّ الحيَاة ) ..
***
كنتُ أودّ مغَادرَة النّادي الثّقافي بسرعَة .. غَادرتُ معَ صديقتي القَاصّة مريَم النّحوي، ودّعتني باسمة بالقَول وعينَاها مصوّبتان علَى شَاشَة الكمبيُوتر أمَامها : ( عاد ننتظِر مقالك عن محمُود دروِيش )
حينَ بدَأت مريم النّحوي تقُود سيّارتها ، قلتُ لها : مريَم .. قلبيْ يعوّرني كثير .. ردّت مريَم: سلامة قلبِك .. جَميعنَا متأثّرون ..
نظرتُ إلى هاتفيْ فوجدتُ عدّد الرّسائل ارتفعَ إلَى 11رسَالة .. 10رسَائل من مثقفينَ مختلفينَ ينعُون دروِيش ووسطَ تلكَ الرّسالة .. وجدتُ رسَالة بدَت غريبَة ..
(يسرّني دعوَتكُم لحضُور حفلِ زفَاف...)
للحظَاتٍ خلتُها تقُولُ (يسرّني دعوَتكُم لحضُور حفلِ زفَاف محمُود دروِيش)
اكتشفتُ لاحقاً أنّها تدعوني لزفَاف أخيها ..
***
قبلَ أشهُر.. كانتِ الجمعيّة العمَانيّة للكتّاب والأدبَاء تعدّ للفعَالياتِ الثّقافيّة المصَاحبَة لمهرجَان مسقَط .. أخبَرها رئيسُ الجمعيّة أنّه بصدَد المحَاولة لدعوَة شَاعرها المشهُور للقدُوم إلى مسقَط .. قَال لها: سيكُون أكبَر حدث ثقافيّ في تَاريخ عمَان .. اجتَهدت الصّبية في الاتّصال بأصدقَائها في الخَارج للحصُول علَى رقمهِ.. الجَميع عجزَ عن الوصُول المبَاشر لهُ .. صدِيقتها صحفيّة وشاعرَة خليجيّة قالت لهَا: هوَ لا يحبّ الحضُور للخليجِ كثيراً .. لقد حاولنا إحضَاره بأي شكلٍ للكويتِ وفشلنا.. أعطَتها أرقَام عبدُه وَازن وشربَل دَاغر وآخرِين وقالتْ لهَا .. هؤلاءِ أصدقَاؤهُ .. حَاولت ورئيس الجمعيّة الوصُول لهُ حتّى وصلُوا إلى رقمِ هاتفهِ في رَامَ الله غيرَ أنّ أحداً لم يردّ..اتّضح لاحقاً كم هُو صعبٌ الوصُول إلى هذَا الشّاعر .. كان الوَقت يدَاهمهم والمهرجَان يقتَرب .. تمتمَ رَئيس الجمعيّة.. لا بأسَ .. فشلنَا في إحضَارهِ في المهرجَان .. لكنّنا سنحضرهُ إنْ لم يكنِ اليَوم فغداً..
***
لمْ أستطعِ النّوم خلالَ تلكَ اللّيلة .. ربّما لم أكنْ مصدّقةً أنّه رحلَ .. وصَلتنيْ رسَائل من أشقّائي تعزّيني ولاحقاً عزّتني أمّي كذلكَ، تبَادَلتُ همّي برسَائل هاتفيّة مع صديقَةٍ: قلتُ لها .. غداً لديّ امتحان.. ومش قادرة أذاكر ، مشتتة نفسياً للغاية..
طوَال اللّيل كنتُ أفيقُ على أصوَات وصولِ رسَائل لهَاتفي..
قبلَ أنْ أدخلَ في نومٍ عمِيق قرَأت رسَالة صديقتيْ غير المعنيّة بالثّقافة .. ( عائشة .. شاعركم مات)
***

أنَا والمسيحُ على حالنَا:
يمُوتُ ويحيَا وفيْ نفسهِ مريَمُ
وأحيَا وأحلُمُ
ثَانيَةً أنّني أحلُمُ

***
تعلّقت عينَا الصّبية بشَاشة الجزيرَة الوثَائقيّة وهيَ تنقلُ بالبثّ المبَاشر وقَائع أمسيَة ذلكَ الشّاعر الكبِير في رَام الله .. لم تكنْ تعرفُ أنّها ستكُون الأمسيَة الأخيرَة التيْ ستشَاهدهُ بها.. كَانت تأمَل أنْ تشَاهدهُ مبَاشرة دونَ حوَاجز تلفزيُون زجَاجيّة .. ولمْ تكن تعرفُ أنّ تلكَ الأمسيَة الأخيرَة التيْ سيصَافحُ فيها ذلكَ الشّاعرُ .. عشَّاقَ قصِيدتهِ
ختَم أمسيَته بقصِيدَةٍ انتهَتْ بمقطَع ( علَى شاعرٍ آخرٍ أن يتَابع هذَا السنَاريُو إلى آخرِهْ )
***
بعدَ ثلاثِ أعوَامٍ منْ معرفتهَا لهُ ..رحَل الشّاعر ولمْ يعدْ يعشَقُ عمرهُ ، بعدَ أنْ خجلَ منْ دمعِ أمّهِ وهيَ تبكِيه .. أدرَكتِ الصّبيَة أنّ هنالكَ شاعرَاً في مكَانٍ مَا وفيْ زمَانٍ ما سيكمِلُ سينَاريُو هذَا الشّاعر ..
الشّاعرُ كَانَ هذَا الذيْ خذلهُ قلبُهُ .. تلكَ الصّبيَة كَانت أنَا ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق