الاثنين، 10 أغسطس 2009

حافظُوا على الحريّة




















في المدرسة .. لم تكنْ أيّ من الموادّ الدرَاسيّة أكثر إزعاجاً بالنسبَة لي كمادّة التربية الفنية ..


وفي كثيرٍ من الأحيانِ كنتُ أدعُ أخي الذي يصغرنيْ بأربعَة أعوام ليرسمَ لي ما يوكل من وظائف مدرسيّة
ما أرسمهُ كان ينال السخريّة من صديقاتي اللاتي يصفنَ الأشخاصَ الذينَ أرسمهم ب"المعاقين"
وقد كنتُ أغضبُ وقتها كثيراً .. اليومَ استيقظتُ صباحاً وبي رغبَة في اكتشَاف ذكريَات "موهبتي الفنيّة"
لأجدَ هذهِ الرسمة في دفترِ الصفّ الأول الاعداديّ ومنَ المعتادِ أني كنتُ أتخلّص من دفتر التربية الفنيّة بمجردِ انتهاء العام لأنهُ يحملُ لي ذكرياتٍ غيرُ محببٍ وجودُها في الذاكرة..
ربّما ساهمتْ تقليديّة معلّمات التربية الفنيّة في تنفيري منَ المادّة فالمواضيعُ التيْ كنّ يوكلننا برسمها لا تتعدّى مواضيع كالمحَافظة على النظافة ومنظر من البيئة العُمانيّة أو رسم معلَم من التراث !
كنتُ في أحيانٍ كثيرَة أقطع رسوماتي في العام الذي سبقَ ذلك العام وألصقها في دفترِ العام الحاليّ لأن المواضيع تتكرّر
لا أعرفُ لماذا كنتُ أشعرُ بالقطيعَة معَ المواد القائمَة على الإبداع بالدرجَة الأولى كالتربيّة الموسيقيّة والفنيّة ومادَة التربيّة المنزليّة أو الأسريّة التيْ كانت تقُوم على الحيَاكة والطبخ وتصميم ديكُور المنزلِ إلخ ..
لماذَا أثارتْ هذه الرسمة حنيناً غامضاً داخلي؟
أشعرُ بحاجة للشخبطة على الوَرق .. وأحتاجُ علبة ألوان خشبيّة لأنها كانت المفضلة لديّ .. ومبراةً جيدة
لأرسمَ فتاةً كهذهِ التي في الأعلَى .. ولنْ تكونَ بحوزتها حقيبة ، لا ! ربّما جيتَار .. وفوقهَا تتصاعَد رموزٌ موسيقيّة ..
دو ري مي فا سُول !
من الجيّد أن تكونَ واقفة .. ولا شيءَ حولها أكثر من كرسيّ .. كرسي مكسُور ربما .. بقائمتين
ستكُون هذه الفتاة حنطيّة .. ترتدي بنطال جينز كاجوَال .. وعقدٍ طويل على صدرها ينتهيْ بإصبعين متقاطعينِ من الأسفل..
سيكُون شعرها مرفوعاً .. أسوَد أكثر مما في الرسمَة السابقة .. بينمَا تقفزُ بعض الخصلاتِ في الهوَاء
وسأجعل عينيها مغلقتينِ .. وفمهَا نصف مفتُوح كمنْ تدندنُ !
وسأجعلها تحتضنُ الجيتار بقوّة بيدٍ واحدَة فقط بينما اليدُ الأخرى مربُوطة بالكرسيّ !
سأجعلها كمَن تخافُ أن يفلتَ الجيتارُ منها .. وهيَ تعزفُ وإنْ بيدٍ واحدَة
سأجعلها كمنْ يحاولُ أن ينسَى أنّ يداً منها مقيّدة إلى الكرسيّ .. تحاولُ أن تنسَى بالعزف .. بالموسيقا ! بالغرقِ داخل الموسيقا ..
وسأحيطها بنصفِ هالةٍ بيضاء في الداخل .. أما حدُود الورقة فستكُون سوداء معتمَة
لو عدتُ إلى الصفّ الدراسيّ.. ومعلّمتي البدينَة ! وأمامي السبُورة
كنتُ رسمتُ كلّ ذلك .. وكتبتُ أعلى الرسمَة .. ( الحريّة شعارنَا ، وإنْ بيدٍ واحدَة ! )

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق